رواية اشتريت نفسي كامله بقلم نورهان العشري
اشتريت نفسي
اشتريت نفسي بقلم نورهان العشري ج١
حصري
بنت مين اللي تيجي تقعد بيكِ؟ بنتي أنا تيجي تقعد بيكِ أنتِ! أنتِ جرى لعقلك حاجة؟ فوقي يا ماما أنتِ هنا زيك زي الكرسي اللي قاعدة عليه. دا بدل ما تحمدي ربنا أن ابني حضرة الظابط رضي بيكِ بعد ما كنتِ هتعنسي. دا أنتِ تبوسي إيدك وش وضهر أنه لحد دلوقتي متجوزش عليكِ… ابني ألف واحدة تتمناه، و الصبح لو شاور هيتجوز بنت بنوت كمان..
الجملة دي سمعتها من حماتي لمجرد اني بشتكي عشان جوزي مخاصمني بقاله شهر من غير ما اعمل حاجة خالص يدوب قولتله مش هقدر أروح اقعد بأختك العيانة عشان ابني بيمتحن! حكايات نورهان العشري
اسمي ولاء عندي ٣٥ سنة اتجوزت قعدت ١٥ سنة من عمري اتمني اني اتجوز ابن عمي حضرة الظابط جواد الراوي.. الحقيقة هو مكنش شايفني أصلًا، و كان قلبه متعلق بواحدة تانية غيري، و فعلًا اتقدملها و خطبها، و اليوم دا كان أصعب يوم عدا عليا في حياتي واللي أصعب وأصعب اني اتجبرت أروح خطوبته وأشوفه مع غيري ماهو ابن عمي.. قعدت ست شهور عايشة و كأني ميته مش قادرة اتخطى فكرة أن حلم طفولتي و حب عمري بقى من نصيب واحدة تانية غيري. حكايات نورهان العشري
دانا من كتر حبي ليه كنت برفض كل العرسان اللي كانوا بيتقدمولي، لحد ما وصلت لسن ٢٧ سنة.. بس القدر كان له رأي تاني، و كأنه حب يكافئني على العذاب دا كله، و عرفت أنه جواد ساب عروسته. الدنيا مكنتش سيعاني من الفرحة، على الرغم أني عرفت أنه سابها عشان كان هيخسر شغله لأنها من اب غير مصري ودا ممنوع. مكنش فارق معايا المهم أنه سابها. عدا شهر وهو كان مقهور فيه و مكتئب أنه سابها، حسيت اني محتاجة اتحرك و اخليه يشوفني، و بدأت أروح عند عمي كتير و اهتم بنفسي لحد ما حصل اللي كنت عايزاه ولقيت أبويا بيقول لماما أن جواد عايز يخطبني. كنت بتنطط من الفرحة، و حسيت اني ملكت الدنيا بين أيدي.. حكايات نورهان العشري
اتخطبنا، و كنت بعمل المستحيل و الممكن عشان ارضيه. كنت بعشقه لدرجة انه لو ابتسملي بحس أن الدنيا كلها بتضحكلي.
فترة الخطوبة مكنتش طويلة و اتجوزنا على طول، كنت فاكرة اني داخله الجنة برجليا. مكنتش اعرف اني فتحت على نفسي بوابة الجحيم. مكنش بيعاملني وحش، مكنش بيعاملني اصلا. تجاهل تام لكل حاجة تخصني. اقصى حاجة ممكن يقدمهالي أنه يبتسملي، و كأن كدا قدم أقصى ما عنده.
٨ سنين من العطاء الغير مشروط. ٨ سنين بدي حب و حنية و احتواء. كنت بنفذ اللي يطلبه بمجرد ما ينطقه.
كنت بتجاهل كل معاملة أهله السيئة و استعبادهم ليا و لا اني اشتكيله شكوى واحدة تضايقه. مكنش من النوع اللي بيغلط أو بيهين، بس على أقل غلطة كان يخاصمني بالشهور وانا اجري اصالح، و اعيط و اعتذر حتى لو مغلطتش. مانا مبقدرش على خصامه. بس هو كان بيقدر عادي، و كأني هوا بالنسباله
لحد ما في يوم خاصمني عشان مردتش أروح لأخته عشان ابني بيمتحن، والحقيقة أنه مش دا بس السبب. السبب الحقيقي أن جوزها مان بيضايقني ببصاته و كلامه.
أنا جميلة بس سمرا شوية و معايا ليسانس حقوق و أهلي كويسين جدا بالرغم من كدا كنت شيفاه أحسن مني في كل حاجة. ظابط و باباه لوا، و وسيم جدا كنت مبهورة بيه لدرجة أني شايفة نفسي ولا حاجة جنبه.
لحد ما جه اليوم اللي لقيت نفسي ببص في المراية وانا ببص لنفسي باحتقار ازاي أنا قللت من نفسي أوي كدا؟ ازاي سبت مشاعري تتحكم فيا و دوست على كل حاجة عشان خاطره.
اليوم دا كان بقالنا شهر متخاصمين وكالعادة أنا بتلوى من البعد وهو ولا في دماغه. من ضيقتي نزلت اشتكيت لحماتي حكايات نورهان العشري
ـ يرضيكي يا ماما؟ شهر مخاصمني وانا معملتش اي حاجة تزعله. كل دا عشان قولت مش هقدر أروح لمروة عشان ياسين عنده امتحان؟
حماتي بصتلي بغضب وقالتلي:
ـ و أنتِ مين عشان تقولي لابني لا ؟ و كمان زعلانه عشان مخاصمك! دا مفروض ميبصش في وشك تاني أصلًا.
الكلام كان جارح و صدمني و لأول مرة الاقي نفسي بندفع في كلامي وبقولها بحدة:
ـ يعني ايه انا مين؟ أنا مراته. أنتِ ليه بتكلميني كأني واحدة من الشارع؟ و بعدين هو أنا خدامة عشان اروح اقعد ببنتك؟ ولا أنا لما بتعب هي بتيجي تقعد بيا؟
حماتي بصتلي بصة كلها غل و استنكار وقالتلي باحتقار:
ـ نعم. نعم! بنت مين اللي تيجي تقعد بيكِ؟ بنتي أنا تيجي تقعد بيكِ أنتِ! أنتِ جرى لعقلك حاجة؟ فوقي يا ماما أنتِ هنا زيك زي الكرسي اللي قاعدة عليه. دا بدل ما احمدي ربنا أن ابني حضرة الظابط رضي بيكِ بعد ما كنتِ هتعنسي. دا أنتِ تبوسي إيدك وش وضهر أنه لحد دلوقتي متجوزش عليكِ… ابني ألف واحدة تتمناه، و الصبح لو شاور هيتجوز بنت بنوت كمان.. حكايات نورهان العشري
كلام حماتي كان زي السكاكين اللي اتغرزت في قلبي طلعت شقتي وانا حرفيا مدبوحة و بنزف، مش قادرة اتخيل هما ازاي شايفني قليلة كدا! و ياترى جواد شايفني كدا؟!
الأجابة اللي جت في بالي قتلتني، ولقتني اول ما دخل من البيت واقفة قدامه وانا عنيا بتبكي دم مش دموع لدرجة اني اول مرة أشوفه ملهوف كدا وهو بيقرب مني وبيقولي
ـ في ايه؟ حد من الولاد جراله حاجة؟ حكايات نورهان العشري
جاوبته بنبرة مقهورة:
ـ الولاد كويسين. أنا اللي مش كويسة..
حسيته هدي شوية، و سألني بنبرة فيها جمود:
ـ مالك؟
لقيتني بصرخ وانا بقوله:
ـ ممتك نزلت اتكلم معاها و اشتكيلها انك زعلان مني قالتلي احمدي ربنا أن ابني بصلك، احمدي ربنا أن ابني متجوزش عليكي لحد دلوقتي؟ قالتلي انتي مين عشان تقولي لا؟ هو انتوا شايفني قليلة كدا؟
حسيته اتهز لكن كالعادة رده كان بارد لما قالي:
ـ وطي صوتك وانتي بتكلميني، و ماما ست كبيرة كبري دماغك منها. وانا هبقى اتكلم معاها.
رده صدمني، ولقيتني بقوله:
ـ أنت ازاي بارد كدا. ازاي اتهان وانت ولا اتهزيت؟ دا انت حتى محاولتش تطيب خاطري..
لقيته رد عليا بنفاذ صبر:
ـ بقولك ايه اطلعي من دماغي، وروحي شوفي بتعملي أيه بعيد عني…
رده قتلني لقيتني بصرخ وبقوله بنبرة مقهورة:
ـ عندك حق تعمل اكتر من كدا. ماهو أنا اللي قللت من نفسي و عملت قيمة لناس ملهاش لازمة ..
صدمني الغضب اللي بان في عنيه و وشه، لكن مكنش فارقلي كنت عايزة انقذ اي حاجة من كرامتي المهدورة، لكن اللي حصل مكنتش متوقعاه فجأة لقيت الدنيا بتلف بيا لما نزل على وشي بالقلم، و قالي بنبرة كلها غضب:
ـ لسانك لو طول تاني هقطعهولك، و أمي كان عندها حق في كل كلمة قالتها.حكايات نورهان العشري
بصتله بصة كلها صدمة و وجع و حسيت أن الدنيا بتلف بيا، بدل ما احط ايدي على وشي اللي ضربني عليه حطيت ايدي على قلبي، و بصتله بقهرة وانا جوايا نار منه و سبته و مشيت دخلت أوضة ولادي وفضلت فيها تلت أيام بحاول افهم اللي أنا فيه و استرجع ذكريات ٨ سنين جواز، لحد ما لقيتني قرفانه من نفسي أوي، و قررت اني همشي من البيت دا، و كأني لسه فاكرة اعرف قيمة نفسي.
لميت هدومي، و هدوم ولادي، و فتحت باب الشقة عشان امشي لقيته في وشي، ولأول مرة اتجاهله و الحقيقة الموضوع صدمه لدرجة أنه قالي باستنكار:
ـ أنتِ رايحة على فين؟
اول مرة مضحكش وانا بكلمه ولا نبرتي تبقى بالجمود دا وانا برد عليه: حكايات نورهان العشري
ـ رايحة على بيت أهلي…
حسيته اتهز لثواني ولكنه كان قاسي اوي لدرجة اني قالي بجفاء:
ـ لو خرجتي من البيت دا مش هترجعيه تاني…
وقتها الكلمة وجعتني، بس قررت ارد الوجع باني ابصله باستهزاء و أنا راسمة ابتسامة سخرية على وشي قبل ما اديله ضهري وامشي، بس وأنا ماشية كنت بحلف ستين يمين اني هخليه يبكي عليا بدل الدموع دم، و يجري ورايا بالمشوار زي ما جريت وراه زمان، فكرت و قررت وعرفت هعمل ايه كويس اوي، هي حرب بس أنا قررت أخصوضها لمجرد اني ارجع كرامتي اللي اتهانت و اداست في البيت دا، و بدأت فعلا…..
نزلت من العمارة وأنا حاسة إن الهوا تقيل على صدري، الخطوات اللي كنت بمشيها كانت غريبة عليا، كنت بمشي ببطء، شايلة شنط هدومي وهدوم ولادي، وجوايا شرخ مش قادرة ألمّه. وصلت بيت أهلي، أول ما أمي فتحت الباب وشافت منظري وشنط الهدوم في إيدي، وشها اتقلب وشهقت:
“ولاء! في إيه يا بنتي؟ مالك؟
أنا منطقتش، سبت الشنط من إيدي ووقعت في حضنها.. انهرت، انهرت بالمعنى الحرفي للكلمة. كنت بعيط بحرقة لدرجة إن صوتي مكنش بيطلع، شهقات مكتومة ونار قايدة في صدري. أمي بدأت تترعش من الخوف وبقت تطبطب عليا وتهديني:
“استهدي بالله يا بنتي، في إيه؟ جواد جراله حاجة؟ اتكلمي يا ولاء نشفتي دمي!”حكايات نورهان العشري
دخلت الصالون وقعدت على الكنبة، ولادي مكنوش مستوعبين دخلوا أوضتهم جوه، وأنا فضلت باصة للفراغ والدموع نازلة زي الشلال. بدأت أحكي.. حكيت لأمي كل حاجة، من أول حب طفولتي المذل، لـ 8 سنين من الجفاء والتجاهل، لخدمة أهله واستعبادهم ليا، لحد ما وصلت للي حصل مع حماتي.. كلامها اللي زي السكاكين:
“أنتِ هنا زيك زي الكرسي اللي قاعدة عليه”*.. ووصولاً للقلم اللي نزل على وشي من جواد، وكلمته الأخيرة:
“لو خرجتِ مش هترجعي ثانية”*.
أمي كانت قاعدة بتسمعني وإيدها على بوقها، عينيها كانت بتوسع مع كل كلمة بقولها، الصدمة شلتها. لأول مرة أمي تعرف إن بنتها اللي كانت دايماً بتبتسم وتقول
“إحنا كويسين وسمن على عسل”
كانت عايشة في المفرمة دي.
أمي اتكلمت بصوت مرعوب ومصدوم:
“كل دا يحصلك يا ولاء وأنتِ ساكتة؟ 8 سنين بتنداسي بالمنظر دا ومبتنطقيش؟ دا إحنا ياما قُلنا جواد حنين و طيب و مهنيكي. ياما قُلنا ابن عمها وصاينها! يضربك بالقلم يا بنت قلبي؟ وتتهاني من أمه بالشكل دا عشان قُلتي مش قادرة؟ ازاي قبلتي بددا؟ دا أنتِ جالك قبله عرسان بعدد شعر راسك..
فضلت أعيط وأنا بقولها بنبرة مقهورة ومذلولة:
“كنت بحبه يا ماما.. كنت بموت في التراب اللي بيمشي. كنت فاكرة إن عطائي هيخليه يشوفني، و يحبني. كنت فاكرة إن طيبتي هتخليه يحن عليا.. أنا صغرت نفسي أوي، أنا قرفت من نفسي يا ماما.. شوفتي حماتي قالتلي إيه؟ قالتلي رضي بيكِ بعد ما كنتِ هتعنسي! بس أنا اللي عملت في نفسي كدا.. أنا اللي خليتهم يشوفوني كرسي!”
أمي خدتني في حضنها وهي بتبكي معايا بحرقة، بتبكي على كسرة بنتها اللي ضيعت عمرها ورا سراب، و فجأة وسط العياط والشجن والوجع اللي مالي قلبي الباب خبط خبطات سريعة وقوية.
أمي مسحت دموعها بسرعة وقامت تفتح، وبمجرد ما فتحت الباب لقينا عمي “علي” ـ عمنا التالت اللي ملوش في المشاكل ودايماً هادي ومحايد ـ داخل ووشه متجهم وعينيه مش قادرة تيجي في عيني.
أمي رجعت لورا خطوة وقالت بقلق:
“خير يا حاج علي؟ في إيه؟”
عمي علي دخل، بصلي بنظرة كلها أسف وعجز، قعد على الكرسي القريب من الباب، ونزل راسه في الأرض وهو بيفرك إيده ببعض بقلة حيلة. الصمت اللي في المكان كان مرعب، لدرجة إني سمعت دقات قلبي وهي بتتسارع.
عمي علي اتنهد تنهيدة طويلة وقال بصوت مخنوق:
“أنا مش عارف أقولكم إيه.. ولا عارف أجيبها لكم إزاي.. بس جواد كلمني من شوية.”
أمي قربت منه بحدة وقالت:
“قالك إيه حضرة الظابط؟ جاي يتأسف؟ جاي يرجع مراته اللي ضربها وهانها هو وأمه؟”
عمي علي رفع راسه وبصلي، والنظرة دي خلفت في قلبي برود مرعب، قال بوضوح وصدمة هزت أركان الأوضة:
> “جواد مش جاي يتأسف يا أم ولاء.. جواد باعتني أقولكم تيجوا تلموا حاجات ولاء كلها من الشقة، لأنه خلاص.. مش عايز يكمل، وعايز يطلق.”
اشتريت نفسي ج2
نورهان العشري
حصري
اشتريت نفسي الجزء الثاني بقلم نورهان العشري ❤️
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. “عايز يطلق!”
أمي صرخت وضربت على صدرها:
“يطلق؟! بعد ما أهانها وضربها بدل ما ييجي يصلح غلطته عايز يطلق؟! هو فاكر بنات الناس لعبة في إيده وإيد أمه؟!”
في اللحظة دي، بالرغم من الصدمة اللي شلت حركتي وبالرغم من الوجع اللي حسيت بيه و إن روحي بتتسحب مني إلا إن في حاجة جوايا اتدب فيها الروح.. الوجع اتحول لكتلة نار، والدموع اللي كانت مغرقة عيني نشفت فجأة. بصيت لعمي علي ولقيت نفسي بقوم أقف بثبات مكنتش أعرف إنه جوايا، وبصوت قوي، خالي من أي رجفة، قولتله:
“كويس أنه قالك كدا. قوله كتر خيرك.. و قوله بتقولك وفرت عليها القضايا. يجهز نفسه عشان نروح للمأذون نطلق رسمي طلاق مفيش منه راجعه.حكايات نورهان العشري
الشارع كان زحمة، بس مكنتش مركزة غير مع صوت دقات قلبي اللي كانت بتضرب في صدري زي الطبلة. كنت ماشية جنب بابا خطوة بخطوة، نفس الخطوات اللي مشيناها من 8 سنين وأنا طايرة من الفرحة ومكسوفة وعيني مش نازلة من عليه.. بس المرة دي كنت بصه قدامي. راسي مرفوعة، ضهري مفرود، ولابسة نضارتي الشمس عشان أداري أي أثر للوجع.
جواد كان ماشي قدامنا ببدلته الميري، هيبته اللي كانت بتخليني زمان اترعش من كتر الاعجاب مأثرتش فيا النهاردة. كنت حاسة بنار بتاكل فيا نار الكسرة، ونار الـ 8 سنين اللي ضاعوا هدر، بس حلفت ميت يمين ولا دمعة تنزل.. ولا دمعة تخليه يحس إنه لسه كاسرني.
دخلنا مكتب المأذون. الأوضة كانت ضيقة، ريحة الورق القديم والخشب مالت المكان. قعدت على الكرسي بكل برود، وحطيت رجل على رجل. جواد قعد قصادي، وعينيه كانت بتتحرك عليا بـ دهشة مكنش قادر يخبيها. هو كان متوقع إيه؟ متوقع إني هنهار؟ هعيط؟ هترجاه عند رجله عشان خاطر العيال وعشان خاطر حلم طفولتي؟
المأذون بدأ يجهز الورق، وطلب بطاقتي. مدت مأيدي بكل ثبات وادتهاله. لما جه وقت الإمضاء، مسكت القلم بـ إيد ثابتة، إيد مهتزتش لثانية واحدة، ومضيت بسرعة وكأني بمضي على عقد بيع شقة مش عمري!
بعد ما مضيت، نزلت القلم بهدوء، وسندت ضهري لورا، وبصيت في عينيه.. بصيتله بـ جمود و هدوء قاتل، عين في عين، ومستنياه ينطق. مستنياه يرمي اليمين اللي كان فاكر إنه سيف على رقبتي.
جواد كان وشه بيجيب ألوان، الغضب والدهشة والاستنكار كانوا باينين في حواجبة المعقودة ونفسه العالي. نظراتي الباردة كانت بتدبح كبريائه كـ ظابط راجل متعود الكلمة كلمته. حكايات نورهان العشري
في اللحظة دي، عمي علي اللي كان قاعد جمبنا وبيهز في رجله بتوتر، مقدرش يستحمل الصمت المشحون دا، فك ياقة قميصه واتدخل بصوت مخنوق:
“يا ولاد.. استهدوا بالله، أن أبغض الحلال عند الله الطلاق.. فكروا كويس، في بينكم عشرة وأولاد، والبيوت مبيتهدش بالسهولة دي.”
قبل ما جواد حتى يفتح بوقه أو يفكر، رديت بلهفة وجمود، كلام طلع زي الرصاص قاطع لكل حبل رجوع:
“النصيب اتقطع لحد كدا يا عمي.. خلينا ننفصل وكل واحد يعيش حياته صح، ويعرف يلحق اللي فاته!”
حسيت أن كلمة “يلحق اللي فاته” نزلت على جواد زي الكرباج. الكلمة استفزته لدرجة إنه اتنفض في مكانه، وعينيه بقت تطلع شرار. هو فهم كويس أنا قاصدة إيه.. قاصدة إني كنت عايشة في سجن، وإني ندمانة على كل ثانية ضيعتها معاه، وإني هبدأ أعيش بجد بعد ما اخلص منه. حكايات نورهان العشري
جواد حس إن كرامته اتهانت في مق*تل، مكنش قادر يستوعب إن “ولاء” الجارية اللي كانت بتدور في فلكه، هي اللي مستعجلة على الخلاص. حبس غضبه المكتوم، ومكنش قادر يقلل من نفسه أو يبان ضعيف أو مكسور قدام عمي والمأذون.
بصلي بنظرة كلها غل وقسوة، وضغط على سنانه لدرجة إن عروق رقبته ظهرت، وبصوت جهوري طالع من قاع قهر كبريائه قال:
“أنتِ اللي اخترتِ يا ولاء.. وأنتِ طالق.”
الكلمة طلعت منه.. رنت في ودني، هزت الجدران، بس مهزتش فيها شعرة. فضلت باصة في عينيه بنفس الابتسامة الباردة الساخرة، وقمت وقفت، ولميت حاجتي، وبصيتله النظرة الأخيرة وقُلت في سري:
“عهد عليا يا جواد.. هخليك تندم ندم عمرك. حكايات نورهان العشري
عدا شهر.. شهر كامل وأنا حابسة نفسي في الأوضة. الحيطان كانت بتضيق عليا، والليل كان بيمر عليا زي الموت البطيء. الشهر دا كنت بنام والدموع على خدي، وأصحى ألاقيها غرقت مخدتي من تاني. الوجع مكنش بيهدا، كان زي جمرة نار قايدة في نص صدري، كل ما أقول انطفت، تفتكر عيني لقطة القلم، أو رنة كلمته “أنتِ طالق”، فـ تولع من جديد. كنت ببص لنفسي في المراية وأحس بالشفقة والخزي، 15 سنة حب و8 سنين جواز خلصوا في قعدة مأذون مكملتش ربع ساعة!
وفي يوم، الباب خبط ودخل بابا. قعد جمبي على السرير، وبص في وشي الدبلان وعيني المنفوخة من العياط. خد إيدي بين إيديه وطبطب عليا بحنان أب عاش عمره كله يربيني عشان يشوفني ملكة، مش مكسورة بالمنظر دا. حكايات نورهان العشري
بابا اتنهد تنهيدة شايلة هموم الدنيا وقال بصوت قوي وفيه عشم:
“لحد امتى يا ولاء؟ لحد امتى هتفضلي دافنة نفسك بالحيا عشان خاطر واحد ميستاهلكيش؟ أنتِ بنتي أنا، ولاء الشاطرة، الذكية، اللي كان الكل بيحلف بأدبها وعقلها. فوقي يا بنتي وقومي على حيلك، الوجع مش عيب، بس الاستسلام ليه هو اللي غلط. أنتِ معاكي شهادة كبيرة، ليسانس حقوق يعني تقدري تقفي في المحاكم وتجيبي حق المظلومين، فما بالك بحقك أنتِ؟”
بصيتله وعيني اتملت دموع، لكنه ضغط على إيدي وقال بابتسامة فخر:
“أنا مسبتكيش الشهر اللي فات دا عشان تضيعي، أنا كنت برتبلك للي جاي. كلمت المستشار فريد المنشاوي، صاحبي المحامي الكبير اللي مكتبه له اسمه في البلد، وحكيتله عنك والراجل رحب جداً وقالي خليها تيجي من الأسبوع الجاي تبدأ تدريب معايا في المكتب. عايزك تقوي يا ولاء، وتوري الدنيا كلها أنتِ مين.” حكايات نورهان العشري
كلام بابا حسيت إنه زق فيا روح جديدة، روح كانت بتموت وبتطلع في الروح. وقبل ما استوعب، الباب اتفتح ودخلت أختي “منى”. كانت شايلة شنطتها وفي عينيها نظرة إصرار وتحدي، قربت مني وشدتني من إيدي وقالت بصوت كله طاقة وفرحة مصطنعة عشان تخرجني من اللي أنا فيه:
“يالا يا لولو، مفيش قعاد في الأوضة تاني! قاطعين تذاكر للدنيا من النهاردة. يالا بينا هننزل نعمل شوبينج لسيادة المحامية، ومنها نطلع على البيوتي سنتر نعمل نيولوك يغير المود دا خالص.. مش عايزة اعتراض، يالا قومي اغسلي وشك!”
فعلاً، نزلت معاها وكأني منقادة، كنت ماشية في المحلات وسط الهدوم والألوان، أختي تنقي وتختار وتقولي “دا هيليق عليكي” و”دا لونه يجنن عليكي”. اشترينا هدوم كتير أوي، بدل فورمال، وفساتين، وحاجات مكنتش بجرؤ ألبسها وأنا مع جواد عشان مكنش بيحبني ألفت النظر. حكايات نورهان العشري
وبعدها دخلنا الكوافير. قعدت على الكرسي والمراية قدامي، وبدأت الكوافيرة تشتغل في شعري. قررت أغير كل حاجة.. غيرت لون شعري لدرجة دافية تليق على بشرتي السمرا اللي حماتي و بناتها كانوا بيعايروني بيها، وقصيت أطرافه المجهدة من الهم.
وأنا باصة لنفسي في المراية بعد ما خلصت.. الشكل كان مبهر. كنت جميلة، بجد جميلة، والنيولوك مغير ملامحي ومخلياني قوية و واقفة في نفسي. منى كانت ورايا بتقولي:
“بسم الله ما شاء الله، قمر يا ولاء، قمر!”حكايات نورهان العشري
ابتسمت لأختي في المراية، ابتسامة مرسومة بدقة.. بس الحقيقة؟ الحقيقة إن الوجع جوه قلبي كان لسه كبير أوي أوي أوي. كان وجع ملوش علاقة بالهدوم الجديدة ولا بلون الشعر. كان وجع على الروح اللي اتهانت، على السنين اللي اتسرقت، على الخد اللي علم عليه قلم الغدر. كنت حاسة إن شكلي من بره بقى كله قوة و ثقة بس من جوه.. أنا لسه بنزف ومكسورة.
أنا هبتدي حياتي. بس قلبي لسه كان بينبض بـ قهر وشجن ميعلمش بيه إلا ربنا. مشيت مع أختي وأنا بجر رجل بره ورجل جوا الماضي لسه بس كان في حاجة واحدة أكيدة.. الخطوة اللي جاية مش هتبقى خطوة رجوع، دي خطوة بداية الحرب اللي هخليه يندم فيها على كل لحظة وجع عيشنى فيها.حكايات نورهان العشري
مر شهر كامل على وجودي في مكتب المستشار فريد المنشاوي. شهر كنت برمي فيه نفسي وسط القضايا، والمحاضر، وكتب القانون، بهرب من وجع قلبي للشغل لحد ما عيني تغفل من التعب. و النيولوك الجديد البدلة الفورمال والنيولوك الجديد والوقفة الثابتة بقوا سلاحي قدام الدنيا.
وفي يوم، كنت نازلة من التاكسي ورايحة على المكتب، الشارع كان زحمة والجو حر. وأنا بعدي الرصيف، عيني جت في عينه صدفة.. جواد!
كان واقف جمب عربيتة بيتكلم في الموبايل ببدلته الميري. أول ما عينه جت عليا، الموبايل نزل من على ودنه ببطء، وملامحه اتصلبت. الصدمة شلته في مكانه. تاهت عينيه في شكلي الجديد؛ شعري اللي لونه اتغير، لبسي الأنيق، النضارة الشمس، والمشية الواثقة اللي مفيهاش ذرة انكسار. كان باصصلي وكأنه بيشوف واحدة تانية خالص غير “ولاء” اللي سابها من شهرين بتبكي دم، حكايات نورهان العشري
قلبي دق بسرعة البرق، وحسيت بنغزة ووجع عصرني من جوا بس في ثانية، افتكرت القلم والمهانة. رفعت راسي، ثبت نظرتي، وبصيتله بنظرة باردة، خالية من أي مشاعر.. نظرة غريب بيعدي جمب غريب. مدتلوش وش ولا حتى هديت خطوتي، كملت طريقي وسبته واقف مكانه ورايا وعينيه هتطلع عليا.
اشتريت نفسي بقلم نورهان العشري الجزء التالت ❤️
اشتريت نفسي ج3
نورهان العشري
اشتريت نفسي بقلم نورهان العشري الجزء التالت ❤️ 👇
هو كان هيتجنن.. ملامحه اللي لمحتها في ثانية كانت بتقول “إزاي؟ إزاي قدرت تنساني بالسرعة دي؟ إزاي ولاء اللي كانت بتموت في بعادي شهر، بقالها شهرين مش فكراني وكمان احلوت و اتغيرت و واضح انها عايشة حياتها!”
أول ما دخلت باب المكتب، وقفلت باب أوضتي عليا، سندت ضهري على الباب وانهارت!
وقعت على الأرض، ولميت رجلي لصدري، وانفجرت في العياط. الدموع اللي حبستها قدامه نزلت تحرق وشي. كنت بعيط بحرقة وقهر.. لسه واحشني! الغريب والموجع والمنيل بستين نيلة إنه لسه واحشني! رغم قسوته ورغم القلم ورغم كلام أمه، الـ 23 سنة حب متمسحوش من قلبي.. كنت مقهورة منه ومقهورة من نفسي ومن قلبي العاصي اللي مش قادر يكرهه. فضلت أعيط وأنا بكتم صوتي بأركان إيدي عشان محدش من الزملا بره يسمعني، وأقول لنفسي: “فوقي.. دا داس على كرامتك.. فوقي يا ولاء!”حكايات نورهان العشري
مر أسبوع على المقابلة دي، أسبوع وأنا بحاول أداوي جرح المقابلة، لحد ما جالي الخبر اللي قطم ضهري..
عرفت من طرطشة كلام وسط العيلة إن جواد خطب!
آه.. خطب، وبعد شهرين بس من طلاقنا! كأنه كان مستني، أو كأن كلام أمه “ألف واحدة تتمناه والصبح يتجوز بنت بنوت” كان متفصل. التعب هدني، جالي هبوط وحسيت إن الدنيا بتسود في عيني، ودموعي نزلت تاني بقلة حيلة. بس المرة دي، الوجع ولد فيا قوة تانية خالص.. قوة من نوع “خلاص، مفيش فايدة في البكا”. مسحت دموعي بعنف قدام المراية وقولت لنفسي:
“هو بيكمل حياته؟ يبص في دنيته؟ وأنا هنا بقطع في نفسي والله ما هبكي تاني.. حياتي هكملها وهبقى أحسن وأكبر بكتير من حضرة الظابط ودنيته كلها.” حكايات نورهان العشري
لميت شتات نفسي، ورجعت المكتب تاني يوم بكبرياء أقوى، وتركيز أعلى..
وفي نص اليوم، الباب خبط وسكرتير المكتب دخل وقالي:
“أستاذة ولاء، في عميل بره عنده قضية وعايز يقابل حد من المحامين، والمستشار فريد مش موجود، تدخليه؟”
قولتله بجمود عملي:
“دخليه يا متر.”
الباب اتفتح، ودخل محمود جوز مروة أخت جواد.. وبمجرد ما عيني جت في وشه، الصدمة لجمتني ولجمته هو كمان!
جوز مروة.. جوز أخت جواد! الراجل اللي كان بيبصلي بصات مش تمام، وكان سبب من أسباب خناقتي مع جواد لما رفضت أروح لأخته العيانة.
هو وقف في مكانه، عينيه وسعت من الصدمة لما شافني قاعدة ورا المكتب، بكامل أناقتي وقوتي ومكاني كـ محامية مسؤولة. وأنا الصدمة شلتني لثواني، بس في لحظة، افتكرت كل حاجة.. وافتكرت وجع قلبي و اللي حصلي حكايات نورهان العشري
الصدمة اللي كانت في عين محمود، جوز مروة، اتحولت في ثواني لابتسامة صفرا لزجة ماليها الذهول والإعجاب. قفل الباب وراه وقرب من مكتبي ببطء وهو بيمسح على وشة، وبصوت واطي فيه خبث قال:
“مش معقول! ولاء؟ المحامية الكبيرة اللي المكتب كله بيحلف بيها طلعت أنتِ؟ أنا قُلت الاسم شبه الاسم، بس مش ممكن تكوني أنتِ.. بس ايه النيولوك دا؟ طالعة زي القمر، أحلى من الأول بكتير.”
كنت باصة له بقرف، النظرات اللي كانت بتضايقني زمان في بيت أهله وبسببها رفضت أروح لأخته العيانة، اهي رجعت تاني بس بوقاحة أكبر. سكتّ ثواني، سحبت نَفَس طويل، وسندت إيدي على المكتب وبقيت أبص له بجمود محامين قاسي وقُلتله: حكايات نورهان العشري
“خير يا أستاذ محمود؟ داخل مكتب محاماة محترم عشان عندك قضية، ولا داخل تتفرج؟ لو مفيش شغل، اتفضل بره عشان وقتي بفلوس.”
محمود متهزش، بالعكس، سحب الكرسي وقعد بكل بجاحة، وقرب جسمه من المكتب وقال بنبرة خافتة:
“قضية إيه وبتاع إيه يا ولاء.. أنا لما عرفت إنك اتطلقتي من جواد، الدنيا مكنتش سيعاني. جواد دا غبي، طول عمره مغرور ومبيفهمش، وميعرفش قيمة الجوهرة اللي كانت في إيده. أنتِ ياما انظلمتي في البيت دا، وأنا أكتر واحد كنت حاسس بيكِ و بقيمتك.” حكايات نورهان العشري
الكلام كان بيموع النفس، بس قررت أجاريه عشان أشوف آخره إيه. عدا كذا يوم، ومحمود بدأ يتردد على المكتب بحجج تافهة؛ مرة يسأل عن استشارة، ومرة جايب ورق وعايزني أراجعه، وفي كل مرة كان بيحاول يتقرب مني بكلمتين حلوين، وأنا كنت بتعامل ببرود وذكاء، برسم له الحبل اللي هيشنق بيه نفسه وعيلة الراوي كلها.
لحد ما جه اليوم اللي دخل فيه أوضتي في المكتب، وقفل الباب وراه، وكان باين عليه إنه آخد قراره. قعد وقالي وعينيه بتلمع:
“بصي يا ولاء، أنا مش هألف وأدور.. أنا شريك في معرض عربيات ومبسوط، وأنتِ خلاص عِدتك قربت تخلص.. أنا عايز اتجوزك! هعيشك ملكة، هعوضك عن كل الجفاء و البهدلة اللي عيشتيها مع جواد. هشتريلك شقة باسمك، ومش هخليكي تعوزي حاجة من الدنيا.” حكايات نورهان العشري
بصيت له وهزيت راسي بابتسامة ساخرة، الابتسامة اللي اتعلمت أرسمها عشان أداري بيها أي نار جوايا، وقُلتله بنبرة ماليها التحدي والجمود:
“تتجوزني أنا يا محمود؟ وطب ومروة وجواد؟ هتقدر تروح تقول لمراتك إنك عايز تتجوز عليها؟ هتقدر تقف قدام حماتي العزيزة وحضرة الظابط وتقولهم أنا عايز طليقة ابنكم؟”
محمود اتنفض من على الكرسي، وكبرياؤه نقح عليه، وقال بثقة وبجاحة:
“وهي مروة ولا أهلها يقدروا يفتحوا بوقهم معايا؟ أنا الراجل والكلمة كلمتي، وفلوسي مخلية عيني قوية. هقدر يا ولاء، والنهاردة كمان هتروح تسمع بنفسها، بس أنتِ وافقي!”
قُلتله ببرود قاتل: “لما تقولها وتخلص.. ابقى تعالى نتكلم.” حكايات نورهان العشري
في نفس الليلة.. في شقة مروة وجوزها محمود.
مروة كانت واقفة في المطبخ بتغسل المواعين، ومحمود قاعد في الصالة بيشرب سجاير وعينيه ماليها التصميم. نادى عليها بصوت عالي وجهوري:
“مروة! سيبك من اللي في إيدك وتعالي عايزك في موضوع مهم.”
خرجت مروة وهي بتمسح إيدها في الفوطة، وقعدت قصاده وهي مستغربة نبرة صوته: “خير يا محمود؟ مالك وشك مقلوب ليه؟”
محمود رمى السيجارة في الطفاية، وبص لها ببرود شديد وقال:
“أنا قررت اتجوز عليكي يا مروة.. و هروح أخطب الأسبوع الجاي، وأنا قُلت أعرفك عشان تعملي حسابك.” حكايات نورهان العشري
الكلمة نزلت على مروة زي الصاعقة، ركبتها سابت، والدم هرب من وشها. وقفت وهي بتترعش وصوتها طالع مخنوق:
“تـ.. تتجوز عليا؟ أنت بتهزر صح؟ تتجوز عليا ليه؟ ناقصك إيه معايا؟ ومين دي اللي فضلتها عليا يا محمود؟”
محمود قام وقف، حط إيده في جيبه وقال بكل قسوة وبجاحة:
“مش ناقصني حاجة، بس أنا حر، والشرع محللي أربعة. والست اللي هتجوزها عليكِ مش اي واحدة دي واحدة أنا عيني عليها من زمان.. هتجوز ولاء، طليقة أخوكي جواد!”
ولاء!!”
الاسم طلع من بوق مروة زي الصرخة المكتومة. الصدمة شلت عقلها. ولاء؟ السمرة؟ اللي كانوا بيستعبدوها ؟ اللي طردوها من البيت وجواد ضربها بالقلم؟ محمود جوزها ساب الدنيا كلها وعايز يتجوز ولاء؟!
محمود بص لها باحتقار وسابها ونزل من البيت وقفل الباب وراه برزع هزت الحيطان.
في شقة الحاجة أم جواد..
الدنيا كانت هادية، وجواد قاعد مع أمه في الصالة بيشربوا شاي، وهو بيتكلم معاها بفتور عن ترتيبات خطوبته الجديدة، بس باله مكنش مع أمه، باله كان لسه لافف حوالين نظرة ولاء الباردة في الشارع.
وفجأة.. الباب اتفتح بعنف، ودخلت مروة وهي منهارة بالكامل، بتصرخ وبتلطم على وشها بهستيريا، دموعها مغرقة قميص البيت، وصوت صويتها هز العمارة كلها.
أم جواد اتنفضت من مكانها وجواد وقف مخضوض: “في إيه يا مروة؟ مالك؟ العيال حصلهم حاجة؟ محمود جراله إيه؟”
مروة رمت نفسها في الأرض تحت رجلين أمه، وبقت تلطم على خدودها وتصرخ بأعلى صوتها والنبرة ماليها القهر والكسرة:
> “الحقيني يا ماما!! الحقني يا جواد!! بيتي اتخرب.. كرامتي اتداست في الأرض.. محمود عايز يتجوز عليا!! محمود بيبعني بعد العمر دا كله!”
أم جواد طقطقت صوابعها وقالت بغضب: “يتجوز عليكي إيه؟ جرى لعقله حاجة؟ ومين دي اللي عايز يتجوزها عليكي ”
مروة بصت لأخوها جواد، وعينيها كانت ماليها الصدمة والحزن وقالت بصوت مبحوح وصرخة قطعت حبل الصمت:
“مش أي واحدة يا ماما.. دي ولاء!! ولاء طليقة جواد! عينه عليها من زمان وهتجوزها أول ما عدتها تخلص! طليقة ابنك هتبقى ضرتي
يا ماما!!”
اشتريت نفسي ج4
نورهان العشرى
اشتريت نفسي بقلم نورهان العشري الجزء الرابع ❤️
الكلمة نزلت في الصالة كأنها قنبلة انفجرت.
أم جواد حطت إيدها على صدرها وشهقت شهقة مكتومة وقعدت على الكرسي ومش قادرة تنطق.
أما جواد.. فـ الدم غلى في عروقه، وعينيه بقت تطلع شرار. الكوباية اللي كانت في إيده اتدشدت ميت حتة، وعروق رقبته ظهرت وبقت بارزة من.. الصدمة والغل والغيرة وكبرياؤه اللي اتضرب في مق*تل.
جواد مكنش شايف قدامه. العروق اللي في رقبته كانت بارزة وبتنبط بدم غالي من كتر الغضب. صوت مروة وهي بتصرخ وتلطم في الصالة كان لسه بيرن في ودنه زي الصفارة اللي مبتقفش. نزل السلم جري، مأخدش الأسانسير حتى، وركب عربيته داس بنزين و طلع بأقصى سرعة عنده. الإشارات، العربيات، الناس في الشارع.. كل دا كان خطوط مشوشة قدام عينيه. اللي كان مسيطر على عقله حاجة واحدة بس: “ولاء.. ولاء هتبقى لراجل تاني؟ ولاء اللي كانت بتتنفس التراب اللي بيمشي عليه. اللي كانت بتموت لو خاصمتها يوم، هتبقى في حضن محمود؟ راجل تاني ممكن يلمسها؟ واحد غيره ممكن يملكها؟”حكايات نورهان العشري
الغيرة مكنتش مجرد شعور، كانت نار حقيقية بتاكل في صدره، بتدبح كبريائه اللي عاش طول عمره حاطه فوق كل اعتبار. وصل بيت عمه، نزل من العربية ورزع الباب وراه، وطلع السلم تلت درجات في الخطوة الواحدة. ضرب جرس الباب بعنف وبصوت عالي كأنه بيكسر الباب.
فتحتله أم ولاء، أول ما شافت وشه المتعصب وعينيه الحمرا زي الدم، خافت ورجعت خطوة لورا، بس حاولت تبان قوية:
“خير يا جواد؟ في إيه؟ جاي بتخبط كدا ليه”
جواد زق الباب ودخل الصالة وهو بيلتفت يمين وشمال زي السبع المجروح، وصوته طلع جهوري هز الحيطان:
“فين ولاء؟ نادولي ولاء حالا! فين هي؟”
خرج عمه على صوت الزعيق، وبصله بحدة:
“جرى إيه يا جواد؟ أنت ناسي نفسك؟ أنت داخل بيت عمك تزعق؟ والست اللي بتسأل عليها دي مبقتش مراتك، أنت طلقتها بتسأل عليها ليه!”
جواد ضغط على سنانه لدرجة إن فكه وجعه، وحس إن نفسه هيموت من الغيظ:
“يا عمي أنا مش جاي أعمل مشاكل، أنا عايز ولاء.. هي فين؟ جوه في الأوضة؟”
أم ولاء ردت ببرود وشماتة مكنتش قادرة تخبيها: “بنت مش قاعدة في بيتها بتعيط يا حضرة الظابط.. ولاء في مكتبها، بتشوف شغلها ومستقبلها”
الكلمة نزلت عليه زي المية المغلية. سابهم والشرار بيطلع من عينيه، ونزل تاني. ركب عربيتة وطار على عنوان المكتب اللي مروة قالتله عليه. طول الطريق وهو بيكلم نفسه زي المجنون:
“محامية؟ ومكتب وقضايا؟ ولابسة وشيك وبترد الكلمة بعشرة؟ فين ولاء الطيبة الهادية اللي كنت برجع ألاقيها مستنياني وضحكتها اللي منورة وشها و كأنه دخولي عليها عيد.إزاي اتغيرت كدا؟ ومحمود؟ محمود كان بيتردد عليها في المكتب؟ يعني الحكاية دايرة من ورا ضهري؟”حكايات نورهان العشري
وصل قدام العمارة اللي فيها مكتب المستشار فريد المنشاوي. نزل ودخل بـ هيبته اللي مكنش حد يقدر يقف قدامها، زق باب المكتب الخارجي، السكرتير وقف مخضوض:
“يا فندم يا فندم رايح فين؟ عندك ميعاد؟”
جواد مدلوش اهتمام، كان بيدور بعينيه لحد ما لمح يافطة صغيرة على باب أوضتين جوه مكتوب عليها (أستاذة/ ولاء محمد).
فتح الباب بعنف ورزعه وراه بقوة لدرجة إن الزجاج بتاع الباب اتشرخ.
ولاء كانت قاعدة ورا مكتبها الخشب، ماسكة قلم وبتقرأ في الورق قدامها ولابسة بدلة كحلي فورمال، وشعرها اللي اتغير لونه كان نازل على كتفها بنعومة، وريحة برفانها مالي الأوضة.. ريحة جديدة، مكنش يعرفها.حكايات نورهان العشري
أول ما الباب اترزع، رفعت راسها ببطء. ملامحها متهزتش. مفيش خضة، مفيش لهفة، مفيش الخوف اللي كان بيشوفه في عينيها زمان لما يزعق. حطت القلم بهدوء، وسندت ضهرها لورا، وبصتله بنظرة باردة وقالت بنبرة هادية ومستفزة:
“أهلاً يا حضرة الظابط.. مكتب محاماة محترم دا، مش قسم شرطة عشان تدخل تكسر الباب بالشكل دا. خير؟ في قضية عايز ترفعها؟”
جواد قرب من المكتب، وحط إيديه الاتنين عليه، وانحنى بجسمه ناحيتها وهو بيتنفس بسرعة، وعينيه بتتحرك في وشها بـ جنون و غيرة واضحة وصريحة:
“قضية؟ أنتِ ليكي عين تتكلمي كمان؟ إيه اللي أنا سمعته دا يا هانم؟ انطقي! إيه الحكاية القذرة اللي دايرة بينك وبين محمود جوز أختي؟”حكايات نورهان العشري
ولاء رفعت حاجبها وبصتله بمنتهى البرود:
“وماله محمود؟ راجل ومبسوط وجاي يطلب إيدي على سنة الله ورسوله بعد ما عِدتي تخلص. إيه اللي مزعلك في كدا؟ مش أنت اللي طلقت؟ ومش مامتك قالت إنك ألف واحدة تتمناك وتتجوز بنت بنوت الصبح؟ طب ما أنا كمان ألف راجل يتمناني، والمحامين والدكاترة ورجال الأعمال طوابير بره.. محمود سبق، فيها إيه؟”
جواد ضرب المكتب بـ إيده بكل قوته، لدرجة إن المحبرة والورق اتهزوا:
“فيها إيه؟! أنتِ اتجننتي يا ولاء؟ محمود؟ محمود اللي كان بيقعد معانا في البيت؟ جوز أختي! تروحي تتجوزيه؟ أنتِ عايزة تكسري عيني؟ عايزة تذليني أنا وأمي وأختي؟ للدرجة دي بقيتي رخيصة وبتفكري في الانتقام بالشكل دا؟”
في اللحظة دي، الجمود اللي على وش ولاء اتمحى، وحل محله غضب مكتوم، وقفت من على كرسيها ووشها بقى في وش جواد، وقالت بصوت واطي ومبحوح مليان غضب و تحدي:
“أنا اللي رخيصة يا جواد؟ أنا اللي اشتريتك سنين؟ 8 سنين وانا بستحمل جفاك وتجاهلك وأقنع نفسي إنك هتحن في يوم؟ أنا اللي انضربت بالقلم عشان قُلت مش هقدر أروح بيت محمود”
قربت منه أكتر وعينيها لمعت بدموع رفضت تنزل: “وعايز تعرف محمود ماله؟ محمود دا اللي أنت كنت مأمنه على عرضك و كنت مدخله بيتك، كان بيبصلي بصات قذرة من وأنا على ذمتك! كان بيسمعني كلام مش تمام في الرايحة والجاية، وكان سبب إني رفضت أروح لأختك العيانة عشان مكنتش بطيق أقعد في مكان هو فيه وأنت نايم في العسل ومش شايفني أصلاً! كنت شايفني حتة كرسي ملهوش لازمة.. فلما اطلقت، جالي لحد هنا وركع تحت رجلي وقالي هعيشك ملكة وهعوضك عن كل الفقر العاطفي اللي عيشتيه مع جواد البيه المغرور!”حكايات نورهان العشري
الكلمات نزلت على جواد كأنها طلقات رصاص حية. الصدمة شلته.. محمود كان بيبص لمراته؟ كان بيضايقها؟ وهو كـ راجل، مكنش حاسس؟ مكنش حامي مراته؟ الوجع والغيرة والندم اتخلطوا في قلبه وبقوا كتلة نار. بص لولاء وشاف في عينيها كمية الوجع و القهر اللي عاشته بسببه، حس بلهفة وشوق غريب يخدها في حضنه ويخبيها من الدنيا كلها، يقفل عليها وميخليش عين مخلوق تيجي عليها.
صوته هدي وبقى فيه بحة رجاء ممزوجة بالغيرة العمياء:
“ولاء.. أنتِ بتقولي إيه؟ محمود عمل كدا؟ وطب إزاي وافقتي تسمعيه؟ إزاي وافقتي تقابليه وتخليه يعرض عليكي الجواز؟ أنتِ بتاعتي أنا.. أنتِ عيشتِ عمرك كله بتحبيني أنا! إزاي قادرة تبصي لراجل غيري بالسرعة دي؟ بصيلي.. أنا جواد حبك الأول والأخير!”حكايات نورهان العشري
ولاء ضحكت ضحكة سخرية ضحكة وجعت قلبه أكتر:
“كنت يا جواد.. فعل ماضي مبني على الكسرة والقهر. جواد اللي كنت بحبه مات يوم ما نزل إيده على وشي ويوم ما قالي أمي عندها حق وأنتِ زيك زي الكرسي. أنا خلاص مبقتش بتاعتك، أنا ملك نفسي.. والراجل اللي هيقدرني ويحطني فوق راسه هكون ليه، سواء محمود أو غيره، أنت مالكش صلاحية عليا.. أنت غريب!”
“أنا مش غريب!!” زعق جواد والجنون بياكله، وقبل ما يكمل كلمته، الباب خبط خبطة خفيفة ودخل عامل الدليفري وهو شايل بوكية ورد كبير جداً، كله روز أحمر وأبيض، شكله غالي ومبهر، وريحته قلبت الأوضة في ثانية.
العامل بص بتوتر للجو المشحون والزجاج المشروخ وقال:
“أستاذة ولاء؟ في حد بعت الورد دا لحضرتك وطلب أوصله ليكي حالا.”
جواد عينه راحت على الورد.. الغيرة عمت عينيه و شلت عقله بالكامل. خطى خطوتين سريعين، شد بوكية الورد من إيد العامل بعنف، وخرجه بره الأوضة وزقه، وقفل الباب.
ولاء صرخت بغضب:
“أنت بتعمل إيه؟ أنت اتجننت؟ ملكش دعوة بيا وبحاجتي!”
جواد مسمعهاش.. أخد بوكية الورد وبكل غل وغيرة عمياء، رماه في صندوق الزبالة الكبير اللي كان في ركن الأوضة، وداس عليه برجله لحد ما الورد اتقطع والأوراق بتاعته اتبهدلت.
التفت لولاء وهو بينهج، وعينيه فيها نظرة تملك مرعبة، شوق ولهفة وعناد مجمعين في لقطة واحدة. قرب منها لحد ما بقاش في بينهم غير سنتيمترات بسيطة، وبصوت واطي زي الفحيح، مليان عاطفة مكسورة وغضب حارق، قالها وهو بيشاور بصباعه قدام وشها:
“اسمعي يا ولاء.. وكرري كلامي دا كويس في عقلك. الست اللي كانت مراتي، الست اللي نامت في حضني 8 سنين، الست اللي أنا لمستها وعشت معاها وعارف تفاصيلها كويس استحالة. استحالة تبقى لراجل غيري! ومحمود دا أنا هطربق الدنيا فوق دماغه ودماغ أهله، وأي كلب تاني هيفكر يبعتلك ورده ولا يبصلك، هكون دافنه في مكانه. عِند بعِند.. حرب بحرب.. أنتِ بدأتيها وعايزة تكسري عيني، بس افتكري كويس.. جواد الراوي مبيتكسرش، وأنتِ مش هكوني لغيري لو على ج*ثتي!” حكايات نورهان العشري
سابها واقفة، نفسها عالي، وعينها على الورد المرمي في الزبالة وعلى اللي خرج ورزع الباب وراه تاني، وسابها بتغلي من والوجع و الغضب و القهر 1
اشتريت نفسي ج5
نورهان العشري
اشتريت نفسي بقلم نورهان العشري الجزء الخامس ❤️
جواد مكنش في وعيه، الدم كان بيفور في نفوخه لدرجة إنه مكنش سامع غير ضربات قلبه السريعة وصوت ولاء وهي بتقوله:
“كان بيبصلي بصات قذرة من وأنا على ذمتك”. نزل من المكتب ركب عربيته وطار على معرض العربيات بتاع محمود. دخل المعرض زي الإعصار، الموظفين أول ما شافوا هيبته وبدلته الميري وعينيه اللي بتطق شرار محدش اتجرأ يقف في طريقه.
محمود كان قاعد ورا مكتبه بيتكلم في الموبايل وبيضحك، وبمجرد ما رفع عينه وشاف جواد، الضحكة هربت من وشه والموبايل وقع من إيده. جواد مأدلوش فرصة ينطق، خطوتين وكان قالب المكتب باللي عليه، وشد محمود من ياقة قميصه ونزل فيه ضرب وبوكسات وهو معمي بالغضب والغيرة.
محمود كان بيقع على الأرض وجواد ينزل عليه، يضربه بكل غله وهو بيصرخ فيه بصوت جهوري هز المعرض كله:
“بتعاكس مراتي يا زبالة؟ بتبصلها وأنا مأمنك ومدخلك بيتي؟ طمعان في طليقتي يا ناقص؟ والله العظيم ما هسيب فيك حتة سليمة!”
الموظفين اتجمعوا وحاولوا يحوشوا جواد بالعافية، ومحمود كان في الأرض وشه بينزف وقميصه مقطوع وبيترعش من الرعب. جواد تف عليه وسابه وهو بينهج وخرج، ركب عربيته ورجع على شقته.. الشقة اللي عاش فيها مع ولاء 8 سنين. حكايات نورهان العشري
دخل الشقة، ورزع الباب.. و كان حاسس بـ كمية الفراغ والبرود اللي في المكان. الشقة كانت ضلمة، ريحة ولاء مكنتش موجودة، ولا كان في صوت العيال وهم بيلعبوا. قعد على الكنبة في الصالة، وحط راسه بين إيديه.
في اللحظة دي، بدأت الذكريات تهاجمه وتدبح فيه. افتكر لما كان يرجع من الشغل تعبان ومهموم، كانت ولاء بتجري عليه، تاخد منه جاكت البدلة بابتسامة صافيه، وتجري تحضر الأكل اللي بيحبه. افتكر لما كان يخاصمها بالشهور، وهي تيجي تعيط وتعتذر وتتحايل عليه يبتسم بس، رغم إنها مكنتش بتبقى غلطانة. افتكر حنيتها، احتوائها، خدمتها لأهله اللي مكنتش بتشتكي منها عشان متزعلوش.
حس بغصة مريرة في حلقه، وعرف قيمتها بجد لما ضاعت من إيده.. لقى نفسه مفتقدها بشكل بيموته، مشتاق لتفاصيلها، لصوتها، لطيبتها اللي داس عليها بغروره. قعد يفكر إزاي يقرب منها تاني؟ إزاي يرجع “ولاء بتاعته”؟ وملاقاش غير العيال.. العيال هما السكة الوحيدة اللي هتوصله ليها. حكايات نورهان العشري
تاني يوم العصر، جواد لبس لبس كاجوال ونزل، وراح على بيت عمه بحجة إنه جاي يشوف ولاده ياسين وجنا ويقعد معاهم. طلع السلم وقلبه بيدق بلهفة مكنش بيفهمها زمان.
ضرب الجرس.. وبعد ثواني، الباب اتفتح.
جواد اتسمر في مكانه، وأنفاسه ارتبكت بالكامل. اللي فتحت الباب كانت ولاء! مكنتش عاملة حسابها إن جواد هو اللي على الباب، فـ كانت لسه بطبيعتها في البيت.. كانت لابسة قميص بيتي قطن قصير لحد الركبة، وبنص كم، مبيّن جمال ذراعيها ونعومة بشرتها السمرا الساحرة، ورافعة شعرها كله لفوق بشكل عشوائي، ونازل منه خصلات صغيرة على رقبتها.
كان شكلها حلو أوي.. حلو بشكل يوجع القلب. طبيعية، وجميلة، وفيها حيوية وإثارة مكنش شايفها وهي في بيته. جواد حس بشوق كاسح جواه عينيه نزلت على ملامحها وجسمها بـ لهفة وعناد، ونفسه بقى عالي. كان نفسه يمد إيده ويشدها لحضنه، يقفل الباب عليهم وينهي الكابوس دا.
لكن ولاء، أول ما شافت عينه ولمحت اللهفة والجنون اللي فيهم، ملامحها اتصلبت في ثانية، وحل الجفاء والبرود على وشها كأنها شافت واحد غريب من الشارع. اتعاملت معاه بمنتهى القسوة والتجاهل، وربعت دراعاتها قدام صدرها عشان تداري نفسها، وبصوت حاد ونبرة ناشفة ندهت جوه:
“ياسين! أخرج انت واختك يا حبيبي بابا بره جاي يشوفكم.”
وبمجرد ما قابت كلمتها، لفت ضهرها وسابته واقف على الباب، وجريت على أوضتها وقفلت الباب وراها بعنف. حكايات نورهان العشري
جواد وقف مكانه، الدموع كانت هتفر من عينيه من كتر القهر والرفض اللي شافهم في عينيها. دخل الصالة وهو متضايق ومخنوق، الولاد خرجوا جروا عليه وحضنوه، قعد معاهم وحضنهم وفضل يبوس فيهم وهو بيشم فيهم ريحة أمهم.
قعد معاهم حوالي نص ساعة، بيلاعبهم بس عقله وقلبه كانوا في الأوضة المقفولة اللي جوه. وفجأة، العيال قاموا يجيبوا ألعاب من أوضتهم، والصالة بقت هادية تماماً..
في اللحظة دي، سمع صوتها من ورا الباب الموارب بتاع أوضتها.. كانت بتتكلم في التليفون.
صوتها كان ناعم، وبتضحك ضحكة خفيفة ورقيقة، وبتقول بنبرة كلها دلع ورقة:
“ميرسي جداً لذوق حضرتك.. بجد الورد كان يجنن، وتعبت نفسك أوي.. مكنش ليه لزوم كل دا.. ميرسي.. تسلملي.”
الكلمات نزلت على ودن جواد زي مية النار! “ورد؟ وميرسي لحضرتك؟ وتعبت نفسك؟” عقله طار، والغيرة العمياء رجعت تعميه من تاني. نسى نفسه، ونسى إنه في بيت عمه، وقام وقف زي المجنون، وخطى خطوات سريعة وفتح باب أوضتها ودخل عليها فجأة! حكايات نورهان العشري
ولاء اتخضت، ونزلت الموبايل من على ودنها بسرعة، وبصتله بصدمة وغضب وهي واقفة في نص الأوضة:
“أنت إزاي تدخل عليا الأوضة بالشكل دا؟ أنت اتجننت يا جواد؟ أنت بأي حق تقتحم خصوصيتي؟”
جواد قرب منها وعينيه بتطلع شرار، وصدره بيطلع وينزل من كتر الغضب والشوق المكبوت، وقال بصوت مكتوم ماليانه الغل:
“بأمارة إيه بتقولي ميرسي لذوق حضرتك والورد يجنن؟ بتكلمي مين يا ولاء؟ انطقي! مين الكلب اللي بتضحكيله كدا وأنا قاعد بره؟ أنتِ خلاص ما صدقتي اتطلقتي عشان تعيشي حياتك وتكلمي دا ودا؟”
ولاء بصتله بمنتهى البرود والتجاهل، ورفعت راسها لفوق وقالتله بنبرة قطعت كل حبال الرجاء:
“وأنت مالك؟ بصفتك إيه بتتحاسبني؟ جوزي؟ أخويا؟ أبويا؟ أنت طليقي يا حضرة الظابط، يعني غريب.. غريب ملوش دعوة بيا بكلم مين ولا مين بيبعتلي ورد. اللي بكلمه دا أستاذ محامي زميلي ومعجب بيا، ومظنش إن دا يخصك في حاجة. اتفضل اطلع بره أوضتي، وبره بيت أهلي خالص.”
جواد كان واقف قدامها، الغضب واكله والشوق عاصر قلبه، ميكس مرعب من الغيرة والعجز، وبقا باصص لـ شفايفها وعينيها بعناد وهو مش قادر يستوعب إن الست دي كانت بتموت فيه في يوم من الأيام، ودلوقتي بترميه بره حياتها بـ كبرياء مبيتهزش. حكايات نورهان العشري
ولاء مكنتش متخيلة كل الشوق والجنون اللي شيفاهم في عينيه، ملامحها اتغيرت من البرود للغضب الحقيقي، وصوتها علي وهي بتشاورله على الباب:
” اتفضل اطلع بره حالا قبل ما ألم عليك العمارة وأخلي بابا يتصرف معاك!”
بدل ما يرجع لورا أو يخاف من تهديدها، جواد خطى خطوة سريعة، خطوة واحدة كانت كفيلة تلغي أي مسافة بينهم. وقبل ما تستوعب، كانت إيديه الاتنين القويين قبضوا على مرفقيها بعنف ممزوج بلهفة، وزقها ببطء لحد ما ضهرها لزق في الدولاب الخشب. ضغط بجسمه عليها، وحاصرها بالكامل، لدرجة إنها حست بأنفاسه السخنة بتضرب في وشها، وريحة برفته اللي عاصرت معاه أيام زمان مالت المكان و زلزلت حواسها، و عينيها وسعت وهي حاسة بصلابة جسمه وقربه المرعب، حاولت تزق صدره بـ إيدها وهي بتنهج:
“سيبني يا جواد.. ابعد عني أنت بتعمل إيه؟” حكايات نورهان العشري
جواد متهزش، كان باصص في عينيها بنظرة غريبة، نظرة تملك وشوق وحرمان، عينيه كانت بتتحرك على ملامح وشها، على شعرها المرفوع، وعلى شفايفها اللي كانت بتترعش من الغضب والخضة. انحنى براسه شوية وبصوت واطي، نبرة مبحوحة، دافية، و مليانة شوق بيعذبه قالها:
“بتعامليني على إني واحد غريب؟ بتداري مني تفاصيلك اللي أنا حافظها يا ولاء؟ أنا حافظ تفاصيل جسمك حتة حتة، حافظ ريحتك، حافظ دقة قلبك لما بتخافي أو بتفرحي.. أنتِ بتستخبي مني أنا؟”
الثبات الحديدي اللي ولاء بقالها شهرين بتبنيه، النيولوك، لبس المحاماة، الوش البارد.. كل دا اتهز في ثانية تحت تأثير قربه. قلبها بدأ يضرب في صدرها وحست بركَبها سابت. الشوق القديم، الـ 23 سنة حب مكنوش هينين، حسيت بجاذبية مرعبة بتشدها ليه، بس في نفس اللحظة افتكرت القلم.. افتكرت الإهانة وكلامهم الجارح.. النار اللي جواها قادت من تاني، وبدأت تعافر وتشد نفسها منه بقوة وهي بتصرخ بصوت مخنوق:
“ابعد عني.. بقولك ابعد!”
جواد قرب أكتر، لدرجة إن شفايفه بقت جمب ودنها، وهمس بصوت كله عذاب ولهفة: “وحشتيني يا ولاء.. وحشتيني أوي.. الشقة ضلمة من غيرك، وأنا بموت في كل ثانية وأنتِ مش قدام عيني.. وحشتيني لدرجة مش قادر أستحملها.”حكايات نورهان العشري
ومع كلمته دي، لف راسه وحاول يبوسها بـ لهفة راجل راجع من الموت وعايز يرتوي من حبيبته، حاول ياخد من شفايفها الكلمة اللي تبرد ناره.
في اللحظة دي، ولاء جمعت كل قوتها، وبعنف شديد حطت إيدها على بوقه وزقته لورا بكل غلها، وراحت شادة نفسها من بين إيديه وأنفاسها مقطوعة، عينيها كانت بتطلع شرار ووجع وكسرة، وقالتله بصوت مبحوح ومرتعش من كتر القهر:
“مبقاش من حقك!! سامع؟ مبقاش من حقك تلمسني، ولا تبصلي، ولا تقرب مني ثانية واحدة! أنت رميت عليا اليمين وانت عارف بتعمل ايه وبعتلي عمك بعد ما مشيت بساعتين عشان يقولي تعالي خدي حاجتك.. أنت خسرت حقك فيا للابد يا حضرة الظابط!” حكايات نورهان العشري
جواد وقف مكانه، صدره بيعلو ويهبط، وعينيه حمرا زي الدم، بس مكنش فيه غضب.. كان فيه عناد مرعب وتصميم أعمى، عدل ياقة قميصه وقالها بثقة وبصوت حاد:
“هخليه يبقى من حقي تاني يا ولاء.. ورب الكعبة هخليه يبقى حقي تاني، ومش هسيبك!”
ولاء ضحكت ضحكة وجع وكسرة، واستخفاف، وقالتله:
“تخليه من حقك؟ شكلك نسيت. أنت راجل داخل على جواز! روح لخطيبتك الجديدة اللي روحت جريت خطبتها بعد طلاقنا بشهرين. روح عيش حياتك مع بنت البنوت اللي مامتك نقتهالك وسيبني في حالي!”
جواد خطى خطوة تانية ناحيتها، وعينيه لمعت بدموع الندم والشوق، وقال بنبرة طالعة من قاع قلبه:
“تولع الخطوبة، وتولع دنيتي كلها لو مش هكوني فيها! أنا كنت غبي، كنت أعمى ومغرور، ومكنتش شايف الجنة اللي كنت عايش فيها.. أنا راجل اكتشف إنه كان معاه جوهرة وضيعها من إيديه بسبب غباوته، بس وحياة حبي ليكي اللي متأكدتش منه غير لما خسرتك، هعمل المستحيل والممكن عشان أرجعها تاني لحضني!” حكايات نورهان العشري
ولاء وقفت، وربعت دراعاتها، ورفعت راسها بكبرياء وفخر، وبصتله بعين جامدة وقالت بصوت قاطع زي السيف:
“دا بعدك يا جواد! خلاص.. الجوهرة عرفت قيمة نفسها، الجوهرة اللي كنت بتدوس عليها وتعايرها اللي مكنتش شايفها النهاردة بقت الأستاذة ولاء المحامية اللي بتوقف رجالة بشنبات قدامها في المحاكم. زمان كنت بركع تحت رجلك عشان ابتسامة، النهاردة لو ركعت أنت تحت رجلي مش هبصلك.. فوق لنفسك، ولاء القديمة ماتت ودفنتها بإيدك يوم ما طلقتني.”
جواد ضغط على سنانه لدرجة إن عروق جبهته ظهرت وبقت تنبض، الغيرة والشوق والعناد وصلوا لأعلى نقطة عندهم، قرب منها خطوة أخيرة، وبص في عينيها بنظرة تملك وتهديد حارق، وقال بنبرة واطية بس قوية زي الرعد:
“وحياة أمي ما هسيبك تكوني لغيري.. وحياة كل ثانية عيشتها في بعدك مقهور، ما هسكت ولا هيهدالي بال غير لما أرجعك لحضني تاني يا ولاء، وتكوني مراتي وعلى ذمتي.. واليوم دا قسماً بالله جاي، وافتكري كلامي كويس!” حكايات نورهان العشري
سابها واقفة في نص الأوضة، جسمها كله بيترعش، ونفسها عالي و جواها خليط مرعب من المشاعر.. شوق وغضب وقهر، ولف ضهره وخرج من الأوضة ورزع الباب وراه برزعة هزت البيت كله، وساب وراه ريحة المعركة اللي لسه هتبدأ بجد.
اشتريت نفسي ج6
نورهان العشري
حصري
اشتريت نفسي بقلم نورهان العشري الجزء السادس ❤️
الأيام كانت بتجري، والمعركة ورا الكواليس كانت قايدة مابتنطفيش. جواد مكنش بيهدا، العناد والغيرة والندم عموا عينيه وبقى بيحارب بكل أسلحته عشان يرجعني. بعتلي ناس من العيلة، كبار البلد، صحابه المستشارين، وحتى زمايله الظباط.. الشقة مبقتش تخلى من ناس جاية وناس رايحة، كلهم بكلمة واحدة:
“يا ولاء ابن عمك شريك عمرك شاري وندمان، و متمسك بيكِ لآخر نفس”.
كنت بقعد قصادهم بكامل أناقتي وثباتي، وبنبرة باردة وابتسامة هادية أقول:
“جواد كتر خيره، بس النصيب اتقطع، واللي انكسر عمره ما بيتصلح.. أنا مش هقدر ارجع من تاني كل شيء قسمة و نصيب”.
لما لقى السكة دي مقفولة، لعب بآخر كارت يملكه.. العيال.
في يوم، ياسين وجنا دخلوا عليا الأوضة، ياسين وشه حزين وجنا عينيها مدمعة، مسكت إيدي وقالتلي بصوت بيقطع القلب:
“ماما.. بابا زعلان أوي وكل يوم بيقعد في شقتنا لوحده وبيعيط.. هو قالنا إنه بيحبك أوي ونفسه نرجع كلنا نعيش مع بعض.. عشان خاطري يا ماما ارجعيله”. حكايات نورهان العشري
قلبي اتقطع من جوايا، الألم عصر روحي وعينيا لمعت بالدموع، بس جمدت قلبي وحضنتهم وقُلتلهم:
“يا حبايب ماما، بابا هيفضل باباكم، وأنا هفضل مامتكم، بس رجوع للبيت دا تاني مستحيل.. متخلّوش حد يمليكم كلام تيجوا تقولوهولي”.
ولما كل محاولاته فشلت، وجواد لقى نفسه هيفقدني للأبد، عمل الحاجه اللي مكنتش أتخيل في حياتي إنها تحصل..
الباب خبط، وفتحت بابا.. ولقيت حماتي، وبناتها مروة وإخواتها واقفين على الباب!
حماتي.. الست اللي كانت بتقولي “أنتِ هنا زيك زي الكرسي”، الست اللي عايرتني بسماري وبسني.. واقفة قدام بابي، وشها في الأرض، مكسورة وعينيها دبلانة. دخلوا الصالة، وقعدوا.
حماتي بصتلي، والدموع نزلت من عينيها، وبصوت مرتعش مكنتش متعودة عليه قالت:
“سامحيني يا ولاء.. أنا جيتلك لحد بيتك وأنا الست الكبيرة عشان أعتذرلك.. أنا غلطت في حقك، والكلام اللي قُلته كان وزة شيطان.. ابني بيموت يا بنتي، جواد من يوم ما مشيتي وهو زي المجنون، ساب خطيبته، ومبينامش، وبيكلم نفسه.. بيقولي انتي اللي خربتي بيتي. عشان خاطر ولادك سامحيه و سامحينا وارجعي بيتك وإحنا محدش فينا هيزعلك تاني”.
بصيت لحماتي، وبصيت لمروة أخت جواد اللي كانت قاعدة بتعيط ووشها أحمر من القهرة بعد اللي محمود جوزها عمله. سحبت نَفَس طويل، وربعت دراعاتي، وبكل كبرياء وجفاء الدنيا قُلت لحماتي:
“أنا يا حماتي كنت قادرة أخرب بيت بنتك مروة.. محمود جوزها جالي لحد مكتبي وركع تحت رجلي، وقالي هكتبلك شقة باسمك وهعيشك ملكة بس اتجوزيني.. كنت قادرة أوافق وأكسر عين بنتك وأردلك القلم ميت قلم، وأحط راسكوا في الأرض وسط العيلة كلها.. ومردتش! عارفة ليه؟ عشان أنا بنت أصول، ومتربية في بيت بيعرف يعني ايه عشرة وأصل..”حكايات نورهان العشري
حماتي بدأت تبكي بحرقة وقالت:
“عارفين يا بنتي، وعشان كدا جينالك.. قولي شروطك وإحنا موافقين عليها، بس ارجعي لجواد”.
سحبت إيدي من إيدها بهدوء وقُلتلها بجمود قاتل: ” اعتذارك على عيني وراسي، بس ولاء اللي كانت بتتهان وتسكت ماتت.. اتفضلوا كتر خيركم، ومستحيل أرجع”.
في نفس الليلة.. الساعة كانت اتنين بعد نص الليل.
كنت قاعدة في أوضتي، وبقرأ في كتاب قانون، بس الحقيقة إني مكنتش مركزة.. كلام حماتي وعياط العيال وشكل جواد المجنون كان لافف حوالين رقبتي زي الحبل. الشوق كان بياكل في قلبي، الوجع مكنش بيهدا، أنا لسه بحبه.. لسه روحي متعلقة بيه، بس كرامتي كانت زي السد العالي واقفة بيني وبينه.
فجأة.. الموبايل بتاعي رن. بصيت على الشاشة.. لقيت رقمه.
ترددت ثواني، قلبي دق بسرعة، ولقيت نفسي بفتح الخط من غير ما أتكلم.
سمعت صوت أنفاسه السخنة الصمت فضّل بيننا ثواني، لحد ما صوته طلع مبحوح، تعبان، مليان بالوجع والشجن والعذاب، وقالي بهمس قطع قلبي:
“ولاء.. أنتِ صاحية؟”
رديت بنبرة جافة حاولت أطلعها قوية:
“عايز إيه يا جواد؟ بتكلمني في وقت زي دا ليه؟”
جواد اتنهد تنهيدة طويلة، تنهيدة طالعة من جوا روحه المكسورة، وبصوت فيه بحة ندم قال:
“مش قادر يا ولاء.. قسماً بالله العظيم مش قادر.. أنا بموت في كل ثانية الشقة ضلمة من غيرك ريحتك في كل حتة.. أنا كنت أعمى، كنت مجنون يا ولاء يوم ما ضيعتك من إيدي.. أنا بحبك.. أنا عمري ما أحببت ولا هحب حد غيرك.. أنا عرفت قيمتك متأخر بس وحياة الولاد عندك ما تسبيني ضايع كدا.. ارجعيلي يا ولاء.. ارجعيلي وأنا هبوس راسك قدام الدنيا كلها” حكايات نورهان العشري
الكلمات نزلت على قلبي زي السكاكين. الشوق اللي بيننا كان مالي قلوبنا كنت حاسة بنبرة ولهفته وشوقه و قد أيه هيتجنن ويوصلي، دموعي نزلت غصب عني وسالت على خدي بحرقة وقهر.. الكلمة اللي كنت بستناها منه 8 سنين بيقولها النهاردة وأنا بعيدة! قهرني وقهر نفسه.
مسحت دمعتي بسرعة، وعضيت على شفايفي عشان صوتي ميرتعش، وقُلتله بنبرة ماليانة عناد وجفاء وصوت قاطع:
“مبقاش ينفع يا جواد.. الكلمة دي جاية متأخرة أوي.. جاية بعد ما الجرح نزف كتير وبعد ما الروح شاخت من القهر.. أنا كمان كنت بموت في بعدك زمان وأنت مكنتش هنا أصلاً.. دلوقتي خلاص، مبقاش ينفع نرجع، وكل واحد يعيش حياته.. اقفل يا جواد ومتصلش هنا تاني”. حكايات نورهان العشري
قفلت السكة في وشه.. ورميت الموبايل على السرير، وانهرت في العياط وأنا كاتمة صرختي في المخدة.. الشوق كان بيدبحنا إحنا الاتنين، بس العناد والكرامة كانوا أقوى من أي حب.
مرت الأيام، وكنت فاكرة إني خلاص بنيت السد اللي مفيش وراه رجوع. بس جواد ميبقاش جواد الراوي لو استسلم، وأنا مكنتش أعرف إن الراجل لما بيعشق بجد بعد فوات الأوان، بيتحول لـ طفل مستعد يهد الدنيا عشان يرجع حضن أمه.
في يوم، كنت خارجة من مكتب المستشار فريد المنشاوي بعد يوم شغل طويل. كنت نازلة السلم وأنا بفكر في القضايا اللي ورايا. أول ما رجلي خطت بره باب العمارة وبقيت في الشارع، اتفاجئت بمنظر خلاني اتسمر في مكاني..حكايات نورهان العشري
أهلي كلهم كانوا واقفين! بابا، ماما، أختي منى وجوزها، وحتى عمي علي وعمي التاني.. العيلة كلها كانت واقفة على الرصيف وباصينلي بابتسامة غريبة، ميكس بين الفرحة والترقب. قلبي اتنفض في صدري واتخضيت خضة عمري، جريت عليهم وأنا بنهج وقُلت بصوت مرعوب:
“في إيه؟ جرى إيه يا جماعة؟ مالكم واقفين كدا ليه؟ الولاد فيهم حاجة؟ بابا أنت كويس؟”
بابا مسك إيدي وطبطب عليا وهو بيضحك وعينيه مدمعة من الفرحة، وقال بصوت حنين:
“مفيش حاجة يا قلب أبوكِ.. بس ارفعي عينك للسما كدا وشوفي.”
رفعت راسي ببطء.. ولقيت المنظر اللي صدمني ووقف النبض في قلبي. في لحظة واحدة، طارت في السما مئات البلالين الحمراء والبيضاء، وفوقهم بلونة هليوم ضخمة جداً، متعلق فيها لافتة قماش عريضة ومكتوب عليها بخط ذهبي كبير وواضح للدنيا كلها:
” بحبك يا ولاء.. سامحيني يا ملكة قلبي”
دموعي نزلت في ثانية، وخبيتها ورا نضارتي وقلبي بدأ يضرب في صدري زي الطبول. وفجأة، حسيت بـ حركة ورايا، وخطوات واثقة بتقرب. لفيت ببطء.. وكان هو.
جواد.. بـ هيبته، ووسامته، بس المرة دي مكنش لابس البدلة الميري، كان لابس بدلة كاجوال شيك، وعينيه مكنش فيها لا غضب ولا غيرة عمياء.. كان فيها كمية شوق وولهفة وانكسار حبيب مستعد يبيع الدنيا عشان نظرة رضا. كان شايل في إيده بوكية ورد روز أحمر كبير، قرب مني لحد ما بقى واقف قصادي قدام أهلي، وقدام الناس في الشارع اللي بدأت تقف وتتفرج وتسقف. جواد بص في عيني بنظرة دّوبت كل جبال الثلج والعناد اللي بنيتها جوايا. نزل على ركبته نص نزلة، ومد إيده بالورد وقال بصوت جهوري ومبحوح في نفس الوقت، صوته هز الشارع كله:
“بقولهالك قدام أهلِك، وقدام الناس كلها، وقدام ربنا قبل أي حد.. أنا بحبك يا ولاء! بحبك ومقدرش أعيش ثانية واحدة من غيرك. أنا كنت غبي ومجنون وأعمى بس وحياة دموعك الغالية دي، وحياة الـ 8 سنين اللي عيشتيهم بتستحمليني، ماليش حياة بره حضنك.. سامحيني يا بنت عمي، سامحيني يا حب عمري.
في اللحظة دي.. ولاء القوية واللي قررت تقف في وش قلبها قبل أي حاجة. بقت أضعف من أضعف حاجة في الدنيا . الـ 23 سنة حب اللي اتولدوا معايا من طفولتي طلعوا هما اللي كسبانين. أنا ضعفت.. ضعفت بالمعنى الحرفي للكلمة قدام لهفته ودموعه اللي لمحتها في عينيه لأول مرة في حياتي. النظرة المكسورة والاعتراف اللي تمنيته عمره كله كان بين إيديا.حكايات نورهان العشري
مسحت دموعي ونزلت نضارتي، وبصيتله وعيني بتضحك وتبكي في نفس الوقت. بابا قرب منا وحط إيده على كتف جواد وقاله:
“قوم يا ابني.. صون بنتي وشيلها في عينك، دي جوهرة عايزة اللي يحافظ عليها.”
جواد قام وقف، وعينيه بتلمع بـ فرحة طفل كأنه ملك الدنيا. قرب مني، ومسك إيدي قصادهم كلهم وقال بنبرة ماليانة عهد ووعد:
“والله العظيم هعمل المستحيل عشان أسعدك وأعوضك عن كل ثانية وجع عيشتيها بسببي.. أنتِ من النهاردة فوق راسي و عمري ما هزعلك تاني
متكلمناش كتير.. الحزن والوجع اتمحوا في ثانية، وحل محلهم لهفة الرجوع. ركبنا العربيات وكلنا على المأذون.. نفس المكتب اللي شهد كسرتي من كام شهر النهاردة كان بيشهد على ولادتي من جديد.
قعدنا قصاد المأذون، وجواد إيده مكنتش سايبة إيدي ولا ثانية، كأنه خايف أهرب منه أو أختفي. ولما المأذون قال كلمته الشهيرة وجواد رد ورايا ورجعني لعصمته وعلى ذمته.. المأذون لسه بيقفل الدفتر، لقيت جواد قام واتنفض من مكانه، وبدون أي مقدمات وقدام أهلي كلهم، شدني لحضنه بعنف وشوق كبير! حكايات نورهان العشري
حضنّي لدرجة إني حسيت بضلوعه بتضغط على ضلوعي، كأنه بيدخلني جوه صدره عشان يقفل عليا للآبد. دفن راسه في رقبتي وبقى يتنفس ريحتي بـ لهفة وعياط مكتوم، وهو بيهمس في ودني بصوت كله عشق وولع:
“الحمد لله يا رب.. رجعتيلي يا ولاء.. رجعتيلي يا قلب جواد.. والله ما هفرط فيكِ تاني طول عمري.. بحبك، بعشقك يا قمر حياتي كلها.”
أنا كمان حوطت رقبتي بـ إيديا، وغمضت عيني وأنا حاسة بـ أمان الدنيا كله بيرجعلي.. الحرب خلصت، والعناد اتهزم، والحب انتصر.. والضحكة والكسرة اللي في الآخر بقت فرحة ماليانه البيوت إحنا الاتنين.
تمت اشتريت نفسي بقلم نورهان العشري ❤️


تعليقات
إرسال تعليق