القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

لما لقيت مراتي بين أيدين اخويا وعلى سريري كامله

 لما لقيت مراتي بين أيدين اخويا وعلى سريري كامله 



حكايات اسما السيد 1



لما لقيت مراتي بين أيدين اخويا وعلى سريري مصرختش …بتسمت بس. وقلتلهم: والله ما انتوا قايمين أنا …هقفل الباب، همست مراتي برعب وهي عينيها مفتوحة على الآخر وصوتها مكسور… أرجوك

أخويا بلع ريقه وقال: “استنى… اسمعني بس…”

لفيت المفتاح في الكالون بنقرة هادية وقلت، بهدوء شبه لطيف: اهدوا… أنا مش جاي أفضح حد.

هما افتكروا إن ده تسامح….بس اللي هي ماكنتش تعرفه إن كل سر، كل كذبة، وكل جنيه اتاخد مني كان متسجل ومتأرشف بتاريخ وساعة، ومتنسخ أكتر من مرة… ومستحيل يتمسح.

خرجت من غير ولا صوت…لأن أقوى انتقام هو اللي محدش يشوفه جاي….وبكرة… هديلهم هدية عمرهم ما هيقدروا يرجعوها.

ما صرختش لما لقيت مراتي، نيرمين، في حضن أخويا كريم في أوضة الضيوف عندنا في الشقة في مدينة نصر.

ابتسمت لأن أول ما شفت الملاية ملفوفة حوالين رجلها زي علم الذنب… فهمت أخيرًا ليه آخر ٦ شهور كنت حاسس إني عايش جوه كذبة.

“اقفل الباب”، همست نيرمين، عينيها واسعة وصوتها بيترعش.

شعرها كان مبهدل، وأحمر الشفايف متلخبط كأنها حاولت تمسح قرار غلط أخدته.

كريم قعد بسرعة زيادة، والبطانية نزلت لحد وسطه.

“يا محمود… الموضوع مش زي ما إنت فاهم…”

قفلت الباب بهدوء… كأننا بنزعج حد نايم.

وبعدين قفلت الكالون بنقرة خفيفة.

مش علشانهم… علشاني أنا. علشان الهدوء.

“اهدوا”، قلت بهدوء.

“أنا مش جاي أعمل مشكلة.”

نيرمين رمشت كأنها مش مستوعبة.

“إنت… بتقول إيه؟”

قلت:

“بقول إنك مش محتاجة تمثلي… إنتِ باين عليكي تعبانة.”

كريم كان بيفتح بقه ويقفله.

“بص… أيًا كان اللي إنت فاكر إنك شفته..

قاطعته: “أنا شفت اللي كنت محتاج أشوفه بالظبط.”

وصوتي ما كانش بيتهز… وده كان أكتر حاجة خوفتهم.

“وأنا مش جاي أخانق.”

إيدين نيرمين كانوا بيترعشوا.

“لو سمحت يا محمود… نقدر نتكلم… ما تعملش حاجة…”

قلت وأنا لسه مبتسم:

“حاجة بصوت عالي؟ لا… أنا مش كده.”

هما افتكروا ده طيبة.

ما كانوش يعرفوا إني بطلت أكون نفس الشخص من شهور…

من أول ما أول كذبة “صغيرة” ظهرت في كشف حساب البنك وقالتلي إنها غلطة…

ومن وقت ما كريم قال إنه هيظبطلي موضوع عقد شغل… واللي خلاني أخسر شركتي حوالي نص مليون جنيه.

قربت منهم شوية… ووطيت صوتي كأني بقول سر:

“البسوا براحتكم… خدو وقتكم… أنا في المطبخ.”

نيرمين بلعت ريقها:

“إنت… إنت هتمشي كده بس؟”هززت راسي:

“بهـدوء.”اللي ما كانتش تعرفه…

إن كل سر… كل كذبة… كل جنيه اتسرق… كان محفوظ ومتسجل…

بتاريخ وساعة… ومستحيل يتمسح.

موبايلي اهتز في جيبي.

تذكير كنت عامله من أسابيع نور الشاشة:

بكرة — الساعة ٩ الصبح — تسليم الحاجة

بصيت لهم آخر بصّة… هادي زي الحجر.

قلت:

“تصبحوا على خير.”

وخرجت… لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

الفصل الأول: الهدية اللي ما بترجعش

خرجت من أوضة الضيوف وأنا سامع ورايا صوت نيرمين وهي بتشهق كأنها لسه خارجة من تحت الميه.

ما بصتش ورايا.

ولا مرة.

مش علشان كنت قوي… لا.

علشان لو بصيت، كنت ممكن أضعف.

كنت ممكن أصرخ.

كنت ممكن أضرب كريم لحد ما إيدي تتكسر.

كنت ممكن أسأل نيرمين السؤال الغبي اللي كل واحد مخدوع بيسأله وهو عارف الإجابة:

ليه؟

بس أنا ما سألتش.

لأن اللي قدامي ما كانش خيانة لحظة.

دي كانت خيانة مترتبة.

منظمة.

متغلفة بابتسامات، وكوبايات شاي، و”ربنا يخليك ليا يا محمود”، و”كريم أخوك وبيخاف عليك”، و”إنت بتشك ليه؟”

دخلت المطبخ وفتحت التلاجة.

طلعت إزازة مية.

شربت منها وأنا واقف في الضلمة، ووشي منعكس في زجاج الشباك.

الراجل اللي كان باصصلي ما كانش محمود اللي اتجوز نيرمين من خمس سنين.

ده كان واحد تاني.

واحد اتعلّم إن الطيبة لما تزيد عن حدها بتبقى تصريح للناس إنهم يدوسوا عليك بجزمهم.

سمعت باب أوضة الضيوف بيتفتح بحذر.

خطوات خفيفة.

همس.

نيرمين قالت بصوت مخنوق:

“محمود…”

ما رديتش.

كريم قال:

“إحنا لازم نتكلم.”

ضحكت.

ضحكة صغيرة جدًا.

من غير ما ألف، قلت:

“أكيد. بس مش دلوقتي.”

نيرمين قربت، لابسة روبها بسرعة، وشعرها لسه مش مترتب.

“أرجوك… اللي حصل…”

لفيتلها بهدوء.

كانت بتدوّر في وشي على محمود القديم.

محمود اللي كان بيسامح.

محمود اللي كان يسمع نص كذبة ويكملها من عنده علشان ما يخسرش حد.

بس محمود ده مات من بدري.

قلت:

“اللي حصل مش محتاج شرح.”

كريم دخل المطبخ ووشه أصفر.

“يا محمود، أنا أخوك.”

بصيتله.

“عارف.”

الكلمة دي وقعت عليه أتقل من الشتيمة.

لأن الأخ اللي يخونك مش محتاج دليل… محتاج بس فرصة تكشفه.

نيرمين مسكت طرف الرخامة بإيدها.

“هتعمل إيه؟”

حطيت الإزازة على الترابيزة.

“هتناموا.”

قالت برعب:

“إيه؟”

قلت:

“هتناموا. بكرة عندنا يوم طويل.”

كريم اتنفض.

“إنت بتهددنا؟”

ابتسمت.

“لا يا كريم… أنا بوعدكم.”

وسبتهم واقفين زي تمثالين معمولين من ذنب.

دخلت أوضة نومي.

قعدت على طرف السرير اللي كنت فاكره سريري.

الغريب إن ريحة عطر نيرمين كانت فيه.

نفس الريحة اللي كنت بحبها.

بس الليلة دي حسيتها خانقة.

فتحت اللاب توب.

دخلت على فولدر اسمه: Final Gift

كان فيه كل حاجة.

تحويلات بنكية.

رسائل واتساب.

تسجيلات صوتية.

صور من كاميرا المكتب.

عقود مضروبة.

إيميلات بين كريم والمحامي اللي ساعده يزوّر توقيعي.

وصورة واحدة… كنت مكسوف أبص عليها.

صورة نيرمين وكريم داخلين نفس الفندق من شهرين.

أنا ما كنتش بدور وراهم في الأول.

أنا بس كنت بحاول أفهم أنا ليه بخسر كل حاجة فجأة.

شركتي بتنزف فلوس.

حساباتي بتتسحب منها مبالغ غريبة.

مراتي بتبعد.

أخويا بيقرب أكتر من اللازم.

والغريب… كل ما كنت أقرب من الحقيقة، كانوا هما يخلوني أحس إني مريض شك.

“إنت محتاج ترتاح يا محمود.”

“إنت بقيت عصبي.”

“إنت بتتخيل.”

“خد أجازة.”

بس أنا ما كنتش بتخيل.

أنا كنت بتصحى.

قعدت طول الليل أراجع الملفات.

وفي الساعة ٨:٣٠ الصبح، لبست بدلتي الرمادي.

نيرمين كانت واقفة في الصالة بعينين منفوخين.

كريم كان قاعد على الكنبة، ماسك كباية قهوة بإيد بتترعش.

قلت بهدوء:

“جاهزين؟”

نيرمين سألت:

“على إيه؟”

الموبايل رن.

رديت.

“أيوه يا أستاذة نهى… أنا نازل حالًا.”

كريم اتجمد أول ما سمع الاسم.

نهى كانت المحامية.

بس مش أي محامية.

كانت زوجة شريك كريم القديم… والست اللي كريم دمّر بيتها قبل ما يدمّر بيتي.

قفلت المكالمة وبصيتلهم.

“الهدية وصلت.”

الفصل الثاني: توقيع واحد يفتح المقابر

في مكتب المحامية، نيرمين كانت قاعدة جنبي كأنها مرات محترمة جاية تحضر اجتماع عائلي.

وكريم كان بيحاول يبان متماسك.

بس أول ما نهى حطت الملفات على الترابيزة، لونه اتغير.

قالت ببرود:

“أستاذ كريم… تحب نبدأ بالتزوير؟ ولا بالتحويلات؟ ولا بالعلاقة غير الشرعية اللي استخدمتها للضغط على زوجة أخوك علشان تسحب منه معلومات الشركة؟”

نيرمين شهقت.

“إنتِ مين علشان تتكلمي عني كده؟”

نهى ابتسمت.

“أنا؟ أنا اللي هخليكي تحفظي تاريخ النهارده.”

كريم قام.

“أنا مش هقعد في المهزلة دي.”

قلت:

“اقعد.”

بصلي بتحدي.

طلعت نسخة من عقد بيع مزور، وحطيته قدامه.

“التوقيع ده بتاعي؟”

سكت.

قلت:

“مش بتاعي. والخبير أكد كده.”

نيرمين همست:

“محمود… أنا ما كنتش أعرف…”

ضحكت لأول مرة بصوت واضح.

“إنتِ ما كنتيش تعرفي إنك بتبعتيله صور كشف حسابي؟”

وشها وقع.

“ولا ما كنتيش تعرفي إنك بتديله باسورد الإيميل؟”

دموعها نزلت.

“هو قاللي إنك بتخبي فلوس…”

بصيتلها بجمود.

“وأنتِ صدقتيه؟”

ما ردتش.

كريم حاول يدخل:

“محمود، الموضوع كان شغل…”

نهى فتحت تسجيل.

وصوت كريم طلع من اللابتوب:

“خليه يوقع بس… وبعدها كل حاجة تبقى تحت إيدينا. محمود غلبان، آخره يزعل يومين ويرجع.”

الصمت وقع على الأوضة.

أنا بصيتله.

“غلبان؟”

كريم بلع ريقه.

“التسجيل ده مفبرك.”

نهى قالت:

“حلو. قول كده في النيابة.”

نيرمين مسكت إيدي فجأة.

“محمود، أرجوك… أنا غلطت. بس ما تسلمنيش. أنا مراتك.”

سحبت إيدي بهدوء.

“كنتِ.”

كلمة واحدة.

بس كسرتها.

قلت:

“أنا رفعت قضية طلاق للضرر. وبلاغ تزوير. وبلاغ خيانة أمانة. وكل حاجة اتبعتت للمحاسب القانوني، وللنيابة، وللبنك، ولشركائي.”

كريم وقف وهو بيزعق:

“إنت هتفضحنا؟”

بصيتله.

“لا.”

سكت لحظة.

“إنتوا فضحتوا نفسكم… أنا بس شغلت النور.”

الفصل الثالث: لما العيلة تبيعك

أول حد جالي البيت كانت أمي.

دخلت وهي بتعيط.

“يا محمود… أخوك غلط، بس ده أخوك.”

كنت واقف في الصالة، قدامي شنط نيرمين مرصوصة جنب الباب.

نيرمين كانت قاعدة مكسورة على كرسي السفرة، مستنية أي حد ينقذها.

قلت لأمي:

“وأنا كنت إيه يا أمي؟ ابن الجيران؟”

حطت إيدها على صدرها.

“ما تقولش كده.”

قلت:

“كريم سرقني. خانني. ونام مع مراتي في بيتي.”

أمي عيطت أكتر.

“الفضيحة هتقتلنا.”

قربت منها.

“أنا اللي كنت بموت لوحدي من ست شهور… محدش فيكم سألني.”

سكتت.

لأنها عارفة.

كانت شايفة.

كانت حاسة إن كريم بيغلط… بس دايمًا كريم كان ابنها اللي “محتاج فرصة”.

وأنا كنت الابن اللي “هيستحمل”.

نيرمين قامت وجريت عليها.

“ماما فاطمة، أرجوكي كلميه… أنا غلطت… بس كريم هو اللي…”

كريم دخل ورا أمي فجأة.

وشه كان متعصب.

“إنتي هترميها عليا؟”

نيرمين صرخت:

“أيوه! إنت اللي لعبت بعقلي!”

ضحكت.

كلهم بصوا لي.

قلت:

“جميل. كمّلوا. التسجيل شغال.”

وشهم اتخطف.

شاورتر على كاميرا صغيرة فوق رف الكتب.

“اتعودت أوثق كل حاجة.”

أمي قالت بصوت مكسور:

“يا ابني… كفاية.”

بصيتلها وقلبي واجعني.

“الكفاية كانت من زمان يا أمي.”

فتحت الباب.

“نيرمين، شنطك جاهزة. هتروحي عند أهلك. المحامي هيتواصل معاكي.”

قالت وهي بتعيط:

“ومحمود اللي حبني؟”

حسيت بسكينة بتدخل صدري.

بس رديت بهدوء:

“مات.”

كريم قال:

“إنت فاكر نفسك كسبت؟”

قربت منه لحد ما بقيت قصاده.

“لا يا كريم… أنا لسه مبدأتش.”

الفصل الرابع: الهدية

تاني يوم، كريم اتقبض عليه.

مش في الشارع.

ولا في بيته.

اتقبض عليه في اجتماع مهم، قدام الناس اللي كان بيحاول يثبتلهم إنه رجل أعمال ناجح.

دخلوا عليه بهدوء.

زي ما أنا دخلت عليهم بهدوء.

والهدوء ساعات بيبقى أشرس من الزعيق.

أما نيرمين، فالمفاجأة اللي مستنياها كانت مختلفة.

أهلها عرفوا.

مش مني.

من الورق الرسمي.

من إنذار الطلاق.

من صور التحويلات.

من توقيعها على مستندات كانت فاكرة إنها “إجراءات عادية”.

أبوها اتصل بيا.

كان صوته مكسور.

“يا محمود… بنتي غلطت… بس ما تفضحهاش.”

قلت:

“أنا ما نشرتش حاجة. أنا مش بتاع فضايح.”

سكت.

قلت:

“بس الحق هيمشي في طريقه.”

بعد أسبوعين، رجعت شركتي.

مش كلها.

بس رجعتلي الأرض اللي كنت واقف عليها.

الشريك اللي كنت فاكره ضدي طلع كان مستني مني دليل.

والدليل جه.

كريم خسر اسمه.

نيرمين خسرت البيت.

وأمي… خسرت وهمها إن السكوت بيحافظ على العيلة.

في آخر جلسة بيني وبين نيرمين قبل الطلاق، كانت قاعدة قدامي من غير مكياج.

قالت:

“كنت بتحبني بجد؟”

بصيتلها طويل.

“أكتر مما كنتِ تستاهلي.”

دموعها نزلت.

“طب ليه ما سامحتنيش؟”

قلت:

“علشان الخيانة مش غلطة… دي اختيار. وإنتِ اخترتي كل يوم لمدة شهور.”

قامت وهي بتترعش.

“هتندم يا محمود.”

ابتسمت.

“يمكن. بس مش عليكي.”

خرجت.

ولأول مرة من شهور، حسيت إني بتنفس.

مش فرحان.

بس حر.

الفصل الأخير: الباب اللي اتقفل

بعد سنة، كنت واقف في مكتبي الجديد في التجمع، ببص من الشباك على القاهرة وهي بتصحى.

الشركة بقت أصغر.

بس أنضف.

حياتي بقت أهدى.

بس أصدق.

أمي رجعت تكلمني، بس علاقتنا ما رجعتش زي الأول.

كريم خرج بكفالة بعد شهور، بس ما رجعش زي الأول.

ونيرمين اتجوزت واحد غني بعد الطلاق بست شهور… وبعدها سمعت إنها اتطلقت منه بعد ما عرف ماضيها.

ما حسيتش بحاجة.

لا شماتة.

ولا حزن.

بس فهمت إن ربنا أحيانًا ما بيعاقبش بسرعة…

هو بس بيسيب الناس تمشي لحد آخر الطريق اللي اختاروه.

وفي ليلة هادية، لقيت رسالة من رقم مجهول:

“محمود… أنا آسفة. لو رجع بيا الزمن، كنت اختارتك.”

بصيت للرسالة دقيقة.

وبعدين مسحتها.

مش قسوة.

بس لأن في ناس لما تخرج من قلبك، ما ينفعش ترجع حتى لو الباب مفتوح.

وقفت قدام المراية.

شوفت نفس الراجل اللي شاف الخيانة وسكت.

بس المرة دي، ما كانش مكسور.

كان واقف.

ثابت.

هادئ.

ابتسمت لنفسي وقلت:

“أهو… أنا قمت.”

وساعتها بس فهمت…

إن أقوى انتقام ما كانش البلاغات.

ولا التسجيلات.

ولا خسارة كريم ونيرمين.

أقوى انتقام…

إني طلعت من الحكاية من غير ما أبقى شبههم.


لما لقيت مراتي٢

حكايات اسما السيد 2


بعد ثلاث شهور من آخر مرة شفت فيها نيرمين…

كنت فاكر إن الحكاية خلصت.

وده كان أكبر غلطة.

لأن بعض الناس لما يقعوا… ما بيقعوش لوحدهم.

بيحاولوا يشدّوك معاهم لتحت بأي طريقة.

الساعة كانت ١١ بالليل لما موبايلي رن.

رقم غريب.

كنت لسه راجع من الشغل، ورميت مفاتيحي فوق الترابيزة، والبيت ساكت بشكل غريب لسه ما اتعودتش عليه.

رديت بهدوء: “ألو؟”

ثانيتين صمت.

وبعدين صوت نيرمين.

واطي.

مكسور.

“محمود… الحقني.”

قفلت عيني.

مش خوف.

إرهاق.

الإحساس ده اللي بيجيلك لما جرح قديم يفتح تاني فجأة.

قلت ببرود: “خير؟”

سمعت نفسها بيتقطع من العياط.

“كريم… كريم هيضيعني.”

ضحكت ضحكة قصيرة من غير روح.

“وأنا المفروض أعمل إيه؟ أجيبلك إسعاف؟”

“أرجوك… اسمعني بس.”

قعدت على الكنبة.

“عندك دقيقة.”

سكتت شوية، وبعدها قالت: “هو سرق فلوس باسمي.”

ما اتكلمتش.

“بعد ما خرج… رجع يهددني. قالي لو ما ساعدتوش يرجع يقف على رجله، هيقول للناس كلها إني كنت شريكة معاه.”

ابتسمت بسخرية مرّة.

“ما إنتِ كنتِ شريكة.”

صوتها علي: “أنا غلطت… بس ما كنتش فاهمة كل حاجة!”

“وأنا كنت فاهم؟”

سكتت.

سمعت صوت باب بيتقفل بعيد.

وبعدين همست بسرعة: “هو هنا.”

قمت واقف فورًا.

“فينك؟”

قالت عنوان شقة قديمة في مصر الجديدة.

المكان كان معروف.

شقة كريم القديمة.

قفلت المكالمة.

وقفت دقيقة كاملة باصص للسقف.

جزء جوايا كان بيقول: سيبهم يولعوا ببعض.

وجزء تاني… للأسف… لسه إنسان.

خدت مفاتيحي ونزلت.

القاهرة بالليل كانت زحمة كأن الناس كلها هربانة من حاجة.

وصلت العمارة بعد نص ساعة.

الأنوار مطفية في أغلب الشقق.

طلعت الدور الرابع.

وبمجرد ما قربت من الباب… سمعت صوت تكسير.

وصوت كريم بيزعق: “إنتِ السبب! كله بسببك!”

ونيرمين بتعيط.

خبطت الباب بعنف.

الصوت سكت فجأة.

وبعدين كريم فتح.

أول ما شافني، وشه نشف.

كان باين عليه السهر، والعصبية، والانهيار.

“إنت؟”

دخلت من غير استئذان.

نيرمين كانت واقعة جنب الكنبة، شفايفها متشققة وعينها وارمة.

الغضب طلع في صدري بارد.

مش علشان بحبها.

لكن علشان عمري ما استحملت أشوف راجل يمد إيده على ست.

كريم ضحك بتوتر: “إيه؟ جاي تنقذ الأميرة؟”

بصيتله.

“إنت لسه ما اتعلمتش تسكت.”

قرب مني بعصبية.

“إوعى تنسى إنك أخويا.”

“إنت اللي نسيت.”

نيرمين قامت بسرعة ومسكت دراعي.

“محمود… خدني من هنا.”

كريم صرخ: “ما تلمسهاش!”

لفيتله ببطء.

“وإنت مالك؟ مش كانت خاينة زيك؟”

الكلمة ضربته.

لأن أكتر حاجة بتوجع الخاين… إنه يسمع حقيقته بصوت عالي.

كريم قرب أكتر.

“إنت فاكر نفسك ملاك؟”

ضحكت.

“لا. بس على الأقل ما بعتش أخويا.”

فجأة… كريم زقني.

غلطته الأخيرة.

مسكت إيده قبل ما يلمسني تاني، وليّتها بعنف خلاه يصرخ.

وزقيته بعيد.

وقع على الترابيزة الخشب واتكسرت تحت جسمه.

نيرمين شهقت.

كريم بصلي بكره عمره ما كان في عينيه قبل كده.

وقال: “أقسم بالله هدمرك.”

مشيت ناحية الباب.

ومسكت إيد نيرمين.

“يلا.”

نزلنا السلم وسط صوته وهو بيكسر أي حاجة حواليه.

في العربية، نيرمين كانت ساكتة.

حاضنة نفسها كأنها بردانة.

وأنا سايق من غير ما أبصلها.

بعد عشر دقايق قالت: “ليه جيت؟”

فضلت ساكت شوية.

وبعدين قلت: “علشان ما بقاش شبهه.”

دموعها نزلت.

“أنا استاهل كل اللي حصلي.”

“أيوه.”

بصتلي بصدمة.

قلت بهدوء: “بس الضرب مش منهم.”

وصلت بيها عند بيت أهلها.

قبل ما تنزل، قالت: “محمود… ممكن أسألك سؤال؟”

“اتفضلي.”

“عمرك سامحتني؟”

بصيت قدامي.

الشارع كان فاضي إلا من نور عمود إنارة بيرعش.

وقلت: “في فرق بين إني أبطل أكرهك… وإني أسامحك.”

نزلت وهي بتعيط.

وسابت ريحة عطرها تاني في العربية.

بس المرة دي… ما هزتنيش.

بعدها بأسبوع…

كنت في الشركة لما السكرتيرة دخلت بخوف.

“أستاذ محمود… في ناس تحت بيسألوا على حضرتك.”

“مين؟”

“الشرطة.”

نزلت بهدوء.

لقيت ظابط واقف مستنيني.

“أستاذ محمود السيوفي؟”

“أيوه.”

“مطلوب حضرتك في بلاغ.”

رفعت حاجبي.

“بلاغ إيه؟”

فتح نوتة صغيرة.

“شروع في قتل الأستاذ كريم السيوفي.”

ابتسمت.

ببطء.

لأن أخيرًا… كريم لعب الورقة الأخيرة.

وفي القسم، كريم كان قاعد عامل دراما رخيصة.

إيده متجبسة.

ووشه مليان كدمات.

أول ما شافني، عمل دور الضحية.

“هو ضربني وكان هيموتني!”

الظابط بصلي.

“حضرتك تقول إيه؟”

حطيت فلاشة صغيرة على المكتب.

“أقول نشغل الكاميرا الأول.”

كريم اتجمد.

الظابط شغل الفيديو.

كاميرا العمارة كانت جايبة كل حاجة.

كريم وهو بيزقني الأول.

وهو بيحاول يضربني.

وهو بيكسر الشقة بنفسه بعد ما خرجت.

الصمت نزل على المكان.

الظابط بص لكريم باشمئزاز.

“يعني بلاغ كاذب كمان؟”

كريم بصلي بكره حقيقي.

وأنا ابتسمتله.

لأن اللعبة دي… أنا اتعلمتها منه.

لكن اتعلمتها صح.

بعد شهر…

كريم اتحبس.

القضايا اتفتحت من جديد.

والناس اللي كان ضاحك عليهم بدأوا يطلعوا واحد ورا التاني.

شركاء.

عملاء.

حتى صحابه.

الكل بدأ يتبرى منه.

أما أنا…

ففي ليلة هادية، كنت قاعد في كافيه صغير في الزمالك.

أول مرة أخرج مع حد من بعد الطلاق.

اسمها سلمى.

هادية.

ما بتسألش كتير.

وما بتحاولش تدخل جوه جروحي.

وده كان مريح.

قالت وهي بتقلب القهوة: “حاساك مش هنا.”

ابتسمت.

“لسه بتعلم أرجع.”

بصتلي شوية وقالت: “الناس اللي بتتوجع جامد… يا إما بتقسى قوي، يا إما بتبقى أحن من اللازم.”

ضحكت.

“وأنا بقيت إيه؟”

قالت بهدوء: “لسه محتار.”

الكلمة لمست حاجة جوايا.

لأنها كانت صح.

أنا فعلًا كنت محتار.

بين الراجل اللي اتكسر…

والراجل اللي نجا.

وفي يوم المحكمة الأخير…

دخل كريم القاعة مكبل.

وأول ما شافني، ابتسم ابتسامة غريبة.

وقال: “عارف يا محمود؟ يمكن أنا خسرت كل حاجة… بس إنت كمان عمرك ما هتعرف تثق في حد تاني.”

الكلمة دخلت في صدري أعمق من أي شتيمة.

لأنها كانت مخاوفي فعلًا.

بس وأنا باصصله… فهمت حاجة.

إن الثقة مش غباء.

والحب مش ضعف.

الضعف الحقيقي… إنك تخون اللي آمنلك.

القاضي نطق بالحكم.

وكريم انهار.

وأنا خرجت من المحكمة تحت شمس القاهرة السخنة…

وحسيت لأول مرة من سنين…

إن الحمل اللي فوق صدري بدأ يخف.

مش يختفي.

بس يخف.

ومع كل خطوة بعيد عن المحكمة…

كنت بحس إني برجع لنفسي شوية.

النسخة اللي هما حاولوا يقتلوها جوايا…

وما عرفوش.

يتبع


بعد الحكم على كريم بثلاث شهور كاملة، بدأت أصدق إن حياتي أخيرًا رجعت هادية… ودي كانت أول مرة أكتشف إن الهدوء أحيانًا بيبقى أخطر من العاصفة نفسها. لأن العاصفة لما بتعدي… بتعرف إنها عدّت. لكن الهدوء؟ الهدوء بيخليك تنسى إن الخراب لسه مستخبي تحت التراب مستني حد يدوس عليه. كنت قاعد في مكتبي آخر الليل، أغلب الموظفين مشيوا، والدور كله ساكت إلا من صوت التكييف الخافت وضوء القاهرة اللي داخل من الشباك الكبير ومرسوم على الأرضية الرخام. كنت براجع عقد شراكة جديد، وحاسس لأول مرة من سنين إني ببني حاجة بإيدي من غير خوف إنها تتسرق مني وأنا غافل. موبايلي اهتز جنب اللاب توب. رقم غريب تاني. الغريب إن بعد كل اللي حصلي، بقيت أي رقم مجهول يحسسني إن الماضي لسه بيراقبني من مكان ما. رديت بهدوء: “ألو؟” وجالي صوت راجل كبير في السن، صوته فيه رهبة غريبة: “أستاذ محمود؟” “أيوه.” “أنا… أنا المحامي الخاص بالحاج فؤاد الدمنهوري.” الاسم خلاني أعتدل في قعدتي فورًا. فؤاد الدمنهوري ما كانش اسم عادي. ده واحد من أقدم رجال الأعمال في مصر، راجل الناس كانت بتقول إن نص الشركات الكبيرة مدينة له بحاجة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. قلت بحذر: “خير؟” الراجل سكت ثانية وبعدين قال: “الحاج عايز يقابلك شخصيًا.” ضيقت عيني: “وليه؟” “ده شيء يخص المرحوم والد حضرتك.” قلبي دق مرة واحدة جامدة. أبويا مات من سبع سنين. ومن يومها وأنا كنت فاكر إن كل أسراره دفنت معاه. قلت ببطء: “أنا جاي.” العنوان كان في الزمالك. فيلا قديمة جدًا مستخبية وسط الشجر، شكلها يوحي إن الزمن وقف فيها من التمانينات. البواب فتحلي من غير ما يسأل عن اسمي كأنهم كانوا مستنييني. دخلت لحد أوضة مكتب ضخمة ريحتها خشب قديم وسيجار فاخر. والحاج فؤاد كان قاعد على كرسي جلد كبير، جسمه ضعيف من السن، لكن عينيه… عينيه كانت لسه حادة بشكل يخوف. شاورلي أقعد. “إنت شبه أبوك جدًا.” ما رديتش. فقال بابتسامة صغيرة: “وده مش دايمًا شيء كويس.” حط قدامي ملف قديم. أصفر من الزمن. وقال: “قبل ما أبوك يموت، ساب عندي أمانة.” فتحت الملف بحذر… وأول صورة شفتها خلت الدم ينسحب من وشي. كريم. بس صغير. عنده يمكن عشر سنين. واقف جنب راجل غريب. الراجل ده أنا شوفته قبل كده. بس فين؟ عقلي فضل يقلب لحد ما افتكرت… كان موجود في واحدة من القضايا اللي اكتشفتها بعد سرقة الشركة. واحد من رجال الأعمال اللي اتسجنوا في قضايا غسل أموال زمان. رفعت عيني للحاج فؤاد. “إيه ده؟” تنهد وقال: “أخوك ما كانش بيشتغل لوحده يا محمود.” حسيت جسمي برد. “قصدك إيه؟” “أقصد إن اللي حصل معاك… كان أكبر منك.” فتح الملف قدامي. مستندات. تحويلات. صور. أسماء. وكلهم بيربطوا كريم بشبكة ناس كانوا بيستغلوا الشركات الصغيرة علشان يغسلوا فلوسهم. وأنا… كنت الهدف المثالي. شركة محترمة. صاحبها طيب. وعنده أخ يقدر يدخل ويخرج من غير شك. حسيت الغضب بيرجعلي من جديد. بس المرة دي كان أهدى… وأعمق. قلت: “وأبويا كان يعرف؟” الحاج فؤاد بص بعيد شوية وقال: “أبوك اكتشف متأخر. حاول يخرج كريم من السكة دي… بس كان فات الأوان.” سكت شوية وبعدين كمل: “وقبل ما يموت… طلب مني لو حصلك أي أذى بسبب أخوك، أسلمك الملف.” ضحكت ضحكة قصيرة كلها مرارة. “جميل. حتى وهو ميت سايبلي مشاكل.” الحاج فؤاد بصلي بثبات: “لا يا محمود… هو حاول يحميك.” خدت الملف وقمت أمشي. لكنه قال قبل ما أخرج: “خلي بالك… الناس اللي ورا كريم مش هيسيبوا الورق ده يفضل معاك.” وقفت مكاني. “يعني إيه؟” “يعني من اللحظة اللي خرجت فيها من هنا… إنت دخلت لعبة أكبر بكتير من الخيانة.” وأنا نازل درجات الفيلا، حسيت نفس الإحساس اللي حسيت بيه يوم ما فتحت أوضة الضيوف وشفت نيرمين في حضن كريم. إحساس إن الأرض اللي واقف عليها طلعت مزيفة طول الوقت. ركبت عربيتي وفضلت الملف جنبي على الكرسي. كنت محتاج أروح البيت بسرعة. محتاج أقفل الباب على نفسي وأفهم أنا داخل على إيه. لكن قبل ما أوصل حتى، لاحظت عربية سودا ماشية ورايا من أول كوبري أكتوبر. في الأول قلت صدفة. لكن لما غيرت الطريق وغيرت الحارة وهي لسه ورايا… فهمت. الضغط بدأ يرجع لصدري. مسكت الموبايل وبعت لوكيشن لسلمى. كتبتلها: “لو ما رديتش خلال ساعة، كلمي الشرطة.” ردت فورًا: “في إيه؟” لكني ما جاوبتش. العربية فضلت ورايا لحد شارع هادي في مدينة نصر. وفجأة… سرعت. خبطت عربيتي من الجنب بعنف. الدركسيون فلت من إيدي. العربية لفت نص لفة وصوت الكاوتش صرخ في الشارع. حاولت أتحكم فيها بالعافية. العربية السودة وقفت قدامي فجأة. ونزل منها اتنين. أول واحد كان ضخم بشكل مرعب. والتاني لابس جاكيت جلد ووشه هادي بطريقة تخوف أكتر من العصبية. خبط على إزاز العربية بتاعي بإيده وقال: “افتح يا أستاذ محمود… نتكلم كلمتين.” قلبي كان بيدق بعنف… لكن وشي فضل ثابت. نزلت الإزاز سنة بسيطة. قلت: “عايزين إيه؟” الراجل ابتسم ابتسامة باردة. “الملف.” قلت: “معرفش بتتكلم عن إيه.” فجأة لكم العربية بقبضته بعنف خلا نيرانه الداخلية تبان. “ما تخليناش نزعل.” في اللحظة دي فهمت إن الحكاية دخلت حتة تانية خالص. دول مش ناس بتخاف من قانون ولا فضيحة. دول ناس متعودة تاخد اللي عايزاه بالقوة. بصيت حوالي بسرعة. الشارع شبه فاضي. والغلط الوحيد اللي ممكن أعمله دلوقتي… إني أخاف. حطيت العربية على D فجأة ودست بنزين بكل قوتي. العربية اندفعت لقدام وخبطت في باب عربيتهم، وسمعت صوت شتيمة وصريخ ورايا وأنا بطير في الشارع. موبايلي وقع على الأرضية، وصوت نفسي كان عالي جوا العربية بشكل مخيف. وصلت البيت وأنا حرفيًا إيدي بتترعش لأول مرة من سنين. قفلت الباب ورايا بالمفتاح مرتين. وبعدين فتحت الملف تاني فوق السفرة. ومع كل ورقة كنت بقراها… كنت بفهم إن كريم ما خاننيش علشان الفلوس بس. كريم كان غرقان لحد رقبته من زمان. وكل ما حاول يطلع… شدني معاه لتحت. وفجأة لقيت صورة في آخر الملف. صورة لنيرمين. اتجمدت. كانت قاعدة مع نفس الراجل اللي كان في الصور القديمة مع كريم. الصورة حديثة… من شهرين بس. حسيت بطعنة باردة في معدتي. يعني نيرمين كانت لسه متورطة؟ ولا كانت بتحاول تهرب؟ عقلي بدأ يلف. وفي اللحظة دي بالذات… جرس الباب رن. وقفت مكاني. الساعة كانت ٢ بعد منتصف الليل. محدش يعرف إني هنا غير سلمى. جرس الباب رن تاني. وبعدين صوت واطي من برا: “محمود… افتح. بالله عليك.” نيرمين. قربت من الباب بحذر. “إنتِ جاية تعملي إيه؟” صوتها كان مرعوب بجد. “هما عرفوا إن الملف عندك.” قلبي وقع. “مين؟” “الناس اللي كريم كان شغال معاهم.” سكتت ثانية وبعدين قالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي: “وكريم… هرب.”

تمت




تعليقات

التنقل السريع
    close