مرات اخويا كامله حكايات رومانى مكرم
مرات اخويا ١
حكايات رومانى مكرم
انا مطلقه ومرات أخويا عايشة معانا في نفس البيت واخويا سافر بقاله سنتين دبى ومرات اخويا عاوزه تسافر لجوزها تعيش معها واخويا وافق كلمت اخويا واتاكد انه هياخدها عنده قولته ومين يخدم امك وابوك وانت عارف انهم كبار فى السن وعاوزين الى يخدمهم وانا مش بعرف اخدم حد منهم واختك فى بيت جوزها وبتخدم جوزها ياريت تفكر فى ابوك وامك
البدايه
أنا نادية. عايشة مع أبويا وأمي في بيت عيلة كبير في قلب محافظة الشرقية. من سنتين، أخويا الكبير عصام سافر دبي عشان “يأمن مستقبله”، وساب وراه مراته، نيرمين، وبنتين زي القمر يعيشوا معانا على ما يظبط أموره هناك.
البيت كان ماشي ببركة ربنا، بس الحقيقة اللي الكل كان مغمي عينه عنها.. إن نيرمين هي اللي شايلة الشيلة كلها. أمي ركبها خانتها ومبقتش تقوى على قومة السرير، وأبويا مريض سكر وضغط ومحتاج رعاية دقيقة؛ أكل بميعاد، وعلاج بحساب. ونيرمين كانت شايلة البيت على كتافها من الفجر لـ نص الليل، بتخدمهم بنفس راضية. وأنا؟ أنا كنت عايشة في ملكوت تاني.. مش أنانية والله، بس أنا طبعي كده، مبعرفش أخدم حد، ولا عندي طاقة الستات اللي بتتحمل المرض والشكوى، آخري أواسي بكلمتين، لكن شيل وحط وطبيخ ليل نهار؟ مكنتش بعرف، ولا كنت عاوزة أتعلم. وأختي الكبيرة متجوزة في بندر تاني بعيد، وشايلة بيت جوزها وعيالها، ومبتجيش غير مواسم.
الدنيا اتهدت فوق دماغي من يومين بس.
كنت قاعدة في الصالة لما سمعت نيرمين بتتكلم في التليفون مع عصام، صوتها كان مخنوق بالدموع وهي بتقول: “يا عصام سنتين كفاية.. البنات بيكبروا بعيد عنك وأنا عمري بيعدي، أنت قولت أول ما أمورك تظبط هتاخدنا.. الورق جاهز والفيزا طلعت، أنا لازم أجيلك دبي”.
لما قفلت، دخلت عليها المطبخ ووشي متغير: “سمعتك.. أنتِ بجد عاوزه تسافري وتسيبيبنا؟”
بصت لي نيرمين بتعب وقالت: “حقي يا نادية.. أنا بقالي سنتين قايمة بالبيت كله، وعصام وحشني وبناته محتاجينه.. وجوزي وافق خلاص”.
دمي فار. مش عشانها, عشان نفسي.. وعشان أبويا وأمي. طلعت تليفوني وفضلت اتصل بعصام لحد ما رد. صوته كان فرحان وهو بيقول: “إيوه يا نادية، نيرمين كلمتك؟ خلاص يا خيتي، ربنا فرجها وهجيبهم يعيشوا معايا هنا في دبي”.
زعقت في التليفون من غير ما أعمل حساب لأي حاجة: “يجوا فين يا عصام؟! وأبوك وأمك؟ مين يخدمهم؟ أنت عارف إنهم كبار في السن وعاوزين اللي يخدمهم ويمشي بيهم.. أنا مش بعرف أخدم حد منهم وأنت عارف طبعي! وأختك متجوزة وفي بيت جوزها وبتخدمه ومبتفضاش.. سيب مراتها تخدمهم، ياريت تفكر في أبوك وأمك قبل ما تفكر في راحتك!”.
عصام سكت لثواني، صوته اتحول لجمود يخوف: “نيرمين جايةالي يا نادية.. وأبويا وأمك دول أبوك وأمك أنتِ كمان، شيليهم زي ما الناس بتشيل أهالها”. وقفل السكة في وشي.
لما لفيت وشي، لقيت نيرمين واقفة ورايا. عينيها كانت بتطق شرار، والكسرة اللي كانت فيها اتحولت لغضب عمري ما شفته منها. بصت لي وقالت بصوت واطي ومزلزل: “بقى أنتِ بتوقف حالي وتخربي بيتي عشان مكسلة تشيلي أهلك؟ عشان الهانم متعودة على الجاهز؟ طب وعهد الله يا نادية، لولا إنهم كبار وفي مقام أبويا وأمي، مكنتش قعدت فيها دقيقة، بس السفر خلاص هسافره، وريني بقى هتعملي إيه”.
من اللحظة دي، البيت اتقلب لـ معركة صامتة. نيرمين مبقتش تبص في وشي، وبقت تجهز الشنط قدام عيني بعند غريب. وكل ما أبويا يطلب حاجة، تبص لي وتقول: “قومي يا نادية.. اتعلمي، عشان الأسبوع الجاي مكاني هيبقى فاضي”.
أمي حست بالخناقة، وبقت تبكي في سرها وهي شايفة نيرمين بتجمع لبس البنات. وأبويا قعد في ركن الصالة ساكت، مكسور من فكرة إن عياله بيتخانقوا على مين يشيله في كبره.
#الكاتب_رومانى_مكرم
النهاردة الصبح، نيرمين كانت نازلة الزقازيق تخلص آخر ورقة وتستلم الجوازات. نزلت وسابت البيت هس هس. بعد ساعة، أمي تعبت فجأة، سكرها هبط ووقعت من طولها في الحمام. وقفت قدامها مشلولة، مش عارفة أتصرف، مش عارفة أشيلها، وجسمي كله بيترعش وأنا بموت من الرعب. أبويا بيزعق ويسأل في إيه، وأنا واقفة عاجزة تماماً.
وفي وسط الرعب ده، تليفون نيرمين اللي نسيته على السفرة رن.. برقم عصام. مسكته وأنا إيدي بترجف، وفتحت الخط وأنا بعيط، بس قبل ما أنطق، سمعت صوت عصام مخنوق ومرعوب وبيقول: “نيرمين.. الحقيني ، السفر اتلغى.. السفر اتلغى وكل حاجة ضاعت!”.يا ترى هيحصل ايه وايه الى خلى عصام لغى السفر وهيحصل اى
تكملة أحداث القصة – الجزء الثاني:
نزلت الكلمة على وداني زي الصاعقة، “السفر اتلغى؟!”، وفجأة تليفوني أنا رن في نفس اللحظة برقم نيرمين، لكن صوت اللي بيتكلم مكنش نيرمين، كان صوت راجل غريب بيقول بنبرة مستعجلة: “يا فندم صاحب الخط ده عمل حادثة على طريق الزقازيق، وهي حالياً في المستشفى العام، يا ريت حد ييجي بسرعة”.
الدنيا لفت بيا، التليفونين في إيدي.. أخويا بيبكي في دبي ومش عارفة ماله، وأمي مرمية في الأرض في الحمام مش قادرة تتحرك وسكرها في الأرض، وأبويا بيصرخ من الصالة بعجز: “في إيه يا نادية؟ أمك مالها؟ ردي عليا يا بنتي!”، ونيرمين اللي كانت شايلة البيت كله، غرقانة في دمها في المستشفى.
في اللحظة دي، حسيت إن الغمامة اللي كانت على عيني انقشعت، والدلع وطبعي اللي كنت بتحجج بيه طاروا في الهوا. صرخت بأعلى صوتي وناديت على “حسين” ابن جارتنا من البلكونة، جه جري وكسرنا الباب ودخل شال أمي معايا، حطيناها على السرير ودوبتلها مية بسكر بسرعة وزعقت لحسين: “هات الدكتور بسرعة يا حسين، أمي بتموت!”.
مسكت تليفون عصام اللي لسه على الخط وصرخت فيه: “عصام! نيرمين عملت حادثة وهي في المستشفى بين الحيا والموت! وأمك وقعت من طولها! سيبك من السفر وسيبك من كل حاجة، شوف هنعمل إيه!”، عصام صوته قطع من الصدمة، وفضل يصرخ ويسأل عن بناته.
الدكتور جه ولحق أمي بـ “محلول” وضبط السكر، وسبت جارتنا مع أمي وأبويا اللي كان بيبكي زي الأطفال من قلة الحيلة، وأخدت بنتين نيرمين في إيدي وطلعت جري على مستشفى الزقازيق العام. طول الطريق والبنات بيعيطوا وأنا قلبي بيتعصر، بفتكر كلمتها: “وريني بقى هتعملي إيه”.. كأن ربنا حطني في الاختبار في نفس اللحظة عشان يربيني ويعرفني قيمتها وقيمة أهلي.
وصلت المستشفى، ولقيت نيرمين في الطوارئ، دماجها متجبسة وإيدها مكسورة، بس الحمد لله كانت واعية. أول ما شافتني وشافت بناتها، دموعها نزلت، وأنا من غير ما أحس رميت نفسي في حضنها وبكيت: “سامحيني يا نيرمين.. أنا آسفة، حقك عليا”.
نيرمين بصت لي بتعب وقالت بصوت مجهد: “أنا نسيت التليفون.. وعصام كلمني على تليفون السواق قبل الحادثة بدقيقة، وقالي الشغلانة بتاعته في دبي باظت، والشركة صفت وأعطت لهم مهلة أسبوع يغادروا البلد، وعصام راجع مصر نهائي.. السفر اتلغى يا نادية، بس مش بالطريقة اللي كنتِ عاوزاها.. اتلغى وخراب البيوت جه علينا كلنا”.
قعدت على الأرض في طرقة المستشفى مش قادرة أقف على رجلي. عصام راجع؟ راجع مديون وولا حيلته حاجة بعد سنتين غربة؟ ونيرمين عاجزة ومش هتقدر تتحرك لشهور بسبب الكسر، وأبويا وأمي ملهمش حد!
مرت الأيام صعبة، عصام رجع مصر بعد أسبوع، وش الضحكة والبهجة فارق وشه، رجع مكسور، ونيرمين رجعت البيت على كرسي متحرك مؤقتاً لحد ما رجلها وإيدها يلموا. البيت اللي كان ماشي ببركة ربنا، فجأة بقى كله مرضى ومكسورين، ومبقاش فيه حد سليم يقف على حيله غيري “أنا”! أنا “نادية” اللي مكنتش بتشيل كوباية من مكانها.
لقيت نفسي فجأة بصحى من النجمة، بدخل المطبخ، بطبخ الأكل لـ ست أفراد؛ بعمل أكل ني في ني لأبويا عشان السكر، وبأكل أمي في بقها، وبغير لنيرمين وبسندها تدخل الحمام، وبسرح لشعر البنات عشان يروحوا حضانتهم. إيدي اللي كانت ناعمة، اتجرحت من غسيل المواعين وشغل البيت، وضهري بقى بيوجعني من الشيل والحط.
وفي يوم، كنت واقفة في المطبخ بمسح دموعي من التعب، لقيت عصام داخل عليا، وعينيه مليانة ندم، طبطب على كتفي وقال: “تعبتك معايا يا خيتي.. أنا أسف إني قسيت عليكي في التليفون، بس الدنيا لفت بيا وسودت في وشي”.
وقبل ما أرد عليه، سمعنا صوت خبط ورزع بره في الصالة، وصوت أبويا بيزعق بنبرة غريبة، ومركب غريب بيقف قدام باب البيت.. يتبع..
مرات اخويا ٢
حكايات رومانى مكرم
تكملة أحداث القصة – الجزء الثالث:
خرجت أنا وعصام جري على الصالة وقلوبنا في رجلينا، ولقينا أبويا واقف وساند على الحيطة وجسمه كله بيترعش، وهو بيشاور بإيده على الباب اللي كان مفتوح على الآخر. بره الباب، كان واقف تلات رجالة من كبار البلد، ومعاهم “حسين” ابن جارتنا اللي وشه كان أصفر وبيتجنب يبص في عينينا.
أحد الرجالة، وهو الحاج عبد الحميد، دخل خطوتين جوه الصالة ونزل عينه في الأرض وقال بنبرة تقيلة: “يا حاج متولي، إحنا جينا بالمعروف عشان نقعد مع عصام ونحل الموضوع ودي.. الوعود اللي اتأخرت كتير دي مبقتش تاكل عيش مع أصحاب المال”.
بصيت لعصام ولقيت وشه اتحول للون الأزرق، وعرق في ثانية واحدة كأن مية اتدقت عليه. قربت منه ومسكت دراعه: “في إيه يا عصام؟ أصحاب مال مين؟ والناس دي عاوزة إيه؟!”.
عصام نزل راسه في الأرض ومطقش بكلمة، لكن الحاج عبد الحميد كمل كلامه وهو بيبص لعصام: “أخوكي يا نادية، قبل ما يسافر دبي من سنتين، مضى على نفسه شيكات وإيصالات أمانة بـ 400 ألف جنيه لـ “المعلم فرج” عشان يشتري بيهم الفيزا وعقد العمل ومصاريف السفر. وكان الاتفاق إنه يسدد من هناك كل شهر بشهره.. عصام سدد أول سنة، ومن سنة كاملة مبعتش قرش واحد للمعلم فرج، والراجل صبر عليه لما قال أموره تعبانة وهياخد مراته، لكن لما عرف إن الشركة صفت وعصام راجع نهائي، رفع الإيصالات للمحكمة، ومعانا أمر ضبط وإحضار لعصام لو مفعناش المبلغ أو وصلنا لحل الليلة دي”.
الدنيا اسودت في عيني، وبصيت لعصام بذهول: “سنة كاملة مبتحولش فلوس؟ أمال الفلوس اللي كنت بتبعتها لنيرمين ومصاريف البيت دي كانت منين؟!”.
نيرمين خرجت بالكرسي المتحرك من أوضتها على صوت الزعيق، وعينيها كانت مبرقة من الصدمة، وقالت بصوت مخنوق: “عصام مكنش بيبعتلي مليم من سنة يا نادية! أنا كنت باخد من دهب جهازك اللي شيلتيه عندي أمانة.. كنت ببيع منه غويشة بغويشة عشان أمشي البيت وأجيب علاج أبوكي وأمك وأكل عيالنا، ومردتش أقولك عشان مكسرش فرحتك بكرة ولا تحسي إنك تقيلة علينا!”.
وقعت الكلمة عليا زي السكي..نة.. دهب جهازي اللي حيلتي من الدنيا بعد طلاقي، نيرمين كانت بتبيعه عشان تأكلنا وتأكل أبويا وأمي، وأنا اللي كنت فاكراها عايشة في خير أخويا وكنت مستخسرة فيها تسافر وتشوف جوزها!
أبويا لما سمع كلام نيرمين وكلام الرجالة، حط إيده على قلبه، وقعد على الكنبة ونفسه انقطع تماماً، وبقى يشهق ومش قادر يلقط النفس. صرخت: “أبويا!! إلحقوني يا ناس أبويا بيموت!”.
عصام جرى على أبويا وهو بيبكي ويسند راسه، والحاج عبد الحميد والرجالة اتدخوا بسرعة، وطلبنا الإسعاف للمرة التانية في أسبوع واحد. الصالة اتحولت لسرادق عزا من غير موت؛ أمي بتصرخ من أوضتها ومش قادرة تقوم، ونيرمين بتبكي على كرسيها وبتدعي ربنا، وعصام منهار فوق ركبة أبويا وهو بيقول: “سامحني يا بويا.. ضيعتكم وضيعت نفسي.. الغربة عمت عيني والشركة نصبت عليا وأخدت شقايا كله”.
الإسعاف جت ونقلت أبويا على المستشفى ودخل العناية المركزة نتيجة جلطة في القلب بسبب الزعل الضغط المفاجئ.
وقفنا أنا وعصام في طرقة المستشفى بليل، والبرد بياكل في عضمنا، وعصام حاطط راسه بين رجليه وبيعيط بحرقة. قربت منه، وقعدت جنبه، ومسكت إيده.. الإيد اللي زعقتلي في التليفون وقالتلي “شيليهم”، دلوقتي إيد ضعيفة ومكسورة.
قولتله بصوت هادي وناشف: “الدموع مش هتقوم أبوك من العناية يا عصام، ولا هتحميك من السجن.. إحنا لازم نتصرف”.
بص لي بعيون حمرا وقال: “هنتصرف منين يا نادية؟ البيت مفيش فيه جنيه واحد، ودهبك نيرمين باعته كله ومفضلش غير الخاتم اللي في إيدها، والشركة في دبي حجزت على مستحقاتنا كلنا وهرب صاحبها.. أنا ضعت خلاص، وبكرة الصبح هكون في التخشيبة”.
سكت لثواني وأنا بفكر في العيلة اللي بتتفرفط قدام عيني دي، وقولتله: “البيت يا عصام”.
بص لي باستغراب: “بيت العيلة؟!”.
قولتله: “أيوة.. البيت ده كبير وفي وسط البلد، ويسوى كتير.. إحنا نبيع النص بتاعنا، أو نرهنه للمعلم فرج لحد ما تدبر نفسك وتشتغل هنا وتشد حيلك.. المهم رقبتك تخلص وأبوك لما يخرج يلاقيك في حضنه”.
عصام دمع وقال: “بس ده ورثك أنتِ وأختك كمان يا نادية.. وأبويا لو عرف إننا فرطنا في البيت اللي بناه بعرقه هيموت فيها”.
قولتله: “أبوك هيموت لو شافك ورا القضبان.. وأنا وأختك مسامحين، المهم نعدي الأزمة دي.. الصبح هكلم أختنا الكبيرة وأجيبها، ونروح للمعلم فرج”.
وفعلاً، قضيت الليلة صاحية جنب باب العناية، والصبح بدري أختي الكبيرة جت وهي بتبكي، وجمعنا بعضنا وإحنا سايبين جارتنا مع أمي في البيت، وروحنا لبيت المعلم فرج عشان نعرض عليه الحل ده وننقذ عصام قبل ما الشرطة توصله.
دخلنا المندرة عند المعلم فرج، وكان راجل شديد وكلمته سيف. قعدنا وعصام راسه في الأرض، وبدأت أنا أتكلم وأشرح له الوضع وعرضت عليه رهن نص البيت مقابل الإيصالات، لحد ما عصام يشتغل ويسدد.
المعلم فرج سكت شوية، وشرب من كوباية الشاي، وبص لنا بكل جمود وقال: “كلامكم زين يا بنتي، ويقطع القلب.. بس أنا تاجر وبحسبها بالورقة والقلم. نص البيت ده مش هعرف أتصرف فيه ولا أبيعه طول ما أبوكم عايش فيه، يعني فلوسي هتفضل متجمدة، وأنا محتاج سيولة لتجارتي”.
أختي الكبيرة بدأت تبكي وتقول: “بوس إيدك يا معلم فرج، استرنا واستر أخونا، ده إحنا ملناش غيره بعد ربنا وأبونا راقد في الإنعاش”.
المعلم فرج حط الكوباية وصقف بإيده، ودخل واحد من رجالته ومعاه شنطة سودا، وحطها على التربيزة. المعلم فرج بصلنا وقال: “أنا عندي عرض تاني.. وهيخلصكم من كل الديون دي في ثانية واحدة، وهتخرجوا من هنا ومعاكم قرشين كمان تعالجوا بيهم أبوكم”.
بصينا لبعضنا برعب، وعصام سأل بنبرة قلقانة: “عرض إيه ده يا معلم فرج؟!”.
المعلم فرج مال لقدام وقال بنبرة واطية وعينيه بتلمع: “البيت بتاعكم ده، مبني من سنة 1950.. والمنطقة اللي هو فيها، كل البيوت اللي جنبها لما اتهدت عشان يبنوا أبراج، ظهر تحتها خير كتير.. آثار من بتاعة زمان.. وأنا عاوز أشتري البيت كله كاش، باللي فوق الأرض.. واللي تحت الأرض.. وتمضوا على البيع النهائي دلوقتي حالا.. وإلا.. المحضر هيتحرك وعصام هيبات في السجن الليلة”.
وقفنا كلنا مذهولين.. نبيع البيت كله؟ ونرمي أمنا المريضة وأبونا اللي في العناية ونيرمين العاجزة في الشارع؟! وتحت الأرض في إيه؟!
وقبل ما عصام ينطق أو ياخد القرار، الباب اتفتح ودخل حسين ابن جارتنا وهو بينهج ووشه جايب مية، وصرخ فينا: “إلحق يا عصام.. إلحقي يا نادية.. أبوكم.. المستشفى بتتصل وبتقول..”.. يتبع..
تكملة أحداث القصة – الجزء الرابع:
طارت عقولنا من مكانها لما حسين نطق الجملة دي، وأختي الكبيرة صرخت ولطمت على وشها: “أبويا مات! أبويا راح يا عصام!”، وجرينا كلنا من مندرة المعلم فرج زي المجانين في الشوارع، وسبنا الشنطة والورق وراه، وعصام كان بيجري ويقع في الطين من كتر الصدمة وهو بيصرخ: “لأ يا رب.. بلاش أبويا.. متوجعش قلبي عليه وأنا مكسور كدة!”.
وصلنا المستشفى ونفسنا مقطوع، ودخلنا جري على طرقة العناية المركزة، لقينا الدكاترة والممرضين متجمعين حوالين سرير أبويا والستارة مقفولة. عصام زق الممرض ودخل وهو بيبكي: “أبويا! يا حاج متولي رد عليا يا با!”، لكن الدكتور مسك عصام من كتافه وقاله بحدة: “اهدأ يا استاذ! اهدأ مفيش حالة وفاة.. إحنا بنتصل بيكم من بدري عشان الحاج فاق من الغيبوبة فجأة، وبقى واعي، بس عمال ينده على نادية وعصام، وضغطه كان هيرفع تاني من القلق عليكم!”.
وقعت على الركبي في الأرض وأنا بنهج وببكي من الفرحة.. أبويا عايش! ربنا ماردش يكسرنا الكسرة الكبيرة دي. دخلنا عليه أنا وعصام وأختي، ولقينا عيون الحاج متولي دبلانة ودموعه نازلة على خده، وبص لعصام وشاور له بـ إيد تترعش. عصام رمى نفسه على إيد أبوه وباسها وهو بيبكي: “سامحني يا با.. أنا اللي عملت فيك كدة.. أنا السبب”.
أبويا اتكلم بصوت متحشرج وتعبان للغاية: “البيت يا عصام.. أوعى تفرط في البيت.. أنا سمعتكم وأنا في العناية، وسمعت كلام نيرمين.. البيت ده حمايتكم، لو بعتوه هتتشرعوا في الشوارع.. المعلم فرج طمعان في الأرض مش في المبنى”.
بصيت لأبويا بذهول وقولتله: “يا با، بس المعلم فرج معاه إيصالات على عصام بـ 400 ألف جنيه، والشرطة بتدور عليه، لو مبعناش عصام هيتسجن!”.
أبويا غمض عينه بتعب وبلع ريقه بصعوبة وقال: “روحوا لـ عمكم الحاج غريب في كفر صقر.. قولو له الحاج متولي عاوز الأمانة اللي شيلتها عندك من عشرين سنة.. هو عارفها.. الأمانة دي هي اللي هتفك رقبة أخوكي يا نادية، وتحمي بيتنا”.
مفهمناش كلام أبويا، وأختي الكبيرة قالت لعصام: “عمنا غريب؟ ده مقاطعنا من يوم وفاة عمنا الصغير ومبيدخلش بيتنا! أمانة إيه دي اللي بقالها عشرين سنة؟!”، لكن الدكتور دخل وفصلنا عن أبويا لأن ضربات قلبه بدأت تزيد وطلب مننا نخرج فوراً عشان يرتاح.
خرجنا بره المستشفى وإحنا محتارين، عصام قال بنبرة خوف: “أنا مش هقدر أسافر كفر صقر يا نادية.. لو اتحركت على الطريق وفي كمين، هتقبض عليا.. المعلم فرج مش هيسكت، وأكيد حرك المحاضر بعد ما سيبناه وجرينا”.
وقفت وقولتله بقوة عمري ما عرفت إنها جوايا: “أنا هسافر يا عصام.. أنا وأختي هناخد عربية ونروح للحاج غريب، وأنت ارجع البيت اقعد تحت رجل أمك ونيرمين، وخليك مستخبي لحد ما نشوف سر الأمانة دي إيه”.
وفعلاً، سيبنا عصام في المستشفى جنب أبويا، وأخدت أختي الكبيرة وركبنا مواصلة لكفر صقر. طول الطريق وأنا بفتكر الأيام اللي فاتت؛ إزاي كنت الست المستهترة اللي مبتشيلش هم، ودلوقتي شايلة هموم عيلة كاملة على كتافي وبسافر من بلد لبلد عشان أنقذ أخويا.
وصلنا بيت عمي الحاج غريب، وكان بيت قديم وهادي، وأول ما شافنا على الباب، وشه اتغير واستغرب جداً. دخلنا المندرة وقعدنا، وبدأ يرحب بينا برسمية وجفاء، فقولتله عل طول ومن غير مقدمات: “يا عمي، إحنا جايين لك من ريحة الحاج متولي.. أبويا في العناية المركزة بين الحيا والموت، وبيقولك هات الأمانة اللي شيلها عندك من عشرين سنة عشان تفك رقبة عصام من السجن والبيت ميروحش مننا”.
الحاج غريب أول ما سمع اسم “متولي” وإنه في العناية، عينه لمعت بالدموع، وقام وقف وقال بصوت مهزوز: “متولي تعبان؟! يا حبيب اخوك يا متولي.. بقالنا عشرين سنة مقاطعين بعض بسبب ورث الأرض، وشايل سري وسرك في قلبك لحد ما تعبت!”.
جرى عمي غريب على أوضة جوه، وغاب ربع ساعة، ورجع وفي إيده صندوق خشب قديم، عليه قفل حديد مصدي، ومفتاحه كان مربوط في رقبة عمي بسلسلة. قعد قدامنا وفتح القفل، وطلع من الصندوق لفافة قماش قطيفة سودة، وفتحها..
جوه القماش كان فيه أوراق قديمة جداً مفرة، ومعاها “عقد بيع وشراء” مؤرخ من سنة 1995، وسبائك دهب قديمة وصغيرة!
عمي غريب بص لنا وقال: “الأوراق دي يا بنتي، هي عقد ملكية الأرض اللي مبني عليها بيتكم، بس الأرض دي مش بتاعة أبوكم لوحده.. الأرض دي كانت شراكة بين أبويا وأبو المعلم فرج زمان، وأبو المعلم فرج باع نصيبه لأبوكم في السر وقبض ثمنها دهب، وشالوا العقد عندي عشان إخوات المعلم فرج ميعرفوش.. يعني المعلم فرج ملوش أي حق يهد البيت ولا يطالب بالأرض، والعقد ده يخلينا نرفع عليه قض..ية تزوير لو حاول يمس شبر واحد من البيت، والدهب ده.. أبوكم كان شايله للزمن الصعب، وقالي متخرجهوش يا غريب إلا لو البيت هيتهد أو حد من العيال حبل المشنقة لف حوالين رقبته!”.
بكينا أنا وأختي من الفرحة، وحضنا عمي اللي أصر يرجع معانا الشرقية بنفسه عشان يقف جنب أخوه وجنب عصام. أخدنا الصندوق والدهب وركبنا العربية ورجعنا وبقينا حاسين إن الفرج جه خلاص.
لكن الفرحة مكملتش..
أول ما وصلنا مدخل قريتنا في الشرقية، لقينا زحمة كبيرة قدام بيت العيلة، وصوت صريخ البنات الصغار (بنات نيرمين) مالي الشارع، وعربيتين شرطة واقفين قفلين السكة، والمعلم فرج واقف مع الظابط وبيشاور على باب البيت ويقول: “هو ده يا باشا.. المتهم مستخبي جوه، ومزور إيصالات وضارب ع العباد حقوقها!”.
نزلت من العربية وجريت وسط الناس، ولقيت عصام خارج والكلابشات في إيده، ووشه في الأرض، ونيرمين بتصرخ من البلكونة وهي مش قادرة تتحرك.. وعصام عينه جت في عيني وقالي بكسرة: ” خلاص يا نادية.. المعلم فرج جاب الشرطة والكلابشات سبقتكم”.. يتبع..
مرات اخويا ٣
حكايات رومانى مكرم
تكملة أحداث القصة – الجزء الخامس
وقفت مشلولة في مكاني والصندوق الخشب تحت باطي، والناس في الشارع عمالة تتهامس وتتفرج على أخويا الكبير وهو متكلبش وخارج وسط العساكر. المعلم فرج كان واقف على جنب ساند على عصايته، وعلى وشه ضحكة شماتة وانتصار ترفع الضغط.
لمحتني نيرمين من البلكونة، صرخت بأعلى صوتها وهي بتعيط: “إلحقي أخوكي يا نادية! عملوا له كمين جوه البيت وأنا عاجزة مش قادرة أنزل أمنعهم!”.
في اللحظة دي، عمي الحاج غريب نزل من العربية وبخطوات ثابتة وهيبة كبار السن، شق زحمة الناس ووقف قدام الظابط وقال بنبرة قوية هزت الشارع: “استنى عندك يا حامض السلك! خد عندك الورق ده وشوف مين فينا اللي المفروض يتكلبش ويتجر على التخشيبة!”.
الظابط بص لعمي باستغراب وقال: “أنت مين يا حاج؟ وإيه الورق ده؟ إحنا معانا أمر ضبط وإحضار رسمي بناءً على جنحة شيكات وإيصالات أمانة صادرة ضد المتهم عصام متولي”.
عمي غريب سحب الأوراق القديمة واللفافة من الصندوق الخشب بكل ثقة، ورماهم قدام الظابط وقال: “أنا غريب متولي، عم المتهم.. والورق ده هو عقد ملكية الأرض الأصلي، اللي بيثبت إن أبو المعلم فرج بايع نصيبه لأبويا وأخويا متولي من سنة 1995 وقابض تمنها كامل. المعلم فرج مستغل إيصالات أمانة تجارية عشان يلوي دراع الواد ويجبره يبيع بيت عيلة كامل مبني على أرض ملهاش علاقة بيه! دي مش قض..ية ديون وبس يا باشا، ده لوى دراع وابتزاز وتدليس عيان بيان، والمعلم فرج جابك لحد هنا عشان يعمل نمرة قدام أهل البلد ويجبرنا نمضي على البيع!”.
المعلم فرج وشه قلب ألوان، والضحكة طارت من على شفايفه، وقرب على الظابط وبدأ صوته يرعش: “كلام إيه ده يا باشا؟ ده ورق مزور! أنا ليا 400 ألف جنيه عند الواد ده، ودي إيصالات حقيقية وهو ماضي عليها بنفسه والشرع والقانون معايا!”.
أختي الكبيرة صرخت وسط الناس: “حقك هتاخده يا فرج! الدهب أهو والفلوس جاهزة تفك رقبة أخويا حالا.. بس سيب البيت في حاله!”. فتحت الشنطة ووريت الظابط والناس سبائك الدهب القديمة اللي خرجت من الصندوق.
الظابط، ذكاؤه وخبرته خلوه يفهم اللعبة عل طول؛ بص للمعلم فرج بنظرة شك قاسية وقاله: “المحضر اللي معاك محضر ديون وشيكات، والناس عارضين السداد حالا والدهب موجود.. لكن حكاية إجبارهم على بيع البيت ودخول الأرض في الموضوع دي فيها كلام تاني خالص يا معلم فرج، والورق ده هينزل النيابة بكره مع المتهم عشان يتحقق فيه بتهمة الابتزاز العقاري”.
بص لي الظابط وقال: “يا أنسة نادية، المتهم كدة كدة لازم يتعرض على النيابة بكره الصبح عشان المحضر رسمي، بس طالما الفلوس أو قيمتها موجودة، فـ إجرائياً هيعمل معارضة ويدفع الكفالة ويخرج من سراي النيابة عل طول، والكلابشات دي هتتفك هناك”.
عصام بصلي والدموع في عينيه، وهز راسه كأنه بيشكرني، وأنا قولتله بقوة: “متخافش يا أخويا.. أنا وراك ومش هسيبك، والصبح هكون عندك في النيابة ومعايا المحامي والدهب”.
أخدوا عصام في البوكس، والناس بدأت تتفرق، والمعلم فرج مشي وهو بيبرطم ويهدد بس باين في عينيه الخوف بعد ما الورقة القديمة ظهرت وقلبت الترابيزة عليه.
طلعت جري على البيت، دخلت لقيت نيرمين منهارة في الأرض جنب الكرسي وبناتها حاضنينها وبيبكوا. رميت الصندوق من إيدي وترميت في الأرض جنبها وحضنتها: “خلاص يا نيرمين.. الفرج جه، أرضنا طلعت مأمنة وأخوكي مش هيتسجن، أبويا أنقذنا من بعيد”.
نيرمين مسكت إيدي وهي بتترعش وبصت للدهب والأوراق بذهول: “كل ده كان مستخبي فين؟ سبحان الله.. يمهل ولا يهمل”.
دخلنا في ليلة طويلة وصعبة، عمي غريب قعد في الصالة مع أختي الكبيرة بيجهزوا لـ سفر الصبح، وأنا ونيرمين فضلنا صاحيين. نيرمين كانت بتبصلي بنظرات كلها تعجب، وقالتلي بصوت واطي: “أنا مش مصدقة إنك نادية اللي كانت بتخاف من خيالها ومبتعرفش تسلق بيضة.. أنتِ بقيتي سبع رجالة في أسبوع واحد يا نادية”.
رديت عليها ودموعي نازلة: “المرارة والمسؤولية هي اللي بتصنع الستات يا نيرمين.. أنا كنت عمية، وربنا فتح عيني على حقيقتي وحقيقتكم. لولا شيلتك لأبويا وأمي سنتين، ولولا إنك بعتي دهبك عشان تأكلينا، كان زماننا ضعنا من زمان”.
تاني يوم الصبح بدري، أخدنا الدهب والمحامي وعمي غريب، وروحنا النيابة بالزقازيق. الإجراءات أخدت وقت طويل وضغط أعصاب لا يتحمله بشر، المعلم فرج جه ومحاميه معاه، وحاولوا يعطلوا الإفراج، لكن لما المحامي بتاعنا قدم عقد الأرض القديم وطلب إحالة الإيصالات للتحقيق في شبهة ابتزاز وإجبار على البيع تحت الإكراه، المعلم فرج خاف على نفسه وقبل السداد الفوري لقيمة الـ 400 ألف جنيه بعد ما المحامي قيم الدهب بسعره الحالي وطلع بزيادة كمان عن قيمة الدين!
على العصر، خرج عصام من باب النيابة حر طليق، وشه كان دبلان بس عينيه فيها لمعة أمل. أول ما شافنا، جرى على عمي غريب وباس رأسه وإيده وهو بيبكي، وبعدين بصلي وأنا واقفة وتعبانة من قلة النوم، وقرب مني وحضنني وقال: “أختي السند.. أنا كنت فاكر ماليش ظهر، طلعتي أنتِ الظهر والسند يا نادية”.
رجعنا البلد وإحنا حاسين إننا اتولدنا من جديد، ودخلنا عل طول على المستشفى عشان نطمن أبويا. أول ما دخلنا الأوضة، لقينا الدكتور واقف مع الممرضة ووشهم مش مريح.. أبويا كان نايم وضخ الأجهزة حواليه سريع جداً، والدكتور بص لنا وقبل ما ننطق قال: “الحمد لله إنكم جيتوا.. الحاج متولي دخل في مضاعفات مفاجئة من ساعة، وللأسف..”.. يتبع..
تكملة أحداث القصة – الجزء السادس (قبل الأخير):
وقعت الشنطة من إيدي والدم نشف في عروقي، وعصام صرخ وزق الدكتور وجري على السرير: “أبويا! باااا الحج متولي!”. لكن الدكتور مسك إيد عصام بسرعة وقاله بنبرة جادة وصوت واطي: “يا أستاذ اهدأ وفهمني، وللأسف إيه اللي مخليكم سايبينه لوحده من الصبح؟ الحاج دخل في مضاعفات بسبب هبوط مفاجئ في الدورة الدموية، ولولا إننا لحقناه في آخر لحظة ونقلنا له دم وجبنا له دكتور استشاري من برة كان زماننا بنقول كلام تاني! ادخلوا وكلموه بس براحة من غير زعل ولا زعيق، الراجل لسه طالع من عنق الزجاجة”.
أخدت نفسي بالعافية ودموعي نزلت من الفرحة والخوف في نفس الوقت. دخلنا حوالين السرير، وأبويا فتح عينيه ببطء شديد، وبص لعصام ولمح وشه من غير كلابشات، وبص لإيدي وإيد أختي الكبيرة لقى الصندوق الخشب مش معانا. شفايفه اتهزت بابتسامة خفيفة وصوته طلع بالعافية: “عملتوها يا عيالي؟ فكيتوا رقبة أخوكم؟ والبيت.. البيت جراله إيه؟”.
عمي غريب قرب من السرير، ودموعه نزلت على لحيته البيضا، ومسك إيد أخوه وباسها وقال: “البيت في الحفظ والصون يا متولي.. وأخوك غريب رجع لك وجايب لك حقك وحق عيالك في حِجره. فرج أخد فلوسه ومضى على تنازل رسمي من كل القضايا، وعقد الأرض القديم رجع مطرحه، ومحدش يقدر يمس طوبة واحدة من ملكك طول ما إحنا عايشين على وش الأرض”.
أبويا بص لعمي غريب ودموعه نزلت، وضغط على إيده كأنه بيرد له العهد بتاع زمان، وبعدين بصلي أنا.. أنا نادية اللي كان دايماً يقول عليا “دلووعة البيت اللي مبتعرفش تمشي خطوتين لوحدها”. شاور لي أقرب منه، فوطيت راسي على صدره وبست إيده، قالي بنبرة كلها فخر: “كنت خايف عليكي يا نادية.. كنت شايل همك وهم خيبتك بعد طلاقك وقاعد بقول البنت دي هتعيش إزاي لو أنا وأمها رُحنا؟ لكن طلعتي بـ مية راجل يا بنتي.. شيلتي أبوكي وأمك وأخوكي في وقت الكل فيه كان عاجز ومكسور”.
كلام أبويا كان أكبر مكافأة ليا في الدنيا، حسيت إن التعب والشقا وقلة النوم وغسيل المواعين وطبيخ الأكل للمرضى، كل ده انزاح من على ضهري في ثانية واحدة.
تكملة أحداث القصة – الجزء السابع (الأخير):
قعدت على طرف الكنبة وقلبي بيدق بطريقة غريبة، مش من “سامح” ولا من الذكريات القديمة اللي كنت فاكراها اتدفنت، بس كنت حاسة إن الحكاية مابتخلصش، وإن الاختبارات لسه مابتنتهيش. عصام ونيرمين وأبويا وأمي كانوا بيضحكوا في الصالة على حكايات عمي غريب، وأنا كنت في عالم تاني.
نص ساعة وسمعت صوت عربية وقفت قدام الباب، ولقيت سامح نازل، كان باين عليه الكبر والوقار اللي مكانش فيه أيام جوازنا. دخل الصالة، سلم على أبويا وعمي وعصام، والكل كان مستغرب وجوده، لكنه طلب يتكلم معايا في الصالة لوحدنا.
قعدنا، وبدأ الكلام وهو بيبص في الأرض: “أنا جيت يا نادية عشان أقولك كلمتين كان لازم يتقالوا من زمان. أنا سمعت إنك كنتِ السبب في إنقاذ بيت أهلك، وسمعت إنك شيلتي البيت كله لوحدك لما الكل اتخلى عنهم. أنا اللي طلقتك زمان كان لسبب تافه، كنت شايفك ست “بيضاء” زي ما بيقولوا، مبتعرفيش تشيلي مسؤولية، وكنت فاكر إن الست مجرد منظر في البيت. لكن اللي عملتيه الأيام اللي فاتت ده خلاني أحس إني خسرت جوهرة حقيقية”.
سكت شوية وكمل: “أنا مش جاي أقولك ارجعيلي، لأني عارف إنك اتغيرتي وبقيتي أقوى من إني أطلب منك طلب زي ده.. أنا جاي أطلب منك السماح، وجاي أقولك إني بفتح مشروع جديد في القاهرة ومحتاج حد بـ “دماغك” وبـ “إخلاصك” في الشغل، حد أشريكه وأنا مطمن إنه مش هيخون ولا يبيع. أنا جاي أعرض عليكي شراكة في المشروع، مش عشان أرجعك لبيتي، بس عشان أرجعلك حقك اللي ضاع في سنين كنت أنا فيها غبي”.
بصيت لسامح، وشفت في عينيه ندم حقيقي، بس حسيت إني مش محتاجة لا لشراكة ولا لرجوع. رديت عليه بهدوء وثبات: “يا سامح، نادية اللي أنت طلقتاها زمان مكنتش نادية اللي قاعدة قدامك دلوقتي. نادية القديمة كانت بتهرب من المسؤولية، لكن نادية الجديدة عرفت إن قيمتها الحقيقية في شيل الشيلة، وفي حب أهلها، وفي إنها تكون سند في وقت الضيق. أنا مسمحاك يا سامح، بس مش محتاجة شراكة.. أنا لقيت طريقي خلاص، طريقي هو بيتي وأهلي، ومشاريعي هبدأها من هنا، من وسط الناس اللي عرفت قيمتي لما الكل كان فاكرني مش قد المسؤولية”.
سامح مشي وهو باين عليه الاحترام، وخرج من حياتي نهائياً وهو حاسس بالخسارة، وأنا رجعت لوسط أهلي، لقيت نيرمين بتبصلي بابتسامة وعصام بيقولي: “كنتي قوية يا نادية.. كنتي قوية بجد”.
عشنا بعديها أيام هادية، عصام بدأ يشتغل في تجارة الأراضي مع عمي غريب وبدأ يكبر ويجبر بخاطر نيرمين، وأبويا صحته بدأت تتحسن وبقى يقعد في الشمس يقرأ في المصحف، وأنا.. أنا لقيت نفسي في كل تفصيلة في البيت. بقيت أنا “الست” اللي الكل بيرجعلها في الكبيرة والصغيرة، بقيت أنا اللي بتدير البيت بحكمة، ونيرمين بقت أقرب ليا من أختي، وعيال عصام بقوا ينادوني بـ “ماما نادية”.
**الحكمة من الحكاية:**
الحكاية دي علمتنا إن “الشدة” هي اللي بتظهر معادن الناس، وإن المسؤولية مش حمل، دي شرف وتاج.
1. **البيت هو السند:** مهما الواحد غترب أو جري ورا الفلوس، مفيش أغلى من “الأصل” ومن الناس اللي شالتك وقت الضعف.
2. **الست مش بالدلع:** الست الحقيقية هي اللي بتعرف تقف في وقت الأزمة، وتكون هي “العمود” اللي بيسند البيت عشان ميتهدش.
3. **الابتلاء عطية:** ساعات الابتلاء والمصيبة بييجوا عشان يفوقونا من غفلتنا، ويورونا إن فينا طاقة وقوة إحنا نفسنا مكنش عندنا علم بيها.
4. **التسامح قوة:** سامحت عصام، وسامحت سامح، وسامحت نيرمين على غيرتها، لأن التسامح هو اللي بيفك العقد وبيرجع اللمة.
نادية اللي كانت خايفة تشيل كوباية من مكانها، بقت هي اللي شايلة عيلة كاملة على كتافها، وبقت هي الحكاية اللي بيحكيها أهل الشرقية عن “الست اللي مفيش زيها”.


تعليقات
إرسال تعليق