القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سواق التاكس حكايات اسما



سواق التاكس حكايات اسما


تجوزت سواق تاكسي عشان أغيظ خطيبي السابق… لكن تاني يوم الصبح، جوزي الجديد وقف على باب شقتي ماسك صورة قديمة قلبت حياتي كلها.

بعد ما خطوبتي اتفركشت، أقسمت بيني وبين نفسي إني عمري ما هحط راحة أي راجل قبل راحتي تاني.

خطيبي اللي كنت مستنية أتجوزه، اكتشفت إنه كان بيخوني مع أقرب واحدة ليا… صاحبتي.

الوجع كان صعب… لكن الإحراج كان أصعب بكتير.

كل ما أنزل الشارع أو أروح الشغل في القاهرة، كنت حاسة إن كل الناس عارفة اللي حصل، وإنهم بيبصوا عليا بشفقة أو بيضحكوا من ورا ضهري.

في ليلة من الليالي، بعد ما اتعشيت لوحدي وأنا مخنوقة، طلبت تاكسي.

بعد شوية وقفت قدامي عربية تاكسي هيونداي قديمة شوية.

السواق كان اسمه كريم. دقنه خفيفة، هدومه بسيطة ونضيفة، والعربية ريحتها قهوة وبخور خفيف.

كان عنده ابتسامة هادية ونظرة فيها راحة غريبة.

فضلنا نتكلم طول الطريق.

ولما سألني: “مالك؟ شكلك زعلانة.”

لقيت نفسي بحكيله كل حاجة.

عن خطيبي أحمد… وعن صاحبتي دينا… وعن الفرح اللي اتلغى قبل معاده بأيام.

عند إشارة رمسيس، ضحكت ضحكة كلها مرارة وقلت:

“عارف إيه أكتر حاجة ممكن تجننه؟”

بصلي في مراية العربية وقال:

“إيه؟”

قلت:

“إني أتجوز بكرة… أي حد… أي حد خالص غيره.”

ابتسم وقال بهدوء:

“إنتي بتتكلمي بجد؟”

هززت كتفي وقلت:

“وليه لأ؟ هو كسرني… وأنا عايزة أعمل حاجة مجنونة لنفسي مرة واحدة.”

وصلنا تحت العمارة في مدينة نصر.

طلعت القلم وكتبت رقمي على ضهر إيصال التاكسي.

وبعدين بصيتله وقلت بابتسامة:

“لو لسه عندك نفس الجنون… كلمني الصبح.”

وفعلاً…

تاني يوم الصبح، كريم اتصل.

اتقابلنا، وروحنا عملنا عقد اتفاق بسيط يحفظ حق كل واحد فينا، وبعدها رحنا مكتب توثيق الشهر العقاري في القاهرة وكتبنا الكتاب رسمي.

ماكانش فيه قصة حب.

ولا وعود.

ولا حتى كلام كتير.

أنا كمان لبست نفس فستان الفرح اللي كنت شرياه عشان أحمد.

اتصورنا صورة واحدة قدام المكتب.

ونزلتها على فيسبوك…

من غير ولا كلمة.

في الليلة دي، كنت متأكدة إني عملت أغبى وأجرأ حركة في حياتي.

لكن اللي حصل بعدها…

ماكانش يخطر على بال أي حد.

تاني يوم الصبح…

جرس الباب رن.

فتحت.

لقيت كريم واقف.

في إيده كوبين قهوة سخنة…

وفي الإيد التانية…

صورة قديمة باهتة.

ابتسم وقال بهدوء:

“حسيت إن لازم تشوفي الصورة دي.”

خدت الصورة من إيده.

وبمجرد ما بصيت فيها…

الدم اتجمد في عروقي…

وقلبي كان هيقف من الصدمة.

كانت الصورة قديمة جدًا… أطرافها متنية، وألوانها باهتة من الزمن.

لكن أول ما ركزت فيها، حسيت الأرض بتميد بيا.

البنت اللي واقفة فيها… كانت أنا.

يمكن عندي أربع أو خمس سنين.

لابسة فستان أصفر، وضافري متربطين بشريطتين بيضا.

وواقف جنبي ولد صغير، مبتسم وهو ماسك إيدي.

رفعت عيني بسرعة وبصيت لكريم.

قلت بصوت متوتر:

“إيه الصورة دي؟! وإزاي معاك؟”

ابتسم ابتسامة هادية، وقعد على الكنبة من غير ما يتكلم ثواني.

بعدها قال:

“الولد اللي في الصورة… هو أنا.”

فضلت أبصله وأنا مش مستوعبة.

“مستحيل…”

هز راسه وقال:

“فاكرة لما كنتي صغيرة وكنتي بتروحي المصيف مع أهلك في رأس البر؟”

بدأت ذكريات قديمة جدًا تتحرك في دماغي.

صيف…

بحر…

وطفل كنت بلعب معاه كل يوم.

لكن اسمه… نسيته من سنين.

كريم كمل:

“أبوك وأنـا أبويا كانوا أصحاب. كنا تقريبًا كل صيف بنقضيه مع بعض.”

وسكت لحظة، وبعدين طلع من جيبه سلسلة فضة صغيرة.

فيها نص قلب.

وقال:

“فاكرة دي؟”

شهقت.

لمست السلسلة بإيدي.

أنا… كنت لسه محتفظة بالنص التاني.

من أكتر من عشرين سنة.

كنت فاكرة إنها مجرد لعبة أطفال.

جريت على أوضتي، فتحت درج قديم مليان حاجات من طفولتي.

وبعد شوية طلعت علبة صغيرة.

فتحتها.

وكان جواها…

النص التاني من القلب.

رجعت بسرعة.

ولما حطينا النصين جنب بعض…

ركبوا كأنهم عمرهم ما افترقوا.

فضلنا ساكتين.

أنا دموعي بتنزل من غير ما أحس.

وهو بيبصلي بابتسامة كلها حنين.

قلت:

“إنت دورت عليا؟”

قال بهدوء:

“سنين.”

حكالي إنه بعد ما أبوه اتوفى، أسرته اضطرت تسيب القاهرة وتنتقل تعيش في محافظة تانية.

ومن يومها انقطعت أخبارنا تمامًا.

ولما كبر، حاول يوصل لأسرتي.

لكن اكتشف إنكم بعتم البيت، وغيرتوا أرقامكم.

قال وهو بيبصلي:

“يمكن دورت عليك خمس سنين… وبعدين استسلمت.”

ابتسمت وسط دموعي.

“وبعدين؟”

ضحك وقال:

“وبعدين… لقيتك راكبة معايا تاكسي.”

ضحكت لأول مرة من قلبي من شهور.

لكن كان لسه فيه سؤال محيرني.

قلت:

“طيب… ليه وافقت تتجوزني بسرعة؟”

اتنهد وقال:

“لأن أول ما ركبت العربية عرفتك.”

استغربت.

“عرفتني إزاي؟”

قال:

“عندك شامة صغيرة ورا ودنك الشمال… زي ما هي.”

لمست ودني بتلقائية.

ابتسم.

“ولما حكيتيلي اسمك بالكامل… اتأكدت.”

قلت وأنا مذهولة:

“يعني… كنت عارف من أول لحظة؟”

هز راسه.

“آه.”

“وليه ما قلتليش؟”

بص في الأرض ثواني، وقال:

“لأنك كنت مكسورة… ولو كنت قلتلك وقتها، كنتي هتفتكري إني بألف أي قصة عشان أقرب منك.”

سكت، وبعدين كمل:

“فقلت أسيب القدر ياخد مجراه.”

فضلت أبصله.

الجوازة اللي كنت فاكرة إنها مجرد حركة عشان أغيظ أحمد…

بدأت تتحول لحاجة عمرها ما كانت في حساباتي.

لكن بعد أقل من ساعة…

رن جرس الباب.

ولما فتحت…

لقيت أحمد واقف بره، وملامحه كلها غضب، وقال:

“إحنا لازم نتكلم… حالًا.”

ول ما شفت أحمد واقف قدام الباب، قلبي دق بسرعة.

مش خوف…

لكن توتر من الماضي اللي كنت فاكرة إني قفلته خلاص.

قال وهو بيبص لجوا الشقة:

“هو جوا؟”

رديت ببرود:

“آه… جوزي جوا.”

واضح إن الكلمة وجعته.

شد نفس طويل وقال:

“ممكن نتكلم خمس دقايق؟”

قبل ما أرد، كريم خرج من الصالة وهو ماسك كوب القهوة.

وقف جنبي بهدوء، من غير خناقة ولا صوت عالي.

بص لأحمد وقال:

“اتفضل… لو الكلام باحترام.”

أحمد ضحك بسخرية.

“إنت فاكر إنها اتجوزتك فعلًا؟ دي عملت كده عشان تغيظني.”

كريم ابتسم وقال:

“يمكن… لكن دلوقتي هي مراتي، والكلام معاها وهي اللي تقرر.”

أحمد بصلي وقال:

“أنا غلطت… ودينا كانت غلطة. سيبتها من أسبوع، واكتشفت إن محدش هيحبني زيك.”

ضحكت ضحكة قصيرة.

أول مرة كلامه ما يهزنيش.

قلت:

“فاكر لما كنت بترجع البيت متأخر وتقولي شغل؟ كنت مع دينا.”

سكت.

“وفاكر لما خليتني أروح أختار بدلة الفرح لوحدي؟ كنت مسافر معاها.”

فضل ساكت.

“دلوقتي جاي تقول غلطت؟”

قال بسرعة:

“كل الناس بتغلط.”

رديت:

“آه… بس مش كل الناس بتخون.”

قرب خطوة وقال:

“طلقيه… ونرجع نبدأ من جديد.”

في اللحظة دي، كريم مد إيده بهدوء وحطها على كتفي.

من غير ما يتكلم.

الإحساس بالأمان اللي حسيت بيه في اللحظة دي كان غريب.

بصيت لأحمد وقلت:

“إنت فاكر إن الجوازة دي بدأت عشان أغيظك.”

وسكت شوية.

“وده صحيح.”

ملامحه ارتاحت كأنه افتكر إن عنده أمل.

لكن كملت:

“إنما هتكمل… عشاني أنا.”

اتغير وشه.

“يعني إيه؟”

قلت بثبات:

“يعني حتى لو كريم كان مجرد راجل قابلته امبارح… فهو احترمني أكتر منك في يوم واحد، وإنت معرفتش تحترمني في سنين.”

سكت أحمد للحظات، وبعدها لف ومشي من غير كلمة.

قفلت الباب.

ولما بصيت لكريم، لقيته بيبتسم.

قلت له:

“إنت مش زعلان إني قلتلك من الأول إن الجوازة كانت مجرد انتقام؟”

هز راسه وقال:

“لا.”

“ليه؟”

ابتسم وقال:

“لأن اللي يبدأ بسبب غلط… ممكن يكمل بسبب حاجة صح.”

عدت الشهور.

وبدأنا نعرف بعض بجد.

اكتشفت إن كريم ماكانش مجرد سواق تاكسي.

كان خريج كلية تجارة، وكان عنده شركة صغيرة للنقل، لكن بعد وفاة والده اضطر يشتغل بنفسه على العربية عشان يسدد ديون الأسرة ويحافظ على شغل الموظفين اللي عنده.

كان راجل مكافح، وطيب، وبيضحك من قلبه.

وأهم من كل ده…

كان صادق.

بعد سنة بالضبط، رجعنا نفس المكان اللي اتصورنا فيه أول صورة بعد كتب الكتاب.

بس المرة دي، كنا لابسين فستان وبدلة من اختيارنا، وحوالينا أهلنا وأصحابنا.

والفرق إن الابتسامة المرة دي… ماكانتش عشان نثبت حاجة لحد.

كانت لأننا أخيرًا لقينا الشخص اللي القدر كان مأجله لسنين.

وأنا واقفة جنبه، افتكرت إن أغبى قرار أخدته في لحظة غضب…

كان هو القرار اللي غيّر حياتي للأفضل.

بعد الفرح بشهرين، بدأت الحياة تستقر.

بقينا نصحى سوا، نشرب القهوة في البلكونة، ونضحك على الطريقة الغريبة اللي اتجوزنا بيها.

وفي يوم، وأنا بنضف الدولاب، لقيت ملف بني قديم مكتوب عليه بخط إيد بابا:

“خاص بسارة.”

استغربت.

بابا كان متوفي من أربع سنين، ودي أول مرة أشوف الملف ده.

فتحته.

كان جواه صور قديمة، وبعض الخطابات، وظرف مقفول.

على الظرف كان مكتوب:

“يتفتح لما سارة تتجوز.”

إيدي كانت بترتعش.

فتحت الظرف، وبدأت أقرأ.

“يا سارة…

لو إنتي بتقري الجواب ده، يبقى أكيد بقيتي زوجة.

في حاجة عمرها ما قدرت أحكيهالك.”

كل كلمة كنت بقراها، كانت بتخليني أتنفس بصعوبة.

بابا كتب إنه بعد ما انتقلنا من البيت القديم، فضل يحاول يدور على عيلة عم حسين، والد كريم.

كان عايز يرجع العلاقة بينهم.

لكن قبل ما يلاقيهم، حصلت له أزمة صحية، وبعدها الحياة شغلته.

وفي آخر الجواب كتب جملة خلت دموعي تنزل:

“لو القدر جمعك يومًا بابن حسين، اعرفي إن الدنيا لسه فيها معجزات.”

بصيت لكريم، اللي كان بيقرأ الجواب معايا.

قال وهو بيبتسم وسط دموعه:

“واضح إن القدر كان شغال من زمان.”

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر الملف.

ورقة قديمة جدًا…

كانت عقد شراكة بين بابا ووالد كريم.

كانوا بيخططوا يفتحوا شركة نقل مع بعض.

المشروع ماكملش بسبب الظروف، لكن الحلم كان موجود.

كريم فضل ساكت شوية، وبعدين قال:

“إيه رأيك نكمله؟”

استغربت.

“نكمل إيه؟”

“حلمهم.”

بعد ست شهور، استخدمنا كل مدخراتنا، وبعنا عربية التاكسي.

واشترينا أول عربية نقل باسم الشركة الجديدة.

سميناها:

“أول طريق”.

لأن كل حاجة عظيمة… بتبدأ بخطوة.

مرت ثلاث سنين.

الشركة كبرت.

بقينا عندنا أكتر من عشرين عربية، وعشرات الموظفين.

وفي يوم، وأنا في المكتب، دخل كريم وهو مبتسم بطريقة غريبة.

قال:

“عندي حد عايز يشوفك.”

دخلت سيدة كبيرة في السن.

أول ما شفتها، حسيت إني شفتها قبل كده.

قالت بابتسامة:

“أنا أم دينا.”

اتوترت.

قعدت قدامي وقالت:

“بنتي خسرت كل حاجة بعد اللي عملته فيكي.”

سكتت شوية، وكملت:

“وجيت أعتذر… حتى لو متأخر.”

بصيتلها، وافتكرت الليالي اللي فضلت أعيط فيها بسبب بنتها.

لكن افتكرت كمان حياتي دلوقتي.

لو دينا ما خانتنيش…

عمري ما كنت هركب التاكسي ده.

وعمري ما كنت هقابل كريم.

ابتسمت للسيدة وقلت بهدوء:

“أنا مسامحة.”

خرجت وهي بتعيط.

بصلي كريم وقال:

“إنتي فعلًا سامحتي؟”

ابتسمت.

“سامحت الماضي… مش عشانهم.”

“أمال عشان مين؟”

مسكت إيده وقلت:

“عشاني… وعشان ما أضيعش السعادة اللي ربنا رزقني بيها وأنا لسه شايلة وجع قديم.”

ابتسم، وشدني نحوه.

وفي نفس اللحظة، دخلت السكرتيرة وهي بتضحك وقالت:

“مبروك يا مدام سارة… نتيجة التحاليل وصلت.”

بصيت لها باستغراب.

ناولَتني الظرف.

فتحته بسرعة.

ثم بصيت لكريم، ودموعي نزلت من الفرحة.

قلت بصوت مرتعش:

“هنبقى… بابا وماما.”

سكت كريم ثواني، كأنه مش مستوعب.

وبعدين حضني بقوة، وقال:

“أهو… الصورة القديمة أخيرًا هتبقى ليها صورة جديدة.”

وبعد تسعة شهور، اتصورت صورة تانية…

أنا وكريم، وبين إيدينا طفل صغير.

وحطينا جنب الصورة القديمة، اللي جمعتنا وإحنا أطفال، الصورة الجديدة اللي جمعتنا كأسرة.

واكتشفنا إن بعض القصص، مهما بدأت بغضب أو انتقام… ممكن تنتهي بأجمل بداية في العمر.




تعليقات

التنقل السريع
    close