ابن عمى كامله بقلم امانى السيد
عمى ضغط على ابنه اننا نتجوز مقابل إنه يسيبله اداره الشركه
وقتها منير وافق عشان أداره الشركه بس شرط الجواز يبقى على الضيق وعمى وافق
ولما روحنا طلب منى ما اقولش لحد من الموظفين اننا اتجوزنا وانا وافقت افتكرته مش عايز يقول للناس عشان مايقولوش انى. متعينه بالواسطه
مشيت في ممرات الشركة والكلمات بتاعته لسه بتتردد في ودني زي الصدى: “محدش من الموظفين يعرف إننا اتجوزنا.. مش عايز شوشرة.”
كنت شايلة في إيدي ملف كنت فاكرة إنه محتاجه، وبحاول أطمن قلبي اللي كان بيدق بسرعة. رغم إن الجوازة دي تمت بضغط من عمه عشان إدارة الشركة، إلا إن كان عندي أمل صغير إن الأيام تغيره، وإن معاملته الجافة دي تتدوب مع الوقت.
وصلت لحد باب مكتبه. السكرتيرة مكنتش قاعدة على مكتبها برة، فافتكرت إنها بتصور أوراق أو في الحمام. خبطت خبطة خفيفة، وبحكم إني بقيت مراته، فتحت الباب ودخلت..
فجأة، رجلي اتسمرت في الأرض، والملف وقع من إيدي،
منير كان قاعد على كرسي المكتب، والسكرتيرة قاعدة على رجله، لافة إيدها حوالين رقبته وبيدلعوا بصوت واطي. أول ما الباب اتفتح والورق اتبعثر، السكرتيرة اتخضت ووشها جاب ألوان، وجت تقوم من على رجله بسرعة وهي بتظبط لبسها .
لكن الصدمة الأكبر إن منير مسبهاش تقوم.
مسكها من وسطها جامد وعدلها في قعدتها على رجله أكتر، وبصلي ببرود قاتل مفيش فيه ذرة ارتباك ولا خوف.
رانيا السكرتيرة بصت له بذهول وهمست: “منير.. سيبني..
منير قاطعها وهو باصص في عيني مباشرة، وقال بنبرة هادية ومستفزة لأبعد حدود:
“اقعدي يا رانيا متقوميش. انتى مراتى
النفس هرب مني، وحسيت إن الأرض بتلف بيا. سألت بصوت مرعش ومخنوق:
“منير.. إنت بتعمل إيه؟ إنت اتجننت؟ إنت عارف أنا مين؟”
سند ضهره لورا على الكرسي، وحط إيده على كتف رانيا كأنه بيملكها، وقال بمنتهى القسوة:
“عارف طبعاً.. إنتي اللي شكلِك مش عارفة لسه . أحب أعرفك.. رانيا مش مجرد سكرتيرة.. رانيا مراتي على سنة الله ورسوله من ٦ شهور.”
الكلمة نزلت على دماغي زي الصاعقة. مراته؟ من ٦ شهور؟! يعني أنا الزوجة الثانية؟ يعني أنا اللي دخلت على حياة تانية مبنية ومستقرة؟
دموعي نزلت من غير إرادة وأنا ببص له بصدمة: “مرتك؟! إنت بتقول إيه؟ يعني إنت متجوزها ومخبين؟”
رانيا أول ما سمعت كلامه، ابتسامة النصر والشماتة ظهرت على وشها، وسندت راسها على كتفه بدلع وهي بتبص لي من فوق لتحت.
منير كمل كلامه بمنتهى البرود وجفاف القلب:
“آه مراتي.. وبنحب بعض. عشان كده لما بابا ضغط عليا إننا نتجوز مقابل إدارة الشركة، أنا وافقت عشان الشركة وبس، وشرطت عليه الجواز يكون على الضيق ومحدش يعرف.. لأن حياتي الحقيقية ومستقبلي هنا مع رانيا. إنتي مجرد حبر على ورق عشان البيزنس يكمل.”
حسيت إن كرامتي اتمحت في لحظة، وإن كل أمل كنت ببنيه انهار تحت رجليهم.
قسيت ملامحي وسط دموعي اللي كانت بتغلي على وشي، وحاولت أجمع شتات نفسي المكسورة قدام نظرات الشماتة اللي في عين رانيا. بصيت له وكنت لسه هنطق، بس هو رفع إيده وبتر كلامي قبل ما أقوله، وسند كوعه على مكتبه وهو لسه محاوط رانيا، وقال بنبرة خالية من أي رحمة:
“وفري على نفسك الكلام والتهديد، عشان تبقي فاهمة راسك من رجليكي.. الشركة كلها هنا عارفة إن رانيا مراتي، ومحدش يعرفك إنتي أصلاً. من هنا ورايح، اتعاملي في المكان ده بالمبدأ ده. إنتي موظفة وبس، ورانيا هي الهانم اللي كلامها يمشى عليكي وعلى الكل.”
الكلمات كانت بتدخل في قلبي زي الخناجر، كنت واقفه مش قادرة أستوعب كمية الندالة والترتيب اللي رتبوه ورا ضهري وضهر عمي.
منير كمل وهو بيبتسم بنص ابتسامة مستفزة:
“جوازنا هيفضل سر، ومحدش هيعرف عنه حاجة لحد ما ييجي الوقت المناسب وأطلقك.. ساعتها هتخرجي من حياتنا زي ما دخلتيها، لا ليكي حق عندي ولا عند رانيا. فـ احسن لك تقبلي بالوضع ده وتمشي اللعب زي ما أنا عايز، عشان المركب تمشي وماتغرقش بيكي لوحدك.”
رانيا ضحكت بصوت واطي ودفنت وشها في رقابته بدلع، كأنها بتأكد لي إنها كسبت الجولة الأولى والشركة والجواز، وإني بقيت مجرد عروسة خشبية في لعبة ماليش فيها أي ذنب.
بصيت لهم والضحكة بتاعتها كانت بتطحن في قلبي، الصوت طالع مستفز زي فحيح الأفاعي. الدنيا اسودت في عيني، وكنت حاسة إن الحيطان بتضيق عليا والنفس مش راضي يدخل صدري. بصيت لمنير، للبرود اللي في عينيه، للراحة اللي بيتكلم بيها كأنه مش لسه دابح كرامتي من الوريد للوريد.
رجعت خطوة لورا، وعيني بتتنقل بينه وبين رانيا اللي كانت بتبص لي بنظرة انتصار مريض، كأنها بتقول لي: “الشركة دي بتاعتي، والراجل ده بتاعي، وإنتي ولا حاجة”.
جمعت كل ذرة قوة باقية فيا، ومسحت دموعي بعنف. مش هسيبهم يشوفوا انكساري أكتر من كده. ووطيت الأرض، لميت الورق اللي اتبعثر من الملف بـإيد بتترعش، بس النظرة اللي في عيني كانت بدأت تتحول من صدمة لـغل وغضب أعمى. وقفت وطوحت الملف على مكتبه بكل قوتي لدرجة إن رانيا اتخضت واتفزعت من مكانها.
بصيت له وقولت بصوت متحشرج بس قوي، طالع من وسط مأساة قلبي:
“المركب اللي بتتكلم عليها دي يا منير.. مش أنا اللي هغرق فيها لوحدي. إذا كنت فاكر إنك ذكي ولعبتها صح، فـ إنت غبي.. غبي لدرجة إنك مأمنتش ضهرك من عمي.”
ضحك بسخرية وهو بيعدل قعدته
“أعلى ما في خيلك اركبيه يا بنت عمي. بابا ملوش كلمة عليا خلاص، الإدارة وبقت في إيدي، والورق كله معايا. هتروحي تقوليله إيه؟ منير متجوز؟ هيقولك وإيه يعني.. الراجل يتجوز أربعة، طالما مصلحة الشغل ماشية.
رانيا ساندت إيدها على المكتب وقالت بنبرة كلها سم:
“يا حبيبتي وفري مجهودك.. منير مش صغير عشان يخاف من باباه، وبعدين إنتي مشوفتيش نفسك في المراية؟ مين دي اللي تتساوى بيا؟ إنتي جيتي هنا بـ كارت توصية، إنما أنا هنا بـ حبه.
الكلام كان بيحرق، بس خلاص، مابقاش فيا مكان لجرح جديد. سبتهم واقفين والضحكة لسه على وشهم، ولفيت ضهري وخرجت. رزعت الباب ورايا بكل ما أوتيت من قوة. مشيت في الممر والعيون كلها بدأت تلتفت عليا، الموظفين اللي منير قال إنهم عارفين إن رانيا مراته.. كانوا بيبصوا لي بنظرات تساؤل، نظرات شفقة على الموظفة الجديدة اللي شكلها اتهزأت في مكتب المدير.
دخلت الحمام، قفلت الباب عليّا وبدأت أتنفس بسرعة. فتحت الحنفية وغسلت وشي بمية ساقعة عشان أطفي النار اللي قايدة في راسي. بصيت لنفسي في المراية.. الضعف ده مش هيجيب حقي، والدموع دي مش هترجع كرامتي اللي اتداست تحت رجلين رانيا ومنير.
منير وافق على الجواز عشان الإدارة.. وعمي ضغط عليه عشان فاكر إن ده اللي هيصلحه ويحافظ على ورث العيلة. يعني نقطة ضعف منير هي الكرسي اللي قاعد عليه ده.
طلعت تليفوني من الشنطة وإيدي لسه بتترعش، بس المرة دي من الغيظ مش من الخوف. دورت على رقم عمي.. الراجل اللي فاكر إنه عمل صح وعمّق روابط العيلة. كنت لسه هضغط على زرار الاتصال، بس صباعي وقف في آخر لحظة.
لا.. المكالمة دي مش هتعمل حاجة. عمي لو عرف دلوقتي، منير هيكدب، وهيقول إنها نزوة أو هيخبي رانيا، وهيطلعني أنا النكدية اللي بتبوظ الجوازة من أولها والشركة هتفضل في إيده. لازم العبها صح.. لازم أهد المعبد ده على دماغهم هما الاتنين، وبنفس البرود اللي وريهوني.
مسحت وشي بالمنديل، وخرجت من الحمام، رافعة راسي، وبخطوات ثابتة رجعت لمكتبي. رانيا كانت بتعدي من الممر، بصت لي بابتسامة صفرا وهي شايلة كباية قهوة ورايحة لمكتب منير تاني. وقفت قدامها، وبكل ثبات وثقة قولت لها:
“أنا طالعة لـ عمي البيت يا رانيا.. أصل منير قالي إنك شاطرة قوي في الشغل، وقولت لازم أشكر عمي إنه اختارلي مكان فيه كفاءات زيك.. جهزي نفسك، عشان اللعب الحقيقي لسه مبدأش.”
وش رانيا اتقلب في ثانية والابتسامة اختفت، وأنا سبتها واقفة مكانها ودخلت لمكتبي، بجهز للخطوة الجاية.. الخطوة اللي هتدمر منير والكرسي بتاعي.
ابن عمى ٢
امانى سيد
قفلت باب مكتبي وقعدت على الكرسي، وجسمي كله كان شادد وكأني في معركة حربية. مسكت القلم وفضلت أخبط بيه على المكتب بانتظام، والصوت بيعمل صدى جوه دماغي، بيطرد أي فكرة ضعف أو تراجع.
رانيا برا أكيد زمانها جريت على منير تقوله، وهو دلوقتي قاعد بيخطط هيقفل عليا السكة ازاي عند أبوه. بس هما الاتنين ميعرفوش إني مش هروح أعيط لعمي وأقوله الحقني ابنك باصص برا.. أنا هروح ألعب على الوتر اللي عمي نفسه بيترعش منه: **سمعة العيلة، وفلوس الشغل.**
لميت حاجتي في الشنطة، ووقفت بكل ثبات، خرجت من المكتب وراسي في السماء. رانيا كانت واقفة على أول الممر بتتوشوش مع موظفة تانية وعينيهم عليا، أول ما شافتني قربت، حطت إيدها في وسطها وبصت لي بتحدي. مشيت من جنبها وكأنها هوا، ولا حتى رميت عليها نظرة، وده في حد ذاته خلاها تتغاظ وتفرك في مكانها.
نزلت ركبت عربيتي، وطول الطريق وأنا باصة للطريق قدامي، وعقلي شغال زي الآلة الحاسبة. منير فاكر إن العقد اللي معاه مخليه مالك الشركة.. بس هو نسي إن عمي لسه عايش، وإن التنازل عن الإدارة مش معناه بيع وشراء، ده توكيل إداري مشروط! وعمي مش هيستحمل فكرة إن ابن السكرتيرة يورث نصيب العيلة، أو إن السكرتيرة تبقى هي الهانم اللي بتتحكم في شقى عمره.
وصلت قدام فيلا عمي. نزلت من العربية، قفلت الباب ورايا برزعة قوية، ودخلت. الشغالة فتحت لي وبصت لي باستغراب:
“أهلاً يا هانم.. منير بيه مش هنا.”
قولت لها بنبرة حاسمة وصارمة:
“عارفة إنه مش هنا.. أنا جاية لعمي.. هو فين؟”
“في المكتب بتاعه يا فندم، بيشرب القهوة.”
مشيت في الطرقة الطويلة لحد باب المكتب. خبطت ودخلت علطول. عمي كان قاعد وراه مكتبه الخشب الضخم، لابس نظارة القراءة وبيراجع ورق، أول ما شافني، وشه نوّر وابتسم ابتسامته الأبوية اللي كنت بصدقها:
“أهلاً يا بنتي.. خطوة عزيزة، منير فين؟ مجاش معاكي ليه؟”
قربت من المكتب، قعدت على الكرسي اللي قدامه بكل هدوء، حطيت شنطتي على الأرض، وسندت كوعي على المكتب وبصيت في عينيه مباشرة. ملامح وشي الجادة وخلوها من أي ابتسامة خلت عمي يقلع النظارة ويعدل قعدته بقلق:
“في إيه يا بنتي؟ وشك ما يبشرش بالخير.. منير زعلك؟”
خدت نفس طويل، وقولت له بصوت هادي ومخيف من كتر الثبات اللي فيه:
“منير مزعلنيش يا عمي.. منير دبحنا إحنا الاتنين. دبحك في ثقتك وفلوسك، ودبحني في كرامتي.”
عمي اتنفض من على الكرسي وصوته علي:
“جرى إيه يا بت؟ اتكلمي دغري.. في إيه؟”
طلعت تليفوني، وفتحت التسجيل اللي سجلته من غير ما يحسوا وأنا واقفة في المكتب والملف بيقع مني.. الصوت كان واضح، صوت منير وهو بيقول: *”رانيا مش مجرد سكرتيرة.. رانيا مراتي على سنة الله ورسوله من ٦ شهور… إنتي مجرد حبر على ورق عشان البيزنس يكمل.”* وصوت ضحكة رانيا المستفزة.
عمي وشه جاب ألوان، عروق رقبته برزت، وإيده بقت تترعش وهو ماسك التليفون مش مصدق اللي بيسمعه. بص لي وعينيه كلها شرار وقال وهو بينهج:
“الكلب.. المتجوز من ورايا؟ وبنت… هي اللي مشياله دماغه؟”
وقفت، وسندت بـإيديا الاتنين على مكتبه، وقربت منه وقولت بلهجة حاسمة كأنها حكم إعدام:
“ابنك اتجوزني مصلحة عشان الكرسي يا عمي.. وحاطط مراته القديمة في مكتب السكرتارية تدوس على كرامة بنت أخوك قدام الموظفين، والشركة كلها عارفة ومخبية عليك.. منير مش بس كسرني، ده استغفلك، وأخد منك الإدارة بالخداع عشان يعمل مملكة لـ رانيا من فلوسك.. ودلوقتي، يا الإدارة دي تتسحب منه ويرجع زي الكلب ملوش لزمة، يا هتشوفني في المحاكم برفع قضايا تبهدل اسم العيلة في السوق كله.. هتعمل إيه يا عمي؟”
عمي لثواني مكنش قادر ينطق، النفس كان بيطلع من صدره بصعوبة، ووشه بقا أحمر زي الدم من كتر الغيظ. فجأة، وبكل غضب، حدف التليفون على المكتب لدرجة إنه كان هيتكسر، وزعق بصوت هز حيطان الأوضة:
“الواطي!.. بقى بيلعب بيا أنا؟ بيستغفلني عشان حتة حتة سكرتيرة لا راحت ولا جت؟”
قعد على الكرسي تاني وهو بينهج، وحط إيده على دماغه كأنه بيحاول يستوعب حجم المقالب اللي ابنه شربها له. بصيت له ببرود وقسوة، مفيش في قلبي أي رحمة، قولت له بنبرة أهدى بس أشد من الأول:
“العياط على اللبن المسكوب مش هيصلح حاجة يا عمي. منير دلوقتي قاعد في مكتبه ومطمن، وفاكر إن الورق اللي في إيده يخليه سيد المكان، وإننا إحنا الاتنين تحت رحمته.”
عمي رفع راسه وبص لي، والشرار بيطلع من عينيه، وقال بفحيح مكتوم:
“ورق إيه اللي يخليه سيد المكان؟ هو فاكرني كبرت وخرفت؟ التنازل اللي معاه ده مش نهائي، ده تفويض بإدارة الحصص والأرباح مشروط بـ استقرار الشراكة العائلية، يعني بوجودك إنتي في حياته.. لو الجوازة دي باظت، أو لو ثبت إنه استغل التفويض ده في الإضرار بمصالح العيلة، التنازل ده حبر على ورق!”
أول ما سمعت الجملة دي، حسيت بنبضة انتصار جوة قلبي. ابتسمت نص ابتسامة، نفس الابتسامة المستفزة اللي منير وريهالي من ساعة في المكتب. قعدت على الكرسي وبدأت ألعب بمفاتيح عربيتي وأنا بقوله:
“حلو قوي.. يعني اللعبة في إيدينا. بس أنا مش عايزة التنازل يتلغي في هدوء يا عمي.. أنا عايزة كرامتي اللي اتداست في ممرات الشركة يتداس قصادها على رقبته ورقبة الهانم بتاعته قدام الموظفين كلهم.”
عمي بص لي بـ نظرة إعجاب وذهول في نفس الوقت، كأنه أول مرة يكتشف بنت أخوه على حقيقتها. سألني وهو بيضيق عينيه:
“ناوية على إيه يا بنت أخويا؟”
وقفت ولبست شنطتي، وقولت له بمنتهى الثبات:
“بكرة الصبح.. الساعة عشرة في ميعاد اجتماع مجلس الإدارة اللي منير مجهزه عشان يعلن فيه القرارات الجديدة. هتدخل معايا يا عمي.. مش كأب، هتدخل بصفتك صاحب المال الحقيقي. ومن بكرة، السكرتيرة دي مش هتبقى حتى عاملة بوفيه في الشركة، ومنير هيدوق طعم العجز اللي حاول يذوقهولي.”
عمي هز راسه بالموافقة وعينيه مليانة وعيد:
“جهزي نفسك يا بنتي.. وبكرة الصبح هوريكي عمك هيعمل إيه في اللي يكسر بـ كلمة لبنت غالي.”
خرجت من الفيلا، وركبت عربيتي. المرة دي وأنا بسوق، مكنتش مخنوقة ولا الدموع في عيني.. كنت حاسة بنار بس نار حامية هتحرقهم هما الاتنين. طلعت تليفوني وبعت رسالة قصيرة لمنير على الواتساب:
*جهّز مكتبك كويس يا منير*
قفلت التليفون ورميته جمبي، ودست بنزين وأنا بفكر في شكل وشه بكرة لما يلاقيني داخلة عليه، ومش لوحدي.
الليل عدا عليا وكأنه سنة.. منير مشفش رسالتي غير بعد كام ساعة، وطبعاً تليفوني متبطّلش رن، ورسائل ورا رسائل كلها تهديد ووعيد: *”إنتي فاكرة نفسك مين؟”*، *”إنتي بتلعبي بالنار يا بنت عمي”*، *”أنا هعرف أربيكي”*.. كنت ببص للشاشة ببرود تام، ومردتش على ولا كلمة. سبته ياكله القلق والشك لحد الصبح.
تاني يوم الساعة تسعة ونص الصبح، كنت واقفة قدام باب الشركة. كنت لابس أجدد وأشيك طقم عندي، حاطة ميكب هادي وثابت، ورافعة راسي كأني ملكة داخلة مملكتها. نزلت من العربية، ولمحت عربية عمي لسه واصلة. نزل منها بوقاره وهيبته، لابس بدلته الرسمية اللي بقاله فترة ملبسهاش، وعينيه فيها نظرة حسم مرعبة.
قربت منه، بص لي وهز راسه من غير كلام، ودخلنا سوا من باب الشركة الرئيسي.
الموظفين أول ما شافوا عمي، الحركة اتجمدت في الممرات. كله وقف يرحب ويسلّم بذهول: “أهلاً يا باشا.. عاش من شافك يا فندم”، وعمي كان بيرد بـإيماءة خفيفة من راسه وهو مكمل مشي، وأنا جنبه خطوة بـخطوة، لحد ما وصلنا لـ ممر مكتب المدير العام.. مكتب منير.
رانيا كانت واقفة برة المكتب، ماسكة تابلت في إيدها وبتتكلم بدلع مع واحد من الموظفين. أول ما لفت وشها وشافتنا، التابلت كان هيقع من إيدها. وشها اصفرّ تماماً، والضحكة والشماتة بتاعة امبارح اتبخرت في ثانية. وقفت مكانها زي الصنم، وإيدها بدأت تترعش وهي بتبص لي وتبص لـ عمي.
مشيت لحد ما وقفت قدام مكتبها، وبصيت لها من فوق لتحت بابتسامة نصر، وقولت لها بنبرة عالية شوية عشان كل الموظفين اللي واقفين يسمعوا:
“صباح الخير يا رانيا.. جهزتي ورق الاجتماع؟ أصل عمي بنفسه جاي يحضر النهاردة.”
رانيا بلعت ريقها بصعوبة، وصوتها طلع مخنوق: “أهلاً يا حاج.. ثواني أبلغ منير بيه..”
عمي قاطعها بصوت جهوري هز المكان:
“متبلغيش حد.. إحنا داخلين.. وانتي هاتي ورق الحصص الأخير وحصلينا على قاعة الاجتماعات فوراُ.”
عمي فتح الباب بكل قوة ودخل، وأنا وراه. منير كان قاعد على كرسيه، بيتكلم في التليفون وراضي عن نفسه على الآخر، أول ما الباب اتفتح وشاف أبوه وشافني وراه، سكت تماماً وسماعة التليفون نزلت من على ودنه ببطء.
وقف من ورا مكتبه، وشه اتخطف بس حاول يجمع ثباته بسرعة، وقرب من أبوه وهو بيقول بارتباك واضح:
“بابا؟ أهلاً يا فندم.. خطوة عزيزة، حضرتك مجتش الشركة من شهور.. خير؟ في حاجة حصلت؟”
عمي ماردش عليه ولا كلمة، ولا حتى بصل في وشه. مشي بخطوات ثابتة لحد الكرسي الكبير اللي في صدر المكتب، قعد عليه، وحط إيديه الاتنين على العصاية بتاعته وبص لمنير بنظرة خلت ركب منير تخبط في بعضها.
منير بص لي بغل وعينيه كانت هتطلع من مكانها وهو بيهمس لي من تحت ضهر أبوه: “إنتي قولتي له إيه؟”
وقفت بكل برود وثقة، وسندت ضهري على الحيطة، وربعت إيدي وقولت له بصوت مسموع:
“مقولتلوش حاجة يا منير.. أنا بس سمعته صوتك.. صوتك وهو واضح ونبرتك قوية وإنت بتشرح لي البيزنس بيمشي ازاي في مكتبك.”
في اللحظة دي، دخلت رانيا وهي بتترعش وشايلة الفايل في إيدها. منير أول ما شافها، وشاف الرعب اللي في عينيها، فهم إن اللعبة اتقلبت عليه.. وبدأت ملامح الانهيار تظهر على وشه.
عمي سكت لثواني، والهدوء اللي في الأوضة كان مرعب، مفيش غير صوت أنفاس منير المكتومة ورانيا اللي واقفة على الباب وجسمها كله بيترعش. عمي شاور لرانيا بصباعه من غير ما يبص لها وقال بـ نبرة خالية من أي رحمة:
“هاتي الورق ده وقربي يا.. يا هانم.”
رانيا مشيت بخطوات تقيلة وكأنها رايحة لحبل المشنقة، حطت الفايل على المكتب وإيدها بتترعش لدرجة إن الورق كان هيقع. منير حاول يتدخل، قرب من أبوه بسرعة وقال بصوت متحشرج:
“بابا.. أرجوك افهمني، الموضوع مش زي ما بنت عمي فهمتك، دي.. دي كانت لحظة غباء مني وأنا..”
عمي رفع إيده في وشه، وبحركة واحدة كتم صوته تماماً. عمي فتح الفايل، وبص في الورق بنظرات سريعة، وبعدين رفعه في وش منير ورمي القلم بغضب على المكتب:
“لحظة غباء؟ إنت مفكرني عجزت وخرفت ولا إيه يا منير؟ إنت غبي لدرجة إنك صدقت إن الشغل والشركة دي ممكن يمشوا بدماغك ومراهقتك؟ التنازل اللي في إيدك ده.. أنا اللي ممضيه، وأنا اللي هقطعه بـ إيدي دلوقتي.”
منير وشه بقا أبيض زي الورقة، وبص لأبوه بذهول:
“تقطعه؟ بابا إنت واعي بتقول إيه؟ أنا مشيت الشغل وبقيت الكل في الكل هنا، والورق ده قانوني!”
عمي ضحك ضحكة قوية وسخرية رنت في المكتب كله، وقف على حيله وسند على مكتبه وبص في عين ابنه:
“قانوني في المشمش يا ابن عمري.. البند الرابع في عقد التفويض اللي إنت مضيت عليه من غير ما تقرأه من كتر لهفتك على الكرسي، بيلغي التفويض والتوكيل الإداري فوراً وبأثر رجعي في حالة ثبوت إضرار الطرف الوكيل بـ مصلحة العيلة أو سمعتها.. وإنت مش بس ضريت بـ سمعة العيلة، إنت دخلت حرب خسارتها هتجيب الأرض بيك وبللي مشياك.”
منير لف وشه وبص لـ رانيا بنظرة غل، كأنه بيحملها ذنب كل اللي بيحصل، ورانيا أول ما شافت النظرة دي نزلت راسها في الأرض وبدأت تعيط من الخوف والكسرة.
عمي التفت لـ رانيا وقال لها بصوت حاد وزي الموس:
“انتي يا شاطرة.. من اللحظة دي مالكيش عتبة في المكان ده. تلمي حاجتك في كيس أسود وتطلعي برا، وملكيش عندي لا مستحقات ولا مكافأة نهاية خدمة.. وإذا كنتي فاكرة إنك هتاخدي قرش واحد من ورا الجوازة السر دي، فـ أحب أقولك إن منير من بكرة الصبح ملوش في الشركة دي غير مرتب موظف صغير تحت التدريب.. ده لو وافقت أصلاً إنه يفضل هنا.”
رانيا بصت لـ منير بـ صدمة وعينيها كانت بتترجى إنه يتكلم، بس منير كان واقف متسمر في مكانه، باصص للكرسي اللي لسه ضايع منه ومنهار تماماً. لفت ضهرها وجريت برا المكتب وهي بتعيط والفضائح مغرقاها قدام الموظفين اللي كانوا واقفين يتفرجوا من ورا الزجاج.
قربت أنا من منير، وقفت قصاده بالظبط، وربعت إيدي وبصيت في عينيه المكسورة، وقولت له بنفس النبرة الهادية والمستفزة اللي قالها لي امبارح:
“وفّر على نفسك الكلام والتهديد يا منير.. عشان تبقي فاهم راسك من رجليك. من هنا ورايح، اتعامل في المكان ده بالمبدأ ده.. إنت موظف وبس، وأنا الهانم اللي كلامها هيمشي عليك وعلى الكل.. وريني بقى، المركب هتغرق بيا لوحدي ازاي؟”
منير كان باصص لي وعينيه بتطق شرار، بس مكنش قادر ينطق بحرف واحد. النفس كان بيطلع منه بالعافية، والغرور اللي كان مالي وشه امبارح اتمحى تماماً وحل محله انكسار وذل عمري ما شوفتهم فيه قبل كده. بص لأبوه وكأنه بيستنجد بيه في آخر محاولة:
“بابا.. إنت هتمشي كلامها عليا؟ دي غريبة عن الشركة! أنا ابنك.. أنا لحمك ودمك!”
عمي لف ضهره واداله كتف، وبص من الشباك الازاز على الصالة برة اللي الموظفين فيها كانوا واقفين كلهم بيتهامسوا بعد ما شافوا رانيا طالعة بتعيط وحاجتها في إيدها. عمي قال بصوت واطي بس حاسم:
“الغريب يا منير هو اللي يستغفل أبوه ويخون الأمانة. بنت عمك هي صمّام الأمان للمكان ده، ومن بكرة مكتبها هيبقى هو المكتب اللي جمبي.. وصلاحيات الإدارة كلها هتنقل ليها. إنت بقى.. لو عايز تفضل في الشركة دي وتاكل منها لقمة عيش، هتنزل فرع المبيعات اللي في أكتوبر، تمسك مكتب هناك زيك زي أي موظف لسه متخرج، وريني شطارتك من الصفر.. من غير كارت واسطة من أبوك.”
الكلمة نزلت على منير زي الصاعقة. فرع أكتوبر؟ مبيعات؟ هو اللي كان بيتحكم في الملايين بـ جرة قلم، ينزل يلف على العملاء ويحقق “تارجت
بصلي والنظرة اللي في عينيه كانت مزيج من الغل والرجاء المكتوم، وكأنه بيتمناني أقول كلمة تخلصه من الورطة دي. بس أنا سحبت كرسي المكتب وبمنتهى الهدوء قعدت عليه، وحطيت شنطتي على المكتب في نفس المكان اللي رانيا كانت ساندة عليه امبارح. بصيت له وقولت بابتسامة باردة:
“لسة واقف ليه يا منير؟ عمي قايلك ورق الحصص الأخير لازم يتراجع.. وبما إنك بقيت في قسم المبيعات، فـ ياريت تسلم كل الملفات اللي في عهدتك لـ سكرتارية عمي قبل ما تمشي.. مش عايزين شوشرة، زي ما قولتلي بالظبط.”
مسك قبضة إيده وضغط عليها لدرجة إن عروقه كانت هتنطق، ولف ضهره وخرج من المكتب ورزع الباب وراه، بس المرة دي الرزعة مكنتش قوة.. كانت قلة حيلة.
عمي لف وبص لي، ملامح وشه هديت شوية وتنهد تنهيدة طويلة، وقرب طبطب على كتفي وقال:
“أنا آسف يا بنتي.. أنا اللي حطيتك في الموقف ده من الأول لما افتكرت إن الجوازة دي هتصلحه. حقك عليا، والشركة دي من النهاردة بتاعتك إنتي.. حافظي عليها.”
هزيت راسي وقولت له: “حقك معايا يا عمي.. وإحنا دفنا المصلحة خلاص، والي جاي شغل وبس.”
خرج عمي من المكتب، وقعدت لوحدي.. الأوضة بقيت هادية تماماً. النفس رجعلي تاني، وحسيت إن الحمل الثقيل اللي كان كاتم على صدري انزاح. بصيت للورق اللي قدامي على المكتب، وابتسمت بـ راحة حقيقية لأول مرة من يومين. اللعبة انتهت، والملك اللي افتكر نفسه مات.. رجع وقف على حيله، بس المرة دي.. الكرسي بقا ليا أنا.
مرت تلات شهور على اليوم ده.. تلات شهور والشركة حالها اتقلب ١٨٠ درجة.
نقلت مكتبي وبقيت أنا اللي بدير كل كبيرة وصغيرة، والموظفين اللي كانوا زمان بيبصوا لي على إني “الموظفة الجديدة اللي جاية بالواسطة”، بقوا يعملوا لي ألف حساب، مش خوف.. لكن احتراماً للشغل والنظام اللي فرضته من أول يوم.
منير نفذ كلام أبوه ونزل فرع أكتوبر. في الأول كان بيحاول يعند ويغيب ويقول “أنا ابن صاحب الشغل”، بس عمي كان واقف له بالمرصاد، وفي أول شهر خصم من مرتبه النص عشان يعرف إن الله حق. مع الوقت، وبسبب ضغط الشغل والعملاء، تخلّى عن غروره وبقى ينزل على الأرض مجبر عشان يثبت إنه موجود، بس خلاص.. الكرسي الكبير مبقاش من حقه، ولا بقا يحلم بيه.
أما رانيا، فـ عرفت من الموظفين إنها حاولت تضغط على منير عشان يكتب لها مؤخر أو يشتري لها شقة تانية بفلوس الشركة، ولما لقت إنه بقا على الحديدة ومعهوش غير مرتبه، ومبقاش “المدير العام” اللي هيسندها، بدأت المشاكل تدب بينهم، وانتهت بجوازة فاشلة ومحاكم أحوال شخصية.. زي ما بنوا حياتهم على مصلحة وكسرة قلب غيرهم، اتهدت فوق دماغهم في الآخر.
في يوم، كنت قاعدة في مكتبي والجو هادي، وبشرب فنجان القهوة بتاعي وأنا براجع ميزانية الربع السنوي للشركة. الباب خبط، ودخل عمي. وشه كان مرتاح والابتسامة مالية ملامحه.
قعد قدامي وقال بنبرة كلها فخر:
“الأرقام النهاردة بتتكلم يا بنت أخويا.. أنا مكنتش غلطان لما سلمتك الإدارة. إنتي رفعتي اسم العيلة في السوق تاني.”
ابتسمت له وقولت بكل هدوء وثقة:
“الشركة دي شقاك وشقى بابا الله يرحمه يا عمي، وكان لازم ترجع لأصحابها الحقيقيين اللي بيخافوا عليها، مش اللي واخدينها وسيلة للمنظرة والمصالح.”
عمي سكت شوية، وبعدين طلع من جيبه ورق وحطه قدامي على المكتب:
“وده ورق طلاقك من منير يا بنتي.. خلصت لك كل الإجراءات في هدوء زي ما طلبتي. إنتي دلوقتي حرة.. والشركة دي نصها بقى ملكك رسمي بـ عقد بيع وشراء مش تنازل إداري، عشان محدش يملك عليكي كلمة بعد النهاردة.”
بصيت لورقة الطلاق، وحسيت بنسمة هوا باردة دخلت قلبي. مكنش فيه زعل، مكنش فيه ندم.. كان فيه راحة وبس. حطيت الورقة في درج المكتب وقفلته، وبصيت لعمي وقولت له:
“شكراً يا عمي.. دلوقتي بس أقدر أقول إن المركب مشيت صح، ومغرقش فيها غير اللي كان عايز يغرقنا.”
وقفت وبصيت من الشباك الإزاز الكبير على صالة الشركة.. الشمس كانت مالية المكان، والموظفين شغالين في حركة ونشاط. أخدت نفس طويل وابتسمت لنفسي في الإزاز.. كرامتي اللي افتروا عليها رجعتلي تمنها غالي، والعروسة الخشبية اللي منير رتب اللعبة ورا ضهرها، هي اللي حركت الخيوط في الآخر، وكسبت الجولة.. والشركة.. ونفسها.


تعليقات
إرسال تعليق