القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 



غلطة عمري ج1 ل نورهان العشري

حكايات نورهان العشري


صاحبتي كانت واقفة على الطلاق، وطلبت مني أساعدها عشان بيتها ميتخربش، وللأسف سمعت كلامها و ساعدتها و في النهاية أنا اللي أطلقت و بيتي اتخرب، و في النهاية صاحبتي قالتلي: سوري مش هقدر أخرب على نفسي..


 


اسمي نهى متجوزة ابن عمي عن حب بقالنا سبع سنين خلفت فيهم بنتين وجوزي بالرغم من أنه شخصيته قوية و طبعه حاد شوية الا أنه كان بيحبني و بيعاملني أحسن معاملة. حتى لما حماتي كانت تضايقني كان يقفلها هي و أخواته و هما كانوا بيترعبوا منه، و كانوا بيخافوا يزعلوني منه.


في يوم كنت رايحة أزور ماما و جتلي صاحبتي القريبة مني اوي تقعد معايا عند أهلي عشان بقالنا كتير مكناش شوفنا بعض و لما جت كان وشها باهت و عينيها مطفية سألتها :


“مالك يا مها؟ فيكِ إيه يا بنتي؟ شكلك مش عاجبني خالص، وشك مخطوف وخسيتي النص!”


أول ما نطقت الكلمتين دول، مها مكنتش محتاجة أكتر منهم عشان تنفجر. دموعها نزلت، ورمت نفسها في حضني وبقت تترعش. فضلت أطبطب عليها وأهديها وأنا قلبي واكلني عليها؛ مها دي مش بس صاحبتي، دي أختي اللي مخلفتهاش أمي.


جمعت نفسها بالعافية، وصوتها طالع مخنوق ومتحشرج من كتر العياط وقالتلي:


“أنا تعبانة أوي يا نهى.. تعبانة وبيتي بيتخرب. أنا غضبانة عند أهلي بقالي أسبوعين، والموضوع واصل للطلاق!”حكايات نورهان العشري


أنا اتخضيت، قمت عدلتها وبصيت في عينيها بذهول وقولت:


“طلاق إيه؟ وحدي الله يا مها، إنتِ وجوزك مبتقدروش تستغنوا عن بعض، إيه اللي حصل لكل ده؟”


مسحت دموعها بحرقة وقالت بصوت يقطع القلب:


“هو ده اللي هيموتني يا نهى.. أنا بحبه، بحبه أوي ومش قادرة أبعد عنه ولا أتخيل حياتي من غيره ثانية واحدة، وهو كمان كان كدة.. بس هما مسبوناش في حالنا، خربوا حياتنا.”


قربت منها أكتر، وأخدت إيديها بين إيديا وفضلت أطمنها بكلامي:


* “اهدي بس يا حبيبتي مفيش مشكلة ملهاش حل، جوزك بيحبك وأكيد دي ساعة شيطان وهتعدي، قوليلي بس إيه اللي قلب حالكم كدة فجأة؟”


بصتلي وعينيها مليانة كسرة وقهر وقالت:


“أمه وأخته يا نهى.. مش سايبنا في حالنا من يوم ما دخلت البيت. ضاحكين عليه ومغيرينه معايا خالص. ماليين ودنه كلام غلط عني، ومألفين حكايات ومواقف محصلتش أصلاً بس عشان يكرهوه فيا ويطلعوني أنا اللي غلطانة ومقصرة في حقهم. المشكلة إنه طيب وبيصدقهم، مبقاش يشوف غير بعينيهم هما، ومبقاش طايقلي كلمة في البيت.. أنا حاسة إني بضيع يا نهى، وحبي ليه هو اللي دابحني ومكتفني، مش مخليني عارفة أخد موقف يحفظ كرامتي!”


كنت بسمعها وقلبي بيتقطع على حالها، وبطبطب عليها بكل قهرتي على دموعها، وفي نفس الوقت كنت بيني وبين نفسي بحمد ربنا على جوزي.. كنت بقول الحمد لله إن ربنا رزقني براجل شخصيته قوية، شايلني ومبيسمحش لأمه ولا لأخواته إنهم يتدخلوا بينا أو يكسروا خاطري بكلمة.


مكنتش أعرف وقتها إن الدايرة بتلف، وإن الوجع اللي كنت شايفاه في عيون مها في اللحظة دي.. أنا اللي هشربه كاسات صافية بعدين، وبإيديا أنا!حكايات نورهان العشري


 


مسحت مها دموعها بكفوف مرعشة، وبصتلي بنظرة رجاء عمري ما هنساها، نظرة واحدة بتموت وبتتعلق في قشاية. مسكت إيدي وجت تبوسها فشدتها منها بسرعة وأنا مخضوضة:


“إيه اللي بتعمليه ده يا مها!


مها صرخت بصوت مكتوم وهي بتترجاني ودموعها نازلة سيل:


“ينوبك ثواب فيا يا نهى.. ماليش غيرك.. ينفع تكلميه؟ هو عارفك وعارف جوزك، وواثق فيكِ وعارف إنك استحالة تكذبي. أبوس إيدك حنني قلبه عليا.. أنا هموت والله من كتر الوجع، حاسة إن روحي بتتسحب مني كل ما بفتكر إنه ممكن يضيع مني!”


أنا رجعت لورا خطوة، وهزيت راسي بالرفض وأنا محتارة وخايفة:حكايات نورهان العشري


“لأ يا مها.. لأ يا حبيبتي مبحبش أدخل في المشاكل دي، وبعدين البيوت أسرار، وجوزي لو عرف إني كلمت راجل غريب حتى لو جوز صاحبتي وبعمل خير، الدنيا هتتهد فوق دماغي.. إنتِ عارفة فهد طبعه حامي وصعب في الحاجات دي.”


مها رمت نفسها عليا وبقت تبكي بنشيج يقطع القلب وتلح عليا بكل قهرتها:


* “عشان خاطري يا نهى، عشان خاطر بناتك، اعتبريه ثواب.. أنا مش قصدي تعملي حاجة غلط، إنتِ بس هتقوليله كلمة حق، تفهميه إن أمه وأخته ظالميني، وهو بيحترمك وهيسمع منك.. لو مكلمتهوش أنا هضيع، بيتي هيتخرب يا نهى، يرضيكِ ؟”


كلامها ودموعها وحالها اللي يصعب على الكافر كسروا قلبي… مبقتش قادرة أشوفها بالكسرة دي وأقف متكتفة، قولتلها بصوت مغلوب على أمره:


“خلاص يا مها.. خلاص اهدى وامسحي دموعك دي.. أنا هكلمه وأمري لله، بس عشان خاطرك أنتِ بس، وربنا يستر.”


 


فضلت واقفة في البلكونة رايحة جاية، التليفون في إيدي تقيل شاشة الموبايل منورة على اسم “حسن جوز مها”، وصوابعي بترتعش كل ما تقرب من زرار الاتصال.


كنت خايفة.. خايفة خوف مش قادرة أفسره، قلبي عمال يدق في صدري بسرعة زي الطبل، وصوت جوزي بيرن في ودني وهو بيقولي: “البيوت ليها حرمة يا نهى، ومحبش مراتي تحشر نفسها في مشاكل حد”. بس لما بفتكر دموع مها وكسرتها وهي رامية نفسها تحت رجلي، بحس إن إنسانيتي هي اللي بتحركني.


غمضت عيني، استعذت بالله من الشيطان، ودست اتصال.


الخط قعد يرن.. كل رنة كانت بتسحب معها نفسي، كنت هقفل وأراجع نفسي، بس جه صوته على الطرف التاني:


* “السلام عليكم..


بلعت ريقي بالعافية، وحاولت أجمع ثباتي وأتكلم بنبرة هادية ومحترمة تليق بمراتي وبأصولي:


* “وعليكم السلام يا أستاذ حسن.. الحمد لله أنا بخير. أنا نهى صاحبة مها.. حكايات نورهان العشري


 


ـ أهلاً يا مدام نهى، خير في حاجة؟”


 


نهى بصوت بيرتعش:


ـ أنا بصراحة بكلمك وأنا عارفة إنك راجل عاقل وبتفهم في الأصول، وعارفة إن ماليش دخل، بس مها صاحبتي وأختي، وأنا شفتها النهاردة وحالها ما يسرش لا عدو ولا حبيب.”


حسن اتنهد تنهيدة قوية فيها كمية ضيق مش طبيعية وقال:


* “مدام نهى.. أنا بحترمك وبحترم جوزك جداً، بس لو الكلام بخصوص مها، فالموضوع منتهي، مها غلطت في حق أهلي، وأنا أهلي خط أحمر.”



هنا حسيت إن لازم أضغط على الوتر الحساس، اتكلمت بسرعة وبلهجة كلها رجاء وأمانة:


* “يا أستاذ حسن، والله العظيم مها مظلومة.. أهلك على عيني ورأسي، بس هما ضاحكين عليك ومفهّمينك كلام غلط عنها ومواقف محصلتش أصلاً عشان يوقعوا بينكم. مها بريئة من كل اللي اتقال عليها، دي بتعشقك! البنت هتموت من كتر الوجع، دموعها منشفتش وهي بتقولي (أنا بحبه ومش قادرة أعيش من غيره). يا أستاذ حسن، البيوت مبتتهدش بالسهولة دي عشان كلام لا يودي ولا يجيب..، دي ملهاش ذنب غير إنها حبتك و مش عايزة تخرب بيتها.”حكايات نورهان العشري


سكت حسن تماماً.. السكوت كان ومخيف، لدرجة إني سمعت صوت أنفاسه العالية والمترددة، وكأنه بدأ يفكر في الكلام ويهتز من جوة.


وفي اللحظة اللي كنت مستنية رده، سمعت صوت قفل الباب الوراني لبيتي وهو بيتفتح، وصوت خطوات جوزي برة وهي بتقرب.. في ثانية الدم هرب من عروقي، والتليفون كان هيقع من إيدي من الرعب! حكايات نورهان العشري


 


جمدت في مكاني، التليفون لسه على ودني وصوت حسن عمال يقول: “ألو.. ألو يا مدام نهى؟”


حسيت بـ فهد واقف ورايا، طوله وهيبته اللي كنت بحس بالأمان فيهم، اتحولوا في ثانية لكتلة نار قايدة. لفيت ببطء وأنا بنزل التليفون وإيدي بتترعش، كان واقف مربع إيديه، وعينيه اللي زي الصقر فيها نظرة غضب خلت ركبي تخبط في بعضها.


فهد قرب خطوة واحدة، وصوته طلع واطي ومكتوم، بس مليان رعب:


* “بتكلمي مين يا نهى؟”


بلعت ريقي وأنا حاسة إن حنجرتي ناشفة زي الحجر، حاولت أداري الموبايل ورا ضهري وأتكلم طبيعي بس صليت في الكلام:


* “فـ.. فهد؟ حمد الله على السلامة يا حبيبي، ده.. دي مها صاحبتي كنت بـ…”


مكملتش الكلمة ولقيت إيده السريعة والقوية شدت الموبايل من إيدي، بص في الشاشة وقرأ الاسم، وشوفت عروق وش ورقبتة وهي بتبرز ولون عينيه اللي بقت دم. بصلها بذهول وصدمة كأنه مش مصدق إن دي مراته، و قالي بصوت زلزل المكان كله:


* “حسن جوز مها؟! إنتِ بتستغفليني يا نهى؟ بتكلمي راجل غريب في التليفون ومن ورايا؟


 

غلطة عمري ج2

حكايات نورهان العشري


دموعي نزلت من الرعب، وقربت منه وأنا بحاول أمسك هدومه:


* “والله العظيم يا فهد أنت فاهم غلط! مها كانت بتموت قدامي واترجتني أكلمه، أنا مكنتش بعمل حاجة غلط، أنا كنت بصلح بينهم.. كنت بقول كلمة حق!”


زق إيدي بعنف وهو بيبصلي بنظرة كره وعمري ما شوفتها في عينيه قبل كدة، وقال بلهجة حاسمة وقاطعة: حكايات نورهان العشري


* “كلمة حق؟ أخس عليكي. بقى أنا اللي كنت بقول للناس كلها مراتي خط أحمر، و مبسمحش لحد يقولك حرف،. تعملي فيا كدا؟ إنتِ خدعتيني وكسرتي كلامي، وضحكتي عليا!”


سابني واقفة مكاني بنهار، ودخل الأوضة ورزع الباب وراه رزمة هزت البيت كله. حكايات نورهان العشري


فضلت طول اليوم قاعدة في الصالة، بناتي نايمين جوة، وأنا بموت في كل ثانية، مستنية يخرج، مستنية يزعق، بس السكوت كان أصعب.


لحد ما الساعة جه عشرة بالليل.. الباب اتفتح وخرج فهد. كان مغير هدومه، ووشه خالي من أي تعبير، بارد زي الثلج. بصلي وقال بكلمتين اتنين مفيش غيرهم، بس كانوا كفيلين ينهوا حياتي:


* “قومي البسي.. يالا عشان أروحك بيت أهلك.”


 


الكلام نزل عليا زي الصاعقة، حسيت إن الأرض بتلف بيا والدنيا اسودت في عيني. قمت من مكاني وأنا رجلي مش شيلاني، جريت عليه ودموعي نازلة شلالات، مسكت في كمام قميصه وكان جسمي بيترعش و صرخت صرخة مكتومة مليانة قهر وألم:


* “ليه كدة يا فهد؟ عشان خاطر ربنا بلاش تعمل فيا كدة! والله العظيم ما كنت أقصد حاجة وحشة.. أنا قولت أصلح بينهم، قولت بعمل خير وبنقذ بيت صاحبتي من الخراب.. مكنتش أعرف إن الخير هيكسرني معاك بالشكل ده!”


فهد كان واقف زي الجبل، مبيتحركش، ولا حتى رمش ليه جفن. الغضب اللي كان جواه مبقاش يصرخ بيه، بالعكس، اتقلب لبرود حارق، برود يوجع أكتر من أي زعيق. ملامحه كانت حزينة، عينه اللي كانت دايماً بتلمع بالحب ليا، كان فيها نظرة خيبة أمل دابحاني، بس كبريائه ورجولته مانعينه يبين كسرة قلبه مني.


حاولت ألمس وشه، وأنا بشهق من كتر العياط:


“فهد.. بص في عيني، أنا نهى حبيبتك.. أنت عارفني وعارف تربيتي، أنا عمري ما فكرت أكسر كلمتك ولا أعمل حاجة تزعلك.. عشان خاطري وخاطر بناتنا متعملش فيا كدة وتصغرني قدام أهلي!” حكايات نورهان العشري


شال إيدي من على وشه بالراحة، بس بقسوة خلت قلبي يتخلع من مكانه. أخد نفس طويل، كأنه بيطفي بيه النار اللي قايدة في صدره، وبصلي بنظرة كلها وجع وعتاب مكتوم، وقال بصوت حاد، واطي، وراسي:


* “أنا مش هصغرك يا نهى.. ولا هقول لأهلك إنك كلمتي راجل غريب من ورايا. حكايات نورهان العشري


 


سكت ثانية، وبلع ريقه وصوته اتهز لأول مرة وهو بيكمل:


” أنتِ اللي هتقوليلهم. أنك كسرتي ثقتي فيكِ.. نزلتِ كلمتي الأرض عشان خاطر حاجة تافهة. عشان كدة، قومي البسي، روحي اقعدي مع والدك.. احكيله اللي حصل ده بالتفصيل، قوليلي كل اللي عملتيه من ورا جوزك، وشوفي هيقولك اللي عملتيه صح ولا غلط.. شوفي هيقبل إن بنته تعمل كدة في جوزها ولا لأ.”



كل كلمة منه كانت بتدخل في قلبي زي الس*كينة، الهوا كان مشحون بالألم بيننا؛ حب سبع سنين، والأمان اللي عشته في حضنه، كله كان بيتهز في اللحظة دي بسبب لحظة تسرع. لف ضهره ليا ومشي خطوتين ناحية الباب وهو بيقول بنبرة منهكة ومجروحة:


* “أنا مستنيكِ في العربية.. متتأخريش عشان البنات نايمين ومش عايزهم يحسوا بحاجة.”


 


بعد أسبوع كنت قاعدة في الصالة عند أهلي، ضامة ركبي لصدري وببكي بحرقة ونشيج طالع من جوة قلبي. فهد جابني وسابني ومشي بعد ما حكى لبابا الخطوط العريضة من برة، وسابني أنا أواجه المقصلة.


أمي كانت واقفة فوق راسي، وشها أحمر من الغضب وزعقها بيرج الحيطة:


* “يا خيبتك القوية يا نهى! و يا خيبة أملي فيكِ! بتكلمي راجل غريب ومن ورا جوزك؟ وبتقولي بعمل خير؟ إنتِ عبيطة يا بت ولا مخك ده طار؟! خربتِ بيتك بإيدك عشان خاطر الناس!”


 


أبويا قاعد على الكرسي، باصص للأرض بأسى وخيبة أمل دابحاني، اتنهد وقال بصوت كله كسرة: حكايات نورهان العشري


* “يا خسارة تربيتي فيكِ يا نهى.. فهد اللي كان بيقف لأمه وأخواته عشانك، فهد اللي كان شايلك على راسه، تنزلي كلمته الأرض؟ البيوت ليها حرمة يا بنتي، واللي عملتيه ده غلط، وغلط كبير كمان!”


أختي سارة قربت مني وبصتلي بلوم ويأس:


* “أنا مش مصدقة إنك بالسطحية دي يا نهى! مها إيه اللي تضيعي جوزك وبيتك عشانها؟ مها لو مكانك مكنتش هتبص في وشك أصلاً!”


الكلام كان بيموتني، الندم كان بياكل في ضلوعي زي السوس، ودموعي مكنتش بتجف. دخلت أوضتي القديمة وأنا منهارة تماماً، حسيت إن ماليش طوق نجاة غير مها.. هي الوحيدة اللي تقدر تشهد بالحق وتنقذني.


مسكت الموبايل وطلبتها، أول ما ردت قولت بلهفة وشهقات مكتومة:


* “مها.. إلحقيني يا مها، فهد عرف إني كلمت حسن وطردني وجابني بيت أهلي والكل قالب عليا.. أبوس إيدك يا مها، كلمي فهد، قوليلي إنك إنتِ اللي اترجيتيني، فهميه إنك كنتِ بتموتي وأنا كنت بحاول أصلح بينكم بس.. قوليلي إن مفيش بيني وبين جوزك حاجة!”


سكتت مها ثانية، ثانية كاملة نزلت عليا زي الدهر، وسمعت صوتها طالع بارد، ناعم، وفيه نبرة خسة وجحود عمري ما تخيلت إنها تطلع من بني آدم:


* “معلش يا نهى.. مقدرش أعمل كدة.”


بردت في مكاني، ودموعي اتجمدت من الصدمة:


* “تقصدي إيه بمقدرش؟ بقولك بيتي اتخرب!”


ردت بمنتهى الأنانية والبرود: حكايات نورهان العشري


* “يا نهى أفهميني، حسن رجعني البيت الصبح، وقولنا هنفتح صفحة جديدة، وهو حذرني وقالي. مخبيش عليه حاجة أبدًا. معلش يا حبيبتي، مقدرش أكلم فهد من ورا جوزي.. أنا ما صدقت حسن رجعلي ورجعت بيتي واستقريت، مش هخرب على نفسي تاني!”


الدنيا لفت بيا، وحسيت بطعنة في ضهري قسمتني نصين. و لكن الوجع اللي كان أكبر و أكبر لما سمعت جوزها بيقولها


ـ اقفلي مش فاضيين لحد.


 


مقدرتش أمنع نفسي لقيتني بقولها بحرقة:



“يا حقيرة! يا واطية يا زبالة! أنا خربت بيتي عشانك! أني نزلت تحت رجلي عشان اساعدك وطيبت خاطرك ووقفت قدام جوزي وكسرت كلمته عشان تنقذي بيتك.. وفي الآخر تبيعيني بالرخص ده؟!”


مها حاولت تتكلم: “يا نهى اسمعيني بس…”


قطعت كلامها وأنا بصرخ وبشهق من كتر الندم والغل اللي جوايا:


* “ملعون أبو معرفتك على أبو اليوم اللي شوفتك فيه! إنتِ إيه؟ معندكيش أصل؟ معندكيش دم؟! أنا اترميت في بيت أهلي وبناتي اتشتتوا عشان أصلح مابينك وبين جوزك، وإنتِ قاعدة في بيتك متهنية ومش هامك؟! حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ يا مها، ربنا ينتقم منك وياخدلي حقي منك ومن جوزك ومن كل واحد ظلمني.. غوري في داهية!”


 


قفلت السكة في وشها ورميت الموبايل في الحيطة اتفشفش مية حتة، ورميت نفسي على السرير وأنا بصرخ وبكتم صوتي في المخدة.. الندم كان بيدبحني، ندمانة إني سمعت كلامها، وندمانة إني خسرت بيتي وجوزي حبيبي اللي كان صايني، عشان واحدة متسواش.


 


بعد أسبوع.. كانت الصالة في بيت أبو نهى هادية هدوء مخيف، هدوء ما قبل العاصفة. فهد قاعد مربع إيديه، ظهره مفرود وعينيه مثبتة في الأرض بجمود يشبه جمود الصخر. قدامه كان والدي باصص له بنظرات كلها رجاء وتوسل، الراجل الكبير اللي علامات الزمن والقهر ظهرت على وشه فجأة في كام يوم. حكايات نورهان العشري


بابا اتنهد بصوت مرتعش وقال:


“يا فهد يا ابني، عشان خاطري أنا، اعتبرها سحابة صيف وعدت. البنت غلطت وندمانة وبتموت في الأوضة جوة، أنت عارف نهى وعارف طيبة قلبها، دي كانت فاكرة إنها بتعمل خير، مكنتش قاصدة تكسر كلمتك.”


فهد رفع عينه، النظرة اللي كانت فيها مكنتش غضب، كانت أعمق وأقسى بكتير.. كانت نظرة خيبة أمل مالهاش آخر. أخد نفس طويل وطلعه ببطء وقال بصوت واطي وراسي بس حاسم زي حد السيف:


“يا عمي.. أنا جيتلك لحد بيتك احتراماً ليك وللأصول اللي اتربينا عليها. نهى مكسرتش كلمتي بس، نهى هزت ثقتي فيها.. والثقة لما بتهتز في قلب الراجل، مبيفضلش مكان لأي حاجة تانية. أنا كنت بقف للدنيا كلها عشانها، كنت بقف لأمي وأخواتي وأقول مراتي خط أحمر، وفي الآخر هي عملت ايه واقفة في نص بيتي وبتكلم راجل غريب من ورايا عشان خاطر واحدة تانية؟”


بابا اتكلم بحزن:


* “يا ابني المسامح كريم، والبيوت مبتتهدش من أول غلطة، فكر في البنتين، ذنبهم إيه يتشتتوا؟”


فهد شد ووقف، و اتكلم بحسم:


* “البنات في عينيا يا عمي، هما بناتي و نور عيني وعمرهم ما هيحتاجوا حاجة في الدنيا. ونهى.. أنا مش هظلمها، هتاخد كل حقوقها، المؤخر والنفقة والمتعة وكل مليم تطلبه، أنا مش راجل وحش عشان أكل حق الولايا بس رجوع مش هنرجع. أنا هطلق نهى يا عمي،


والموضوع ده منتهي بالنسبة لي.”


غلطة عمري ج3

حكايات نورهان العشري


دخل بابا الأوضة عليا كان باين عليه إنه كبر عشر سنين في اللحظة دي. كنت قاعدة على طرف السرير، عينيها منفوخة ومحجرة من كتر العياط، وشي باهت زي الورقة البيضا. أول ما شفت أبويا داخل، وقفت بلهفة وجريت عليه:


“بابا! قولي إنه وافق؟ فهد قال إيه؟ هيسامحني ويرجعني عشان خاطر البنات صح؟”


أبويا مبصش في عينيها، دارى وشه وهو بيمسح دمعة خاينة نزلت من عينه وقال بصوت مكسور:


“ادعي لنفسك بالصبر يا بنتي.. فهد مصمم على الطلاق، وبيقول هيطلقك بالمعروف ويديكِ كل حقوقك.”


الكلمة نزلت عليا زي السكين اللي بتدبح، رجلي مبقتش شيلاني وقعت على ركبي وانا بصرخ بهيستريا: حكايات نورهان العشري


“لأأأأ! فهد لا! مش هيطلقني.. هو بيحبني، أنا عارفة إنه بيحبني! يا بابا ارجعله، قوله يضربني، يعاقبني، يعمل فيا اللي هو عايزه بس ميبعدنيش عنه! أنا هموت من غيره والله العظيم هموت!”


 


أمي وأختي جريوا عليها يحضنوني ويهدوني، بس مفيش فايدة، البيت كله كان مقلوب بصريخي اللي يقطع القلب، ندم العالم كله كان متجمع في صدري في اللحظة دي.


وجاء اليوم المشئوم.. اليوم اللي كانت نهى بتتمناه ميكتبش في عمرها.


المكتب عند المأذون كان ضيق وخانق، ريحة الأوراق القديمة وحبر القلم كانت بتزود الخنقة في صدرها. فهد كان قاعد على الكرسي، لابس قميصه الأسود، وشه كان عبارة عن قناع من الجمود التام، ملامحه خالية من أي تعبير، كأنه راجل من رخام. بس لو حد ركز في كفوفه اللي فوق ركبته، هيشوف صوابعه وهي بتضغط بعنف، كأنه بيجبر قلبه إنه ميتكلمش.


نهى كانت قاعدة قصاده، جسمها كله بيترعش، دموعها نازلة صامتة ومن غير صوت، بس كانت مغرقة وشها ورقبتها. كانت بتبص له بنظرات استعطاف، نظرات بتقول: *”بص في عيني.. افتكر سبع سنين حب.. افتكر بناتي.. افتكر إنك كنت أماني”


المأذون بدأ يكتب في الدفتر، وصوت حشرجة القلم كانت بتنزل على قلب نهى زي الضربات. فهد كان باصص للورق ومتابع الإجراءات ببرود مصطنع، كان بيحاول بكل قوته يرسم الجمود على ملامحه، بس فكه كان مشدود وعروق رقبته بارزة، المعركة اللي جواه كانت أشرس بكتير من سكوته.


المأذون خلص كتابة، وبص لفهد وقال:


“اتفضل يا أستاذ فهد.. قولها أنتِ طالق .


 


في اللحظة دي، نهى حست إن روحها بتتسحب بجد. رفعت عينيها المليانة رجاء وشهقت بصوت مسموع ومكتوم:


* “فهد.. عشان خاطري…” حكايات نورهان العشري


فهد فتح بقه عشان ينطق الكلمة، بصلها، وشاف كسرتها ودموعها ونظرتها اللي دمرت كل حصونه.. الجمود اللي كان على وشه اتهز للحظة، وعينيه لمعت بوجع رهيب.


نهى مقدرتش تتحمل اللحظة دي، الدنيا اسودت تماماً في عينيها، الهوا اتقطع عن صدرها، وجسمها كله ارتمى ووقع من على الكرسي على الأرض وهي فاقدة الوعي تماماً، قبل ما الكلمة تطلع من بق فهد.


في اللحظة اللي جسم نهى ارتمى فيها على الأرض، قناع الجمود اللي كان فهد راسمه على وشه اتمزق مية حتة. صرخ صرخة رجت جدران الأوضة: “نهى!”




في ثانية كان نازل على الأرض، شال راسها بين إيديه وهو بينفض من الرعب، ملامحه الصخرية اتقيدت بنار الخوف عليها، نسى كبريائه، ونسى وجعه، وبقى يمسح على وشها الباهت وهو بيزعق في المأذون وفي أبوها بصوت مرعوب:


* “فوقي يا نهى! عشان خاطري فتحي عينك! حد يجيب مية بسرعة.. نهى ردي عليا!”


شالها بين إيديه زي الريشة، وجري بيها على عربيته بأقصى سرعة، وأبوها وراهم مش ملاحق خطواته الواسعة والمرعوبة. ساق العربية بأقصى سرعة لغاية ما وصل لأقرب مستشفى، ودخل بيها وهو بيزعق في الدكاترة يلحقوها.


 


بعد ربع ساعة من القلق والتوتر، وفهد رايح جاي قدام الأوضة بيموت في كل ثانية، خرج الدكتور وابتسامة خفيفة على وشه:


“اطمنوا يا جماعة، هي جالها هبوط حاد في الدورة الدموية بسبب الضغط النفسي الشديد.. بس الحمد لله عملنا اللازم،. اه مبروك، المدام حامل في أول الأسبوع الرابع ولازم تبعد تماماً عن أي زعل عشان الحمل يثبت.


 


أبو نهى رفع إيديه للسما وبقى يحمد ربنا بدموع، أما فهد.. فجمد في مكانه. الكلمة هزت كيانه كله، حس إن ربنا بيبعتله رسالة، بيديه فرصة ثانية يحمي بيها بيته وعياله من غير ما يكسر كبريائه قدام نفسه. بص لعمه وقال بصوت حاول يخليه جامد بس نبرة اللهفة كانت فضحاه:


“أنا مش هطلق نهى يا عمي. نهى هترجع بيتها معايا. أنا مبقاش أن ولادي يتولدوا برة بيتي.”حكايات نورهان العشري


 


رجعت نهى البيت، دخلت أوضتها وهي مش مصدقة، كانت بتلمس الحيطان بحنان ونفسها تجري على حضن فهد تشكره. دخل وراها فهد، قفل الباب وبصلها بنظرة باردة وناشفة، عكس النار اللي كانت جواه وهو خايف عليها.


نهى قربت منه بدموع ولهفة:


* “فهد.. أنا مش مصدقة إننا رجعنا، والله العظيم ربنا يعلم…”


قاطعها بصوت حاد وقاسي كأنه بيهد كل آمالها:


* “اسمعيني كويس يا نهى.. متوهميش نفسك بكتير. إنتِ رجعتِ هنا لسبب واحد بس.. ولادك، واللي في بطنك. رجوعك عشان أنا مش هسمح لعيالي يتربوا بعيد عني، وعشان صحتك وصحة اللي جاي.”


بلعت ريقها بصدمة وقالت:


“يعني إيه يا فهد؟ مش هتمسامحني؟”


بص الناحية التانية عشان يداري لهفته وعينيه اللي كانت هتفضحه وقال بقسوة مصطنعة عشان يأدبها ويداري جرحه:


* “المعاملة اللي بيني وبينك انتهت، إنتِ هنا أم عيالي وبس.. وأنا، من حقي أشوف حياتي.


 


سكت شوية وقال


ـ وأنا قررت إني هتجوز.


حكايات نورهان العشري ❤️


 


الكلمة نزلت على نهى زي الصاعقة، حست إن قلبها وقف عن النبض، الصدمة شلت لسانها وعينيها اتسعت بذهول وقهر.. كانت هتموت من الوجع. فهد شاف المنظر ده، قلبه اتقطع عليها وكان نفسه يأخدها في حضنه ويقولها إنه بيقول كدة من غيظه وزعله، بس داس على قلبه، لف ضهره وخرج من الشقة بسرعة ورزع الباب وراه قبل ما يضعف قدام دموعها.


 


نهى رمت نفسها على السرير وهي بتشهق من كتر العياط، مش قادرة تستوعب إن فهد حبيبها وعمرها ممكن يلمس واحدة تانية غيرها.



وفجأة.. الباب الخارجي اتفتح، ودخلت خطوات تقيلة ومألوفة. مكنتش أختها ولا أمها، دي كانت حماتها، أول ما عرفت إن فهد خرج، انتهزت الفرصة وطلعتلها الشقة. دخلت الأوضة ووقفت فوق راس نهى، وحطت إيدها في وسطها وعلى وشها ابتسامة شماتة تقرف.


حماتها بصتلها من فوق لتحت وقالت بنبرة كلها غل وسخافية:


* “يا ألف نهار مبروك يا نهى.. رجعتِ؟ مفكرة نفسك ذكية بالحمل ده؟ فاكرة إنك كدة لويتي دراع ابني؟ لأ يا حبيبتي، فهد رجعك عشان حتة العيل اللي في بطنك وعشان كلام الناس، إنما أنتِ خلاص، بقيتي عنده في الأرض.”


 

غلطة عمري ج4

حكايات نورهان العشري


نهى رفعت راسها ودموعها مغرقة وشها، بس حماتها مسمتهاش وكملت بسمّ أشد:


* “سمعتِ إنه قرر يتجوز صح؟ أهو أنا بقى من بكرة هدورله على ست ستك، بنت أصول تسمع كلامه وتصون بيته، مش تروح تلف على رجالة برة وتكلمهم من وراه وتفضحنا! خليكِ كدة قعدة زي الكرسي في البيت، ليكي الأكل والشرب، و العروسة الجديدة هي اللي هتاخد الدلع كله.. اشربي بقى من الكاس اللي عملتيه بإيدك!”


 


على مدار أسبوع كامل، كانت حماتها مستلمة الدفة؛ تلف على المعارف والجيران، تجمع صور البنات وتعرضها على فهد وهو راجع من شغله قرفان ومنهك. كان بيبص للصور ببرود ويرميها على التربيزة ويقولها بنبرة ناشفة:


“مش وقته يا أمي، سيبيني في اللي أنا فيه”. هو مكنش شايف ولا عايز يشوف ست في الدنيا غير اللي قاعدة جوة الأوضة وصوت عياطها المكتوم كان بيبث النار في صدره. حكايات نورهان العشري


أما نهى، فكانت في الأيام الأولى عايشة في شبه غيبوبة، لحد ما في ليلة، وهي باصة لوشها في المراية، لقت عينيها منفوخة، وشكلها دبلان، وحماتها كلماتها لسه بتعوي في ودنها زي الذئاب. في اللحظة دي، جواه حاجة اتمزقت واتبدلت.. حست بكرامتها اللي بتقل، وبأنها رخصت نفسها أوي. حكايات نورهان العشري


وقفت قدام المراية، مسحت آخر دمعة بعنف، وقالت لنفسها بصوت قوي لأول مرة:


*”لو فهد هيتجوز عليا، أنا مش هكون موجودة أصلاً عشان أشوفها.. أنا رجعت عشان خاطر اللي في بطني وبناتي، وعمري ما هقبل أكون نص ست في حياة راجل، حتى لو الراجل ده فهد”


 


من تاني يوم، الشقة اتغير حالها. نهى قامت، غسلت وشها، لبست فستان بيتي صيفي أنيق ومرتب، رفعت شعرها بشكل جميل، ورشت من عطرها اللي فهد بيحبه. فتحت الشبابيك ودخلت الشمس، وبقت تقضي طول اليوم مع بناتها؛ تلعب معاهم، وتضحك بصوت عالي وهي بتلعب وراهم في الصالة، وتغني لهم عشان تشغل عقلها وقلبها عن الوجع اللي بيعصرها من جوة. كانت بتصبر نفسها بإن فهد ابن عمها وحبيبها وعمره ما هيعمل كدة، ولو عمل.. يبقى لكل حادث حديث، والباب يفوت جمل.


فهد كان مراقب كل ده.. الشقة اللي مفاتيحها معاه، كان يدخل ببطء ومن غير صوت، ويقف في الممر يراقبها من بعيد لبعيد من غير ما تاخد بالها. كان بيشوف ضحكتها مع البنات، طريقتها وهي بتهتم بنفسها وبلبسها، والبرود اللي غلف ملامحها فجأة. حكايات نورهان العشري


التجاهل ده بدأ يجننه.. مكنش ده الرد اللي مستنيه! كان فاكر إنها هتيجي تبكي وتترجاه ميتجوزش، كان عايز يديها درس عمرها عشان اللي حصل دا ميتكررش تاني. أو على الأقل تظهر عليها علامات الغيرة والكسرة. لكن نهى بقت تتعامل معاه كأنه شبح في البيت؛ تجهز له أكل وتسيّبه على السفرة وتمشي، تحط له هدومه المكوية على السرير من بعيد لبعيد، ولما يتقابلوا في الممر، بتبص له بنظرة باردة، وخالية من أي عاطفة، وتعدي من جنبه كأنها بتعدي من جنب حيطة.



البرود ده شعلل النار في قلب فهد. رجولته وكبريائه وجعوه؛ إزاي قدرت تقلب الصفحة بالسرعة دي؟ إزاي مبقاش فارق معاها إنه ممكن يكون لواحدة تانية؟ الغيظ عماه، وقرر إنه لازم يكسر البرود ده ويشوف في عينيها لهفة الحب والغيرة بتاعة زمان، حتى لو هيلعب لعبة خطيرة.


في يوم، رجع فهد البيت بالليل، ودخل الصالة وهو بيتكلم في التليفون بصوت مسموع وواضح، وعينه بترمق باب الأوضة اللي نهى قاعدة فيها مع البنات. قال بنبرة فيها فرحة مصطنعة وواضحة:


“يا أمي.. خلاص، بلغي الجماعة إننا هنروح نقرأ الفاتحة يوم الخميس الجاي. البنت ما شاء الله عليها أدب وجمال وأصل، وأنا موافق…”


 


قفل الخط، وحط الموبايل على الترابيزة بعنف، وقعد على الكرسي وهو بياخد نفس طويل، مستني الباب يتفتح وتخرج نهى وهي منهارة أو بتصرخ في وشه. حكايات نورهان العشري


جوة الأوضة.. نهى كانت ساندة ظهرها على الباب، كلامه نزل عليها زي طعنة خنجر مسموم في قلبها. النفس اتقطع من صدرها، وحست بوجع رهيب لدرجة إنها حطت إيدها على بطنها وخافت على الجنين. دموعها كانت هتخونها وتنزل، بس افتكرت عهدها لنفسها، وافتكرت كرامتها. غمضت عينيها، أخدت نفس طويل، ورسمت على وشها أهدأ وأبرد ابتسامة تقدر عليها.


فتحت الباب وخرجت بكل ثبات وثقة، خطواتها كانت راسية وفستانها بيتحرك معاها بنعومة. فهد رفع عينه بسرعة وشافها وهي بتقرب، قلبه دق بسرعة وهو مستني الانفجار.


نهى مشيت لحد السفرة، أخدت كباية المية، وبصت له بنظرة ثاقبة وباردة، وقالت بصوت هادي ومستقر تماماً ما فيهوش أي رعشة:


“ألف مبروك يا فهد.. ربنا يتمم لك على خير.”


 


وقبل ما يستوعب الكلمة، لفت ضهرها ودخلت أوضتها وقفلت الباب بالراحة وبكل برود.


فهد جمد في مكانه، صوابعه ضغطت على مسند الكرسي لدرجة إن عروقه كانت هتنفجر من كتر الغيظ والذهول. اللعبة اللي عملها عشان يحرق دمها، ارتدت في صدره هو، وبقى سؤاله الوحيد اللي بياكله من جوة:


“يا ترى هي فعلاً مبقتش تحبني؟ حكايات نورهان العشري


ده الهد


كانت الساعة داخلة على سبعة الصبح الهدوء مسيطر على البيت كله بس هو هدوء كداب، عامل زي الرماد اللي تحته نار قايدة. فهد كان قاعد في الصالة، قميصه مفتوح أول زرارين منه، وعينيه على باب الأوضة، السيجارة في إيده مبتطفيش، والغيظ بياكل في قلبه من برودها اللي شافه الصبح.


وفجأة، الباب اتفتح.


خرجت نهى، بس المرة دي مكنتش لابس فستانها البيتي.. كانت لابس عبايتها الخروج ولفّة طرحتها. وفي إيدها الشنطة الكبيرة اللي لمت فيها هدومها وهدوم بناتها، والبنتين الصغيرين كانوا نايمين جوة ومجهزاهم.


فهد اتسمر في مكانه. السيجارة وقعت من بين صوابعه على الطفاية. وقف وفرد طوله وعينيه اسودت بأكتر نظرة رعب وغضب عاشها في حياته. بصلها وبص للشنطة اللي في إيدها، وصوته طلع خشن ومتحشرج:



“إيه اللي في إيدك ده يا نهى؟ إنتِ رايحة فين في وقت زي ده؟”حكايات نورهان العشري


نهى وقفت بثبات، رغم إن قلبها كان بيتخلع من مكانه، حطت الشنطة على الأرض وبصت في عينيه مباشرة ولأول مرة من يوم الأزمة بنظرة صافية، راسية، وموجوعة بس مش مكسورة:


“أنا غلطت يا فهد.. غلطت وأقريت بغلطي، ونزلت تحت رجليك ورجل أهلي، وربنا وحده يعلم نيتي كانت إيه، لا كنت بخونك ولا كنت بقل بيك، أنا كنت بنقذ بيت صاحبتي. بس أنت حكمت وقسيت، وكسرتني كسر عمري ما هنساهولك.”


بلعت ريقها، وحطت إيدها على بطنها بحركة عفوية وكملت بنبرة قاطعة:


“بس في كل الأحوال.. أنا مش الست اللي تقبل بضرة، ولا نهى اللي تعيش نص ست في حياة راجل عشان العيال. أنا لمت هدومي وهدوم بناتي وهمشي حالا.. عشان تفضى لجوازتك الجديدة والست اللي اخترتها، ولما أولد بالسلامة.. يا ريت ورقتي توصلني بيت أبويا.” حكايات نورهان العشري


 


الكلمة دي خلت فهد يفقد عقله تماماً. كبريائه، وغيظه، وخوفه المرعب من إنها تضيع من بين إيديه بجد، كل ده انفجر في ثانية واحدة.


قرب منها بخطوات سريعة زي الإعصار، زق الشنطة برجليه طيرها لآخر الصالة، ومسكها من كتافها الاتنين بقبضة قوية وخشنة بس واعية، هزها بعنف وهو بيصرخ في وشها وعروق رقبته بارزة وعينيه حمرا دم:


“بالسهولة دي؟! بالبساطة دي بتبيعي سبع سنين؟! إنتِ مبقتيش تحبيني للدرجادي يا نهى؟ هانت عليكِ عيشتنا؟ هان عليكِ حضني؟ عايزة تمشي وتسيّبيني عشان كلمتين قولتهم؟ إنتِ إيه، معندكيش قلب؟! مفكراني هسيبك تخرجي من الباب ده وإنتِ شايلة حتة مني ومنك؟!”


 


قعد يزعق ويبهدل الدنيا، يزق الكراسي، صوته كان مالي البيت كله بغضب الراجل اللي بيحارب عشان حبه اللي بيضيع. نهى قدام المنظر ده، وقدام الرعب والوجع اللي شافته في عينيه لأول مرة، حصونها كلها اتهدت. البرود المصطنع داب، وانفجرت في العياط بشهقات عالية وصوت يقطع القلب، وجسمها كله بقى يرتعش وهي بتغطي وشها بإيديها.


 


أول ما شاف دموعها وانهيارها، الغضب اللي في قلبه اتقلب للوعة ولهفة حارقة. شد إيديها من على وشها بعنف وعاطفة جياشة، وسحبها لحضنه بكل قوته.. حضن قوي، كأنه بيدفنها جوة ضلوعه عشان يمنعها تخرج من حياته.


نهى بقيت تخبط على صدره بقبضتها الضعيفة وهي بتعيط وتشهق في حضنه:


“سيبني يا فهد.. سيبني أمشي.. أنت كنت قاسي أوي معايا.. قاسي لدرجة دبحاني! ليه تدوس عليا كدة؟ ليه تحرق دمي وتقولي هتعيشي كرسّي في البيت دا و هتتجوز عليكِ واحدة تانية؟ أنا كنت بموت في كل ثانية وأنت مابتسمعنيش!”


 


فهد ضغط عليها أكتر، ودفن وشه في رقبتها وهو بيتنفس عطرها بعشق وجنون، إيديه الخشنة كانت بتمسح على ظهرها وشعرها بقوة وعنف عاشق مش عايز يسيب حبيبته:


* “أنا آسف.. حقك عليا، أنا كنت هتموت من غيظي منك.. برودك كان بيقيد فيا النار يا نهى! كنت عايز أشوف غيرتك، عايز أسمع صوتك وأنتِ بتقوليلي متسبنيش، مكنتش طايق إنك تبصيلي كأني غريب!”



 


نهى بحرقة:


ـ طب ما انت كنت هتطلقني وهتفرط فيا. نسيت انك خدتني عند المأذون عشان نطلق؟حكايات نورهان العشري


 


فهد بحدة:


ـ مكنتش هعمل كدا. كنت عايز أعلمك درس بس. لكن عمري ما كنت هنطقها ولا هفرط فيكي أنا بعشقك يا نهى و مقدرش اعيش لحظة واحدة من غيرك..


 


رفع راسها بإيديه، ومسك وشها بين كفوفه الكبيرة بقوة وحنان مخلوطين ببعض، وبص في عينيها المليانة دموع وقال بصوت واطي وخشن مليان عشق ورجوع:


” و كمان عمري ما فكرت اتجوز عليكي، مفيش ست في الدنيا تقدر تملى عيني غيرك. أنا كنت بلعب بيكِ عشان أحرق دمك زي ما حرقتي دمي، بس أنا اللي اتحرقت بالنار.. إنتِ بتاعتي أنا، مراتي وأم عيالي وحبيبتي، ومفيش قوة على الأرض هتاخدك مني ولا هتبعدك عن الحضن ده.”


 


نهى استسلمت تماماً في حضنه، لفت إيديها حوالين رقبته وبقت تبكي، بس المرة دي كانت دموع راحة وأمان


حكايات نورهان العشري


أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close