القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 أخـو جـوزي ج 1 حكـايات مني السيد



أخـو جـوزي ج 1 حكـايات مني السيد


أخو جوزي جه يقعد معانا كام يوم عشان شغله… لكن الكام يوم بقوا أكتر من شهر! بقيت بلبس الخمار جوه بيتي، وباستخبى في المطبخ من أول ما يرجع من الشغل لحد ما جوزي يدخل كنت فاكرة إني ببالغ، لحد ما حصل اللي عمري ما كنت أتخيله، وساعتها عرفت إن إحساسي كان في محله.


“هـو هيقـعد معـانا كـام يـوم بس… لحـد ما يظبـط نفسـه…”

دي كانت الجـملة اللي قالها جـوزي وهو بيحـط شنطـة أخـوه في الصـالة ، ابتسـمت ابتسامة مجاملة، وقلت لنفسي:

ـ كام يوم وهيعدوا …

لكن الأيام بقت أسبوع… والأسبوع بقى شهر… وبعد الشهر دخلنا في اللي بعده، وأنا حاسة إن بيتي اللي كنت بعتبره مملكتي، مبقاش بيتي. #حكـايـات_منـي_السيـد


أنا متجوزة من سنتين، وعندي بنت عندها سنة، ولسه متعودة على مسئولية البيت والطفلة والنوم المتقطع والتعب.

كنت طول عمري بحب أقعد في بيتي براحتى… ألبس اللي يريحني، أتحرك من غير ما أحسب خطوة، أشغل التلفزيون بصوت عالي، أقعد ألعب مع بنتي.


كل ده انتهى أول ما أخو جوزي دخل البيت…بقيت أصحى الصبح ألبس خمار وأنا لسه خارجة من أوضتي.


حتى لو الحر قاتل، حتى لو مفيش حد غيره، وأفضل طول اليوم حاطة في دماغي إنه موجود..

أخو جوزي كان أكبر مني بكام سنة، وجاي من بلدهم عشان اشتغل في المدينة اللي إحنا ساكنين فيها.


في الأول كنت بقول:

“حرام… غريب ومالوش مكان.”


لكن مع الوقت حسيت إن الغريب الحقيقي بقيت أنا، جوزي بينزل الشغل من بدري، وأخو جوزي بينزل بعده.

يرجع حوالي الساعة تلاتة، أما جوزي…فما يرجعش قبل ستة.

تلات ساعات كاملين…أنا وهو في نفس الشقة.


كنت بقفل على نفسي أوضة النوم، وأقعد مع بنتي ، ولما تعيط من الجوع…أطلع أجري على المطبخ أعملها أكل وأرجع بسرعة ، ولو احتاجت تغيير حفاضة…أ جري، ولو عطشت…أجري، بقيت حتى وأنا ماشية ببص يمين وشمال.


مش لأنه عمل معايا حاجة. لأ…لكن الخوف نفسه بقى عايش جوايا…يمكن من اللي بنسمعه كل يوم…يمكن من القصص اللي بقراها…يمكن من إحساسي إن الوضع نفسه غلط.


والمشكلة إنه بدأ يعتمد عليا في كل حاجة.

“ممكن كوباية شاي؟”

“لو سمحتي سخني الأكل.”

“في مية ساقعة؟”

“فين الشاحن؟”


طلبات ورا طلبات، وأنا كل مرة أرد بابتسامة مصطنعة.

لكن من جوايا كنت بتخنق. أنا أصلاً عندي بيت، وعندي طفلة مبتعرفش تقعد دقيقة ، وعندي غسيل وطبخ وتنضيف.

هو أنا ناقصة؟


وفي يوم…استنيت جوزي يرجع…أول ما دخل قلتله:

“لازم أخوك يشوفله مكان.”


بصلي باستغراب، وقال: “أعملها إزاي؟”

قلت: “يعني إيه تعملها إزاي؟”

قال وهو بيتنهد: “محرج منه.”

سكت شوية وكمل: “هو مالوش حد هنا.”


قلت بعصبية: “وأنا مالي؟”

“أنا مرتاحة في بيتي؟”

“أنا حتى مبقتش أعرف أتحرك.”

“وبقيت لابسة خمار طول اليوم.”


قال: “استحملي شوية.”


الكلمة دي كانت كفاية إنها تخليني أعيط.

كل مرة يبقى الرد…استحملي…طب وأنا؟

مين يستحملني؟


تاني يوم…نزلت أرمي الزبالة…لقيت جارتي واقفة…بصتلي وقالت: “مالك يا بنتي؟”

قلت: “مفيش.”

قالت: “وشك باين عليه.”


ابتسمت بالعافية…لكن يمكن كنت محتاجة أتكلم…حكيتلها.

هي وصاحبتها بصوا لبعض، وسكتوا، وبعدين قالتلي بهدوء:

“بصي… إحنا مالناش دعوة بحد.”

“بس اللي بيحصل ده مش صح.”


قلت: “ليه؟”


قالت: “إنتي شابة ، وهو شاب.”

“وجوزك برا البيت بالساعات.”

“والشيطان شاطر.”


حسيت قلبي وقع، قالت الجارة التانية: “سمعتي الحديث؟”

هزيت راسي بالنفي…قالت: “الحمو موت.”


الجملة فضلت ترن في وداني…رجعت البيت وأنا سرحانة.

فضلت أفكر…هو أنا فعلاً مكبرة الموضوع؟

ولا مصغراه؟ هل أنا ظلمت الراجل؟

ولا ظلمت نفسي؟

#حكـايـات_منـي_السيـد

وفي نفس الليلة…قلت لجوزي كلام الجارات.

اتضايق جدًا ، وقال بعصبية:

“يعني الجيران بقوا يدخلوا بينا؟”

قلت: “أنا مش مرتاحة.”


قال: “ده أخويا.”

قلت: “وأنا مراتك.”


سكت…وأنا سكت.


لكن من يومها…بدأت أحس بحاجة غريبة.


كل يوم الساعة تلاتة بالظبط…أخو جوزي كان يرجع من الشغل، وفي نفس المعاد تقريبًا…كان باب شقتنا يخبط.

مرة مندوب.

مرة عامل.

مرة حد بيسأل على عنوان.

الغريب…

إن أول ما أفتح الباب…

ألاقي مفيش حد.

افتكرت إنها صدفة.

لكن لما الموضوع اتكرر أكتر من مرة…

بدأت أشك.


وفي يوم…قررت أعرف مين اللي بيخبط ويجري.

لكن اللي شوفته بعيني من العين السحرية…

خلاني أتجمد مكاني، وحسيت إن كل اللي كنت خايفة منه لسه ما بدأش أصلاً ووو…!!!

#حكـايـات_منـي_السيـد

#حصرى_لمنصه_جولد_المحتوى_فقط


**الفصل الثاني**

فضلت واقفة ورا الباب، عيني لزقت في العين السحرية ونفسي مكتوم، لدرجة إني كنت سامعة ضربات قلبي جوه وداني زي طبول الحرب. رجلي مكنتش شايلاني، والخوف اللي كان مجرد إحساس عايم في الهوا بقاله شهر، اتمسد وبقى حقيقة ملموسة ورا الباب ده.

شُفت مين؟

شُفت أخو جوزي… واقف برا!

مستخبي ورا الحيطة المدارية اللي جنب الأسانسير، نِفسه عالي وطالع نازل كأنه كان بيجري، وماسك في إيده حتة خشبة صغيرة، وكان لسه هيمد إيده تاني يخبط على الباب ويجري يستخبى! المنظر جمد الدم في عروقي. هو اللي بيعمل كده؟ طب ليه؟ إيه الاستفادة من إنه يرعبني ويخليني أفتح الباب وأنا مخضوضة؟

سحبت نفسي لورا براحة من غير ما أعمل أي صوت، ودخلت المطبخ وأنا حاطة إيدي على بوقي عشان ما أصرخش. الأفكار كانت بتنهش في دماغي.. هل هو بيعمل كده عشان يلمحني وأنا بفتح الباب؟ عشان يجر شكلي؟ ولا دي ألاعيب شيطان وعايز يخليني أتعود أفتح الباب من غير ما أسأل مين، لحد ما في مرة…

جسمي اتنفض من الفكرة، واستعذت بالله من الشيطان الرجيم. قعدت في المطبخ على كرسي خشب، وبنتي “مكة” بدأت تعيط من الأوضة، صوت عياطها رجعني للواقع. طلعت جريت عليها، أخدتها في حضني وعصرتها جامد، وكأني بحميها وبحمي نفسي بيها.

الساعة بقت أربعة.. وخمسة.. وستة.. وجوزي دخل من الباب.

أول ما سمعت صوت مفتاحه، خرجت من الأوضة زي المجنونة، وشي كان أصفر زي الليمونة وشفايفي بتترعش. جوزي بصلي واستغرب:

ـ مالك يا منى؟ في إيه؟ وشك عامل كده ليه؟

بصيت ناحية الصالة، لقيت أخوه قاعد على الكنبة بكل برود، حاطط رجل على رجل وماسك الموبايل في إيده، وأول ما جوزي دخل، رفع عينه وبصلي بنظرة غامضة، نظرة فيها تحدي على خبث.. مكنتش قادرة أفسرها، بس نظرة خلت جسمي يقشعر.

شدّيت جوزي من إيده ودخلنا أوضة النوم وقفتلت الباب ورايا بترباس.

جوزي اتعصب وقال:

ـ في إيه يا بنتي؟ قلقتيني! وأخويا قاعد برا يقول إيه دلوقتي وإحنا بنستخبى منه كده؟

قلت بصوت واطي ومكتوم وأنا بنهج:

ـ أخوك هو اللي بيخبط على الباب ويجري يا أحمد!

أحمد برّق عينيه وبصلي بذهول، وبعدين ضحك بسخرية:

ـ إنتي اتجننتي يا منى؟ أخويا مين اللي يخبط ويجري؟ هو إحنا في الحضانة؟ ده راجل طول بعرض وجاي يشوف مستقبله، هيسيب شغله ويقعد يلعب في الممر؟

دموعي نزلت من قهرتي إنه مش مصدقني:

ـ والله العظيم شفته بعيني السحرية النهاردة! كان مستخبي ورا حيطة الأسانسير وكان لسه هيخبط ويهرب.. أنا مبتبلاش عليه يا أحمد، أنا خايفة.. خايفة في بيتي!

أحمد ملامحه اتغيرت، ميكس بين الغضب والارتباك، مش قادر يصدق إن أخوه يعمل كده، ومش قادر يكدب عياطي وانهياري. قاللي وهو بيحاول يهديني:

ـ طب اهدى.. اهدى يا منى، يمكن كنتِ متهيألك، يمكن حد تاني وهو كان طالع..

قاطعته بقهر:

ـ بقولك شفته ماسك خشبة في إيده وبيخبط بيها! ده بيستغفلنا.. ده بني آدم مش طبيعي، أرجوك يا أحمد، خليه يمشي، أنا مبقتش أأمن على نفسي ولا على بنتك في البيت ده وهو فيه!

أحمد سكت، حط إيده في جيبه وفضل يروح ويجي في الأوضة. الحرج من أخوه والواجب والأصول اللي اتربى عليها في الصعيد كانت مكتفاة، بس في نفس الوقت، كلامي زرع الشك في قلبه.

خرجنا من الأوضة عشان العشا، وطول ما إحنا قاعدين على السفرة، الجو كان مشحون وخانق. أحمد كان بيبص لأخوه “محمود” بنظرات فاحصة، ومحمود كان بيتصرف عادي جداً، بياكل ويهزر ويقول:

ـ تسلم إيدك يا مرات أخويا، الأكل اتعدل النهاردة عن كل يوم.

الكلمة نزلت عليا زي السم.. “اتعدل النهاردة”؟ يعني هو كان بيراقب طبيخي قبل كده؟ مكنتش قادرة أرد، هزيت راسي وسكت.

عدى اليوم، وتاني يوم الصبح أحمد نزل شغله، ومحمود نزل بعده.. وأنا قفلت وراهم الباب بسبع قفلات. قررت إني مش هقف في المطبخ ولا هتحرك من أوضتي طول ما الساعة بتقرب من تلاتة.

الساعة اتنين ونص.. تلاتة إلا ربع.. تلاتة بالدقيقة.. سمعت صوت المفتاح في الباب. محمود رجع.

دخل الشقة وقفل الباب، وفضل واقف في الصالة شوية. أنا كنت كتمة نَفس مكة جوه الأوضة ومرعوبة تعيط.

سمعت خطواته بتقرب من باب أوضتي.. الخطوات بطيئة.. ووقفت!

فضلت باصة لتحت الباب، شفت خيال رجليه واقف برا.. قلبي كان هيقف من الرعب، كنت حاسة إنه سامع دقات قلبي.

وفجأة.. تليفونه رن، فبعد عن الباب وهو بيرد وصوته واطي.

نَفست الصعداء، بس الرعب مكنش خلص.. الرعب الحقيقي بدأ لما الليل ليل.

أحمد رجع متأخر النهاردة، كانت الساعة حوالي تسعة بالليل بسبب ضغط الشغل. تعشينا وكل واحد دخل مكانه. محمود نام في الصالة على الكنبة السرير اللي بنقعد عليها، وأنا وأحمد ومكة في أوضتنا.

على الساعة اتنين بالليل، مكة بدأت تصرخ.. عياط متواصل مش راضية تسكت، مكنتش عارفة مالها، غيرتلها وعملتلها رضعة وبرضه بتعيط. أحمد من كتر تعب الشغل كان نايم زي القتيل ومش حاسس بحاجة.

اضطريت أخرج المطبخ عشان أجيب لها مية دافية وأحط لها نقط للمغص. لبست الإسدال بتاعي وربطته كويس، وفتحت باب الأوضة براحة وخرجت على أطراف صوابعي عشان مصحيش محمود.

الصالة كانت ضلمة كحل، مفيش غير نور خفيف جاي من منور المطبخ.

وأنا مادية إيدي في الضلمة وبتحرك ناحية المطبخ، رجلي خبطت في ترابيزة صغيرة، عملت صوت “كركبة” خفيفة.

وقفت مكاني وكتِمت نفسي.. وبصيت ناحية الكنبة اللي نايم عليها محمود.

الكنبة كانت فاضية!

برقت عيني في الضلمة.. محمود مش على الكنبة! طب راحت فين؟ دخل الحمام؟ الحمام نوره مطفي ومفيش فيه أي صوت.

وفجأة.. حسيت بهوا دافي ورا قفايا.. ونفس قريب مني جداً!

لفيت ببطء ورعب، وروحي بتتسحب مني..

لقيت محمود واقف ورايا بالظبط.. المسافة بيني وبينه مفيش شبر!

كان واقف في الضلمة، باصصلي وعينيه بتلمع بشكل يخوف، وكاتم ضحكة غريبة على وشه.

صرخت صرخة مكتومة ووقعت لورا، وسندت على حيطة المطبخ وأنا بترعش:

ـ أنت.. أنت واقف كده ليه؟ خضيتني!

محمود مقربش، بس فضل واقف مكانه وقال بصوت واطي ومبحوح، نبرة غريبة عمري ما سمعتها منه قبل كده:

ـ سلامتك من الخضة يا مرات أخويا.. شفتك خارجة في الضلمة، قلت أجي أشوفك محتاجة مساعدة ولا حاجة.. أصل البيت بيتك برضه، بس الليل آخره بيبقى غريب.

ـ مساعدة إيه؟ أنا داخلة المطبخ للبنت! وسع من طريق لو سمحت.

قلتها وأنا صوتي بيروح من الخوف.

خطى خطوة لقدام، وبصلي من فوق لتحت وقال:

ـ طب وليه التعب ده كله؟ ما تصحي أحمد يشوف بنته.. ولا أحمد تعبان في الشغل ومش فاضي للحاجات الصغيرة دي؟

الكلام كان فيه إيحاء سمج وقلة أدب واضحة وصريحة! دي مش نظرات ولا تصرفات أخو جوز يحترم بيت أخوه.

زقيته بكل ما فيا من عزم وجريت على أوضة النوم، دخلت وقفتلت الباب ورايا بالترباس ورجعت ضهري عليه وأنا بنهج وصدر بيطلع وينزل، ودموعي نازلة زي الشلال. مكة كانت لسه بتعيط، بس أنا مكنتش سامعاها، كنت سامعة بس صوت محمود وهو بيمشي في الصالة براحة ويرجع يقعد على الكنبة كأن مفيش حاجة حصلت.

صحيّت أحمد وأنا بصرخ وبنهج:

ـ اصحى يا أحمد.. اصحى وبص على مراتك اللي بتموت!

أحمد اتفزع وقعد على السرير:

ـ في إيه؟ مكة مالها؟

قلتله وأنا بنهار وبضربه في صدره من القهر:

ـ مش مكة اللي مالها.. أخوك.. أخوك كان واقفلي في الضلمة ورايا في الصالة وبيتكلم معايا بطريقة قذرة! أخوك بني آدم مش محترم يا أحمد.. أنا مش هقعد في البيت ده دقيقة تانية، يا أنا يا هو الصبح في الشقة دي!

أحمد وشه جاب ألوان، الغضب العمى عينيه، قام وقف وفتح باب الأوضة وخرج للصالة زي الإعصار، وأنا خرجت وراه..

محمود كان قاعد على الكنبة، وبص لأحمد بمنتهى البرود والبراءة المصطنعة:

ـ في إيه يا أحمد؟ مالكم قايمين حريقة كده ليه؟

أحمد مسكه من هدومه وزعق بصوت زلزل الشقة:

ـ أنت كنت واقف لمراتي في الضلمة بتعمل إيه يا محمود؟ أنت اتجننت؟ نسيت نفسك ولا إيه؟ دي شرفي ولحمى!

محمود ملامحه اتمطت بالدهشة والحزن المصطنع، وبص لأحمد وقال:

ـ أنا يا أحمد؟ أنا هبص لمرات أخويا؟ الله يسامحك.. أنا كل اللي حصل إني سمعت حركتها في الضلمة ورجلها خبطت في الحاجة، فقلت أدخل المطبخ أولع لها النور بدل ما تقع وهي شايلة البنت، لقيتها اتفزعت وصوتت وجريت! هي مراتك مالها يا أحمد؟ من أول ما دخلت البيت وهي شيفاني لغز ومستقصداني؟ عشان غريب وماليش مكان يعني؟

أحمد بصلي، وبص لأخوه، وبدأ يتردد.. كلام محمود طالع بهدوء وثقة، وكلامي طالع بانهيار وعصبية.

محمود كمل وهو بيقوم يلم هدومه في الشنطة وعامل نفسه زعلان ومكسور:

ـ خلاص يا أحمد.. أنا ماشي، مكانش العشم إنك تصدق عليا كلام زي ده، أنا هلم هدومي وأقعد في الشارع، ولا إن أخويا يشك في شرفي بسبب كلام ستات!

أحمد مسك إيد أخوه وقال بلهفة:

ـ استنى بس يا محمود.. استنى متفهمش غلط..

أنا واقفة شايفة التمثيلية دي ودمي بيغلي، محمود وهو بيلف ضهره لأحمد عشان يحط الهدوم في الشنطة، بصللي وغمزلي بعينه! آه والله.. غمزلي وابتسم ابتسامة خبيثة كأنه بيقولي “شفتي مين اللي هيكسب في الآخر؟”.

الغمزة دي خلتني أعرف إن اللي جاي أسود بكتير، وإن الراجل ده مش هيمشي بالسهل، وإنه ناوي على مصيبة..

يا ترى إيه اللي هيحصل؟ وأحمد هيصدق مين في الآخر؟ ومحمود ناوي على إيه؟


اهو جوزي ج 2 حكايات مني السيد

**الفصل الثالث**

الغمزة دي كانت بمثابة رصاصة دخلت قلبي وفجرت فيه كل طاقة الغضب اللي كانت مكبوة بقالها شهر. حسيت إن الدنيا بتلف بيا، والدم غلى في عروقي لدرجة إني مكنتش شايفة قدامي. الراجل ده مش بس قليل الأدب، ده ثعلب، ومخطط لكل خطوة بيعملها، وعارف نقطة ضعف أخوه كويس.. عارف إن أحمد نِمس في الأصول، وكلمة “شرفي وعرضي وبسبب كلام ستات” هتخليه يلف حوالين نفسه.

صرخت بأعلى صوتي ومكة في حضني عياطها زاد:

ـ أنت كداب! كداب وعينك زايغة وبني آدم مش محترم! أنت بتغمزلي؟ لسه غامزلي حالا وأخوك مدي لك ضهره! أنت إيه يا أخي؟ معندكش دم؟ معندكش دين؟

أحمد لف عليا وبصلي بزعيق وعصبية عميا:

ـ منى! جرى لك إيه؟ لمي نفسك واقعدي في أوضتك! أخويا مش كداب، وأنا واقف وشايف كل حاجة، محمود مستحيل يعمل كده، إنتي اللي أعصابك باظت من القعدة في البيت والقصص اللي بتقريها على الفيس بوك خلتك تشوفي كل الناس وحشة!

محمود قفل سستة الشنطة بعنف مصطنع، واتنهد تنهيدة كلها غُلب، وبص لأحمد وهو بيطبطب على كتفه:

ـ خلاص يا أحمد، متزعلش نفسك ولا تخرب بيتك بسبب.. أنا ماشي، والجميل اللي عملته معايا ووقفتك جنبي أول ما جيت البندر عمري ما هنساهالك، بس لحد هنا وكرامتي فوق كل شيء.. أنا مش هقعد في مكان صاحبة البيت شيفاني فيه خاين وعيني على حُرمة أخويا.

أحمد شد الشنطة من إيده ورماها في الأرض:

ـ مفيش خروج يا محمود! ورجلك فوق رقبتي، البيت بيتك، واليومين اللي هتقعدهم لحد ما تلاقي شقة هتقعدهم غصب عن عين أي حد!

الكلام نزل عليا زي مية نار.. “غصب عن عين أي حد”؟ يعني غصب عن عيني أنا؟ شريكة حياته وأم بنته اللي سهرانة وشايلة بيته؟

بصيت لأحمد بنظرة كسرة وعمري ما هنسهالهاله، وقلت بصوت حزين ومبحوح:

ـ ماشي يا أحمد.. ماشي.. طالما غصب عن عيني، يبدو إن ماليش مكان في البيت ده.

دخلت الأوضة، حطيت مكة على السرير وهي لسه بتشهق من العياط، وجبت شنطة هدوم صغيرة، وبدأت ألم فيها لبسي ولبس بنتي وأنا إيدي بترتعش ودموعي مغرقة وشي. مكنتش شايفة الألوان ولا الهدوم، كنت شايفة بس الغدر اللي جالي من أقرب الناس.. جوزي اللي كان المفروض يبقى ضهري وحمايتي، صدق الغريب وكسرني قدامه.

أحمد دخل الأوضة ورايا، قفل الباب وبصلي وهو بينهج، كان باين عليه إنه ندمان على الكلمة اللي قالها بس كبريائه منعه يتراجع:

ـ بتعملي إيه يا منى؟ إنتي هتهبلي؟ هتسيب بيتك في نص الليل وتروحي فين؟

قلتله وأنا بقفل الشنطة وعيني في عينه:

ـ هروح عند أبويا يا أحمد.. المكان اللي كرامتي فيه متصانة، المكان اللي لما أقول فيه أنا خايفة، يتقال لي “حقك علينا” مش “إنتي متهيألك ومجنونة”.

أحمد مسك الشنطة عشان يمنعني:

ـ قسماً بالله يا منى لو خرجتِ من الباب ده في وقت زي ده، لا هتبقى فيها جوازة ولا زِفت! إنتي بتلوي دراعي بأخويا؟ عايزاني أطرد لحمي ودمي في الشارع عشان أصل معاليكي مرعوبة من خيالك؟

بصيت له وقلت ببرود غريب جالي فجأة من كتر الوجع:

ـ طالما خيرتني بين الجوازة دي وبين كرامتي وأماني، يبقى الكرامة تكسب يا أحمد.. وسع من طريقي.

شلت مكة على كتفي، وفي إيدي التانية الشنطة، وفتحت باب الأوضة. محمود كان واقف في الصالة، مربع إيديه، ووشه خالي من أي تعبير، بس عينيه كانت فرحانة.. عينيه كانت بتقول لي “أنا اللي طردتك من مملكتك”. مديتوش فرصة يشمت أكتر، وخرجت من باب الشقة، وأحمد ورايا بيحلف ويوعّد، بس أنا مقفتش.. نزلت السلم جري وأنا برتعش لحد ما طلعت للشارع.

الساعة كانت داخلة على تلاتة الفجر.. الشارع كان هسس، ومفيش غير كلاب السكك ونور العواميد الضعيف. وقفت على أول الشارع وأنا بضم مكة لحضني وبغطيها من الهوا الساقع، وبدأت أدور على تاكسي. دموعي مكنتش راضية تقف، وكنت بسأل نفسي: هو أنا صح؟ ولا أنا فعلاً مكبرة الموضوع زي ما أحمد قال؟ بس افتكرت غمزته، ونظرته في الضلمة، فاستعذت بالله وعرفت إن خطوتي دي هي الصح، حتى لو تمنها بيتي.

أخيراً لقيت تاكسي، ركبت ووصلت بيت أبويا في منطقة الدقي. أول ما خبطت، أبويا فتح وهو مخضوض، وأمي قامت مفزوعة من السرير.

ـ في إيه يا منى؟ يا بنتي إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ أحمد جرى له حاجة؟ مكة عيانة؟

انهرت في حضن أمي، والشنطة وقعت من إيدي، وفضلت أعيط بحرقة لحد ما حست إن نفسي هينقطع. أبويا أخد مكة اللي كانت نامت من كتر التعب، وقعدني في الصالة وجاب لي مية بسكر وقاللي بحنان الأب:

ـ اهدى يا بنتي.. اهدى واحكي لي، طول ما أنا عايش على وش الدنيا مفيش مخلوق يقدر يكسر بخاطرك.

حكيت لهم كل حاجة.. من أول يوم محمود دخل فيه الشقة، والخمار اللي بقيت لبساه طول اليوم، والتلات ساعات اللي بقعدهم مرعوبة في الأوضة، لحد حكاية العين السحرية، والوقفة في الضلمة، والغمزة اللي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير.. وطبعاً، رد فعل أحمد وكسرته ليا.

أبويا وشه اسود من الغضب، وعروق جبهته برزت:

ـ ابن الـ… بيغمز لمراتي ابنك وأنت واقف يا أحمد؟ ومصدق أخوك الصايع ومكدب بنت الأصول اللي عمرها ما خرجت منها العايبة؟

أمي قعدت تخبط على صدرها وتقول:

ـ يا مصيبتي! “الحمو الموت” فعلاً.. ده كلام النبي ومينطقش عن الهوى، أهو أحمد بغباوته وحرجه من أخوه كان هيضيع مراته وبيته.. الحمد لله إنك خرجتِ يا بنتي، الحمد لله إنك جيتِ هنا.

أبويا قال بحسم:

ـ مفيش رجوع للبيت ده يا منى طول ما البني آدم ده فيه، وأحمد ده ليا قعدة معاه تانية خالص، هعرفه إزاي يبقى راجل ويصون بيته وعرضه.

عدى أول يوم في بيت أبويا، وتليفوني منقطعش رن من أحمد. مكنتش برد عليه خالص، كنت سايباه ياكل في نفسه. في اليوم التاني، لقيت جرس الباب بيرن.. فتحت أمي، وكان أحمد واقف برا، وشه كان باهت وتعبان وعينيه منمتش.

أبويا خرج له الصالة وقعد معاه، وأنا وقفت ورا ستارة الصالة اسمع الكلام.

أحمد بدأ كلامه باعتذار:

ـ يا عمي أنا جيت لبيتك وعارف إني غلطان، بس منى اندفعت وأخويا محمود ضيف عندي..

قاطعه أبويا بصوت زي الرعد:

ـ ضيف يقعد تلات أيام، أسبوع.. مش يقعد شهر ويدخل في التاني! وضيف يلزم حدوده، مش يقف لمرتك في الضلمة وراها وهي خارجة تجيب مية للبنت! وضيف يغض بصره، مش يغمز لمرتك وأنت مدي له ضهرك! أنت فين رجولتك يا أحمد؟ فين حمايتك لبيتك؟

أحمد وطى راسه وقال بصوت واطي:

ـ يا عمي والله أنا مكنتش متخيل إن محمود بالخبث ده، أنا لما منى مشيت، فضلت صاحي طول الليل بفكر، وتاني يوم راقبت تصرفات محمود من بعيد.. ولقيت..

سكت أحمد، وأنا قلبي دق.. لقيت إيه يا أحمد؟

أحمد كمل بغصة في حلقه:

ـ رجعت من الشغل بدري من غير ما أقوله، ووقفت تحت الباب، وسمعته بيتكلم في التليفون مع واحد صاحبه في بلدنا.. كان بيقوله “أنا قاعد هنا ومقرتع في الشقة، ومرات أخويا دي حتة قشطة بس تقيلة شوية، وأنا وراها لحد ما أطوعها، وأخويا ده مغفل مش فاهم حاجة وجايبه ورايا”..

أول ما أحمد قال الجملة دي، حسيت بنار ولعت فيا، وفي نفس الوقت حسيت بانتصار.. إحساسي مكانش غلط! أنا مكنتش مجنونة ولا ببالغ!

أحمد كمل وعينيه دمعت:

ـ أول ما سمعته بيقول كده، دخلت الشقة زي المجنون، نزلت فيه ضرب لحد ما وشه جاب دم، ورميت هدومه في الشارع وطردته طردة الكلاب، وقلت له لو شفت وشك في المدينة دي تاني هقتلك.. أنا أسف يا عمي، أنا جيت أخد مراتي وبنتي، والبيت فضي ومبقاش فيه غيري أنا وهي.

أبويا بصلي، وأنا خرجت من ورا الستارة. أحمد أول ما شافني قام وقف وجه ناحيتي وعينيه فيها رجاء:

ـ سامحيني يا منى.. أنا غبي، الحرج والأصول عموني، مكنتش فاهم إن “الحمو موت” بجد، ومكنتش فاهم إن خوفي على زعل أخويا ممكن يضيع مني شرفي وبيتي.. ارجعي معايا يا منى.

بصيت لأحمد، وكنت لسه هرد وأقوله إني موافقة أرجع عشان بيتي وبنتي وعشان هو عرف الحقيقة، بس فجأة تليفون أحمد رن بصوت عالي.. أحمد طلع التليفون وبص في الشاشة، وملامحه اتخطفت تماماً.. الوجع والخوف ظهروا على وشه في ثانية.

أبويا استغرب وقال:

ـ في إيه يا أحمد؟ مين بيرن؟

أحمد رد بصوت يترعش كأنه شاف شبح:

ـ ده.. ده أبويا.. أبويا بيرن من البلد وصوته في الرسالة اللي بعتها قبل المكالمة متبهدل.. بيقول إن محمود رجع البلد، وجمع العيلة كلها، وقال إن أنا اللي طردته عشان قفشته مع منى في أوضة النوم!!!

الشقة كلها اتجمدت.. المصيبة مخلصتش، محمود قرر يقلب التربيزة ويضيع شرفي في البلد كلها عشان ينتقم مننا.. وساعتها عرفت إن الحرب الحقيقية يادوب لسه بتبدأ.. ووو…!!!


**الفصل الرابع**

الكلمات وقعت على ودني زي القنبلة الموقوتة، حسيت إن البيت كله بيدور بيا. “خيانة؟ مع أخوه؟ في أوضة النوم؟” محمود مش بس كداب، ده شيطان بيسعى في الأرض فساد، قرر يغطي على خيبته بجري..مة في حقي، ويحرق سمعتي في البلد كلها عشان يداري على اللي عمله.

أحمد كان واقف مذهول، التليفون لسه في إيده، وأبويا قام وقف زي الأسد، صوته جه جهوري ومسيطر على المكان:

ـ يا ابن الـ… دا الحكاية طلعت أكبر بكتير مما كنا متخيلين! محمود مش بس عايز يطردك من بيتك، ده عايز يكسرك في أهلك، ويخلي “عيرتك” على كل لسان في البلد!

أنا مقدرتش أتمالك نفسي، قعدت على الكرسي وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني، ومكة في حضني بدأت تعيط كأنها حاسة بنار أُمها. أحمد ساب التليفون على التربيزة، وجه ناحيتي وخدني في حضنه، كان بيحاول يهديني بس أنا كنت حاسة بإحساس المرارة في حلقي.

ـ يا منى، صدقيني، والله لأجيب حقك، ولو كلفني حياتي. والله ما حد يقدر يمس شعرة من كرامتك وأنا موجود.

بصيت له بدموع، وقلت بصوت بيترعش:

ـ أنت مش فاهم يا أحمد.. الناس في البلد هناك مش هيسمعوا لي، ولا هيسمعوا لك.. الخبر لو انتشر، هيتصدق فوراً.. لأن “الخبر الوحش بيطير”، وأنا بنت المدينة، غريبة عليهم، ومحمود ابنهم اللي بيحبوه.. هيصدقوه هما وهيكذبوني أنا!

أبويا قاطعنا وصوته حازم:

ـ لا، مش هيحصل. إحنا هنروح البلد. دلوقتي حالا! مش هسيب بنتي سمعتها تتداس في الوحل عشان شوية كدب. أحمد، جهز عربيتك، وخدنا وراك، هنواجه العيلة كلها، ومحمود ده لو ظهر قدامي، أنا اللي هحاسبه بنفسي.

اتحركنا في نفس الساعة، الطريق كان طويل وموحش، كأن الطريق نفسه بيحاول يحذرنا من اللي مستنينا. طول السكة، كنت بسأل نفسي، هل معقولة يجي يوم ألاقي نفسي في وسط معركة زي دي؟ هل معقولة بيتي اللي كنت فاكره مملكتي يتحول لساحة حرب؟

وصلنا البلد قبل المغرب، جو البلد كان مشحون، دخلنا بيت العيلة الكبير، لقيت “عيلة أحمد” كلها متجمعة في الصالة، الوجوه كانت متجهمة، ونظراتهم لينا كانت كلها ريبة وشك. محمود كان واقف في نصهم، لابس جلبابه، وشعره منكوش، وعامل نفسه “المظلوم المكسور”، ودموعه تماسيح على خده.

أول ما دخلنا، عم أحمد الكبير، راجل طاعن في السن بس كلمته مسموعة، قام وقف وقال بصوت أجش:

ـ يا أحمد.. إيه اللي جابك؟ وايه اللي سمعناه ده؟ مراتك.. دي؟

أحمد مكنش خايف، وقف في وشهم بكل شموخ، وبص لمحمود اللي كان بيبص للأرض بتمثيلية متقنة. أحمد اتكلم بصوت عالي:

ـ اللي سمعتوه ده كدب! محمود طردته من بيتي لأنه كان بيتحرش بمراتي، ولما طردته، قرر ينتقم منها بشرفها!

محمود قام وقف وهو بيصرخ وبيمثل الانهيار:

ـ بتكدب يا أخويا عشان تداري على فضيحتك؟ أنا اللي كنت بنصحك، أنا اللي كنت بقولك خلي بالك، بس أنت كنت مغيب.. والله العظيم يا عمي، والله يا رجالة، أنا دخلت أوضة النوم ولقيت…

قبل ما يكمل، أبويا هجم عليه زي القطر، مسكه من رقبته ووقعه في الأرض، الصالة اتقلبت لميدان معركة. الرجالة اتدخلت عشان تفكهم، والستات صرخوا، والجو بقى لا يطاق. أنا كنت واقفة في جنب، مكة في حضني بتعيط، وأنا ببص للمشهد ده بنظرة كلها قرف. ده جوزي؟ ده أهله؟ هي دي الأصول اللي كانوا بيحكوا عنها؟

بعد ما هدوا الأمور بالعافية، وقعدوا أبويا وأحمد قدام “مجلس العيلة”، محمود كان قاعد في ركن بيمسح دموعه، وبصلي بنظرة فيها شماتة وخزي.

العم الكبير قال:

ـ مفيش كلام يتقال غير بالبينة. يا محمود، عندك دليل على اللي بتقوله؟ يا أحمد، عندك إثبات إن الكلام ده كدب؟

محمود اتكلم بسرعة:

ـ الدليل؟ الدليل إنها هي اللي كانت بتتحايل عليا، وهي اللي كانت بتلبس لبس…

أنا هنا مقدرتش أسكت، طلعت لقدام، وقفت قدامهم كلهم، نظرتي كانت ثابتة زي الجبل، صوتي مكنش فيه خوف، بالعكس، كان فيه قوة:

ـ الدليل عندي أنا. يا عم، يا رجالة العيلة، أنا معايا تسجيلات.

الكل سكت، محمود وشه اتغير لونه وبقى أصفر، سأل بتلعثم:

ـ تسجيلات؟ تسجيلات إيه دي؟

طلعت موبايلي، وفتحت الملفات. أنا من يوم ما بدأت أشك في حركاته، وأنا مشغلة “تطبيق تسجيل مكالمات” و”تطبيق تسجيل صوتي” بيشتغل تلقائي في البيت، كنت بعمل كده عشان أثبت لنفسي إني مش متهيألة، ومكنتش أعرف إن ده هيبقى طوق نجاتي.

شغلت التسجيل.. صوت محمود وهو بيكلم صاحبه في التليفون: “مرات أخويا دي حتة قشطة.. أنا وراها لحد ما أطوعها.. وأخويا مغفل”.

الصوت ملى الصالة، الصمت كان مطبق لدرجة إننا كنا سامعين صوت النفس. محمود وشه اتخطف، وعينيه بدأت تترعش. العم الكبير قام وقف، وقرب من محمود، وبص للتليفون، وبعدين بص لمحمود بنظرة كلها قرف:

ـ ده صوتك يا واد؟ ده صوتك وأنت بتهتك عرض أخوك؟

محمود حاول يبرر، صوته كان بيترعش:

ـ ده.. ده تركيب! تكنولوجيا.. هما مركبين الصوت!

أحمد ضحك بسخرية، وقرب منه:

ـ تكنولوجيا؟ طب وده؟

شغل أحمد تسجيل تاني، صوت محمود وهو بيحاول يكلمني في الضلمة، وهو بيقولي “مش فاضي للحاجات الصغيرة دي؟”. الصوت كان واضح جداً.

الرجالة كلهم قاموا وقفوا، العم الكبير جيه ناحية محمود واداله قلم على وشه خلى وشه يلف الناحية التانية.

ـ يا خسارة تربيتك! يا خسارة اللي صرفناه عليك! بتهتك عرض أخوك وبتتبلى على مراته؟ اطلع برا.. برا بيتي، وبرا البلد دي كلها، ولو شفت وشك تاني، لا أنا عمك، ولا أعرفك!

محمود مكنش عارف يعمل إيه، حاول يبص لعيلته، بس الكل كان بيطرده بنظراتهم. خرج محمود مطرود، ذليل، مهزوم، زي الكلب المذعور.

الصالة هديت، بس أنا كنت لسه حاسة بجرح كبير. أحمد جه ناحيتي، مسك إيدي وباسها قدام الكل:

ـ أنا أسف يا منى.. أسف على كل لحظة خفتِ فيها، وأسف إني مكنتش درعك الحقيقي من الأول. أنا هعوضك، وهنبدأ صفحة جديدة، بعيد عن أي حد.

أبويا بص لأحمد وقاله:

ـ يا ابني، البنت دي جوهرة، لو فرطت فيها تاني، لا أنا أبوك، ولا أنت تعرفني. البيت اللي يدخله الشيطان بسبب “الحمو”، لازم يتطهر، مش بس بكلمة، بس بتغيير البيت والعيشة.

أحمد هز راسه بأسف:

ـ أنا بعت شقتي يا عمي، وهننقل في مدينة تانية، بعيد عن كل ذكريات الوجع دي.

خدت نفسي بعمق، لأول مرة من شهرين، حسيت إن “الخمار” اللي كنت لابساه جوه بيتي عشان أخوه، خلاص ملوش لزمة، إني أخيراً هقدر ألبس اللي يريحني في بيتي، إني هقدر أمشي من غير ما أبص يمين وشمال، إني هقدر أعيش..

بس وأنا خارجة من البيت مع أحمد، والبلد كلها بتبصلي بنظرة اعتذار واحترام، لمحت في ركن بعيد، عربية محمود وهي بتتحرك، وشفت نظرة في عينيه من ورا الإزاز.. نظرة وعيد، نظرة شيطان لسه ماخلصش انتقامه.

ركبنا العربية، أحمد سايق وساكت، وأنا ببص للشجر اللي بيجري ورا الإزاز، ومكة نايمة في حضني. سألت أحمد:

ـ أنت فاكر إن الموضوع خلص؟

أحمد بصلي وبص للطريق، وسكت شوية وبعدين قال:

ـ اللي يخلص من شيطان، بيطلعله ألف غيره يا منى. بس المهم إننا بقينا سوا، وإننا كشفنا المستور.

ـ وأنا خايفة يا أحمد.. خايفة من نظرة عينه الأخيرة.

أحمد مسك إيدي وضغط عليها:

ـ طول ما إحنا مع بعض، مفيش حاجة هتقدر تفرقنا.

سكتنا، الطريق كان لسه طويل، والسواد اللي ورا الجبال كان بيخبي أسرار تانية. محمود مكنش النوع اللي يستسلم، وأنا كنت عارفة إن اللي جاي مش هيكون مجرد مواجهة في بيت، اللي جاي هيكون معركة حقيقية على حياتنا..

وصلنا المدينة اللي هنعيش فيها، بيت جديد، حياة جديدة، بس إحساس القلق لسه موجود.. لسه بسمع صوت التخبيط على الباب في نص الليل، لسه بشوف خيال محمود في الضلمة..

وفي ليلة، وأنا نايمة في بيتنا الجديد، سمعت صوت حاجة بتقع في المطبخ.. قمت مرعوبة، مسكت تليفوني، وبصيت على الكاميرا اللي أحمد ركبها في كل ركن من أركان البيت..

اللي شفته على شاشة التليفون خلاني أتجمد في مكاني، مكنش محمود، كان حد تاني.. حد عرف مكاننا.. حد بعته محمود عشان يكمل المهمة اللي بدأها.. والمهمة المرة دي مكنتش “طوعني”، المهمة كانت الانتقام النهائي.. ووو…!!!


أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close