القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 عشيقة جوزى كامله بقلم اسما السيد 







عشيقة جوزى 1


انشرت عشيقة جوزي فيديو من داخل فيلتنا في الساحل الشمالي. كانت ترتدي عقد الياقوت الذي ورثته عن أمي، وجوزي يقف خلفها مبتسمًا وهو يقول إن الفيلا أصبحت أجمل وهي ترتديه. أما في المساء، فكانا يخططان لإعلان ارتباطهما أمام رجال الأعمال والإعلام، وإجباري على التنازل عن زواجي أمام الجميع.


لكن ما لم يكونا يعرفانه… أن ردي كان جاهزًا منذ وقت طويل.


شاهدت ياسمين وهي تفتح شبابيك غرفة نومي، وتلمس البيانو القديم الذي ورثته عن جدتي، ثم تدخل غرفة أمي الراحلة وتضحك وكأن المكان ملكها.


أما كريم، فأخرج المفتاح النحاسي الذي لم يكن يومًا من حقه، وفتح الجناح الشرقي، ثم أعطاها الرقم السري للخزنة… الخزنة التي لم يكن يملك أصلًا حق الاقتراب منها.


لم أتصل به.


ولم أتشاجر معه.


ولم أكتب حتى تعليقًا غاضبًا على الفيديو.


كل ما فعلته أنني اتصلت بمدير الفيلا وقلت بهدوء:


“فعّل بروتوكول إغلاق البوابة.”


كانت جميع المستندات جاهزة أمامي على اللابتوب؛ عقد الملكية، وأوراق الوقف العائلي، وقرار إلغاء جميع صلاحيات كريم داخل الفيلا.


أرسلتها كلها في أقل من دقيقة، ثم أتبعتها بتسجيلات كاميرات المراقبة التي توثق دخول ياسمين إلى الأماكن الممنوع دخولها.


وقلت لمدير الفيلا:


“ما تواجههمش… ابعت كل الملفات للشرطة.”


رد عليّ بهدوء:


“اطمني يا فندم… القوة واقفة بالفعل عند البوابة.”


بعد دقائق قليلة، رن هاتفي.


كان كريم.


ومن خلفه كانت صرخات ياسمين واضحة، بعدما سحب الضابط منها عقد الياقوت.


ظل يردد:


“ده سوء تفاهم.”


“الفضيحة دي هتضرنا إحنا الاتنين.”


لكنني كنت أفهم ما يقصده جيدًا.


كان لا يزال يظن أن كرامتي ملكه.


ثم ذكرني بحفل رجال الأعمال في المساء، وقال إن كبار المستثمرين وأعضاء مجلس الإدارة والإعلام سيكونون هناك، وأمرني بالحضور والوقوف أمام الكاميرات، لأقول إن ياسمين دخلت الفيلا عن طريق الخطأ.


وعندما أخبرني أنها ستقف بجانبه أمام الجميع، اكتفيت بكلمة واحدة:


“كويس.”


منذ سنة ونصف… وأنا أوثق كل شيء.


الفنادق.


السفر.


الهدايا.


المجوهرات.


وكل تحويل مالي خرج من الشركة إلى حسابات ياسمين.


كان يظن أنني لا أعرف شيئًا، لأنني لم أفتش هاتفه يومًا، ولم أصرخ، ولم أتشاجر.


كان دائمًا يصفني بالباردة، ويعتقد أنني بلا رد فعل.


وتركتُه يصدق ذلك.



الساعة السادسة مساءً…


ارتديت فستانًا أسود من الحرير، وحلقًا من الألماس، بينما وضعت المحامية مايا داخل حقيبتي ملفين.


الأول… دعوى الطلاق.


والثاني… جميع العقود التي وقعها كريم بنفسه على مدار سنوات، دون أن يدرك من هو صاحب السلطة الحقيقي.



كانت قاعة الحفل تتلألأ بثريات الكريستال، والورود البيضاء تزين كل الأركان.


وقف كريم في منتصف القاعة ببدلته الكحلية، وملامحه مليئة بالثقة.


أما ياسمين، فكانت ترتدي فستانًا فضيًا، وطقم ألماس اشتراه بأموال الشركة.


بمجرد دخولي…


ساد الصمت.


اقترب مني كريم أولًا، وقال بابتسامة مصطنعة أمام الحضور:


“اتصرفي بعقل… وخليكي زوجة محترمة.”


ثم اقتربت ياسمين وقالت بنبرة متكلفة:


“أنا آسفة إن الأمور وصلت لكده.”


نظرت إلى عقد الياقوت حول عنقها وقلت بهدوء:


“واضح إن ذوقك محتاج يتظبط.”


تدخل كريم سريعًا وقال بصوت منخفض:


“بلاش تحرجيها.”


ابتسمت وأجبته:


“هي أحرجت نفسها من أول ما لبسته.”


تغيرت ملامحه للحظة، لكنه اضطر إلى الابتسام مجددًا لأن عدسات الكاميرات كانت موجهة نحوه.


وكان لا يزال يعتقد…


أن الليلة ليلته.



الساعة التاسعة مساءً…


صعد إلى المسرح، وأعلن أمام الجميع أن زواجنا انتهى، وأن ياسمين أصبحت شريكته الجديدة في الحياة والعمل.


ثم كشف عن مشروع لتحويل فيلتي في الساحل الشمالي إلى نادٍ خاص لكبار رجال الأعمال.


وفي اللحظة نفسها ظهرت صورة الفيلا على الشاشة العملاقة.


وبعد ثوانٍ، وضع أحد الجرسونات أمامي أوراق الطلاق، وقلمًا، وكوبًا من العصير.


نظر إليّ كريم وقال:


“أوقات… أكبر دليل على الحب هو إنك تعرف تسيب.”


كانت ياسمين تقف بجواره، تستعد لالتقاط صور الانتصار، بينما اتجهت جميع الكاميرات نحوي، تنتظر أن أوقع، وأبتسم، وأغادر حياتهما في هدوء.


كانا يظنان أنهما كتبا النهاية.


لكن الحقيقة…


أن تلك الليلة كانت أول صفحة في نهايتهما.


نهضت من مكاني، وتركت أوراق الطلاق فوق الطاولة، ثم سرت بهدوء نحو المسرح.


مد كريم يده ليساعدني، لكنني مررت بجانبه دون أن أنظر إليه.


وقفت أمام الميكروفون، وفتحت حقيبتي، وأخرجت ورقة واحدة.


نظرت إليه…


ثم إلى الحضور…


وقلت:


“إنت عندك حق في حاجة واحدة…”


صمتُّ لثانيتين.


ثم ابتسمت، وقلت:


“الليلة فعلًا… ليلة التخلي.”


يتبع… لو عجبتك كملها في التعليقات حكايات أسما السيدلفصل الثاني


الصمت نزل على القاعة.


كل العيون كانت عليّ.


كريم كان لسه مبتسم.


فاكر إنني هتكلم دقيقتين…


وأوقع.


وأخرج من حياته للأبد.


رفعت الورقة اللي في إيدي.


وقلت بهدوء:


“الليلة فعلًا… ليلة التخلي.”


“لكن مش أنا اللي هتخلى.”


“إنت.”


ضحك كريم ضحكة قصيرة.


وقال وهو بيقرب من الميكروفون:


“ندى… بلاش استعراض.”


بصيت له.


وقلت:


“أنا كرهت الاستعراض من يوم ما بقيت بتعرض حياتك مع غيري على الإنترنت.”


بدأت الهمسات تنتشر بين الضيوف.


ياسمين حاولت تبتسم.


لكن ملامحها كانت متوترة.


رفعت الورقة قدام الجميع.


وقلت:


“دي مش ورقة طلاق.”


“دي صورة من محضر رسمي اتحرر النهارده الساعة اتنين الضهر.”


لف كريم بسرعة للمحامية مايا.


ولأول مرة…


اللون بدأ يختفي من وشه.


كملت:


“ومرفق معاه بلاغ بدخول غير مصرح به إلى فيلا مملوكة ليا وحدي.”


ظهر التوتر على وش ياسمين.


وقالت بسرعة:


“أنا دخلت بدعوة.”


هزيت رأسي.


“وده اللي هتجاوبي عليه قدام جهات التحقيق.”


ثم ضغطت زر صغير في جهاز التحكم اللي كان معايا.


الشاشة العملاقة اتغيرت.


بدل صورة الفيلا…


ظهر تسجيل من كاميرات المراقبة.


ياسمين وهي بتفتح باب غرفة أمي.


وبتجرب عقد الياقوت قدام المراية.


وبعدين…


كريم بيسلمها مفتاح الجناح الشرقي.


القاعة كلها سكتت.


واحد من رجال الأعمال قال بصوت منخفض:


“المفتاح ده خاص بالإدارة.”


واحدة من الصحفيات رفعت موبايلها.


وبدأت تصور.


كريم جرى ناحية مسؤول الصوت.


وصرخ:


“اقفل الشاشة!”


لكن مسؤول القاعة رد بارتباك:


“مش من عندنا.”


ابتسمت.


وقلت:


“أيوه.”


“لأن العرض ده محجوز باسمي.”


اتلفت كريم ناحيتي.


وكان واضح إنه بدأ يفهم.


الحفل كله…


كان متأمن بعقد أنا اللي وقعته من شهر.



رفعت الملف التاني.


وقلت:


“بما إنك أعلنت شراكة جديدة…”


“خليني أعلن أنا كمان.”


فتحت أول عقد.


“من خمس سنين…”


“كريم وقع تنازل عن جميع صلاحياته التنفيذية إذا ثبت استخدام أصول الشركة أو أموالها في منفعة شخصية بدون موافقة مجلس الأمناء.”


اتغيرت ملامحه فجأة.


همس:


“ندى…”


لكنني قاطعته.


“والبند ده…”


“إنت اللي كتبته.”


المحامية مايا سلمت نسخًا لرئيس مجلس الإدارة.


ثم لأعضاء المجلس.


ثم لمراجع الحسابات.


كريم حاول ياخد الأوراق.


لكن رئيس المجلس قال بحزم:


“سيبها.”


قلب الصفحات بسرعة.


ثم رفع رأسه.


وقال:


“في تحويلات مالية كبيرة.”


نظرت إلى الحضور.


وقلت:


“كل حقيبة…


وكل مجوهرات…


وكل رحلة…”


“كانت مدفوعة من حسابات الشركة.”


اتجهت الأنظار إلى ياسمين.


بدأت تتراجع للخلف.


قالت وهي مرتبكة:


“أنا… أنا ماكنتش أعرف.”


رديت بهدوء:


“وده حقك تقوليه.”


“لكن الحسابات هتقول هي كمان كلمتها.”



في آخر القاعة…


دخل ثلاثة من أعضاء الإدارة القانونية.


وسلموا كريم ظرفًا رسميًا.


فتح الظرف بعصبية.


كانت أول ورقة فيه…


قرار بإيقافه مؤقتًا عن مباشرة أي صلاحيات تنفيذية لحين انتهاء المراجعة الداخلية.


رفع رأسه ناحيتي.


ولأول مرة…


الثقة اختفت من عينيه.


وقال بصوت مبحوح:


“إنتِ خططتي لكل ده؟”



ابتسمت ابتسامة هادئة.


وقلت:


“لأ.”


“أنا بس…”


“رفضت أتكلم قبل ما يبقى عندي دليل.”



أما ياسمين…


فنزعت عقد الياقوت من رقبتها بيد مرتعشة.


ووضعته فوق الطاولة.


وقالت بصوت يكاد لا يُسمع:


“أنا ماشية.”


لكنها فوجئت بضابط الشرطة يقف عند مدخل القاعة.


وقال بأدب:


“مدام ياسمين…”


“في إجراءات محتاجين نستكملها بخصوص البلاغ المقدم.”


تجمدت مكانها.


وفي ثوانٍ…


اختفت ابتسامتها التي ملأت مواقع التواصل طوال الأشهر الماضية.



اقترب كريم مني بعد ما بدأ الضيوف يغادرون.


وقال لأول مرة بدون غرور:


“إنتِ كسبتي.”


نظرت إليه بهدوء.


وقلت:


“لا.”


“أنا ما دخلتش حرب.”


“أنا بس…”


“استرديت حقي.”


ثم أخذت أوراق الطلاق من فوق الطاولة.


وقعت عليها في هدوء.


وسلمتها للمحامية مايا.


وقبل أن أغادر…


التفتُّ إلى كريم للمرة الأخيرة.


وقلت:


“زمان كنت فاكر إن أغلى حاجة خسرتهـا الليلة هي الشركة.”


“لكن بعد كام يوم…”


“هتعرف إن الشركة كانت أسهل خسارة.”


ثم خرجت من القاعة.


ورائي عشرات عدسات الكاميرات…


لكن للمرة الأولى منذ سنوات…


لم أكن أهرب من صورة.


بل كنت أمشي…


نحو حياة اخترتها بإرادتي.

الفصل الثالث


أول ما خرجت من القاعة…


انهالت الأسئلة من الصحفيين.


“مدام ندى… هل انتهى زواجك رسميًا؟”


“هل فعلًا في تحقيقات داخل الشركة؟”


“هل هتقدمي بلاغات جديدة؟”


المحامية مايا تقدمت خطوة.


وقالت بهدوء:


“كل ما يخص القضية هيتقال في الوقت المناسب.”


ثم فتحت لي باب السيارة.


ركبت.


وأغلقت الباب.


ولأول مرة من سنة ونصف…


حسيت إنني أقدر آخد نفسًا كاملًا.



أما داخل القاعة…


فكانت الفوضى بدأت.


عدد كبير من رجال الأعمال غادروا قبل انتهاء الحفل.


رئيس مجلس الإدارة طلب اجتماعًا طارئًا في نفس الليلة.


أما كريم…


فكان واقفًا مكانه.


ينظر إلى المقاعد الفارغة.


قبل ساعة واحدة فقط…


كان يظن أنه سيعلن بداية حياة جديدة.


والآن…


أصبح الجميع يتجنب حتى النظر إليه.


اقترب منه صديقه حسام.


وقال بصوت منخفض:


“قول لي الحقيقة.”


“التحويلات دي حقيقية؟”


كريم لم يجب.


فسحب حسام يده من على كتفه.


وقال:


“إحنا أصحاب من عشرين سنة.”


“لكن لو الكلام ده طلع صحيح…”


“أنا أول واحد هشهد بالحقيقة.”


ومشى.


وسابه وحده.



في صباح اليوم التالي…


امتلأت مواقع الأخبار بعنوان واحد:


“انهيار حفل إعلان شراكة رجل أعمال بعد ظهور مستندات وتحقيقات مالية.”


انتشر الفيديو بسرعة.


لكن أكتر مشهد اتكرر…


ماكانش لحظة كلامي.


ولا خروج الشرطة.


كان المشهد اللي كريم وقف فيه عاجزًا…



بعدما اختفت ابتسامته.



وصلت إلى الشركة الساعة التاسعة.


كل الموظفين كانوا واقفين.


أول ما دخلت…


وقفوا احترامًا.


لكنني قلت بهدوء:


“مفيش داعي.”


“كل واحد يرجع لشغله.”


دخلت مكتبي.


كانت أول مرة أدخله من شهور.


كل حاجة فيه كما تركتها.


صورة أمي.


البيانو الصغير اللي كانت أهدتني إياه في أول نجاح ليا.


وملف أزرق…


كنت كتب عليه بخطي:


“لا يُفتح إلا إذا انتهى كل شيء.”


فتحته.


كان بداخله خطة إعادة هيكلة الشركة.


الخطة التي كنت أعمل عليها منذ عام كامل.



في الوقت نفسه…


كان كريم يحاول دخول الشركة.


لكن فرد الأمن أوقفه.


وقال باحترام:


“آسف يا فندم.”


“وصلنا قرار رسمي.”


“ممنوع دخول أي مسؤول موقوف إلا بتصريح.”


اتجمد كريم.


وقال بعصبية:


“أنا المدير التنفيذي.”


رد فرد الأمن:


“كنت.”


الكلمة نزلت عليه كالصاعقة.



بعد الظهر…


انعقد اجتماع مجلس الإدارة.


قال رئيس المجلس:


“بعد مراجعة أولية…”


“ثبت وجود مخالفات تستوجب التحقيق.”


ثم نظر إلى ندى.


وأضاف:


“ونشكر حضرتك إنك احتفظت بالمستندات بدل ما تتسرعي.”


أجبت بهدوء:


“أنا كنت مستنية الحقيقة تتكلم.”


وافق المجلس بالإجماع على تعيين إدارة مؤقتة لحين انتهاء التحقيقات.


ثم التفت رئيس المجلس إليّ.


وقال:


“إحنا محتاجينك ترجعي.”


سكتُّ لحظة.


ثم قلت:


“هرجع.”


“لكن بشروط.”


“الشركة دي هتشتغل بالقانون.”


“وأي حد غلط…”


“هيتحاسب.”


حتى لو كان أقرب الناس ليا.


ساد الصمت.


ثم بدأ التصفيق.



في آخر النهار…


وأنا خارجة من الشركة…


لقيت كريم واقف قدام الباب.


وشه كان مرهقًا.


كأنه كبر عشر سنين في يومين.


بص لي.


وقال:


“أنا خسرت كل حاجة.”


وقفت لحظة.


ثم قلت:


“لا.”


“إنت خسرت أول يوم قررت تخون الثقة.”


“أما الباقي…”


“فكان نتيجة اختيارك.”


تركته واقفًا.


وركبت عربيتي.


وأنا أنظر من الزجاج…


شاهدته لأول مرة…


ليس كرجل كنت أحبه يومًا.


بل كشخص اختار طريقًا…


ووصل إلى نهايته بنفسه.


لكنني لم أكن أعرف…


أن المفاجأة الأكبر…


لم تكن في سقوط كريم.


بل في الشخص الذي طلب مقابلتي في صباح اليوم التالي.


شخص يحمل ملفًا قديمًا…


ويقول إنه يعرف السر الذي أخفاه كريم عن الجميع طوال سنوات زواجنا.

يتبع


عشيقة زوجى اسما 2


الفصل الرابع


الساعة كانت العاشرة صباحًا…


لما سكرتيرتي دخلت المكتب وقالت:


“في شخص مصمم يقابل حضرتك.”


رفعت عيني من الملفات.


“مين؟”


قالت:


“بيقول إنه كان المدير المالي السابق للشركة.”


الاسم وقع على أذني كأنه راجع من الماضي.


عادل منصور.


الرجل اللي استقال فجأة من سنتين…


وسافر من غير ما يودع حد.


قلت:


“خليه يدخل.”


دخل بهدوء.


كان شكله أكبر من آخر مرة شفته.


وشعره الأبيض زاد.


لكن نظرته كانت ثابتة.


حط حقيبة جلد قديمة على المكتب.


وقال:


“أنا مدين لحضرتك باعتذار.”


استغربت.


“اعتذار على إيه؟”


تنهد.


وقال:


“لأني عرفت الحقيقة متأخر.”


فتح الحقيبة.


وأخرج عشرات الملفات.


ثم قال:


“كريم ما بدأش يحول فلوس الشركة لياسمين من سنة ونص.”


سكت لحظة.


وأضاف:


“بدأ من أربع سنين.”


شهقت.


“إيه؟”


فتح أول ملف.


كانت كشوف حسابات.


وعقود استشارات.


وشركات بأسماء مختلفة.


لكن الحساب البنكي النهائي…


كان واحدًا.


قال:


“كل شركة من دول كانت وهمية.”


“كانت بتصدر فواتير مقابل خدمات عمرها ما اتقدمت.”


قلّبت الأوراق بسرعة.


كل توقيع…


كان توقيع كريم.


لكن الأسماء مختلفة.


قال عادل:


“أنا اعترضت.”


“ولما اعترضت…”


“طلب مني أوقع.”


“ولما رفضت…”


“استبعدني من كل حاجة.”


سألته:


“ليه رجعت دلوقتي؟”


خفض رأسه.


وقال:


“لأن ضميري تعب.”


“ولأن في ناس أبرياء ممكن يتحاسبوا بدل اللي غلط.”



في نفس الوقت…


كان كريم قاعد في مكتب محاميه.


قال بعصبية:


“لازم نوقفها.”


المحامي سأله:


“تقدر تثبت إن التحويلات كانت قانونية؟”


سكت.


“تقدر تثبت إن المجوهرات والهدايا كانت من فلوسك الشخصية؟”


ما ردش.


أغلق المحامي الملف.


وقال:


“إحنا محتاجين نفكر في تسوية.”


ضرب كريم المكتب بقبضته.


“أنا مش هتنازل.”


رد المحامي بهدوء:


“المشكلة…”


“إن الأدلة بتزيد كل يوم.”



بعد الظهر…


اتصل بي رئيس مجلس الإدارة.


وقال:


“الاجتماع اتقدم.”


“في مستندات جديدة.”


دخلت قاعة الاجتماعات.


كل الأعضاء موجودين.


أول ما قعدت…


دخل فريق المراجعة.


وقال رئيس الفريق:


“خلصنا المراجعة الأولية.”


فتح تقريرًا سميكًا.


وأضاف:


“في مخالفات مالية كبيرة.”


“لكن…”


رفع رأسه.


“في حاجة أغرب.”


سأله رئيس المجلس:


“إيه هي؟”


قال:


“كل القرارات اللي كريم كان بيعلن إنه أخدها لوحده…”


“كانت محتاجة توقيع رئيس مجلس الإدارة.”


“ومفيش توقيع واحد صحيح.”


ساد الصمت.


يعني…


ما كانش بس بيستغل أموال الشركة.


كان كمان بيزوّر موافقات داخلية.



بعد الاجتماع…


خرجت وأنا شايلة التقرير.


وقبل ما أوصل العربية…


لقيت ياسمين مستنياني.


كانت من غير مكياج.



وعينيها باين عليها السهر.


وقفت قدامي.


وقالت:


“أنا عايزة أتكلم.”


بصيت لها.


“اتفضلي.”


قالت وهي بتبكي:


“أنا غلطت.”


“بس في حاجات لازم تعرفيها.”


فضلت ساكتة.


أخرجت من شنطتها هاتفًا.


وحطته في إيدي.


وقالت:


“ده الموبايل القديم بتاع كريم.”


“فيه تسجيلات ورسائل.”


“أنا احتفظت بيه.”


استغربت.


“ليه؟”


مسحت دموعها.


وقالت:


“لأني اكتشفت متأخر…”


“إنه كان بيضحك عليّا أنا كمان.”


ثم استدارت ومشيت.


فضلت أبص للموبايل في إيدي.


وأول ما فتحته…


ظهر إشعار برسالة صوتية قديمة.


تاريخها…


قبل بداية علاقتنا أنا وكريم بشهرين.


ضغطت على زر التشغيل…


وانطلق صوت رجل مجهول يقول:


“الخطة ماشية زي ما اتفقنا…”


“بس لازم نضمن إنها توقع على الأوراق بعد الجواز.”


تجمدت مكاني.


لأنني أدركت في تلك اللحظة…


أن كل ما حدث خلال السنوات الماضية…


ربما لم يكن مجرد خيانة.


بل بداية خطة كانت مرسومة…


من قبل الزواج نفسه.

الفصل الخامس


فضلت ماسكة الموبايل.


إيدي كانت بتترعش.


أعدت تشغيل الرسالة الصوتية مرة…


واتنين…


وتلاتة.


كل مرة…


كنت أركز في نبرة الصوت أكتر.


الصوت التاني ماكانش كريم.


كان شخص أكبر منه سنًا.


واضح إنه صاحب القرار.


أما كريم…


فكان بيرد بكلمة واحدة:


“متقلقش.”


قفلت التسجيل.


ورفعت عيني للمحامية مايا.


قلت:


“عايزة أعرف التسجيل ده اتسجل إمتى.”


أخدت منها الموبايل.


ووصلته باللابتوب.


وبعد دقائق…


قالت وهي بتبص للشاشة:


“التاريخ الأصلي محفوظ.”


“التسجيل قبل كتب كتابكم بشهرين فعلًا.”


حسيت ببرودة سرت في جسمي.


يعني…


كل كلمة حب…


كل وعد…


كل حلم…


كان جزءًا من خطة.



في نفس الوقت…


كان كريم قاعد في شقته الجديدة.


لأول مرة…


من غير سكرتارية.


ولا مساعدين.


ولا اجتماعات.


الموبايل فضل يرن.


لكن محدش كان بيتصل يطمن عليه.


كل الاتصالات…


كانت من صحفيين.


أو محامين.


أو بنوك.


دخل عليه محاميه.


وقال:


“في مشكلة.”


رفع كريم رأسه.


“إيه تاني؟”


حط المحامي جريدة إلكترونية قدامه.


العنوان كان واضحًا:


“مجلس الإدارة يعلن فتح مراجعة شاملة لجميع تعاقدات آخر خمس سنوات.”


غمض كريم عينيه.


وقال:


“هما مش هيسيبوني.”


رد المحامي:


“المشكلة إن في ناس بدأت تتكلم.”


“كل واحد كان ساكت…”


“بقى عايز ينقذ نفسه.”



رجعت البيت.


دخلت أوضة أمي.


من سنين…


ماكنتش بدخلها إلا نادر.


قعدت قدام صورتها.


وقلت بصوت مكسور:


“أنا آسفة.”


“كان لازم أفهم بدري.”


لفت نظري صندوق خشب صغير.


كانت أمي محتفظة بيه.


فتحته.


لقيت جوابًا بخط إيدها.


كان مكتوب عليه:


“يفتح بعد زواج ندى.”


اتجمدت.



أنا…


عمري ما شفته.


فتحت الظرف ببطء.


وكان أول سطر:


“يا بنتي…


لو بتقري الرسالة دي…


فأنا غالبًا مش موجودة.”


دموعي نزلت.


وكملت.


“في ناس هتقرب منك…


مش علشان قلبك.”


“لكن علشان اسم العيلة.”


“أوعي في يوم توقعي على أي ورقة…


من غير ما محامي العيلة يراجعها.”


توقفت.


لأن الجملة دي…


كانت نفس النصيحة اللي تجاهلتها بعد الجواز.


كملت القراءة.


“أنا عملت نظام يحميكي.”


“ولو حد حاول يستغل جوازك…


هيكتشف متأخر إن أغلب الأصول محمية قانونًا.”


ابتسمت وسط دموعي.


أمي…


كانت شايفة أبعد مني بسنين.



في صباح اليوم التالي…


وصل تقرير تحليل التسجيل الصوتي.


قال الخبير:


“الصوت الأول لكريم بنسبة تطابق مرتفعة.”


“أما الصوت الثاني…


فهو لرجل اسمه…”


وسكت.


بصيت له.


قلت:


“مين؟”


رد بهدوء:


“رئيس مجلس الإدارة السابق.”


شهقت مايا.


وقالت:


“مستحيل.”


لكن الخبير حط تقرير البصمة الصوتية على المكتب.


وقال:


“النتيجة واضحة.”


فضلت أبص للتقرير.


وفجأة…


كل الأحداث القديمة بدأت تترتب قدامي.


الترقيات.


العقود.


الإصرار على الجواز.


التحويلات.


كلها…


كانت مرتبطة بشخص واحد.


لكن السؤال الأخطر…


لم يكن من خطط.


بل لماذا اختاروني أنا تحديدًا؟


وفي نفس اللحظة…


رن هاتف المحامية مايا.


استمعت لثوانٍ…


ثم تغير لون وجهها.


قفلت المكالمة.


وبصت لي.


وقالت:


“في خبر عاجل.”


“رئيس مجلس الإدارة السابق…”


“اختفى من بيته من ساعة.”


وساد الصمت.


لأن الجميع أدرك…


أن الحقيقة بدأت تقترب…


وشخصًا ما…


يالفصل السادس


أول ما سمعت كلمة…


“اختفى.”


حسيت إن الصورة بدأت تكتمل.


لكنها في نفس الوقت…


بقت أخطر.


بصيت للمحامية مايا.


وسألت:


“إحنا متأكدين إنه هرب؟”


هزت رأسها.


وقالت:


“لسه.”


“ممكن يكون هرب…”


“وممكن يكون اختفى لسبب تاني.”


وقبل ما أتكلم…


رن تليفونها مرة تانية.


ردت بسرعة.


وبعد أقل من دقيقة…


قفلت الخط.


وقالت:


“لقوا عربيته.”


“فين؟”


“على طريق الساحل.”


“لكن هو مش موجود.”


ساد الصمت.



في اليوم نفسه…


طلب مجلس الإدارة اجتماعًا عاجلًا.


دخلت القاعة.


ولأول مرة…


كان الكرسي اللي كان بيقعد عليه رئيس المجلس السابق فاضي.


جلس رئيس المجلس المؤقت وقال:


“إحنا قدام أزمة.”


ثم فتح ملفًا أحمر.


وأضاف:


“في أرشيف الشركة…”


“لقينا عقود عمرها سبع سنين.”


فتح أول عقد.


ثم نظر إليّ.


وقال:


“العقود دي كانت بداية كل حاجة.”


أخذت الملف.


وقرأت أول صفحة.


كان عنوانها:


اتفاقية تطوير مشروع الساحل الشمالي.


تجمدت.


ده نفس المشروع…


اللي كريم أعلن عنه في الحفل.


لكن تاريخ العقد…



كان قبل جوازنا بسنة كاملة.


قلبت الصفحة.


ثم الثانية.


وفي الصفحة الأخيرة…


كان فيه توقيع كريم.


وتوقيع رئيس المجلس السابق.


لكن كان فيه مكان لتوقيع ثالث…


فاضي.


سألت:


“مين المفروض يوقع هنا؟”


رد المستشار القانوني:


“صاحب الأرض.”


رفعت رأسي ببطء.


“وده كان أنا.”


قال:


“بالضبط.”


“من غير توقيعك…”


“العقد كله مالوش قيمة.”


بدأت أفهم.


ماكانوش محتاجين حبي.


ولا وجودي.


كانوا محتاجين…


توقيعي.



في المساء…


رجعت الفيلا لأول مرة.


البوابة اتفتحت بهدوء.


الحارس قال:


“الحمد لله على السلامة يا فندم.”


ابتسمت له.


ودخلت.


كل حاجة كانت زي ما سبتها.


إلا حاجة واحدة.


غرفة المكتب.


الباب كان موارب.


وأنا متأكدة…


إني قفلته قبل ما أمشي.


دخلت بحذر.


ماكانش فيه حد.


لكن درج المكتب…


كان مفتوح.


فتشته بسرعة.


كل الملفات موجودة.


إلا دفتر صغير.


دفتر ملاحظات كريم.


كان بيسجل فيه كل مواعيده.


وكل الأرقام المهمة.


اختفى.



في نفس اللحظة…


رن هاتفي.


رقم مجهول.


رديت.


جالي صوت راجل كبير في السن.


قال بهدوء:


“أنا معايا الدفتر.”


وقفت مكاني.


وسألته:


“مين حضرتك؟”


قال:


“واحد اشتغل مع والدتك زمان.”


“ولو عايزة تعرفي الحقيقة كلها…”


“تعالي لوحدك.”


سألته بسرعة:


“فين؟”


رد:


“المنارة القديمة.”


“بكرة…”


“الساعة سبعة.”


وقبل ما أسأله أي سؤال تاني…


قفل الخط.



في صباح اليوم التالي…


اعترضت مايا بشدة.


وقالت:


“ممنوع تروحي لوحدك.”


لكنني كنت أعرف…


أن الشخص ده…


لو كان ناوي يبتزني…


ماكانش اتصل.


كان هيبيع الدفتر.


أما لو احتفظ بيه كل السنين دي…


يبقى عنده سبب.


وصلت قبل الموعد بعشر دقائق.


البحر كان هادي.


والمنارة شبه مهجورة.


وقفت أستنى.


وبعد دقائق…


ظهر رجل مسن.


يمشي بعصا خشبية.


ولما قرب…


أخرج الدفتر من حقيبته.


وقال:


“ده أمانة.”


“وأمك طلبت مني أسلمهولك…”


“لو حصل لها حاجة.”


شهقت.


قلت:


“إنت تعرف أمي؟”


ابتسم بحزن.


وقال:


“مش بس أعرفها.”


“أنا كنت الشاهد الوحيد…”


“على اللي حصل ليلة وفاة أبوكي.”


شعرت بأن الأرض اهتزت تحت قدمي.


كل الأسرار التي كنت أظن أنني اكتشفتها…


كانت مجرد البداية.


أما الحقيقة…


فكانت ما تزال مخبأة…


في ذاكرة الرجل الواقف أمامي.حاول الهروب قبل أن تُكشف بالكامل.


الفصل السابع


وقفت قدام الرجل المسن…


ونسيت حتى أسأله عن اسمه.


كل اللي خرج من لساني كان سؤال واحد:


“إيه اللي حصل ليلة وفاة أبويا؟”


تنهد طويلًا.


وبص ناحية البحر.


وقال:


“قبل ما أحكي…”


“لازم تعرفي إن الحقيقة عمرها ما كانت حادث.”


اتسعت عيناي.


همست:


“يعني…”


هز رأسه.



“أبوكي مات مقتول.”


سكتت الدنيا حواليّ.


حتى صوت الموج…


حسيت إنه اختفى.


فتح الرجل حقيبته.


وأخرج ظرفًا قديمًا.


كان عليه ختم شركة المقاولات اللي كان أبويا شريكًا فيها.


وقال:


“دي نسخة احتفظت بيها لنفسي.”


فتحت الظرف بسرعة.


كان بداخله محضر اجتماع.


وفي آخر صفحة…


توقيعات أربعة أشخاص.


عرفت توقيع أبويا.


وعرفت توقيع رئيس مجلس الإدارة السابق.


لكن التوقيع الثالث…


كان باسم كريم.


رجعت أبص للرجل.


وقلت بصدمة:


“مستحيل.”


ابتسم بحزن.


وقال:


“وقتها كريم كان موظفًا صغيرًا.”


“لكن كان بيشتغل مع الناس الغلط.”


قلّبت الورق بسرعة.


وكان فيه بند واحد متشطب بالقلم الأحمر.


البند كان بينص على رفض بيع أراضي المشروع بثمن أقل من قيمتها.


وتحته مكتوب بخط اليد:


“الرافض يتم استبعاده.”


بلعت ريقي.


وسألت:


“وبعد الاجتماع؟”


قال الرجل:


“أبوكي خرج لوحده.”


“وبعد أقل من ساعة…”


“اتقال إنه عمل حادث.”


سكت لحظة.


وأضاف:


“لكن العربية كانت سليمة.”


“اللي اتلف…”


“كان فراملها.”



رجعت البيت.


قعدت ساعات أقلب في الأوراق.


كل ما أكتشف مستند…


ألاقي مستند تاني يربطه.


كأن حد كان بيجمع خيوط القضية…


علشان تيجي اللحظة المناسبة.


رن تليفوني.


كانت مايا.


قالت بسرعة:


“في خبر مهم.”


“إيه؟”


“النيابة استدعت كريم للتحقيق.”


قفلت المكالمة.


وفي نفس اللحظة…


وصلني إشعار برسالة.


رقم مجهول.


فتحتها.


كان فيها صورة واحدة.


صورة قديمة جدًا.


أنا وكريم.


يوم خطوبتنا.


لكن على طرف الصورة…


كان ظاهر شخص واقف بعيد.


كبرت الصورة.


ودققت فيها.


قلبي وقف.


الرجل الواقف…


كان رئيس مجلس الإدارة السابق.


وكان بيبص علينا…


ويبتسم.


تحت الصورة رسالة قصيرة:


“الخطة بدأت من اليوم ده.”



في صباح اليوم التالي…


امتلأت قاعة التحقيق بالمحامين.


دخل كريم.


ملامحه كانت مرهقة.


لكن لسه بيحاول يتمسك بهدوئه.


المحقق حط قدامه الملفات.


وقال:


“هنبدأ بالتحويلات المالية.”


رد كريم:


“كل حاجة قانونية.”


فتح المحقق ملفًا آخر.


“طيب…”


“وده إيه؟”


كانت نسخة من الاجتماع القديم.


والتوقيعات.


والرسائل.


والتسجيل الصوتي.


تغير لون وجه كريم.


ولأول مرة…


طلب كوب ماء.


نظر إليه المحقق وقال:


“إنت قلت قبل كده إن علاقتك بالمشروع بدأت بعد الجواز.”


“لكن المستندات بتقول غير كده.”


حاول كريم يتكلم.


لكن الكلمات خانته.



وفي آخر النهار…


خرجت من مبنى النيابة.


السماء كانت ملبدة بالغيوم.


وكنت فاكرة إن أصعب الأيام عدت.


لكن مايا جريت ناحيتي.


وقالت وهي تلهث:


“لسه في مفاجأة.”


التفتُّ إليها.


ناولتني ظرفًا وصل للتو.



كان مكتوبًا عليه بخط واضح:


“يُسلَّم إلى ندى فقط.”


فتحته.


كانت بداخله ورقة واحدة.


وفيها جملة قصيرة:


“لو عايزة تعرفي مين صاحب الخطة الحقيقي…”


“ابحثي عن الشخص الوحيد…”


“اللي ما حدش شك فيه أبدًا.”


رفعت رأسي ببطء.


وشعرت لأول مرة…


أن الشخص الذي كنت أطارد حقيقته طوال الشهور الماضية…


قد لا يكون كريم وحده.


وأن الستار…


لم يُرفع بالكامل بعد.

يتيع


عشيقة زوجى اسما 3


الفصل الثامن


أعدت قراءة الرسالة أكثر من مرة.


“ابحثي عن الشخص الوحيد… اللي ما حدش شك فيه أبدًا.”


فضلت الجملة تدور في دماغي.


كريم؟


لا.


هو كان واجهة.


لكن الرسالة بتتكلم عن شخص…


قدر يفضل بعيد عن كل الشبهات.


مايا كانت بتراقبني.


وقالت:


“بتفكري في مين؟”


حطيت الورقة على المكتب.


وقلت بهدوء:


“الشخص اللي كان موجود في كل المراحل…”


“من غير ما حد يسأله أي سؤال.”


سكتنا ثواني.


وفجأة…


بصينا لبعض في نفس اللحظة.


وقلنا الاسم معًا:


“فؤاد.”


المحامي القديم للعائلة.


الرجل اللي حضر كتب كتابي.


وهو نفسه اللي راجع أول عقود الشركة بعد وفاة أمي.


وهو نفسه اللي كان شاهدًا في نقل بعض الأصول.


الغريب…


إننا عمرنا ما شكينا فيه.



طلبت من سكرتيرتي ملفًا قديمًا.


كل التوكيلات اللي أمي وقعتها قبل وفاتها.


بدأت أقلب الأوراق واحدة واحدة.


وفي آخر الملف…


لقيت توكيلًا أُلغي بعد ستة أشهر.


المستفيد منه…


الأستاذ فؤاد.


لكن الإلغاء…


ماكانش متسجل في نسخة الشركة.


رفعت الورقة لمايا.


وسألتها:


“يعني إيه ده؟”


أخدتها بسرعة.


ودققت فيها.


ثم قالت:


“يعني لو حد استخدم النسخة القديمة…”


“كان يقدر يتصرف كأنه لسه معاه صلاحيات.”


أغمضت عيني.


وبدأت أفهم.


كريم كان بينفذ.


لكن فيه حد…


كان بيعرف القانون كويس جدًا.



في الوقت نفسه…


كان كريم خارجًا من التحقيق.


اقترب منه صحفي.


وسأله:


“هل عندك تعليق؟”


وقف كريم.


ولأول مرة منذ بدأت الأزمة…


قال جملة واحدة:


“مش أنا صاحب الفكرة.”


انتشرت الجملة في كل المواقع خلال دقائق.


الناس افتكرتها محاولة للهروب من المسؤولية.


لكن أنا…


حسيت إنها أول مرة يقول الحقيقة.



في المساء…


وصلني اتصال من رقم خاص.


رديت.


جالي صوت أعرفه.


الأستاذ فؤاد.


قال بهدوء:


“واضح إنك وصلتي لآخر الخيط.”


قلت ببرود:


“لأ.”


“أنا لسه في أوله.”


ضحك ضحكة قصيرة.


وقال:


“أمك كانت ذكية.”


“لكن استعجلت.”


قبضت على الهاتف بقوة.


“إنت تقصد إيه؟”


رد:


“تعالي المكتب القديم.”


“وهقولك كل حاجة.”


ثم أغلق الخط.



اعترضت مايا.


وقالت:


“ممكن يكون فخ.”


ابتسمت.


وقلت:


“أكيد فخ.”


“لكن الفرق…”


“إن المرة دي…”


“أنا اللي عارفة إنه فخ.”


قبل ما أخرج…


اتصلت بضابط القضية.


وسلمته عنوان المكتب.


وقلت له:


“لو ما خرجتش بعد ساعة…”


“ادخلوا.”


هز رأسه.


وقال:


“اتفقنا.”



وصلت إلى المكتب القديم.


كان مهجورًا.


الأثاث مغطى بالأقمشة.


ورائحة الورق القديم تملأ المكان.


كان فؤاد واقفًا أمام الشباك.


ظهره ناحيتي.


قال من غير ما يلف:


“اتأخرتِ.”


قلت:


“الحقيقة تستحق الانتظار.”


استدار ببطء.


وفي يده ملف سميك.


وضعه فوق المكتب.


وقال:


“كل حاجة هنا.”


“الأوراق…”


“والعقود…”


“وحتى الرسائل اللي كريم عمره ما شافها.”


سألته:


“ليه دلوقتي؟”


تنهد.


وقال:


“لأن اللعبة انتهت.”


“وكل واحد لازم يشيل نتيجة اختياراته.”


في اللحظة دي…


سمعنا صوت سيارات تقف خارج المبنى.


ابتسم فؤاد.


وقال:


“واضح إنك ما جيتيش لوحدك.”


ابتسمت لأول مرة.


وأجبته:


“اتعلمت الدرس.”


وبينما كان الضباط يصعدون السلم…


فتح فؤاد الملف بنفسه.


وكانت أول ورقة فيه…


اعترافًا مكتوبًا بخط كريم.


يقر فيه بأنه أخفى تحويلات مالية ووقّع مستندات غير صحيحة، لكنه يذكر أيضًا أن من وضع الخطة القانونية وأدارها كان شخصًا آخر.


رفع فؤاد عينيه نحوي.


وقال بهدوء:


“دلوقتي…”


“بقي عندك الحقيقة كاملة.”


“والباقي…”


“هيقوله القضاء.”

الفصل الأخير


مرت ثمانية أشهر.


ثمانية أشهر…


امتلأت بالمحاكم.


والتحقيقات.


وجلسات طويلة.


وشهادات.


وأوراق.


كل يوم…


كانت الحقيقة تظهر قطعة جديدة.


وكل قطعة…


كانت تهدم الكذبة التي عاش عليها كريم سنوات.


اعترف فؤاد بكل شيء.


اعترف أنه استغل خبرته القانونية.


وصمم شبكة من العقود والاتفاقيات لإخفاء التحويلات.


واعترف أن كريم…


في البداية…


دخل طمعًا في المال.


ثم ظن أنه أصبح أقوى من الجميع.


أما ياسمين…


فقدمت ما لديها من رسائل وتحويلات وصور، وأكدت أنها لم تكن تعرف تفاصيل المخالفات المالية، بينما تحملت مسؤوليتها عن تصرفاتها الشخصية وما ارتبط بها من وقائع.


أما أنا…


فلم أطلب الانتقام.


طلبت الحقيقة فقط.



وفي آخر جلسة…


وقف القاضي يقرأ الحكم.


كانت القاعة مليئة بالصحفيين.


ورجال الأعمال.


والموظفين الذين عملوا معنا سنوات.


لم أنظر إلى كريم.


ولم أحاول أن أقرأ ملامحه.


اكتفيت بالنظر إلى صورة أمي الصغيرة داخل حقيبتي.


انتهى القاضي من تلاوة الحكم.


وانتهت معه…


سنوات من الخداع.


خرج الجميع من القاعة.


كل واحد يحمل رأيًا.


أما أنا…


فكنت أحمل راحة لم أشعر بها منذ زمن.



بعد أسابيع…


دعاني مجلس الإدارة لاجتماع.


قال رئيس المجلس:


“الشركة محتاجة بداية جديدة.”


ثم دفع أمامي ملفًا.


“إحنا عايزين حضرتك تتولي رئاسة المجلس.”


ابتسمت.


وأغلقت الملف.


قلت بهدوء:


“أنا هرجع.”


“لكن مش علشان أثبت حاجة لحد.”


“هرجع علشان أحافظ على تعب الناس اللي اشتغلت هنا بضمير.”


وافق الجميع.


ومن يومها…


بدأت صفحة جديدة.


أول قرار أصدرته…


كان إنشاء لجنة رقابة مستقلة.


وثاني قرار…


أن أي تحويل مالي أو تعاقد كبير يمر بأكثر من مراجعة.



وقلت في أول اجتماع:


“الثقة مهمة.”


“لكن الرقابة أهم.”



أما الفيلا…


رجعت كما كانت.


دخلت غرفة أمي.


رجعت عقد الياقوت إلى مكانه.


ولم ألمسه.


وقفت أمام صورتها.


وقلت بابتسامة هادئة:


“حقك رجع.”


ثم فتحت شبابيك الغرفة.


دخل هواء البحر.


لأول مرة…


لم يحمل معه وجعًا.


بل بداية.



بعد عام…


افتتحنا مركزًا لدعم رائدات الأعمال الشابات.


خصصنا جزءًا من أرباح الشركة لتمويل المشروعات الصغيرة.


وفي حفل الافتتاح…


وقفت فتاة صغيرة وسألتني:


“إيه أهم درس اتعلمتيه؟”


ابتسمت.


ونظرت إلى الحضور.


ثم قلت:


“الناس بتفتكر إن القوة إنك ترد بسرعة.”


“لكن الحقيقة…”


“إن القوة إنك تعرف إمتى تسكت.”


“وإمتى تتكلم.”


“ولما تتكلم…”


“يبقى معاك دليل.”


ساد الصمت.


ثم بدأ التصفيق.



وأنا خارجة…


وقفت لحظة أمام باب الشركة.


بصيت إلى السماء.


وتذكرت أول ليلة…


لما شفت الفيديو من داخل فيلتي.


وقتها…


افتكرت إن حياتي انتهت.


لكن الحقيقة…


إنها كانت مجرد بداية.


بداية امرأة…


لم تنتصر لأنها كانت الأقوى.


بل لأنها رفضت أن تبيع كرامتها…


مهما كان الثمن.

بعد النهاية… عامان لاحقًا


مرت سنتان.


لم يعد اسم الشركة يرتبط بفضيحة…


بل بالنجاح.


ارتفعت الأرباح.


وعادت ثقة المستثمرين.


أما أنا…


فلم أعد أقضي معظم وقتي داخل المكتب.


كنت أزور المشروعات الجديدة.


وأجلس مع الموظفين.


وأستمع أكثر مما أتكلم.


تعلمت أن الإدارة…


ليست إصدار أوامر.


بل تحمل مسؤولية.



وفي صباح هادئ…


وصلني ظرف أبيض.


لا يحمل اسم المرسل.


فتحته.


وجدت بداخله مفتاحًا نحاسيًا قديمًا.


ومعه ورقة صغيرة.


مكتوب فيها:


“الآن…


أصبح المفتاح عند صاحبته.”


ابتسمت.


عرفت المفتاح فورًا.


كان مفتاح الجناح الشرقي في الفيلا.


المفتاح الذي كان سببًا في بداية كل شيء.


أمسكته للحظات…


ثم سلمته إلى مدير الفيلا.


وقلت:


“غير الأقفال كلها.”


نظر إليّ باستغراب.


فسأل:


“وده القديم؟”


ابتسمت.


“خليه في المتحف الصغير اللي هنفتحه هنا.”


ضحك.


“متحف؟”


قلت:


“أيوه.”


“علشان كل واحد يدخل الفيلا يعرف…”


“إن البيوت بتحميها الأمانة…


مش المفاتيح.”



وفي مساء اليوم نفسه…


وقفت أمام البحر.


نفس البحر…


الذي شهد أصعب أيام حياتي.


لكن إحساسي كان مختلفًا.


رن هاتفي.


كانت مايا.


قالت وهي تضحك:


“نسيتِ.”


سألتها:


“نسيت إيه؟”


قالت:


“النهارده الذكرى الثانية لأول اجتماع بعد الأزمة.”


ابتسمت.


وقلت:


“فاكرة.”


“بس بقيت أحب أفتكر البداية…


مش النهاية.”



أغلقت الهاتف.


وبينما كنت أستعد للرحيل…


اقتربت مني سيدة في الخمسين من عمرها.



قالت بخجل:


“حضرتك ندى؟”


ابتسمت.


“أيوه.”


قالت:


“أنا واحدة من الموظفات القدامى.”


“كنت هسيب الشركة وقت الأزمة.”


“بس حضرتك خليتينا نصدق إن العدل ممكن يرجع.”


مدت يدها.


وفيها صورة قديمة.


صورة جماعية لكل موظفي الشركة.


قالت:


“احتفظي بيها.”


“دي أهم من أي جائزة.”


أخذت الصورة.


نظرت إلى الوجوه.


وجوه أشخاص تعبوا…


وصبروا…


ورفضوا الاستسلام.


أدركت في تلك اللحظة…


أن أعظم انتصار لم يكن خسارة كريم.


ولا استرداد الفيلا.


ولا حتى الفوز في القضايا.


أعظم انتصار…


أنني لم أسمح للخيانة…


أن تحولني إلى نسخة أخرى ممن ظلمني.


ولهذا…


كلما سألني أحد بعد سنوات:


“إيه أكتر حاجة كسبتيها؟”


كنت أبتسم…


وأجيب بجملة واحدة:


“نفسي.”


النهاية الحقيقية.

تمت.



تعليقات

التنقل السريع
    close