وصـية جـدي كاملة حكـايات مني السيد حصري
وصـية جـدي ج 1 حكـايات مني السيد حصري
٦ سنين وأنا متجوزة راجل كنت فاكراه موظف على قد حاله… كنت بعد الجنيه علشان أعرف أكمل الشهر، ولما حملي بقى في خطر والدكتور قالي العلاج هيكلف مئات الآلاف، كنت خلاص مستعدة أبيع دهبي كله… لحد ما سمعت الدكتور بيقوله: بقالك ٦ سنين متجوزها.. ولسه مقلتلهاش إنك رئيس مجلس إدارة مجموعـة رسـلان المعماريـة؟
وقفت مكاني، مبرقة ومش قادرة أتحرك ورا الباب الموارب بتاع مكتب الدكتور.
من نص ساعة بس، دكتـور حاتـم كان لسه قايلي إن ابني اللي في بطني احتمال كبير يموت…ودلوقتي، ومن جوه عيادته الخاصة في مستشفى في المهندسين، سمعت صوت في السبيكر… صوت أنا حافظاه أكتر من صوت نفسي:
— مش لازم تعرف. هي خلاص أخدت لقب مدام رسلان.. مش هسمح لها كمان تاخد قرش واحد من فلوس عيلتي.
ده كان جوزي… عمـر رسـلان.
سندت ضهري على الحيطة البيضا بتاعة طرقة المستشفى، وكنت مأفشة في تقرير الإشاعة لدرجة إن الورق اتمزع في إيدي…حصري على صفحة روايات و اقتباسات….
أنا اسمي كريمـة كامـل…يتيمة من وأنا عيلة صغيرة، جدي وجدتي الله يرحمهم ربوني في بيت قديم في طنطا، ومتعودة من صغري مأطلبش من الدنيا كتير.
اتجوزت عمر وأنا عندي أربعة وعشرين سنة، بعد ما اتعرفت عليه في رحلة لدهب. قال لي وقتها إنه مجرد موظف إداري بسيط في شركة مقاولات تابعة لمجموعة رسلان. وأنا غلبانة وصدقته…حصري علي صفحة روايات و اقتباسات…
٦ سنين عايشين زي أي اتنين عاديين في شقة إيجار في المعادي. هو بيقبض 7 الف جنيه، وأنا بشتغل مدرسة وبقبض 5 الف جنيه. بنقسط جمعيات، وبندفع إيجار، ونور، ومصاريف أكل، ونشيل القرش الأبيض لليوم الأسود.
مكانش بيجيلي قلب أشتري طقم جديد إلا للشديد القوي. لو تعبت، كنت أكسل أروح لدكتور وأقول بكرة أخف. لو شفت حاجة ونفسي فيها للبيت، أبص على السعر وأرجعها مكانها بالراحة…حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
كل ده عشان كان نفسي في عيل، ولما ربنا كرمني وأخيراً حملت، الدكتور قالي العصر:
— الجنين نموه ضعيف جداً يا مدام. لو عايزين ننقذه لازم تتحجزي في المستشفى فوراً. فيه علاج مستورد بس غالي، هيكلف حوالي 5 الف جنيه في اليوم، ومحتاجين شهر على الأقل…
5 الف جنيه في اليوم؟!..يعني أكتر من 150 ألف جنيه في الشهر!…فتحت أبلكيشن البنك وأنا خارجة من المستشفى: كل اللي حيلتنا شقا عمرنا في ست سنين جواز… تمنين ألف جنيه بالعافية….قعدت على رصيف في الشارع، تحت شمس القاهرة الحامية، وإيدي على بطني:
— استحمل شوية كمان يا حبيبي.. ساند نفسك بالله عليك.
رجعت المستشفى وأنا مقررة أقول للدكتور يحجزني حتى لو عشر أيام بس بالفلوس اللي معانا.
لكن أول ما وصلت عند باب دكتور حاتم, سمعت اسمي.
وهنا… حياتي كلها اتهدت.
#حكايات_مني_السيـد
جوه المكتب، الدكتور اتنهد وقال:
— يا عمر، أنا عارف إنك شايل غل. وعارف إن جدك ساب شرط غريب في الوصية: لو عايز تورث مجموعة رسلان، لازم تلاقي حفيدة صاحبه القديم بتاع أيام الحرب وتتجوزها. كريمة ذنبها إيه في كل ده؟ هي معملتش حاجة!
نفسي اتقطع.
وصية؟
حفيدة مين؟
اتجوزني عشان الورث؟!
الدكتور كمل كلامه:
— البنت اتجوزتك وهي فاكراك على باب الله. عاشت ست سنين بتفرتك القرش، شايلاك في عينيها، وواقفة في ضهرك. دي لسه خارجة من عندي مش عارفة تجيب علاج ولا تنقذ ابنها عشان خايفة على الفلوس. يا أخي مش هين عليك نفسك؟
صوت عمر رد، وكان بارد، قاسي، ومفيهوش ريحة الرحمة:
— هي اللي دمرت حياتي، حتى لو متعرفش. بسبب الوصية دي اضطريت أسيب شيرين.
شيرين صبري….سكرتيرته!…الست اللي كانت دايماً بتطلع معاهم في عشاء الشغل، ورحلات العمل، وتكلمه في التليفون نص الليل.
عمر كمل:
— شيرين تعبت جداً جالها اكتئاب بعد ما سبتها. هي دي اللي اتظلمت بجد….. هنا دكتور حاتم جاب آخره وزعق:
— اتظلمت؟! دي عايشة في فيلا في زايد، وراكبة عربية بـ 8 مليون جنيه، وماسكة مديرة مكتبك الخاص! وكريمة بتركب المترو بجاكيت دبلان وفاكرة إنها معندهاش الحق حتى تنقذ ابنها! هي دي العدالة بتاعتك؟
الدنيا اسودت في عيني.
بعدها عمر قال:
— لما كريمة تجيب آخرها وتيجي تبوس إيدي عشان الفلوس، هديها. بس عايزها تترجاني الأول.
جالي غثيان وكنت هترجع.
مش من الحمل… منه هو!
بس الصدمة الكبيرة كانت اللي جاية.
الدكتور وطى صوته، بس أنا سمعت كل كلمة:
— وحاجة كمان يا عمر… أول سنتين جواز، كنت بتخليني أكتبلك على حبوب منع حمل قوية وهرمونية من غير ما هي تعرف. أنا حذرتك إن الحاجات دي خطر تتاخد ورا ضهرها. ودلوقتي حملها في خطر كبير، وأنت عارف كويس إن الحبوب دي هي السبب في اللي هي فيه!
الأرض لفت بيا….افتكرت كل ليلة…
عمر وهو بياخدني من إيدي بحنية مزيفة يوديني السرير.
عمر وهو بيعملي كوباية اللبن الدافية كل يوم قبل ما أنام.
عمر وهو بيتبسم ويقولي:
— اشربيها كلها يا كريمة يا حبيبتي… عشان صحتك.
حطيت إيدي على بوقي عشان مأصوتش.
الحنية دي كانت سِم!
#بقلم_مني_السيـد
مشيت من المستشفى من غير ما حد شوفني.
قعدت ساعات في كافيه على كورنيش المعادي قدام كوباية شاي بردت وملمستهاش. مدمعتش.. أو يمكن عيطت ومش فاكرة….حاجة واحدة بس كانت في دماغي:
عمر مخدعنيش بس… عمر دمرني.
بالليل رجعت الشقة في المعادي…كان قاعد على الكنبة، لابس قميص أبيض، ونضارته الدهبي على وشه، وفيه ملفات على مكتب. فجأة، قعدته وطريقته بانت إنها فخمة… مستحيل تكون قعدة موظف ٧ ألف جنيه.
بصلي وقال:
— اتأخرتي ليه؟ الدكتور قالك إيه؟
قلعت جزمتي بالراحة وقلت:
— مفيش حاجة مهمة. شوية أنيميا، وقالي ارتاحي وكلي كويس…
الجو اتكهرب في الصالة…عمر بصلي بنظرته الهادية المخيفة اللي كنت زمان بفتكرها رزانة وعقل:
— متأكدة؟ مفيش أي حاجة تانية حابة تقوليها لي؟
طبعاً كان فيه…كان نفسي أقوله إني عرفت هو مين.
وعرفت قصة شيرين، وعرفت حوار الوصية والورث، وعرفت السم اللي كان بيحطهولي في اللبن…بس هو مكانش عايز الحقيقة… كان عايز يشوفني مكسورة.
كان مستني أركع تحت رجليه وأطلب منه فلوس عشان أنقذ ابنه اللي هو نفسه كان السبب في تعبه.
في اللحظة دي، تليفوني اتهز على الترابيزة.
رقم غريب….. رسالة واتساب
فتحتها وعمر عينه منزلتش من عليا. الرسالة كانت بتقول: …..!!!!! #حكايات_مني_السيـد
الرسالة كانت بتقول: **”مبروك الحمل يا مدام كريمة… تفتكري ابنك هيعيش لحد ما يشوف أبوه وهو بيمضي على نقل ملكية باقي أسهم مجموعة رسلان لاسم شيرين؟”**
جسمي كله سقع، والدم هرب من عروقي. بصيت للرقم، مكانش مسجل، بس الصورة الشخصية كانت واضحة زي الشمس… شيرين صبري! واقفة بكل فخر قدام عربيتها الـ 8 مليون جنيه، ولابسة نضارة شمس مغطية نص وشها، وبتبتسم ابتسامة صفرا كأنها بتقولي: “إنتي خسرتي كل حاجة قبل ما تبدأي”.
رجلّيا مكانتش شيلاني، بس دست على وجعي بقوة عمري ما تخيلت إنها عندي. قفلت شاشة التليفون وبصيت لعمر اللي كان ب يتابع كل حركة في وشي وعينه ب تلمع ب فضول قاتل، مستني الانهيار، مستني الدموع، مستني اللحظة اللي هرمي فيها نفسي تحت رجليه وأقوله “الحقني يا عمر.. ابننا بيموت ومعيش فلوس”.
— فيه حاجة يا كريمة؟ مين اللي بيبعتلك رسايل في وقت زي ده؟
صوته كان هادي، هدوء ما قبل العاصفة، الهدوء اللي عشت معاه ٦ سنين وأنا فاكراه حنية وطيبة، وهو في الأصل برود ملوش آخر.
بلعت ريقي اللي كان ناشف زي الحطب، ورسمت على وشي ابتسامة باهتة مليانة تعب تمثيلي، وقلت له:
— دي.. دي الوكيلة بتاعة المدرسة يا عمر. ب تبلغني ب جدول الحصص بتاع الأسبوع الجاي، وب تسألني لو هقدر أنزل عشان الحمل.
هز راسه ب بطء، ومسك القلم الدهبي اللي في إيده وقعد يلفه بين صوابعه ب حركة متمكنة، حركة م تطلعش من موظف غلبان أبداً. وقال ب نبرة فيها لؤم مداري:
— اهاا… طيب، والدكتور حاتم مقالكيش إن الحمل محتاج مصاريف زيادة؟ أشعة؟ تحاليل؟ أدوية غالية مثلاً؟ إنتي عارفة إن ظروفنا على القد يا كريمة، والـ 7 آلاف جنيه بتوعي يا دوب بيكفونا لآخر الشهر مع الـ 5 آلاف بتوعك… لو فيه أي حاجة تانية قوليلي، متخبيش عليا.
“ياااااه على الجبروت!”… الكلمة دي صرخت جوايا بس مطلعتش لبرة. الراجل ده مش بني آدم، ده شيطان لابس قناع حبيب. ب يسألني وهو عارف البير وغطاه، عارف إن ابنه ب يموت ب سببه، وب سبب حبوب منع الحمل اللي كان ب يدسهالي في اللبن كل ليلة وهو ب يبتسم في وشي ويقولي “عشان صحتك يا حبيبتي”.
حطيت إيدي على بطني وبصيت له وعيني ثابتة في عينه:
— لا يا عمر، مفيش أي حاجة غالية. الدكتور طمني وقالي كل حاجة تمام، والفلوس اللي معانا في البنك تكفي وتفيض وزيادة. مش محتاجة منك ولا م أي حد قرش واحد.
ملامح وش عمر اتغيرت في ثانية. اللمعة اللي في عينه انطفت، وحواجبة اتقفلت ب ضيق مكنش قادر يداريه. الكلمة وجعته في كبريائه. هو كان مستني “الشحاتة”، مستني الانكسار اللي يخليه يحس ب انتصاره ويذلني بيه عشان يرضي غله من جدي والوصية.
ساب القلم من إيده وقام وقف، وبصلي ب نبرة حادة شوية:
— تمام يا كريمة… براحتك. أنا هروح أنام عشان عندي شغل الصبح بدري.
مشى وسابني واقفة في الصالة. أول ما باب الأوضة اتقفل، انهرت على الكنبة. دموعي اللي حبستها طول الساعات اللي فاتت نزلت زي المطر، بس مكانتش دموع ضعف… كانت دموع غسيل لكل السذاجة والطيبة اللي عشت بيهم.
أنا كريمة كامل… البنت اليتيمة اللي رباها راجل صعيدي أصيل في طنطا، جدي اللي علمني إن الكرامة أغلى من الروح. جدي مكنش مجرد راجل طيب، جدي كان حاطط شرط في الوصية عشان يحميني، عشان عارف إن عيلة رسلان ممكن تبلعني، بس مكنش يعرف إن حفيد رسلان هيبقى بالوساخة دي.
مسكت تليفوني ودخلت الأوضة التانية، أوضة الأطفال الفاضية اللي كنا ب نجهزها ب الخشب المستعمل والدهان الرخيص عشان “الميزانية”. قعدت على الأرض الحافية، وفتحت الرسالة بتاعة شيرين تاني.
رديت عليها ب كلمتين اتنين بس: **”الأسهم مش ه تتنقل يا شيرين… عشان صاحب الشركة نفسه ممكن يتغير”**.
وعملت لها بلوك.
## خطة النجاة… والـثـأر
من اللحظة دي، كريمة القديمة ماتت. م بقاش فيه مكان للخوف. ابني اللي في بطني ده مش ه سيبه يموت، وفلوس عمر رسلان اللي ب يستخسرها في علاج ابنه، هاخدها كاملة وب القانون، مش عشان طمعانة، لأ… عشان دي فلوس جدي وحقي وحق ابني اللي ب يدفع تمن غل عمر.
تاني يوم الصبح، عمر نزل الشغل بعد ما سابلي الـ ٢٠٠ جنيه بتوع مصاريف الأسبوع كالعادة، وباس دماغي ب نفاقه المعتاد. أول ما نزل، لبست هدومي، ونزلت علطول.
مكانش ينفع أروح لدكتور حاتم تاني، الدكتور ده خاين للقسم بتاعه، وب يساعد جوزي ب كل ندالة. فتحت التليفون ودورت على أكبر مستشفى استثماري في القاهرة، ورحت هناك ل دكتورة نسا كبيرة ومشهورة اسمها دكتورة ماجدة.
بعد الكشف والـسونار، الدكتورة بصتلي ب قلق وقالت:
— يا مدام كريمة، الجنين في حالة حرجة فعلاً، فيه ضعف شديد في تدفق الدم، وبصراحة كده… فيه نسب عالية من آثار مادة هرمونية قوية في تحاليلك، كأنك كنتي ب تاخدي حبوب منع حمل لفترة طويلة ووقفتيها فجأة أو ب تاخديها وانتي مش دريانة!
كلامها أكدلي الحقيقة المرة. ضغطت على إيدي وقلت لها بصوت مخنوق بس ثابت:
— دكتورة… أنا عايزة تقرير طبي رسمي ومختوم ب كل اللي قولتيه ده. بكل التفاصيل وبنسب السموم والهرمونات دي. وعايزة ابني يعيش… أرجوكي، احجزيني هنا فوراً وابدأي العلاج المستورد.
الدكتورة بصتلي ب إعجاب من قوتي وقالت:
— التقرير ه يكون جاهز في خلال ساعة. والحجز ه يبدأ من دلوقتي، بس المستشفى هنا تكاليفها عالية جداً يا مدام، الليلة بـ ١٠ تلاف جنيه غير الأدوية.
طلعت الفيزا بتاعة البنك اللي عليها الـ ٨٠ ألف جنيه شقا عمري وقلت لها:
— ادفعي الحجز من دول يا دكتورة، وباقي المصاريف ه تتغطى بكرة الصبح ب الكتير… من مكان تاني خالص.
## في قلب الأسد… مجموعة رسلان المعمارية
بعد ما اتطمنت إنهم بدأوا يدولي المحاليل والعلاج في المستشفى، وخدت التقرير الطبي في الشنطة، طلبت من الممرضة تخلّي بالها من المحلول، وقلت لها إني ورايا مشوار ساعتين وراجعة.
ركبت تاكسي، ورحت على العنوان اللي دورت عليه على الإنترنت: **برج رسلان المعماري – كورنيش النيل**.
لما وصلت، انبهرت من فخامة المكان. برج زجاجي عملاق ب يلمع تحت الشمس، موظفين ب أحدث البدلات، أمن واقف في كل مكان. وأنا؟ أنا كنت داخلة ب عبايتي العادية، وجاكت دبلان، ملامحي شاحبة من التعب والحمل، بس عيني كان ب يطلع منها شرار.
موظف الأمن استوقفني ب نبرة فيها تكميم:
— أي خدمة يا مدام؟ رايحة فين؟ عندك معاد؟
بصيت له ب ثقة عمري ما حسيت بيها وقلت بصوت عالي سمعه كل اللي واقفين في الريسبشن:
— قول لـ عمر رسلان، رئيس مجلس الإدارة، إن مراته كريمة كامل… حفيدة الحاج كامل الهواري، واقفة تحت ومستنياه. ولو م نزلش في خلال دقيقتين، هطلع له المكتب وسط الموظفين والشركاء بتوعه.
الموظف تنح، وبصلي ب صدمة. الاسم هز المكان. “حفيدة كامل الهواري” ده الاسم اللي مكتوب في وصية جد عمر، الاسم اللي بسببه البرج ده كله قايم. الموظف جرى على التليفون ويده ب تترعش، ومفيش نص دقيقة ولقيته ب يقولي:
— اتفضلي يا فندم… الأسانسير الخاص مستنيكي للدور الأخير.
## المواجهة الأولى
لما الأسانسير فتح في الدور الأربعين، لقيت ممر طويل مفروش ب سجاد إيراني غالي، وفي آخره مكتب ضخم مكتوب عليه “رئيس مجلس الإدارة”. وقبل ما أوصل للمكتب، لقيت الست شيرين صبري واقفة ب وشها الأصفر، ولابسة فستان ضيق ومبتسمة ابتسامة كلها غل.
— أهلاً يا مدام كريمة… نورتي الشركة. بس افتكري إن مكانك مش هنا، إنتي مكانك في الطرقة بتاعة المستشفيات الحكومية ب تدوري على تمن دواء.
وقفت قدامها، وبصيت لها من فوق لتحت ب سخرية، وطلعت التليفون من شنطتي ووريتها الرسالة بتاعتها وقلت لها ب صوت واطي ومرعب:
— العربية الـ 8 مليون جنيه دي يا شيرين… ه تتباع قريب أوي في المزاد العلني عشان تسددي ديونك. إنتي مجرد حتة سكرتيرة، وعمر اللي انتي فرحانة بيه ده… أنا اللي عملته، ومن غيري هو ولا حاجة في الشركة دي. وسعي من قدامي.
زقيتها ب إيدي ب قوة لدرجة إن كعب جزمتها التوى وكانت ه تقع. فتحت باب المكتب الضخم ودخلت.
عمر كان قاعد ورا مكتب من الخشب الأبنوس، لابس بدلة سودا فخمة جداً، أول ما شافني، ملامح الـصدمة والخوف ظهرت على وشه لأول مرة في حياته. وقف من على كرسيه وقال ب تـلعثم:
— كريمة؟! إنتي… إنتي إيه اللي جابك هنا؟ وعارفة المكان ده منين؟
قربت من المكتب ب خطوات بطيئة وثابتة، وحطيت شنطتي ب قوة على المكتب، وطلعت التقرير الطبي بتاع المستشفى الاستثماري، وحطيته قدامه.
— جيت أقولك إن اللبن الدافئ بتاع كل ليلة كان طعمه مر أوي يا عمر بيه… وجيت أقولك إن ابنك مش ه يموت، بس علاجه بـ ١٠ تلاف جنيه في الليلة، وأنا جيت أخد الشيك بتاع المصاريف من فلوس جدي اللي إنتي لسه ممضتش على ورق ورثها.
عمر وشه بقى أبيض زي الورقة، وبص للتقرير وبصلي وقال ب صوت ب تـرعش بيحاول يداريه ب العصبية:
— إنتي ب تخرفي ب إيه؟ إنتي اتجننتي؟ مين اللي قالك الكلام ده؟
ضحكت ضحكة عالية مليانة وجع وسخرية:
— دكتور حاتم… عيادته في المهندسين، الباب الموارب ب يسرب الصوت أوي يا عمر. سمعت كل كلمة. سمعت غلك، وسمعت قذارتك وإنتي ب تموت ابني ب السّم عشان تذلني وأركع تحت رجليك.
عمر حاول يقرب مني ويمسك إيدي ب حنية مزيفة تاني وقال:
— كريمة… اسمعيني بس، الموضوع مش كده، أنا كنت ب حميكي… الوصية كانت…
قاطعتة ب صرخة قوية هزت المكتب:
— م تلمسنيش! إيدك دي لو لمستني ه قطعها! إنت خلاص اتكشفت يا عمر. التمثيلية اللي قعدت ٦ سنين عايشها خلصت. الـ 7 آلاف جنيه بتوع الموظف الغلبان بح خلاص. ودلوقتي… إحنا ب نتكلم بزنس.
قعدت على الكرسي الفخم اللي قدام مكتبه، وحطيت رجل على رجل، وبصيت له ب تحدي:
— وصية جدي رسلان بتقول إنك مش ه تملك سهم واحد في المجموعة دي إلا لو كنت متجوزني، وبشرط إن الجواز يستمر، وإن لو حصل طلاق ب سببك أو لو أنا اللي طلبت الطلاق لضرر، نص أسهم المجموعة ب تتنقل ل اسمی أنا… حفيدة كامل الهواري علطول. أنا قريت ملخص الوصية من على اللاب توب بتاعك زمان وأنا فاكراه ملف شغل عادي، بس دلوقتي كل المكعبات ركبت في بعضها.
عمر بلع ريقه ب صعوبة وقعد على كرسيه، وعينه ب تلف في المكان كأنه ب يدور على مخرج:
— وعايزة إيه يا كريمة؟
— عايزة شيك بـ ٢ مليون جنيه حالا، تحت حساب علاج ابني ومصاريفي. وعايزة شيرين صبري تترمي برة الشركة دي ب الكلبوش بتهمة التزوير والاختلاس، لإني متأكدة إن واحدة زي دي مش ه تقعد في فيلا ب الملايين من مرتب سكرتيرة إلا لو كانت ب تسرق معاك من ورا مجلس الإدارة… ولو م عملتش كده…
طلعت تليفوني الصغير وفتحت تسجيل صوتي… صوت عمر وهو ب يقول ل دكتور حاتم: *”أول سنتين جواز كنت بتخليني أكتبلك على حبوب منع حمل قوية وهرمونية من غير ما هي تعرف… وأنا عارف إنها السبب في اللي هي فيه”*.
بصيت لعمر اللي كان ب يتنفس ب صعوبة وكأنه ب يموت، وقلت له:
— التسجيل ده مع التقرير الطبي ده… ه يروحوا للنائب العام بكرة الصبح ب تهمة الشروع في ق*تل جنين وتسميم زوجة و خيانة الأمانة. تفتكري مجلس الإدارة ه يسيبك رئيس مجموعة رسلان وأنت متساق في قضية شروع في ق*تل؟
في اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة، ودخل راجل عجوز ب وقار شديد، وماسك في إيده عصاية ب مقبض دهب… ده كان **المهندس عاصم رسلان**… عم عمر، والعضو المنتدب للمجموعة، واللي كان دايماً في صف الحق.
بص لعمر ب غضب أعمى وقال:
— أنا سمعت كل حاجة من ورا الباب يا ابن أخويا… ويا خسارة تربيتي فيك.
التفت ليا وبصلي ب احترام شديد وقال:
— مدام كريمة… حفيدة الغالي كامل الهواري. حقك فوق راسنا، والشركة دي نصها بتاعك من اللحظة دي ب حكم الوصية والقانون… وعمر مش بس ه يمضي على الشيك، عمر من اللحظة دي معزول من منصبه!
بصيت لعمر اللي كان ب يبصلي ب نظرة رعب، وعرفت إن الرحلة لسه ب تبدأ… وإن حقي مش هسيبه لو فيها موتي.
وصـية جـدي ج 2 حكايات مني السيد حصري
المهندس عاصم رسلان مكنش ب يهزر. صوته وهو ب يعزل عمر كان زي صوت الرعد في المكتب، لدرجة إن عمر قام وقف مكانه وهو مش مصدق، عينه كانت ب تروح وتيجي بين عمّه وبيني، وكأنه ب يحاول يستوعب إن الإمبراطورية اللي بناها ب الغش والـخداع ب تـتهد فوق دماغه في ثانية واحدة.
— عمي! إنت ب تقول إيه؟ إنت ب تصدق كلام الست دي؟ دي جاية ب تـتبلى عليا وعايزة تاخد الشغل وتلوي دراعي ب شوية ورق وتلفيق!
عمر زعق، وصوته كان مرعوب، الـقناع الهادي اللي كان ساتر قذارته اتمزع خالص.
المهندس عاصم خطى خطوتين ب عصايته الدهب، وخبط بيها على الأرض خبطة قوية رنت في المكتب كله:
— اخرس خالص يا عمر! الست دي م تـتبلاش عليك، الست دي أنا سمعت تسجيلك ب ودني، وشايف التقرير الطبي بتاع مستشفى محترم قدام عيني. إنت مش بس خنت الأمانة وخنت وصية جدك، إنت كنت ب تموت ابنك عشان غلك وحقدك! جرى في عروقك إيه يا أخي؟ إحنا عيلة رسلان عمرنا ما كنا ب الندالة دي!
التفت عاصم ليا، وملامح وشه اتغيرت تماماً، بقيت كلها أسف واحترام، وقال ب نبرة هادية:
— مدام كريمة… جدي وجدك الله يرحمهم كانوا رجالة ب صفتهم الكلمة، والوصية دي اتكتبت عشان نضمن إن دم الهواري ورسلان يفضلوا سند ل بعض. عمر خسر حقه ب إيده. الشيك اللي بـ ٢ مليون جنيه ه يمضي عليه حالا ب صفته عضو في الشركة لحد ما نخلص إجراءات نقل الأسهم ل اسمك ب القانون، والمستشفى اللي إنتي فيها، حسابها كله ه يتغطى على نفقة المجموعة من اللحظة دي.
بصيت لعمر اللي كان وشه جايب ألوان، ضحكت ب سخرية وقلت له:
— امضي يا عمر بيه… امضي الشيك ب إيدك اللي كانت ب تدسلي السّم في اللبن. امضي عشان تلحق تلم هدومك من مكتب رئيس مجلس الإدارة قبل ما الأمن يطردك.
عمر مسك القلم الدهبي، إيده كانت ب تـترعش لدرجة إن السن خبط في الشيك ومضى وهو ب يبصلي ب نظرة غل قاطعة، لو كان يطول يـقـ*تلني فيها في مكاني كان عملها. رمى الشيك على المكتب وقال ب صوت فحيح زي التعابين:
— ماشي يا كريمة… الماتش لسه مخلصش. فاكرة إنك ب الشيك ده وب عمي عاصم ه تقدري تاخدي مجموعة رسلان؟ المجموعة دي أنا اللي مشيَّها ب دماغي، الشركاء والأجانب م يعرفوش حد غيري. إنتي مجرد مدرسة غلبانة م بتفهميش في البزنس، وآخِرِك تعدّي الجنيه لآخر الشهر. بكرة ه تشوفي مين اللي ه يضحك في الآخر.
أخدت الشيك ب برود شديد، وحطيته في شنطتي مع التقرير الطبي، وقفت ورفعت راسي ب فخر:
— المدرسة الغلبانة دي يا عمر… هي اللي عاشت معاك ٦ سنين ب تـدبّر وتـوفّر عشان تـعمل من اللاشيء شيء، وبكرة ه تشوف المدرسة دي ه تعمل إيه ب فلوسها وحقها الشرعي. شكراً يا بشمهندس عاصم… أنا راجعة المستشفى عشان ابني.
## الـمطرودان
وأنا خارجة من المكتب، لقيت الطرقة مقلوبة. شيرين صبري كانت واقفة ب تلم حاجتها في كرتونة، ودموعها نازلة ب غضب وهي ب تـشتم الأمن اللي واقفين فوق دماغها ب أوامر من البشمهندس عاصم. أول ما شافتني خارجة والشيك في إيدي، عينيها طلعت شرار، سابت الكرتونة وقربت مني وهي ب تـنهج:
— إنتي فاكرة نفسك كسبتي؟ والله العظيم ما ه سيبك يا كريمة! عمر ليا أنا، والفلوس دي كلها أنا اللي تعبت فيها معاه، مش ه تيجي واحدة بيئة زيك من طنطا تاخد كل حاجة على الجاهز!
وقفت قدامها وثبّت عيني في عينها، النبرة المهزوزة اللي كانت فيا زمان اختفت تماماً:
— واحدة بيئة من طنطا؟ جدي اللي بتتريّقي عليه ده، لولا أرضه وفلوسه اللي جد عمر أخدها زمان ب عقد شراكة، مكنتش الفيلا اللي انتي قاعدة فيها دي اتـبنت أصلاً. وفري دموعك ل وكيل النيابة يا شيرين، لإن بكرة الصبح محامي الشركة ه يفتح الدفاتر القديمة اللي كنتي ب تمضي عليها مع عمر… اطلعي برة ب كرامتك اللي باقية، لو كان لسه عندك كرامة.
زقيتها ب كتفي ومشيت، سبتها ب تـصرخ ورايا زي المجنونة. نزلت البرج وأنا حاسة إن الهوا ب يدخل صدري لأول مرة من ٦ سنين. ركبت التاكسي ورجعت المستشفى علطول.
## ليلة في المستشفى… وظهور حليف جديد
أول ما وصلت أوضتي في المستشفى الاستثماري، لقيت الدكتورة ماجدة مستنياني ب ابتسامة مريحة:
— حمد الله على سلامتك يا مدام كريمة… المحاليل الجديدة بدأت تـجيب نتيجة، والـنبض بتاع الجنين ب يـتحسن ب بطء، بس إحنا لسه في مرحلة الخطر، محتاجين راحة تامة وضغطك م يعلاش خالص.
نمت على السرير وأنا ب تـنهد ب راحة، وحطيت إيدي على بطني:
— الحمد لله يا دكتورة… أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان ابني يعيش. الفلوس والمصاريف خلاص م بـقتش مشكلة.
الدكتورة خرجت وسابتني ارتاح. على الساعة ٩ ب الليل، الباب خبط ودخل شخص مكنتش متوقعة أشوفه أبداً… كانت **مها رسلان**، الأخت الصغيرة ل عمر.
مها كانت دايماً عايشة برة مصر ب تدرس في لندن، ومكنتش ب تـيجي غير في المناسبات، وكنت دايماً بشوفها بنت رقيقة وم ب تـتدخلش في مشاكل العيلة، بس عمر كان دايماً ب يقولي عنها إنها “م ب تـفهمش حاجة وعايشة في مية البطيخ”، طبعاً عشان مصلحته.
— كريمة! حبيبتي… ألف سلامة عليكي.
مها جرت عليا وحضنتني ب دموع حقيقية.
— مها؟ إنتي جيتي من السفر إمتى؟ وعارفة مكاني منين؟
سألتها وأنا مستغربة.
قعدت على الكرسي اللي جنب السرير ومسكت إيدي ب حنية:
— أونكل عاصم كلمني وحكالي كل حاجة… أنا نزلت مصر من يومين عشان كنت حاسة إن فيه حاجة غلط. عمر بقاله فترة ب يتصرف ب غباء، ولما عرفت اللي عمله معاكي وب حبوب منع الحمل… أنا بـجـد قـرفـانـة إنه أخويا! أنا مش مصدقة إن فيه بني آدم ب القذارة دي!
بصيت لها ب حذر، لسه الخوف جوايا من أي حد من عيلة رسلان:
— إنتي جاية تـدافعي عنه يا مها؟ ولا جاية تـقوليلي معلش دي مشاكل عائلية؟
— لأ طبعاً!
مها زعقت ب حدة:
— أنا جاية أقولك إني معاكي يا كريمة. جدي الله يرحمه كاتب في الوصية إن لو عمر أخل ب الشروط، أنا كمان ليا حق في الإدارة مع الوريث الشرعي اللي هو إنتي. عمر كان ب يستغل طيبتي ب إنه ب يخليني أمضي على توكيلات من غير ما أفهم عشان يسيطر على مجلس الإدارة. أنا جيت عشان نـحط إيدينا في إيد بعض ونـكسر عينه ب القانون!
كلام مها نزل عليا زي البلسم. ربنا م ب يـسيبش حد مظلوم، لما ب يـقفل باب ب يـفتح أبواب ثانية.
— طيب والعمل يا مها؟ عمر مش ه يسكت، ده قالي في المكتب إن الماتش لسه مخلصش، وهو تعبان وراه شيرين وصبري والشركاء الأجانب.
مها ابتسمت ابتسامة فيها ذكاء مكنتش بشوفه فيها زمان:
— عمر ب يـهدد ب الهوا. الشركاء الأجانب ب يـهمهم الاستقرار والأرقام، وأونكل عاصم معاه 30% من الأسهم، وأنا معايا 15%، وإنتي ب حكم القانون ليكي 35% ب الوصية… يعني عمر ب طوله ملوش وزن في مجلس الإدارة من غيرنا. بس المشكلة مش في الشركة يا كريمة… المشكلة في اللي عمر ب يـخططله برة الشركة.
— قصدك إيه؟
سألتها ب قلق ونبضات قلبي بدأت تـسرح.
— شيرين صبري مش مجرد سكرتيرة يا كريمة… شيرين دي أبوها يبقى **صبري الهواري**… ابن عم جَدك كامل! يعني هي كمان من فرع العيلة القديم، بس الفرع اللي جَدك طردهم من زمان ب سبب سرقة وأعمال غير مشروعة. شيرين وعمر مـتـفقين مع بعض من قبل ما يتجوزك، وكانوا ب يـحاولوا يلاقوا أي ثغرة في الوصية عشان يـثبتوا إن جَدك كامل مكانش بكامل قواه العقلية وهو ب يكتبها!
الدنيا لفت بيا تاني… يعني التمثيلية مكنتش من عمر بس، دي كانت مؤامرة مـطبوخة من سنين بين عمر وشيرين عشان يـقضوا على ورث جدي كامل خالص وياخدوا كل حاجة!
## السهم المرتد
يومين عدوا وأنا في المستشفى، وبدأت أسترد صحتي ب فضل ربنا والدكتورة ماجدة. مها م سابتنيش لحظة، وكانت ب تـجيب اللاب توب بتاعها وب نـقعد نـدرس أوراق الشركة والوصية ب تفصيل الممل. الشيك الـ ٢ مليون جنيه اتصرف، وحطيت الفلوس في حساب خاص ب اسمي عشان أضمن علاج ابني وأي مصاريف تانية للمحاميين.
وفي اليوم الثالث، الصبح بدري، الباب اتفتح ودخل عمر!
مكانش لابس البدلة الفخمة، ملامحه كانت مـبهدلة، عينيه حمرا من قلة النوم، دقنه طلعت، بس نظرة الـشر اللي في عينه كانت زي ما هي. دخل وقفل الباب وراه ب عنف. مها وقفت علطول ووقفت قدامه ب شجاعة:
— إنت إيه اللي جابك هنا يا عمر؟ اطلق برة وإلا هـطلب الأمن!
عمر زق مها ب إيده من غير رحمة وقال وهو ب يبصلي:
— وسعي من قدامي إنتي كمان! حسابك معايا بعدين يا ست مها يا اللي ب تخوني أخوكي عشان واحدة غريبة.
قرب من السرير، وطلع من جيبه ورقة رمـاها في شـّي:
— اَمضي على التنازل ده يا كريمة… تنازل عن كل حقوقك في مجموعة رسلان، وتنازل عن التسجيل الصوتي والتقرير الطبي… ب الـذوق كده عشان نـخلص ب المعروف.
ضحكت ب أعلى صوت عندي، ضحكة هزت الأوضة:
— إنت بـجـد مـجـنون يا عمر! إنت فاكر نفسك لسه رئيس مجلس الإدارة؟ أنا م بـمضيش على ورق تنازلات، أنا بـمضي على شيكات وبس!
عمر وشه اتشنج، وطلع تليفونه وفتحه ووراني شاشة فيديو لايف… الفيديو كان ل بيت جدي القديم في طنطا، البيت اللي عشت فيه طفولتي، وكان فيه رجالة بـبـدل سودا واقفين قدام البيت ومعاهم لـودر عملاق ب يـهد السور الخارجي!
— البيت ده يا كريمة… اللي مكتوب ب اسم جَدك كامل، شيرين جابت قرار إزالة ليه ب حكم محكمة قديم ب تهمة إن الأرض دي تابعة لأبوها صبري الهواري! لو م مـضيتيش على التنازل خلال خمس دقائق، اللودر ده ه يـهد البيت كله ب الذكريات اللي فيه، وه يـطلع ورق يـثبت إن جَدك كامل مكنش يملك الأرض دي أصلاً، وب الكود ده… الوصية كلها ه تـبقى باطلة في المحكمة!
جسمي كله اتـعش. بيت جدي… المكان الوحيد اللي ب يـفكرني ب ريحتهم، الذكريات، الصور، لبسي وأنا عيلة صغيرة… عمر ب يـهد كل ده ب منتهى الخسة والنذالة.
مها جرت شافت الفيديو وصوتت:
— إنت شيطان! إنت ب تعمل إيه في تاريخ العيلة؟
عمر بص في ساعته وقال ب برود مرعب:
— قدامك ٤ دقائق يا كريمة… إما تمضي وتنقذي ذكريات جَدك الطاهر… إما البيت يـتساوى ب الأرض والوصية تـبطل، وترجعي مدرسة بـ 5 آلاف جنيه ب المترو والجاكيت الدبلان… وم تشوفي مليم واحد من عيلة رسلان!
بصيت للورقة اللي على السرير، وبصيت للفيديو… دموعي كانت هتـنزل، بس افتكرت كلمة جدي كامل: *”يا كريمة، الكرامة والحق م ب يـتبعوش، واللي يـهد حيطة ب نـبني بدالها قصر، بس اللي يـطأطئ راسه ب يفضل طول عمره في الأرض”*.
مسكت الورقة ب إيدي… وعمر ابتسم ابتسامة النصر الملعونة، وافتكر إني هـمضي… وفجأة…
وفجأة… قطعت الورقة نصين، ونصين بقوا أربعة، ورميت الـفتافيت في وشه ب منتهى القوة والـبرود:
— أعلى ما في خيلك وخيل شيرين اركبوه يا عمر! اِهد البيت… اِهد الطوب والـحيطان، بس افتكر إنك مـ تقدرش تـهد اللي جدي زرعه جوايا. الأرض أرضنا ب ورقها الأصلي اللي تحت إيد البشمهندس عاصم، والوصية مش هـ تبطل بـ لودر ورجالة سوابق.
عمر تنّح، الـورق المتـقطع طار على وشه وبدأت ملامحه تـتحول من الـثقة لـ غضب أعمى ومجنون. مسك تليفونه وزعق في السبيكر للراجل اللي واقف في طنطا:
— هـد يا زفت! ساوي البيت ب الأرض حالا! مش عايز حيطة واحدة واقفة!
الصوت كان طالع في الأوضة بـ خبط اللودر وهو ب يـخرم في السور الـقديم… قلب كان ب يـتعصر مع كل ضربة، بس عيني مـ نزلتش من على عينه. مها جرت عليا وهي ب تـعيط وب تـحضنني:
— كريمة… يا حبيبتي أنا أسفة، أسفة إن أخويا بـ النذالة دي.
عمر لف ضهره وهو ب يـنهج زي الكلب المسعور، وبصلي ونظرة عينه كلها توعد:
— إنتي اللي اخترتي يا كريمة… إنتي اللي ضيعتي كل حاجة بـ غبائك. بكرة في المحكمة ورق شيرين هـ يـثبت إن جَدك كامل مكانش يملك شبر واحد، والوصية هـ تـبقى حبر على ورق… اِجهزي بـقى للـمَرمطة في المحاكم.
ودب برجليه في الأرض وخرج وقفل الباب وراه بـ رزع هزت الحيطة. أول ما خرج، ركبي سابت، وحسيت بـ نغزة قوية في بطني. مها صرخت وندت الدكتورة ماجدة اللي جرت عليا بـ جهاز السونار والمحاليل:
— مدام كريمة! اِهدّي بـ الله عليكي! قولتلك ضغطك مـ يعلاش… إنتي ب تـخاطري بـ الجنين!
أخدت نفسي بـ عافية، وغمضت عيني وأنا بـ قرأ في سري كل الآيات اللي حافظاها. دقيقة… اتنين… لحد ما نغزة الوجع بدأت تـخف، والدكتورة اتنهدت بـ راحة:
— الحمد لله… النبض رجع استقر، بس دي كانت آخر تحذير يا مدام. لو اتعرضتي لـ ضغط زي ده تاني، أنا مش هـ ضمن ليكي الولد.
بصيت لـ مها وقلت لها بـ صوت مبحوح بس كله إصرار:
— مها… اِتصلي بـ البشمهندس عاصم حالا… قولي له اللي حصل لـ بيت طنطا. عمر وشيرين نزلوا اللعب الـقذر لـ علني، وإحنا مـ بقاش ينفع نـقعد في المستشفى نـتفرج.
## مـفاجأة الـباشمـهندس عاصم
مـ فاتش ساعتين، ولقينا البشمهندس عاصم داخل الأوضة، ومعاه راجل تانّي لابس بدلة شيك جداً وماسك في إيده شنطة جلد سودا كبـيرة. عاصم كان وشه هادي، هدوء ب يـرعب أكتر من غضب عمر.
قرب من السرير وقال بـ نبرة حنينة:
— سلامتك يا بنتي… مها حكتلي كل حاجة. عمر غبي، غباءه عماه لـ درجة إنه نسي أنا مين في العيلة دي، ونسي إن جَدك كامل مكانش ب يـسيب حقه لـ حد.
— يا بشمهندس، البيت ب يـتهد! ذكريات جدي وأمي وأبويا الله يرحمهم ب تـضيع!
قلت له والـدموع مغرقة عيني.
الراجل اللي معاه ابتسم بـ ثقة، وفتح الشنطة وطلع منها ألبوم صور قديم جداً، وورق أصفر عليه أختام ملكية من أيام الملكية والـثورة. عاصم شاور عليه وقال:
— اِعرفك يا كريمة… ده الأستاذ **مجد الدين الشاذلي**، أكبر محامي نقض ومستشار قانوني لعيلة رسلان من ٤٠ سنة. وهو اللي كتب الوصية دي بـ إيده مع جدي وجَدك كامل.
المستشار مجد الدين خطى خطوتين وقال بـ صوت رخيم ومريح:
— مدام كريمة… الحاج كامل الهواري، الله يرحمه، كان راجل بـ ميت راجل. لما صبري الهواري (أبو شيرين) حاول يـتذاكى زمان ويـسرق ورق الأرض، جَدك كان أذكى منه بـ كتير. الأرض والبيت بتوع طنطا مش مـتسجلين بـ اسم كامل الهواري أصلاً في الشهر العقاري الـقديم… دول مـتسجلين بـ اسم **”وقف خيري”** لـ اسمك إنتي مباشرة من وإنتي عندك سنتين!
تنّحت وبصيت له مش فاهمة:
— يعني إيه وقف خيري بـ اسمي؟
المستشار مجد الدين ضحك وقال:
— يعني بـ القانون المصري… الوقف ده مـ ينفعش عليه قرار إزالة، ومـ ينفعش يـتباع أو يـتـرهن، وأي حكم محكمة شيرين جابته بـ اسم “كامل الهواري” هو حكم باطل ومـلوش أي قيمة قانونية على الأرض دي، لإن الـمُدعى عليه مـلوش صفة! واللودر اللي عمر منزله ده… ب يـهّد في ملكية “وقف عام تـحت إدارة الدولة لـ صالح قاصر” (اللي هي إنتي زمان). أنا من نص ساعة بـ الضبط، بلغت مباحث الأموال العامة ومحافظ الغربية بـ التعدي ده، وحالياً عمر والرجالة بتوعه ب يـتـقبض عليهم بـ تهمة الـتخريب الـعمدي لـ أملاك الوقف وانتحال الصفة!
جوايا حسيت بـ طاقة غريبة ب تـتولد. جدي كامل… حتى وهو ميت تـحت التراب، ب يـحميني وب يـضرب عمر وشيرين من ورا الغيب!
## السحر ب يـنقلب على الساحر
عاصم رسلان قعد على الكرسي وبص لـ مها بـ فخر:
— برافو يا مها إنك وقفتي مع كريمة. وعمر خلاص… الـلعبة الكبـيرة بتاعته هـ تـنتهي بكرة في اجتماع مجلس الإدارة الـطارئ. الشركاء الأجانب عرفوا بـ الفضيحة الطبية والتسجيل الصوتي اللي كريمة عملته، والـسهم بتاع الشركة نزل ٢٪ من الصبح بـ سبب الإشاعات. هما عايزين استقرار، والوصية ب تـقول إن كريمة هي الوريث الشرعي للـكتلة الحاكمة.
المستشار مجد الدين كمل كلامه:
— إحنا محتاجينك بكرة يا مدام كريمة… لازم تـحضري الاجتماع بـ نفسك. أنا عارف إنك تعبانة والحمل في خطر، بس حضورك بـ صفتك مالكة الـ ٣٥٪ من الأسهم بـ حكم الوصية والوقف، هو اللي هـ يـمضي على شهادة وفاة عمر رسلان المهنية بـ الكامل.
بصيت لـ الدكتورة ماجدة اللي كانت واقفة ب تـسمع بـ انبهار. الدكتورة هزت راسها وقالت:
— أنا هـ كشف عليكي بكرة الصبح بدري يا كريمة… لو النبض والضغط تمام، هـ وافق تـخرجي بـ كرسي متحرك لمدة ساعتين بـ الـظبط، وترجعي للمستشفى تاني تـكملي علاجك. بس لازم تكوني قوية.
قلت لها وعيني ب تـلمع بـ تحدي:
— هـ كون أقوى من أي وقت فات يا دكتورة… الـ ٦ سنين اللي عشتهم وأنا بـ عدّ الجنيه وبـ قسّط الجمعيات، علموني الـصبر… ودلوقتي جه وقت الـحساب.
## يوم الـحساب في الدور الأربعين
تاني يوم الصبح… برج رسلان المعماري كان مقلوب زي خـلايا النحل. الـقنوات الـإخبارية الـإقتصادية كانت ب تـتكلم عن الأزمة الإدارية في المجموعة.
الساعة ١١ بـ الـظبط… باب قاعة الاجتماعات الكبـيرة المتبطنة بـ الزجاج والـخشب الغالي اتفتح. القاعة كانت مليانة رجالة بـ بدل كاملة، شركاء مصريين وأجانب، وعلى رأس التربيزة كان قاعد البشمهندس عاصم ومها.
وفجأة… دخلت أنا.
كنت قاعدة على كرسي متحرك ب تـزقه ممرضة خاصة من المستشفى، ولابسة فستان أسود شيك جداً مها كانت جيباهولي، ورافعة راسي، وفوق كتفي جاكيت طويل ب يـداري تعب جسمي. الموظفين والشركاء كلهم وقفوا بـ احترام وانبهار. الـبنت اللي كانت ب تـركب المترو بـ جاكيت دبلان، دخلت بـ هيبة ملاك الموت اللي جاي ياخد روح عمر الإدارية.
وفي ركن القاعة… كان واقف عمر رسلان!
كان خارج بـ كفالة الصبح من النيابة في طنطا بـ سبب حوار البيت، لبسه كان مـكرمش، ودقنه باينة، وعينه كلها غل وخوف وهو ب يـشوفني بـ دخل القاعة دي. وجنبه كانت واقفة شيرين صبري، اللي ملامح وشها كانت كأنها شايفة شبح… وعينيها ب تـبص للأرض من الـكسوف والـخوف بعد ما الأمن مـ رضيوش يدخلوها المكتب وبقت واقفة على الباب بـ الصفة الـقديمة.
قعدت بـ الكرسي بتاعي في الـمكان المخصص ليا، المستشار مجد الدين وقف وفتح الملفات بتاعته وبدأ يـتكلم بـ الإنجليزي والعربي لـ كل اللي قاعدين:
— السادة أعضاء مجلس الإدارة… بناءً على وصية المؤسس الأول، المهندس رسلان المعماري، وبناءً على خرق الـسيد عمر رسلان لشروط الإدارة، وتورطه في قضايا جنائية تـخص تسميم زوجته والشروع في ق*تل جنين والتعدي على أملاك الوقف الخيري… نـعلن تنصيب السيدة كريمة كامل الهواري بـ صفة مالكة الـ ٣٥٪ من الأسهم، ورئيسة لـ مجلس الإدارة بـ التضامن مع المهندس عاصم رسلان!
الـقاعة كلها صقفت، والأجانب هزوا روسهم بـ موافقة كاملة بعد ما شافوا ورق الوقف وورق المحكمة.
عمر مـ قدرش يـمسك نفسه، جرى على التربيزة وزعق بـ جنون:
— لأ! مش هـ يـحصل! الست دي م تـفهمش حاجة! إنتوا ب تـسلموا المجموعة لـ واحدة مدرسة م تـعرفش يعني إيه صفقة عقارية! دي مؤامرة عشان تـطردوني من شقا عمري!
وقفت من على الكرسي بـ صدمة خلت كل اللي في القاعة يـكتموا أنفاسهم. سـندت بـ إيدي على التربيزة وبصيت لـ عمر بـ كل جـبروت المظلوم اللي ربنا نـصره:
— شقا عمرك يا عمر؟ ولا شقا جدي كامل اللي إنت وأبو شيرين سرقتوا أرضه زمان؟ المدرسة اللي بتتريّق عليها دي… هي اللي حفظت على بيتك وشرفك ٦ سنين وإنت ب تـديها السّم في اللبن! الصفقات العقارية اللي ب تـتكلم عنها… أنا الـقوانين بتاعتها حفظتها في يومين مع المستشار مجد الدين، لإن اللي ب تـعرف تـمشي بيت بـ ٥ آلاف جنيه في الشهر، تـعرف تـدير إمبراطورية بـ الملايين بـ صوابع إيدها الصغـيرة!
التفت للأمن اللي واقفين على الباب وقلت بـ صوت عالي هز القاعة:
— خـدوا عمر بيه… وشيرين صبري برة البرج… ومش عايزة أشوف وشهم هنا تاني. ورق النيابة هـ يـتحرك بكرة بـ تهمة الـشروع في الـقت*ل والـتزوير… اِطلعوا برة!
عمر بصلنا بـ نظرة انكسار مرعبة، وشيرين جرت وراه وهي ب تـعيط وب تـحاول تـداري وشها من الكاميرات اللي كانت واقفة تحت البرج. الأمن مسكهم من إيديهم وخرجوهم وسط نظرات الـإحتقار من كل الموظفين.
## الـفرحة الـمبتورة… والـتهديد الـأخير
رجعت المستشفى بعد ساعتين من الـإنتصار الساحق ده. نمت على السرير وأنا حاسة إن جبل وانزاح من على صدري. البشمهندس عاصم ومها كانوا قاعدين معايا ب يـباركولي، والدكتورة ماجدة طمنتني إن الجنين وضع استقر تماماً بـ سبب الراحة الـنفسية.
على الساعة ٧ بـ الليل… تليفوني اتهز على الترابيزة… رقم غريب تاني… بس المرة دي مكانش واتساب… دي كانت مكالمة تليفون.
فتحت الخط وحطيت التليفون على ودني… جالي صوت عمر، بس صوته مكنش مـكسور… صوته كان هادي… هدوء الـمـوت.
— مبروك الشركة يا مدام كريمة… فرحانة بـ الـكرسي والـملايين؟ فاكرة إنك كسبتي الماتش؟
عمر قالها وبدأ يـضحك ضحكة قوية خلت شعر جسمي كله يـقف.
— عايز إيه يا عمر؟ إنت خلاص اِتطردت وبكرة هـ تـبقى في السجن.
قلت له بـ صرامة وبـ حذر.
— السجن ده لـ الضعفا يا حبيبتي… أنا مش هـ دخل السجن، لإن ورق الـتحاليل والتقرير الطبي اللي إنتي فرحانة بيه… دكتور حاتم غيره في وزارة الصحة من الصبح بـ ورق رسمي ب يـقول إنك عندك مرض نفسي وإنتي اللي كنتي ب تاخدي الحبوب دي بـ نفسك عشان تـسقطي الجنين وتـتبلي عليا وتـاخدي الورث بـ حكم الوصية! والدكتور حاتم حالياً مسافر برة مصر بـ باسبور جديد وفلوس م تـخرش المية… يعني قض*ية الـشروع في الـقت*ل بـقت قض*ية “تلفيق اِتهام ومرض نفسي” ضدك إنتي!
قلبي سقط في رجلي… ولقيت عمر ب يـكمل بـ نبرة مرعبة:
— قدامك ٢٤ ساعة يا كريمة… إما تـتنازلي عن الـ ٣٥٪ من الأسهم لـ اسمي بـ ورق رسمي… إما بكرة الصبح المستشفى دي هـ يـدخلها قوة من المباحث تـقبض عليكي بـ تهمة الـبلاغ الكاذب وتـلفيق الـقضايا، وهـ تـولدي ابنك وإنتي لـابسة الـكلبوش في سجن الـقناطر! اِختاري بـقى… ابنك يـعيش في حضنك… ولا يـتولد في الزنزانة؟
الخط قطع… والتليفون وقع من إيدي على السرير… وبصيت لـ مها وعاصم وعيوني مـبرقة من الـرعب… الـكابوس لسه مـخلصش… وعمر رسلان ب يـلعب في الـوقت الـضايع بـ سـكينة حامية!
وصـية جـدي ج 3 والاخير حكايات مني السيد حصري
الأوضة اتقلبت في ثانية. التليفون وقع من إيدي على السرير، وجسمي كله كان بـ يترعش زي اللي جايلها حمى. النفس اللي كنت باخده بـ مرار ضاع تاني، ومسكت في بطني وأنا بـصوت من الوجع.
— كريمة! فيه إيه؟ عمر قالك إيه؟
مها جرت عليا وهي مبرقة، والبشمهندس عاصم قام وقف وهو بـ يخبط بـ عصايته في الأرض بـ قلق.
الدكتورة ماجدة كانت لسه خارجة، بس على صرختي دخلت تجري ومعاها الممرضة، وبدأت تـعلقلي مهدئ في المحلول وهي بـ تزعق:
— أنا مش قولت الضغط ميعلاش؟ البنت بـ تضيع مننا يا جماعة! برة.. كله برة الأوضة حالا!
أنا مكنتش سامعة حد. صوت عمر كان بـ يرن في ودني زي الفحيح… *”حاتم غيّر ورق وزارة الصحة… ق*ضية تلفيق ومرض نفسي… هتولدي في سجن القناطر!”* الشياطين دول م بـ يناموش؟ إزاي بـ السرعة دي قدروا يقلبوا الترابيزة ويحولوا التقرير الطبي لـ حبل مشنقة حوالين رقبتي؟
بعد نص ساعة، المهدئ بدأ يشتغل، وجسمي هدي شوية بس عقلي كان بـ يغلي. عاصم ومها دخلوا تاني ووشوشهم تخوف. بصيت لـ البشمهندس عاصم والدموع في عيني:
— عمر قفل اللعبة يا بشمهندس… دكتور حاتم باع ضميره بـ الكامل وغيّر التقارير في الوزارة، وعمر بـ يهددني بـ الحبس بكرة بـ تهمة البلاغ الكاذب والتلفيق لو مـ تنازلتش عن الأسهم.
عاصم رسلان ملامحه اتمطت بـ غضب مرعب، وعروق إيده ظهرت وهو ضاغط على المقبض الدهب بتاع عصايته:
— حاتم؟ الكلب ده طول عمره عينه فارغة وبـ يسيل لعابه قدام القرش. بس عمر غبي… فاكر إن وزارة الصحة سايبة، أو إن دفتري مـفهوش ورق يـدبحهم هما الاتنين!
المستشار مجد الدين الشاذلي دخل الأوضة في اللحظة دي، وكان وشه جاد جداً، باين إنه عرف بـ الملعوبة. قعد على الكرسي وبصلي بـ نظرة كلها ثقة:
— مدام كريمة… اِهدّي خالص ومتخافيش من كلب بـ يـعض وهو بـ يـموت. عمر في الوقت الضايع، والحركة اللي عملها مع حاتم دي هي اللي هـ تـوديهم في ستين داهية بـ القانون.
— إزاي يا سيادة المستشار؟ ده بـ يقولي بكرة الصبح المباحث هـ تـيجي تاخدني من المستشفى بـ الكلبوش!
قلت له بـ رعب حقيقي على ابني.
المستشار مجد الدين ابتسم وفتح لابتوب مها اللي كان على الترابيزة:
— عمر فاكر إن دكتور حاتم لما يسافر برة مصر بـ فلوسه يبقى هرب. هو مـ يعرفش إن دكتور حاتم تحت المراقبة من يومين بـ أمر من النيابة العامة بـ سبب بلاغ قديم بـ التزوير في تقارير طبية لحالات تانية كنت أنا بـ جهزه من فترة! حاتم مـ لحقش يسافر… اتـقبض عليه في مطار القاهرة من ساعتين بـ الضبط وهو بـ يـنهي إجراءات سفره لـ دبي، ومعاه شنطة فيها 200 ألف دولار كاش!
نص جسمي فاق من الصدمة:
— اتـقبض عليه؟!
مجد الدين هز راسه بـ انتصار:
— أيوة يا فندم… وحالياً حاتم بـ يتـحقق معاه في نيابة الأموال العامة. الراجل ده جبان، وأول ما شاف الكلبوش والـ 200 ألف دولار حرز معاه، اعترف على طول… اعترف إن عمر رسلان هو اللي أداله الفلوس دي تمن تزوير التقرير الجديد اللي كان بـ يـحاول يـحطه في السيستم عشان يـلبسك الق/ضية! يعني التقرير المزور اللي عمر كان بـ يهددك بيه، بـقى هو الدليل الإدانة الأكبر على عمر بـ تهمة الـتزوير والـرشوة وبلاغ كاذب وشروع في ق/تل!
## الـرقصة الـأخيرة لـ لـثـعـبـان
الارتياح اللي حسيت بيه مكنش له مثيل، بس جوايا كنت عارفة إن عمر وشيرين مش هـ يـسلموا بـ السهولة دي. هما زي القطط بـ سبع تـرواح، وطالما لسه برة السجن بـ كفالة، ممكن يعملوا أي مصيبة.
البشمهندس عاصم بص في ساعته وقال:
— عمر تليفونه مقفول من ساعة ما كلمك يا كريمة. شيرين صبري اختفت من بيتها في زايد من العصر، واللودر اللي كان في طنطا اِتحفظ عليه والرجالة في الحجز. عمر وشيرين حالياً مـعاهمش غير حل واحد… الـهروب بـ برة البلد بـ طريقة غير شرعية، أو إنهم يـحاولوا يـعملوا حركة انتحارية يـخسّرونا فيها كل حاجة.
مها وقفت بـ قلق:
— أونكل عاصم… تفتكر عمر ممكن يـيجي هنا المستشفى؟
عاصم رد بـ حسم:
— المستشفى هنا تـحت حراسة أمن الشركة من الصبح، ومحدش يـقدر يدخل الدور ده من غير إذن. بس إحنا لازم نـسبقهم بـ خطوة.
التفت لـ المستشار مجد الدين وقال:
— أستاذ مجد… اِطلع على النيابة حالا بـ إقرار اعتراف دكتور حاتم، وعايز أمر ضبط وإحضار لـ عمر رسلان وشيرين صبري بـ تهمة الجناية الجديدة والجواز السفر المزور لو معاهم. مش عايز الشمس تـطلع بكرة وعمر برة السجن.
## فخ في المعادي
المستشار خرج، وعاصم ومها قعدوا معايا لحد الساعة ٢ بعد نص الليل. الأوضة كانت هادية، بس الهدوء ده كان بـ يـخوف. فجأة، تليفون مها رن. بصت في الشاشة ووشها اِتخطف:
— ده.. ده بواب العمارة بتاعة شقة المعادي.. شقتك انتي وعمر يا كريمة!
فتحت السبيكر، وجاء صوت البواب بـ يوشوش وهو مرعوب:
— يا مها هانم… عمر بيه هنا في الشقة بقاله ساعة، ومعاه الست شيرين. هما بـ يـكسروا في البيت وبـ يـلموا ورق وحاجات، والست شيرين بـ تـزعق وبـ تـقول “لازم نـحرق كل حاجة قبل ما نـمشي”. أنا خايف أدخل والـبوليس مـش بـ يـرد عليا!
قلبي دق بـ جنون. الشقة دي… شقة الإيجار اللي عشنا فيها ٦ سنين. الشقة اللي كنت بـ مسحها بـ إيدي وبـ فرتك القرش عشان أفرشها حتة حتة. الشقة دي فيها “الدولاب السحري” بتاع عمر… صندوق حديد صغير كان دايماً بـ يقفله بـ قفل إلكتروني وبـ يقولي ده فيه “ورق عهدة الشركة الغلبان”. الصندوق ده أكيد فيه كل بلاويه!
مسكت إيد البشمهندس عاصم وقلت بـ صوت قاطع:
— عاصم بيه… الصندوق الحديد اللي في أوضة النوم! الصندوق ده فيه ورق صفقات عمر وشيرين المشبوهة تـحت التربيزة، وورق حسابات سويسرا اللي كان بـ يـهرب فيها فلوس الشركة طول السنين اللي فاتت! شيرين رايحة تاخد الصندوق ده أو تـحرقه عشان تـنهي الأدلة!
عاصم رسلان وقف بـ قوة وعينه بـ تـطلع شرار:
— مش هـ يـلحقوا. مها… اِفضلي مع كريمة هنا ومـ تـتحركيش. أنا هـ أخد أمن الشركة وكلمة لـ لواء في الداخلية صديقي، وهـ نـطلع على المعادي حالا.
## الـمواجهة في بيت الـعمر
عاصم خرج، وأنا قعدت في السرير بـ بكي. بـ بكي على الـ ٦ سنين اللي ضاعوا من عمري مع راجل كان بـ يـخطط لـ دماري من أول يوم دخل فيه حياتي. الـ شقة اللي شهدت تعبي، وشقايا، ومذاكرتي لـ دروس العيال في المدرسة عشان أوفر تمن كيلو لحمة لـ آخر الأسبوع… بـقت هي الـوكر اللي بـ يـتـقفل فيه فصل خيانته.
الساعة بقت ٤ الفجر. التليفون رن تاني مع مها. كان البشمهندس عاصم، بس صوته كان فيه نبرة غريبة… نبرة صدمة وخوف:
— مها… اِسمعيني كويس وخليكي قوية… ومتـقوليش لـ كريمة حاجة دلوقتي.
أنا سمعت الكلمة، خطفت التليفون من إيد مها وزعقت بـ لـهفة:
— بشمهندس عاصم! أنا سامعة كل حاجة! فيه إيه؟ عمر وشيرين جرى لهم إيه؟ الصندوق حرقوه؟
عاصم اتنهد تنهيدة طويلة وقال بـ صوت مبحوح:
— إحنا وصلنا الشقة مع الشرطة يا كريمة… وعمر وشيرين كانوا فعلاً بـ يـلموا الصندوق والـفلوس الكاش اللي كانت مستخبية في الحيطة ورا الدولاب. لما شافوا البوليس بـ يـكسر الباب… عمر اِتجنن، مسك مسدس كان معاه وحاول يـهرب من منور العمارة وهو ماسك الشنطة… شيرين حاولت تـمنعه عشان تاخد الشنطة وتـهرب هي تـسيبه… اِتخانقوا على السلم… وفجأة…
نفسي وقف:
— وفجأة إيه يا بشمهندس؟! اِنطق بـ الله عليك!
— السلم الـقديم بتاع المنور مكانش مـتـقفل كويس بـ سور حديد… هما الاتنين وقعوا من الدور الرابع لـ تـحت يا كريمة… شيرين ماتت في مكانها… وعمر حالياً بـ يـموت وفي حالة حرجة جداً بـين الحيا والموت في مستشفى القصر العيني تـحت الحراسة! والشنطة بـ الورق والصندوق الحديد تـحت إيد النيابة دلوقتي!
التليفون سقط من إيدي تاني… بس المرة دي مكنتش حاسة بـ رعب… كنت حاسة بـ “عدالة السماء”. الـظلم اللي قعد ٦ سنين بـ يـتبني في الضلمة، اِتهد في ثانية واحدة من الدور الرابع على أرض الشارع اللي شهد قهرتي. عمر وشيرين… الاتنين اللي اِتـفقوا على تسميمي وموت ابني وسرقة ورث جدي… اِتـصفوا بـ إيد بعض بـ سبب الطمع والـغل اللي في قلوبهم!
## الـفصل الـأخير بـ يـقـترب
تاني يوم الصبح… شمس القاهرة طلعت، بس كانت شمس دافية ونضيفة، كأنها بـ تـغسل شوارع المدينة من قذارة عيلة رسلان اللي ماتت.
الدكتورة ماجدة دخلت الأوضة بـ ابتسامة وسيعة ومعاها الـسونار:
— مبروك يا مدام كريمة… آثار المادة الهرمونية السمية اختفت تماماً من دمك بـ فضل المحاليل الجديدة، والـجنين وضعه بقى ممتاز، وم بـقاش فيه خطر على حياته خلاص… ابنك بـطل وعاش رغم كل اللي حصل.
حطيت إيدي على بطني، والدموع نزلت بـ فرحة حقيقية لأول مرة. ابننا عاش… هـ يـطلع للدنيا واسمه هـ يـبقى “كامل” على اسم جدي اللي حماني وحماه وهو تـحت التراب.
البشمهندس عاصم دخل الأوضة، ولأول مرة أشوفه بـ يـبتسم بـ ارتياح كامل. قعد على الكرسي وبصلي وقال:
— المستشار مجد الدين فتح الصندوق الحديد بـ أمر النيابة الصبح يا كريمة… الصندوق مكنش فيه ورق سرقة وبس… الصندوق كان فيه “عقد التنازل الأصلي” اللي عمر أجبر أبو شيرين يمضي عليه زمان بـ ملكية كل أراضي الهواري في طنطا والإسكندرية! يعني الإمبراطورية دي كلها… نصها الـحقيقي والشرعي مـطلعش بـ حكم الوصية وبس… ده بـ حكم العقود الأصلية ملكك إنتي بـ الكامل بـ اسم عيلتك!
بصيت لـ عاصم بـ دهشة:
— يعني أنا بقيت مالكة الشركة بـ الكامل يا بشمهندس؟
مها جرت عليا وحضنتني:
— أيوة يا رئيسة مجلس الإدارة… وبكرة الصبح فيه اجتماع نهائي لـ تنصيبك بـ شكل رسمي وإعلان الميزانية الجديدة اللي هـ تـتـوجه كلها لـ مشاريع خيرية بـ اسم جَدك كامل الهواري زي ما كان بـ يـتمنى.
كل حاجة بدأت تـترتب… كل الوجع، والتعب، وعدّ الجنيه لآخر الشهر، والجاكيت الدبلان والمترو… كل ده بـقى مجرد ذكريات قديمة بـ تـفكرني بـ أصلي وبـ قوتي.
بس فجأة… والـبشمهندس عاصم بـ يـقفل ملفاته عشان يـمشي، ممرض من الطوارئ دخل الأوضة بـ يـنهج وبص لـ البشمهندس عاصم وقال بـ صوت واطي:
— عاصم بيه… عمر رسلان فاق في القصر العيني… وبـ يـموت… الـدكاترة بـ تـقول قدامه ساعات مـعدودة… وهو بـ يـصرخ وبـ يـقول مش هـ يـموت إلا لما يـشوف كريمة ويـقولها على الـسر الـأخير… الـسر اللي هـ يـقلب حياتها كلها تاني!
عيني بـقت في عين عاصم… ومها شهقت بـ صدمة…
سر أخير؟ عمر لسه عنده أسرار وهو بـ يـفارق الحياة؟
بصيت لـ الدكتورة ماجدة وقلت لها بـ حسم:
— جهزيلي الكرسي الـمتحرك يا دكتورة… أنا رايحة القصر العيني… لازم أشوف الثعبان وهو بـ يـلفظ أنفاسه الـأخيرة وأعرف إيه هو السهم الـأخير اللي بـ يحاول يـصوبه لـ قلبي وهو بـ يـموت!
الطريق من المستشفى الاستثماري لـ قصر العيني كان طويل، زحمة القاهرة وصوت الكلاكسات كان بـ يخبط في دماغي، بس جوايا كان فيه هدوء غريب. الوجع اللي عشته ٦ سنين مـ بقاش واجعني، بـ قدر ما بقيت عايزة أقفل الكتاب ده بـ إيدي. كنت قاعدة في العربية الكبيرة اللي البشمهندس عاصم بعتها، ومها ماسكة إيدي وبـ تطمني، والدكتورة ماجدة باعتة معايا ممرض بـ جهاز ضغط ومحاليل طوارئ عشان تـضمن إن ابني مـ يتعرضش لـ أي خطر تاني.
لما وصلنا القصر العيني، المستشفى كانت مقلوبة. الحراسة مشددة قدام أوضة الرعاية المركزة اللي فيها عمر بـ أوامر من النيابة. الممرات ريحتها مطهرات والـدكاترة بـ يـتحركوا بـ سرعة. البشمهندس عاصم خطى بـ عصايته الدهب وفتح السكة مع ضابط المباحث اللي واقف على الباب.
— خمس دقايق بـ الظبط يا فندم… الدكتور بـ يقول الراجل بـ يـودع، والأجهزة بـ تـصفر.
الضابط قالها وهو بـ يـبصلي بـ نظرة فيها شفقة واحترام.
دخلت بـ الكرسي المتحرك… الأوضة كانت ضلمة، مـفيهاش غير النور الأزرق الشاحب بتاع أجهزة رسم القلب والتنفس الصناعي. عمر كان راقد على السرير، بس مكنش عمر رسلان رئيس مجلس الإدارة ولا عمر جوزي الموظف الغلبان… كان حتة لحمة متبهدلة، وشكله ضامر، والـجبس والـشاش مغطيين نص جسمه ورقبته بـ سبب الوقعة من الدور الرابع. وشيرين… شيرين خلاص اِتدفنت الصبح في مدافن الصدقة بـ معرفة أهلها اللي تبروا منها بعد الفضيحة.
أول ما الأجهزة صفرت بـ حركة سريعة، عمر فتح عينيه بـ عافية. عينه كانت حمرا ودبلانة، بس لما شافني داخلة بـ فستاني الأسود وراسي المرفوعة، لمحة الشر والغل القديمة ظهرت في نفوخه لآخر مرة، وحاول يـتكلم من تحت ماسك الأكسجين بـ صوت مخنوق وطالع بـ الفتيل:
— كـ… كريمة… جيتي؟ جيتي تـشوفي كسر الـعين لـ آخر مرة؟
شاورت للممرض يـبعد شوية، وقربت بـ الكرسي لحد ما بقيت على بعد شبر من سريره. بصيت له بـ برود ونظرة خالية من أي شماتة أو صعبانيات:
— جيت أشوف عدالة ربنا بـ تـتنفذ يا عمر. جيت أسمع السر الأخير اللي انت بـ تـفرفر عشان تقوله… اِنطق يا عمر، وخلص نفسك لعل وعسى ربنا يـخفف عنك اللي انت داخله.
عمر بدأ يـكح، والـمؤشر بتاع ضربات القلب بدأ يـلعب بـ جنون. طلع ضحكة مخنوقة أشبه بـ فحيح الأفاعي اللي بـ تـموت:
— ربنا؟ إنتي لسه بـ تـتكلمي عن ربنا؟ فاكرة نفسك كسبتي كل حاجة؟ فاكرة إن الإمبراطورية دي بـقت بتاعتك بـ ورق الوقف والوصية؟ إنتي… إنتي مغفلة وطول عمرك هـ تـفضلي مغفلة!
— اخلص يا عمر… مـ تـضيعش وقتك اللي باقي في الشتيمة. السر إيه؟
قلت له بـ نبرة قوية هزت السرير.
عمر غمض عينيه وفتحهم بـ عافية، والدموع نزلت من طرف عينه بـ سبب الوجع، وبدأ يـقول الكلمات اللي وقعت عليا زي الصاعقة:
— ابـنك… ابـنك اللي في بطنك… مـش ابـن الموظف الغلبان ولا هو وريث عيلة رسلان بـ الـدم… جَدك كامل مكنش راجل طيب يا كريمة… جَدك كامل كان عارف إن أبويا وأبو شيرين سرقوا أرضه… وعشان يـنتقم من عيلة رسلان كلها… اِتـفق مع جدي رسلان إنه يـجوزني ليكي غصب عني بـ الوصية دي… عشان يـكسر عيني وعين شيرين. بس الـسر الكبـير… إن جَدك كامل الله يرحمه… مكانش جَدك الـحقيقي بـ الـدم!
الدنيا لفت بيا تاني… الأوضة بدأت تـضيق، ونبضات قلبي تـسارعت:
— إنت بـ تقول إيه يا مجنون يا ابن رسلان؟! جدي كامل هو اللي رباني في طنطا! هو اللي شالني وأنا عيلة صغـيرة!
عمر ضحك بـ غل أكتر، والـجهاز بدأ يـصفر بـ نغمة مستمرة:
— كامل الهواري مـخلفش غير ولد واحد ومات وهو صغير… وإنتي… إنتي بـنت واحدة غلبانة لـ قاها في ملجأ في طنطا واِتبناكي وكتبك بـ اسمه في الدفاتر الـقديمة عشان يـحقق بيكي الـانتقام من عيلة رسلان ويـقفل الدائرة بـ اسمك! الـورق الأصلي بتاع التبني والـملجأ… كان في الصندوق الحديد اللي النيابة أخدته الصبح… بكرة لما الـورق ده يـتفتح… هيـكتشفوا إنك مـش “حفيدة كامل الهواري” بـ الـدم والـقانون… وبـ الكود ده… الوصية هـ تـبطل… والـشركاء الأجانب هـ يـطردوا المدرسة الغلبانة برة البرج… وهـ تـرجعي لـ المترو… والـجاكيت الـدبلان… مـش هـ تـورثي مليم واحد… يا… يا بـنت الملجأ!
الـجهاز صفر صفرة طويلة ومستمرة… الـمؤشر على الشاشة بـقى خط مستقيم… عمر عينه فضلت مفتوحة ومبرقة في السقف بـ نظرة الـغل الأخيرة… وروح الشيطان فارقت جسمه المتبهدل لـ الـأبد.
## صدمة الـأصل… ونور الـحق
خرجت من الأوضة وأنا مش شايفة قدامي. كلام عمر كان بـ يـلف في دماغي زي الـشاكوش بـ يـهد كل اللي بـنيته. أنا مش حفيدة كامل الهواري؟ أنا بنت ملجأ؟ السنين دي كلها، الطيبة والحنية والصعيد والأصل… كل ده كان تمثيلية وانتقام؟
مها وعاصم جرو عليا أول ما شافوا وشي الأبيض زي الـورقة. الممرض قاس ضغطي ولقاه واصل لـ السماء. الدكتورة ماجدة زعقت:
— خدوها على المستشفى الاستثماري حالا! البنت هـ تـسقط!
طول الطريق وأنا ساكتة، مـ نزلتش دمعة واحدة. الصدمة كانت أكبر من الـدموع. لما رجعت الأوضة ونيموني على السرير وعلقوا المحاليل، البشمهندس عاصم قعد جنبي وبصلي بـ نظرة كلها أبّوة:
— كريمة… يا بنتي… أنا سمعت اللي عمر قاله ليكي قبل ما يـموت… المستشار مجد الدين فحص الصندوق الحديد والـورق بـ أوامر من النيابة قبل ما نـيجي هنا بـ ساعة.
رفعت عيني لـ عاصم وأنا بـ تـرعش:
— بـ التعبير ده يا بشمهندس؟ عمر كان بـ يـقول الحقيقة؟ أنا بـنت ملجأ ومـليش حق في أي حاجة؟
عاصم رسلان مسك إيدي بـ قوة، وعينه دمعت لأول مرة:
— عمر كان بـ يقول نص الحقيقة بـ الـغل بتاعه، بس النص التاني بـ يـثبت إنك أنضف وأشرف واحدة في العيلة دي كلها. جَدك كامل فعلاً اِتبناكي وإنتي عندك سنتين بعد ما أهلك الحقيقيين ماتوا في حادثة قطار في طنطا، وكانوا ناس طيبين وعلى قد حالهم ومن فرع بعيد جداً من عيلة الهواري برضه بس مـتسجلين في الـملجأ تـحت رعاية الجمعية الشرعية. كامل الله يرحمه حبك أكتر من روحه، ولما كتب الـوقف الخيري كتبه لـ اسمك إنتي بـ الـتحديد “كريمة كامل الهواري” بـ عقد اِعتماد رسمي مـ وثق ومـش تـحت بند الـميراث الشرعي… يعني بـ القانون المصري… الوقف ده بتاعك بـ اسمك وصفتك اللي جَدك اِختارها ليكي، والوصية بتاعت جدي رسلان كانت واضحة: “لـ البنت التي تـربت في بيت كامل الهواري وتحمل اسمه بـ الأوراق الرسمية”… يعني مـفيهاش تـلاعب بـ الـدم أو الـنسب!
المستشار مجد الدين دخل الأوضة وهو مبتسم ومطلع شهادة من الشهر العقاري القديم:
— البشمهندس عاصم معاه حق يا مدام كريمة. جَدك كامل كان عارف إن الطمع هـ يـعمي عيلة رسلان، وعشان كده قفل كل الثغرات بـ القانون. إنتي مالكة الـ ٣٥٪ بـ حكم الإرادة والـوقف، ومحدش في الكون يـقدر يـهز شعرة من راسك أو يـشكك في أهليتك. إنتي رئيسة مجلس الإدارة الشرعية بـ الأوراق الموثقة من ٢٤ سنة!
## بداية جديدة… بـدون أقنعة
عدى شهر كامل على الليلة دي. شهر قضيته في المستشفى لحد ما ربنا تم شفائي على خير. الوجع راح، والـضغط استقر، والـجنين بقى بـ يـكبر في بطني بـ سلام ونور.
في الشهر ده، البشمهندس عاصم ومها كانوا معايا خطوة بـ خطوة. الشغل في مجموعة رسلان المعمارية بدأ يـتـصلح، والـسهم رفع تاني بعد ما أعلنا في مؤتمر صحفي كبير إن الشركة بـقت تـحت إدارة جديدة ونضيفة، وإن عهد عمر وشيرين والـتزوير اِتقفل بـ الكامل وبـ الأوراق القانونية.
النهاردة الصبح… كان أول يوم ليا أنزل فيه طنطا بعد كل اللي حصل. ركبت العربية الكبيرة ومعايا مها. لما وصلنا قدام بيت جدي القديم… لقيت السور اللي اللودر هده اِتـبنى تاني، بس اِتـبنى بـ شكل أحسن، بـ الطوب الأحمر والـورد والـشجر الأخضر. البيت اتـرمم وبقى بـ يـلمع تحت شمس طنطا الدافية.
وقفت قدام باب البيت، وحطيت إيدي على بطني وبصيت لـ السماء وقلت بـ صوت مسموع:
— الله يرحمك يا جدي كامل… إنت مكنتش جدي بـ الـدم، بس كنت أبويا وجدي وسندي اللي حماني وأنا عيلة صغـيرة وأنا كبيرة… وريتك ومـحبتك هـ تـفضل عايشة جوايا وفي ابني اللي جاي.
التفت لـ مها وقلت لها بـ ابتسامة وسيعة:
— البيت ده يا مها… أنا هـ أفتحه من بكرة الصبح لـ صالح “مؤسسة كامل الهواري لـ رعاية الأطفال الأيتام”… الفلوس والملايين اللي أخدتها من مجموعة رسلان، نصها هـ يـروح هنا… عشان أي عيلة صغـيرة غلبانة تـلاقي السند والأصل والحماية اللي جدي كامل اِداهالي زمان.
مها حضنتني وهي بـ تعيط من الفرحة:
— إنتي عظيمة يا كريمة… وعيلة رسلان بـ الـتعبير ده بـقت بـ تـتشرف بيكي.
## الـقصر… والـكرسي الـجديد
تاني أسبوع… الساعة ١١ الصبح… باب قاعة الاجتماعات في الدور الأربعين بـ برج رسلان المعماري اتفتح. الموظفين والشركاء الأجانب والمصريين كانوا واقفين في صفين على الممر الزجاجي بـ يـصقفوا بـ انبهار واحترام ملوش مثيل.
دخلت بـ خطوات ثابتة وقوية، مكنتش على كرسي متحرك المرة دي… كنت ماشية على رجليا بـ فستان حمل شيك باللون الكحلي ورافعة راسي فوق السماء. قعدت على الكرسي الضخم اللي في رأس التربيزة… الكرسي اللي كان قاعد عليه عمر بـ الغش والخداع.
مسكت القلم الدهبي بـ إيدي… بس المرة دي مكنتش بـ إيد بـ تـترعش من الخوف ولا بـ تـدبّر تمن كيلو لحمة لآخر الشهر… كنت بـ أمضي على أول قرار إداري لـ تـطوير العشوائيات وبناء بيوت مجانية لـ الناس الغلبانة على نفقة المجموعة.
بصيت من الشباك الزجاجي العملاق على نيل القاهرة وبصيت لـ نفسي في الـمراية اللي في المكتب… الـبنت اللي كانت بـ تـعدّ الجنيه وبـ تركب المترو بـ جاكيت دبلان، بـقت هي الإمبراطورة اللي بـ تـحرك الملايين بـ إشارت صوابعها… بس بـ قلب نضيف، وأصل ثابت م بـ يـتهزش… وبـ طفل في بطنها هـ يـطلع للدنيا رافع راسه بـ كرامة وأصل وحق مـ يعلم بيه إلا ربنا.
الحكاية خلصت… الست سنين الـضلمة اِتمسحوا من الـدفاتر… وبدأت حياة كريمة… بـ الفعل والـاسم.


تعليقات
إرسال تعليق