عندى35 سنه حكايات رومانى مكرم كاملة
عندى35 سنه حكايات رومانى مكرم كاملة
انا عندى35 سنه ولسه انسه أتقدم ليا واحد أرمل معاه ٣ اولاد وافقت بسبب كبر سنى وارضى أهلى وثواب في تربيه الأيتام ورضيت وكنت مبسوطه وجهزت نفسي على اساس الفرح بعد شهرين كسبت حب وثقة الاولاد الحمد لله هو بقى كلامه ومعاملته ليا كانت دايما بيستفزنى ويحاول يضايفنى ويقولى هو انتى اصلا كان حد هياخدك انتى كبرتى واحمدى ربنا انى انا بصتلك ويضحك ويتريق عليا وانا ساكته علشان حبيت عياله وفى يوم قالى انا مش هغير العفش وانتى تجيبى كل الاجهزه جديده مع انى انا جايبه كل حاجه مش نقصنى حاجه قولتله ازاى مش هتغير العفش هتجوز على القديم قالى انتى
كنتى طايله جديد وله قديم
فى الوقت ده رديت بقا بكل قوتى
البدايه
أنا اسمي سحر، وصلت لخمسة وتلاتين سنة وأنا بسمع كلمة “لسه ربنا مأذنشي” من القرايب والرايح والجاي. النظرات كانت بتاكل في جوفي، وكلمات الشفقة المزيفة بتدبحني كل يوم. لما أتقدم لي “سامح”، راجل أرمل وعنده تلات عيالات صغار، أهل قالوا لي: “يا بت ده لُقطة، وستر، وتكسبي ثواب في تربية الأيتام دول، وأهو قطار الجواز ميفوتكيش أكتر من كده”.
وافقت.. مش بس عشان أرضي أهلي ولا خايفة من كلام الناس، أنا وافقت عشان قلبي حن للعيال الصغيرين.
من أول يوم شفتهم فيه، شلتهم في عيني. “يوسف” الكبير و”مريم” و”سيف” الصغير، حبوني ودخلوا حــ,,ـــــضني وكأني أمهم اللي راحت. كنت بصلح هدومهم، وأعملهم الأكل اللي بيحبوه، ونضحك سوا. ضحكتهم كانت بتهون عليا أي حاجة، وجهزت نفسي في شهرين، اشتريت أحسن الصيني والأجهزة وكأن عروسة عندها عشرين سنة، والبيت عندنا كان قايد شمع، والفرح فاضل عليه شهرين بس.
بس سامح؟ سامح كان حكاية تانية خالص..
كل ما نقعد سوا، ولا نيجي نختار حاجة للجواز، يرمي الكلمة زي الدبش ويفضل يضحك ببرود يفرس النفس.
* “هو أنتِ يا سحر كان حيلتك حد يعبرك؟
أنتِ كبرتي وخدي بالك، يعني أحمدي ربنا إني بصيت ليكي ولميتك من بيت أبوق!”
أحس بنــ,,ـــــار مولعة في قلبي، أبلع الريق بالعافية، وأبص لعياله وهم ماسكــ,,ـــــين في إيدي، وأقول لنفسي: “معلش يا سحر، عشان خاطر العيال دول، الراجل طبعة قاسي بس ربنا يهديه بعد الجواز”.
كنت بسكت.. والسكوت خلاه يفكر إني حيطة مايلة مالهاش ظهر ولا كرامة.
لحد ما جه اليوم الموعود.. جالي البيت عندنا، وقعد حاطط رجل على رجل، وبيقلب في كوباية الشاي بمنتهى الاستعلاء. تبص في عينيه تلاقي الغرور راكبه من ساسه لراسه.
قال لي بمنتهى البساطة والبرود:
* “بصي بقى يا سحر..
عشان نكون على نور من أولها كده، أنا مش هغير عفش الشقة. العفش القديم زي الفل ومفيش حاجة هتترمى. وأنتِ بقى عليكِ تجيبِ كل الأجهزة الكهربائية جديدة من أول وجديد، التلاجة والغسالة والتاكييفات كله على حسابك.”
تنحت وحسيت إن الكلام نازل عليا زي المية السخنة. ردت عليه بهدوء محبوس:
* “ازاي يعني يا سامح؟ الشقة عفشها قديم ومتهالك ومطرح المرحومة.. وأنا جايبة جهازي كله وزي الفل وممش نقصني قشة، إنما العفش ده شغلك أنت ومسؤوليتك، هاتجوز أنا على القديم المكسر ده؟!”
ضحك بصوت عالٍ ومستفز، ضحكة رنانة هزت الأوضة، واتعدل في قعدته وبص لي بنظرة احتقار وقلة قيمة وقال:
* “قديم إيه وجديد إيه يا عين أمك؟ هو أنتِ اصلاً كنتِ طايلة جديد ولا قديم؟! أنتِ تصدقي نفسك وتغسلي إيدك وش وضهر إنك لاقيتِ راجل يدخلك بيته في السن ده!”
في اللحظة دي.. الزمان وقف!
الدم غلى في عروقي، والنــ,,ـــــار اللي كانت مطفية جوايا بقالها سنين ولعت وشرزت. كرامتي اللي داست عليها الأيام قامت نفضت التراب عن نفسها وقفت بملء طولها. بصيت له ولقيت صورة الراجل المكسور الأرمل اختفت، وظهر قدامي واحد بياع كلام وجاي يستغل طيبتي وقلة حيلتي.
#الكاتب_رومانى_مكرم_
وقفت من مكاني، والكرسي اتهز ورايا، وعينيا كانت بتطلع شرار، وصرخت في وشه بصوت هز جدران الصالة:
* “جرى إيه يا عينيا؟! أنت افتكرت السكوت خوف ولا قلة حيلة؟! أنا كنت ساكتة وببلع لك الزلط عشان خاطر العيال الأيتام دول ولأني بنت أصول! لكن لحد كرامتي وتقف عندك وما تسواش بصلة! أنت فاكر نفسك مين؟! شايف نفسك سي السيد وأنت اصلاً جايبني عشان أكون خدامة ببلاش لعيالك وتوفر ثمن شغالة؟! فوق لنفسك يا بابا.. أنا يسوى رقبتك ألف راجل، وإذا كنت فاكر إن سنين عمري مكسراني، فأنا كرامتي بالدنيا وما فيها.. وأنت بقا..
أنت بكبرك بشرك بعفشك القديم ده.. مش تلزمني!” انصدم سامح من وقفتي ونبرة صوتي اللي هزت البيت. الضحكة المستفزة اتجمدت على وشّه، وعينيه وسعت بذهول كأنه مش مصدق إن “سحر” الهدية المطاطأة رأسها هي اللي واقفة قدامه بتصرخ في وشّه وبترد له الصاع صاعين.
أمي خرجت تجري من المطبخ على صوتي العالي، وأبويا دخل الصالة وهو ماسك عصايته ومخضوض: “في إيه يا سحر؟ صوتك طالع للشارع ليه يا بنت؟!”
سامح اتدارك صدمته بسرعة، وتحولت نظرة الاستعلاء لنبرة غل وحقد، وقف وهو بيعدل جاكيت بدلتها وقال لأبويا وهو بيشاور عليا بصباعه بثقة ومكر: “تعال شوف بنتك يا حاج!
تعال شوف العانس اللي فتحت لها بيتي وجاي أستر عليها، بتتطاول عليا إزاي وبترفع صوتها في وشي عشان حتة خشبة! بدل ما تبوس إيدك وش وضهر إن جيلها راجل يلمها!”
أبويا بص لي بغضب وقال: “جرى إيه يا سحر؟ اخص عليكي يا بنت، الراجل ضيفنا وفي بيتنا، اتأسفي لخطيبك حالاً!”
في اللحظة دي، حسيت بسكــ,,ـــــينة غريبة نزلت عليا. الوجع اللي كان في قلبي تحول لحديد. بصيت لأبويا بدموع حبساه بالعافية، وبعدين لفيت لسامح وقلت بصوت ثابت زلزل القعدة: “أتأسف لمين يا بابا؟ للراجل اللي جاي يشترينا بالرخيص؟
للراجل اللي بيمشي في الحارة يقول إنه عاطف عليا وستر عليا، وهو أصلًا يدور على خدامة ببلاد الفلوس تجيب جهازها من جيبها وتخدم عياله وتغسل رجليه وتستحمل إهانته؟”
سامح وشه جاب ألوان وشاط غضب: “أنا ماشي يا حاج، وبنتك دي مش تلزمني، دي وحدة جاحدة ومش وش نعمة، وبكرة تلف حولين نفسك وتترجاني عشان أرجع ألمها ومش هتلاقي اللي يرضى بيها!”
مسكت الشنطة بتاعته اللي كانت على الترابيزة، ورميتها تحت رجليه عند الباب وقلت له: “الباب يفوت جمل يا سامح..
وعفشك القديم وأوهامك إنك سي السيد خليهم ينفعوك، ووريني مين اللي هتستحمل جفاك وتيجي تخدم عيالك وتدفع من جيبها كمان!”
خرج سامح وهو بيبرطم وبيخبط الباب وراه بقوة هزت الشقة كلها. أمي قعدت تلطم على خدودها: “يا لهوي يا سحر! عملتي إيه يا خايبة؟ حطمتي جليتك بإيدك! الناس هتقول إيه؟ طفشت الراجل بعد ما اتفقنا وكل حاجة جهزت؟ الفرح فاضل عليه شهرين!”
وأبويا قعد على الكرسي وهو بيتنفس بصعوبة وزعلان مني جداً: “ضيعتي فرصة عمرك يا سحر، مين هيجيلك تاني في السن ده؟”
قعدت تحت رجلين أبويا، ومسكت إيده وقلت له بنبرة مليانة عزيمات:
“يا بابا، جوازة تكسر كرامتي وتهين أهلي وتخليني خدامة متهانة مش عاوزاها. ربنا خلقني مكرمة، والـ35 سنة دول مش عار، العار هو إني أعيش مع راجل يفكّر إنه بيستر عليا وهو بيذلني كل يوم.”
عدت أيام صعاب جداً. الشقة اللي كانت مليانة حس وفرحة بقت كئيبة. الأجهزة اللي اشتريتها بدم قلبي وفلوس شغلي كانت ملفوفة ومتركومة في الأوضة تذكرني كل لحظة باللي حصل. كلام الناس والقرايب بدأ يشتغل زي السوس: “سحر طفشت الراجل عشان كبرت وعقلها ضــ,,ـــــرب”، “سحر استكبرت على العفش وسابت الأيتام”. كل كلمة كانت بتمر عليا كنت ببلعها وأسكت، بس جوايا كان في جرح تاني خالص خالص..
عيال سامح!
يوسف ومريم وسيف.. الأطفال دول كانوا دخلوا قلبي بجد. كنت بفكر فيهم كل ليلة، يا ترى مين بيلبسهم؟ مين بيعملهم الأكل؟ مين بياخدهم في حــ,,ـــــضنه لما يخافوا بالليل؟ سامح كان بيسيبهم بالساعات عشان شغله وكان يعتمد عليا حتى قبل الجواز أراعي طلباتهم.
بعد أسبوعين من قطع الجوازة، وفي يوم كنت راجعة فيه من شغلي في الحضانة، لقيت مريم الصغيرة -عندها 6 سنين- قاعدة على السلم جنب باب عمارتنا، هدومها مش نظيفة، وعينيها حمرة من العياط.
أول ما شافتني، قامت جرت عليا واترمت في حــ,,ـــــضني وهي بتصرخ وتعيش في بكاء هستيري: “ماما سحر! تعالي معايا والنبي..
بابي زعلان وطول الوقت بيزعق لنا، ويوسف مش راضي يأكل وسيف عيان ومفيش حد معانا في البيت!”
قلبي اتخلع من مكانه. شلتها في حــ,,ـــــضني ونزلت لمستواها، وجبت لها عصير وتهديتها، وعرفت منها إن سامح جاب شغالة في البيت تتولى أمورهم، بس الشغالة كانت بتعاملهم بقسوة وبتسيبهم لوحدهم وتخرج، وسامح مش فاضي لهم وطول الوقت متعصب ويدور على حد يشيل عنه الهم ده. ومريم هربت وجت لي المشوار ده كله لوحدها عشان عارفة طريق بيتي!
خدت مريم في إيدي وركبت معاه تاكسي ورجعتها لبيت سامح.
أول ما فتحت الباب، لقيت الشقة مقلوبة رأسًا على عقب، ريحة الأكل المحروق طالعة، ويوسف قاعد في الزاوية بيعيط، وسيف الصغير حرارته مرتفعة وجسمه بيلعلع نــ,,ـــــار.
سامح خرج من أوضته بقميص مبهدل ووشه متكدر، أول ما شافني مع مريم، عينيه وسعت، وبدل ما يشكرني إن رجعت بنته اللي كانت ضايعة، اترسمت على وشّه ابتسامة غرور وسخرية جديدة!
اتعدل في وقفته وقفل إيديه وقال ببرود يفرس: “أهلاً أهلاً.. أهو البوم يجيب بعضه! أدي أنتِ جاية زاحفة على بطنك أهو يا سحر، مش قادرة تستغني عن العيال ولا قادرة تعيشي من غير ما تصدقي إن في بيت هيدخلك!
جاية تحنسي وتجيبي البت حجة عشان ترجعيلي؟”
بصيت له بمنتهى القرف، وبصيت للأطفال اللي كانوا ماسكــ,,ـــــين في طاقيتي ومستخبيين ورايا من أبوهم.
قربت منه خطوتين بكل ثبات، وقلت له بصوت واطي بس يرعب: “أنا جيت هنا عشان مريم جاتلي دموعها مغرقة وشها، وجيت عشان سيف اللي بيمــ,,ـــــوت من السخونية وأنت قاعد زيك زي القتيل مش حاسس بعيالك! أنا جيت عشان النخوة والرحمة اللي أنت ما تعرفش عنهم حاجة، مش عشانك يا سامح.. أنت بالذات لو آخر راجل في الكون، أنا ما أشرفنيش حتى أمسح جزمتك!”
سامح اتصدم وتراجع خطوة لورا ووشه احمر من الكسفة: “أنتِ..
أنتِ بتكلميني كده في بيتي؟!”
رديت عليه بكل قوة وأنا بمسك إيد سيف وأقيس حرارته: “بيتك اللي ملوه القسوة والخراب؟ عيالك دول أمانة ربنا هيحاسبك عليها، وأنت كل اللي فارق معاك كبرياءك الفارغ! العيال دول يلزموني وبحبهم، بس أنت؟ أنت ولا حاجة! ودلوقتي هطلب الدكتورة لسيف، وهدفع كشفها من جيبي، مش عشانك.. عشان ربنا، وبعدها مش هتشوف وشي تاني أبدًا، ووريني بقى كبرياءك هيعمل إيه مع عيالك الأيتام دول لما تلاقيهم ضاعوا منك!”
عندى35 سنه حكايات رومانى مكرم 2
خرجت من بيت سامح في الليلة دي وأنا دموعي نازلة بس مش ضعف.. كانت دموع حسرة على الأطفال الأيتام اللي سيبتهم ورايا في جهنم. سيف الصغير كان كافف إيده الصغيرة على صابعي وهو عيان ومغيب في السخونية، ومريم ووالدها يوسف باصين لي من ورا الباب بنظرات ترجي قطعت قلبي. بس سامح؟ سامح كان واقف وراهم زي الشبح، كبرياؤه الفارغ وغروره مانعينه حتى يبتسم أو يقول كلمة عدلة، كان فاكر إن دموع الأطفال دي هي الكارت اللي هيخليني أركع تحت رجليه وأقبل بالاهانة والعفش المكسر والأجهزة اللي هجيبها من شغاي.
رجعت بيتنا، وأول ما فتحت الباب لقيت أمي وأبويا قاعدين مستنيين.
أمي بصت لي بنظرة لوم وعتاب: “كنتِ فين يا سحر؟ الناس شافوكي ونازلة رايحة ناحية بيت سامح، أهو القرايب مش سايبيننا في حالنا، وبيقولوا سحر راحت تترجاه يرجعها!”
وقفت في نص الصالة، ونفضت غبار الحزن عني، وبصيت لأمي وأبويا وقلت بنبرة قاطعة هزت البيت: “اللي عاوز يقول يقول يا أمي! أنا كرامتي مش للبيع، وأنا اتقيت ربنا في عيال أيتام ورجعت البت لأبوها المهمل وعالجت الواد الصغير وعطيت الدكتور حقه وخرجت بكرامتي مرفوعة. ومن النهاردة، مش عاوزة أسمع كلمة واحدة عن جوازة سامح، ولا عن قطار الجواز اللي فاتني، ولا عن كلام الناس اللي لا بيقدم ولا بيأخر!”
أبويا بص لي طويلًا، وشاف في عينيا نبرة قوة عمره ما شافها قبل كده. تنهد وقال: “ربنا يهديكي يا سحر، بس العفش والجهاز اللي ملا الأوضة ده هنعمل فيه إيه؟ الفلوس اللي تحوشت في شغلك طارت على حاجة مش هتنفعنا.”
رديت بثقة: “الجهاز مش هيخسر يا بابا. الأجهزة الكهربية صاغ سليم وموجودة، وال صيني اللي اشتريته بفلوسي مش هيترمى. أنا اشتغلت وشقيت وعملت قيمة لنفسي، ومحدش له عندي مليم.”
من اليوم ده، قررت أبدأ صفحة جديدة تمامًا. نفضت عن نفسي غبار الحسرة، وقررت أركز في شغلي في الحضانة الخاصة اللي بشتغل فيها.
كانت الحضانة بالنسبة لي مش مجرد أكل عيش، كانت المتنفس اللي بفرغ فيه حنيتي وأمومتي اللي حرمتني منها الأيام. بدأت أطور من نفسي، أخدت كورس في تربية الأطفال والتعامل مع صعوبات التعلم، والمديرة لما شافت شطارتي وعزيمتي، ترقتني وبقيت المسؤولة عن إدارة الفرع كله، ومرتبي زاد ضعف.
كان كلام الناس في المنطقة لسه بيزن زي الذباب: “سحر كبرت خلاص”، “سحر رفضت الستر عشان العفش”، “مين هيطل في وشها بعد الـ35؟”. بس كل ما كانت كلمة تجيلي من تحت لتحت، كنت ببتسم وابتلعهما بكل برود، وأقول لنفسي: “الذهب ما بيصديش، والكرامة ما تتقدرش بفلوس.”
مرت شهرين..
شهرين وأنا مبغفلش عن الأطفال. كنت بسأل عليهم من بعيد لبعيد عن طريق جارتهم الطيبة “أم أحمد”. أم أحمد كانت بتجيلي الحضانة وتقولي الأخبار: “يا سحر يا بنتي، الشقة عندهم بقت زي المزبلة، سامح كل يوم يجيب شغالة ويهربوا منه بسبب معاملته وبخله، والعيال بهدلة، يوسف بقى يتأخر عن المدرسة، ومريم أكلها قليل ونحفت، وسيف الصغير طول الوقت بيصرخ ويقول عاوز ماما سحر.”
كان قلبي بيتعصر دم، بس كنت عارفة إن أي خطوة مني ناحيتهم سامح هيفسرها إنها ضعف مني وحيلة عشان أرجع له، وأنا حنفيات الكرامة عندي مقفولة بالضبة والمفتاح.
وفي يوم من أيام الشتا الشديدة، كانت الدنيا تمطر مطر يغرق الشوارع والجو ثلج. كنت في الحضانة بخلص الأوراق والأرقام بعد ما الأطفال مشوا، وسمعت خبط قسوي ومتواصل على باب الحضانة الخارجي.
قمت مخضوضة، فتحت الباب.. اتفاجئت بسامح!
بس ما كانش سامح بتاع زمان.. الراجل اللي كان بيجي يتشرط ويحط رجل على رجل بيقلب الشاي باستعلاء ويضحك ببرود، كان واقف قدامي مبهدل، هدومه مبلولة من المطر، وشه أصفر وشاحب، وعينيه مكسورة ومطفية. وعلى إيديه شايل سيف الصغير الملفوف في بطانية، ووراه يوسف ومريم ينفضوا من البرد والدموع مغرقة وشوشهم.
وقفت عند الباب، وبصيت له برود وقلت:
“خير يا أستاذ سامح؟ إيه اللي جابك هنا في الوقت ده وفي الجو ده؟ الحضانة قفلت خلاص.”
سامح بص لي بنظرة عمري ما شفتها فيه.. نظرة انكسار ورجاء. شفايفه كانت بترتعش وهو بيحاول يتكلم، والغضب والغرور اللي كانوا مالين كيانه طاروا في الهواء.
قال بنبرة متقطعة ومبحوحة: “سحر.. الحقيني يا سحر! سيف حرارته ارتفعت تاني ورجع يقطع النفس، الشغالة سابت البيت ومشت من الصبح، وأنا مش عارف أتصرف، والعيال بقالهم يومين ما ذاقوش اللقمة العدلة.. أنا أسف يا سحر.. أسف!”
الكلمة طلعت منه زي الجمرة المكتومة.. “أسف!”. الراجل اللي قال لي “أنتِ كنتِ طايلة جديد ولا قديم؟”
و”أحمدي ربنا إني بصيت لك ولميتك”، واقف النهاردة قدامي في الشارع تحت المطر بيترجاني وبيعترف بقلة حيلته!
بصيت للأطفال، يوسف جرى عليا ومسك في جيب بالتيي وهو بيعيط: “ماما سحر.. تعالي معانا، البيت وحش أوي من غيرك، بابي طول الوقت يعيط ويقول أنا بوظت كل حاجة!”
شلت سيف من إيده فورًا، ودخلتهم جوة الحضانة الدافية. جوبت فوط ناشفة، وغطيت الأطفال، وشغلت الدفاية، وعملت لسيف كمادات دافية واديته نقط الحرارة اللي كانت عندي في الصيدلية الصغيرة بتاعة الحضانة. وسامح؟
كان واقف في الزاوية زي التلميذ الخايب اللي مستني العقاب، مش قادر يحط عينيه في عينيا.بعد ما سيف هدي وحرارته نزلت ونام في حــ,,ـــــضني، ومريم ويوسف أكلوا الساندوتشات اللي كانت معايا وتشربوا لبن دافي وناموا على الكنبة، لفيت لسامح.
قعدت على الكرسي وبصيت له بكل قوة وشموخ وقلت له: “أدي العيال هديوا وناموا يا سامح. تقدر تاخدهم وتروح، والأزمة عدت.”
سامح قرب مني، ووقع على الكرسي اللي قدامي، وحط وشه بين إيديه وبدأ يعيط بدموع حقيقية.. دموع راجل عرف قيمة النعمة بعد ما ضاعت من إيده.
رفع وشه وقال بصوت مكسور: “أنا كنت غبي يا سحر..
كنت فاكر إن الفلوس والعفش والرجولة بالصوت العالي والتحكم.
كنت فاكر إنك عشان وصلتي لـ35 سنة تبقي مكسورة وجاية لي حافية، ما عرفتش إنك جوهرة وأصيلة وبنت بنوت كرامتك بالدنيا. الشقة من غيرك خرابة، والعيال بيمــ,,ـــــوتوا كل يوم في بعدك، وأنا.. أنا اكتشفت إني ولا حاجة من غيرك يا سحر. أنا بطلب إيدك تاني.. ومش شرط أجهزة، أنا هبيع عفشي القديم كله، وهجيب لك جديد من الإبرة للصاروخ، وهكتب الشقة باسمك لو عاوزة، بس ارجعي لي وللأطفال دول!”
ساد الصمت في الاوضة.. صمت ثقيل كان صوت المطر برة هو الوحيد اللي بيقطعه.
بصيت لسامح طويلًا.. شفت الراجل اللي أهانني واستهان بيا، وشفته وهو مكسور تحت رجلي بيترجى المنسية.
حسيت بانتصار كرامتي اللي اتداس عليها، وعرفت إن الحق رجع لي والاعتبار اترد لي قدام نفسي وقدام الدنيا كلها.
بس السؤال اللي كان بيلف في دماغي وقتها: هل الأسف والانكسار ده كفاية؟ هل الراجل اللي طبعة القسوة والغرور بيتغير بجد في لحظة ضعف، ولا دي مجرد زوبعة عشان محتاج خدامة لعياله ولما الشدة تزول يرجع لطبعه القديم؟ والعيال دول.. العيال اللي بقوا قطعة من قلبي، هل هضحك بعمري وكرامتي تاني عشان خاطرهم، ولا خلاص الصفحة دي انطوت بلا رجعة؟
وقفت من مكاني، وبصيت له بنظرة حادة وباردة، وقلت له الكلمة اللي هزت كيانه…
وقفت من مكاني، وبصيت له بنظرة حادة وباردة، وقلت له الكلمة اللي هزت كيانه: “الكلام ده متأخر أوي يا سامح.. متأخر بعد ما جرحتني في كرامتي وشرفي، وبعد ما افتكرت إن السن عيب والستر تفضل منك. مش سحر اللي ترجع عشان كلمة أسف قيلت في لحظة زنقة!”
سامح اتنفض من مكانه وكأنه انضــ,,ـــــرب بسوط، وبص لي بذهول ورجاء: “يا سحر عشان خاطر الأطفال.. الأطفال دول ملهمش ذنب، أنتِ شفتِ مريم كانت عاملا إزاي وسيف اللي بين يديكي!
أنا مستعد أعمل أي حاجة تطلبيها، أكتب لك مؤخر، أغير العفش، أعتذر لأبوكي وأمك قدام العيلة كلها ويمسحوا بيا الأرض، بس ما تتخليش عنا!”
بصيت للأطفال وهم نايمين في دفء الحضانة، ودمعة سخنة نزلت من عيني رغماً عني. الأطفال فعلاً ملهمش ذنب، بس أنا كمان ماليش ذنب أعيش طول عمري خايفة إن القسوة والغرور يرجعوا يطفوا على الوش تاني أول ما الشدة تزول والمريض يشفى.
قلت له بصوت هادي بس أثقل من الجبال: “العيال دول في عينيا يا سامح، وسيف مش هيمشي من هنا غير لما حرارته تنزل تماماً ويبقى زي الفل. لكن أنا وأنت؟ الموضوع ده مقفول.
أنت جيتلي وأنا شارياك وبحب عيالك، فعملت فيها سي السيد واستقويت عليا بقلة حيلتي وسني. ودلوقتي جيتلي وأنت مكسور ومحتاج، عاوزني أرجع عشان تحل مشكلتك مش عشان عرفت قيمتي بجد.”
سامح حط وشه بين إيديه وقعد على الكرسي ينهد بكسرة: “والله العظيم عرفت قيمتك يا سحر! أنا من يوم ما خرجتي من البيت والشقة أظلــ,,ـــــمت. كنت بقعد بالليل أفتكر كلامي المستفز وضحكتي الغبية وأقول لنفسي أنا إزاي كنت بالأذى ده؟ أنا كنت فاكر إن الجواز مساومة ومكسب وخسارة، بس لما شفتك بتراعي سيف ودموعك نازلة عليه، عرفت إنك النعمة اللي ربنا بعتهالي وأنا بجهلي رفستها برجلي.”
فضلنا قاعدين للصبح..
هو قاعد في زاوية الأوضة مكسور، وأنا حاطة سيف في حــ,,ـــــضني وبتابع حرارته وشربته دواء كل بضع ساعات. مريم ويوسف صحوا على الفجر، وأول ما مريم فتحت عينيها وشافتني، ابتسمت وربطت إيديها حوالين رقبتي: “ماما سحر.. أنتِ جاية تعيشي معانا خلاص؟ الشقة وحشة أوي وبابي مش بيعرف يعملنا فطور حلو زيك.”
بست رأسها وقلت لها: “يا حبيبتي أنا معاكم وفي ظهركم دايماً، ومفيش حاجة تقدر تبعدني عنكم.”
لما الشمس طلعت والدنيا نورت، سيف فتح عينيه ورجعت له ضحكته الصغيرة. سامح قام وقف، وشكل وشّه كان متغير، التعب والانكسار باينين عليه، بس كان فيه حاجة جديدة في عينيه..
تقبل للمسؤولية ونظرة احترام حقيقية ليا.
قال بصوت خافت: “أنا متشكر يا سحر.. متشكر إنك أنقذتي ابني ومنعتي البيت إنه ينهار أكتر من كده. أنا هاخد العيال وأمشي، ومش هضغط عليكِ تاني، بس وحياة العيال دول عندك، فكري تاني.. أنا مش طالب منك سامحيني النهاردة، أنا طالب منك تديني فرصة أثبت لك إن سامح الجديد غير الراجل اللي أهانك.”
خد الأطفال ومشي، ويوسف ومريم كانوا بيبصوا لي من ورا الدفة وينادوا عليا. رجعت بيتنا وأنا جسمي مهدود من السهر، بس عقلي شغال مش بيبطل تفكير.
أول ما دخلت، أمي استقبلتني وهي بتسأل بلهفة:
“كنتِ فين يا سحر طول الليل؟ الحضانة كان فيها إيه؟”
حكيت لأمي وأبويا كل اللي حصل بالحرف، من أول ما سامح جه الحضانة مبلول ومكسور وبيترجى، لحد ما خرج ودموعه على خده.
أبويا قعد يسمعني وهو ساكت، وبعد ما خلصت، حط إيده على ركبتي وقال بصوت حنون: “تربيتي يا سحر.. عفيفة وكريمة ومبتبعيش كرامتك بقرشين ولا بكلمة حلوة. بس يا بنتي، الراجل لما ينكسر قدام مراته أو خطيبته بالشكل ده ويقر بغلطه قدام أطفال، يبنى عليه. الراجل لما يعرف إن الله حق ويجي لحد عندك يستسمحك، يبقى شاف قيمتك بجد.”
أمي كملت كلام أبويا وقالت:
“يا سحر يا بنتي، العيال دول يحبوكِ كأنك أمهم، والراجل عرف إن الله حق وذاق طعم البيوت من غير ست أصيلة. أنتِ أثبتِ نفسك وفرضتِ احترامك على الكل، والناس اللي كانت بتتكلم بقت بالبلدي بتاكل وشها من الخجل لما عرفوا إن سامح هو اللي جالك يترجاكي.”
الأيام اللي بعد كده كانت مفاجأة متواصلة. سامح بدأ يغير كل حاجة فعلياً مش مجرد كلام.
أول حاجة عملها، جه لحد بيتنا ومعاه أخته الكبيرة وراجل من كبارات العيلة. قعدوا مع أبويا، وسامح وقف قدام أبويا وأمي وقال بنبرة مكسورة قدام الكل: “أنا جاي أعتذر لكم عن كل كلمة طلعت مني.
أنا غلطت في حق سحر، وغلطت في حقكم، وافتكرت إن القرش والعفش بيبنوا بيوت، ونسيت إن أصل البنت وكرامتها هما الساس. أنا قدامكم أهو، مستعد لأي شرط تطلبوه، وسحر لو عاوزة تكتب الشقة باسمها أو نشتري عفش جديد بالكامل على حسابي من غير ما تحط مليم واحد، أنا موافق وممنون.”
أبويا بص لي عشان يشوف رأيي، لكن أنا فضلت ساكتة. كنت عاوزة أشوف الأفعال مش مجرد الاعتذارات الفخمة قدام الناس.
مرت أسابيع، وسامح بدأ يشتغل على الشقة. جاب عمال، وهد العفش القديم كله، ورمى كل حاجة تذكر بالشقة القديمة.
بدأ يدهن الشقة من جديد بألوان هادية، وطلب من أخته تاخدني أنا ومريم ويوسف نختار العفش والألوان اللي تعجبني على ذوقي الكامل، ومن غير ما يتدخل في جنيه واحد أو يتشرط!
في نفس الوقت، كان بيجي الحضانة كل يوم بعد الشغل، يقف برة يستنى العيال، ويسلم عليا من بعيد لبعيد بمنتهى الأدب والاحترام، كأنه غريب بيطلب الرضا. كان يبعث لي مع مريم كل يوم وردة صغيرة ورسالة بخط إيده، يكتب فيها: “أنا بتعلم كل يوم إزاي أكون راجل يستاهلك يا سحر.”
الأطفال بقوا ييجوا الحضانة نظاف، فرحانين، يوسف درجاته في المدرسة اتحسنت أوي، ومريم بقت تضحك من قلبها وتقول لي: “بابا بقى بيضحك معانا يا ماما سحر، وبقى يقولنا إنك أنتِ البركة اللي ربنا بعتهالنا.”
قلبي بدأ يلين، الجدار الثلجي اللي بنيته حوالين كرامتي بدأ يدوب قدام أفعاله الصادقة وتغيره الحقيقي. حسيت إن الله عز وجل رد لي اعتباري وزيادة، وإن الـ35 سنة دول ما كانوش تأخير ولا سوء حظ، كان كرم من ربنا عشان أرفع رأسي وآخد راجل عرف قيمتي بعد ما كان فاكر إنه بيمن عليا!
وفي يوم، سامح جالي الحضانة لوحده في ساعة البريك.
وقف قدامي وهو ماسك علبة صغيرة فيها خاتم بسيط ورقيق جداً، وقال لي بنبرة خالية تماماً من الغرور القديم:
“سحر.. الشقة جهزت بالعفش الجديد اللي اخترتيه، والأجهزة بتاعتك اللي اشتريتيها بفلوسك هي اللي هتتنقل وهتكون معززة مكرمة في بيتك. وأنا اتعلمت الدرس اللي مش هنساه طول عمري. أنتِ مش بس سترتي عيالي، أنتِ أحييتِ نفي من جديد وعلمتيني معنى الرجولة الحقيقية. هل تقبلي تبدأي معايا صفحة جديدة، ونكتب الكتاب بعد أسبوع؟”
بصيت في عينيه، شفت الصدق والانكسار والاحترام اللي حلمت بيه كل ست. بصيت للشارع وشفت يوسف ومريم مستنيين برة ومسكــ,,ـــــين في بعض وبيطلعوا فيا بعيون مليانة أمل.
تنهدت من أعماق قلبي، وحسيت إن المرار اللي ذقته طول السنين اللي فاتت اتحول لحلاوة…
عندى 35 سنه حكايات رومانى مكرم 3
تنهدت من أعماق قلبي، والدمعة اللي حبستها سنين طويلة نزلت على خدي، بس المرة دي ما كانتش دمعة قهر ولا وجع.. كانت دمعة ارتياح واسترداد حق. بصيت لسامح وقلت له بصوت هادي وواثق: “أنا موافقة يا سامح.. موافقة نبدأ صفحة جديدة، بس خذ بالك، الصفحة دي مكتوبة بشرط واحد ملوش تاني: الكرامة والاهتمام قبل الأكل والشرب والعفش. يوم ما تفكر ترجع لطباعك القديمة، مش هتلاقيني قدامك ولا حتى هتشوف طيفي.”
سامح وشه أشرق، وعينيه أدمعت من الفرحة، وقال بنبرة صادقة هزت كيانه:
“والله العظيم يا سحر، لو قطعتي رقبتي مش هشوف منك غير كل احترام وتقدير، أنتِ صاحبة الفضل عليا وعلى عيالي، ومن النهاردة كلمة منك هي اللي تمشي في البيت.”
خرجنا للعيال برة، أول ما يوسف ومريم شافوني ببتسم وسامح ماشي جنبي وهو طاير من الفرحة، جرو عليا وحــ,,ـــــضنوني بحرارة هزت الشارع كله. مريم صرخت بفرحة: “ماما سحر جاية معانا خلاص!”، ويوسف مسك إيدي وقال: “يا ماما سحر أنا هسمع الكلام والله ومش هعمل شقاوة تاني أبداً!”..
في اللحظة دي حسيت إن كل الوجع والمرار اللي عشته في سنتين الخطوبة والتعطل كان يهون عشان الأمل والضحكة اللي شفتها في عيون الأطفال دول.
رجعت البيت وبشرت أبويا وأمي. الشقة عندنا اتملت زغاريد بعد طول صمت، وأبويا حــ,,ـــــضنني وقال: “يا بنتي أنتِ فرضتي احترامك بالأصول والعقل، والراجل اللي يجيلك مكسور ويتغير عشانك هو اللي يتأمن عليه.”
بدأنا نجهز لكتب الكتاب والفرح. الأجهزة الكهربائية اللي كنت اشتريتها بدم قلبي وفلوس شغلي، اتنقلت لشقة سامح، بس المرة دي اتنقلت بكرامة ومعززة، والعفش الجديد اللي اخترته على ذوقي وصل الشقة، بقت شقة ثانية خالص..
اتملت دفا وألوان مبهجة تطرد منها طيف الحزن والماضي.
يوم كتب الكتاب، كانت المنطقة كلها بتتكلم، بس المرة دي بصيغة ثانية خالص. القرايب والجيران اللي كانوا زمان بيقولوا “سحر كبرت وعانس وارتضت بأي حاجة”، بقوا يقولوا: “شوفوا سحر عملت إيه في الراجل! خلت العزة والكرامة تاج على رأسها، والراجل جاب لها الشقة جديدة وعاملها كأنها عروسة عندها عشرين سنة!”
ليلة كتب الكتاب كانت ليلة مشهودة. سامح جه مع عيلته وكبارات المنطقة، وكتبنا الكتاب في الصالة عندنا.
لما المأذون قال “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، سامح قام من مكانه وقرب مني، وأمام أبويا وأمي والحضور كلهم، وطى على إيدي وباسها وباس رأسي وقال بصوت سمعه الكل: “حقك عليا يا سحر قدام ربنا والناس كلها، أنتِ ست البنات والبركة اللي دخلت بيتي.”
أمي بكت من الفرحة، وأبويا رفع رأسه لفوق وهو حاسس إنه أدى أمانته وصان بنته.
انتقلت لبيت سامح، ومن أول يوم، تبدلت الأحوال تماماً. الشقة اللي كانت زمان مكركبة وريحة الهم طالعة منها، بقت جنة هادية. بدأت أنظم حياة الأطفال؛ يوسف بقى يصحى بدري يروح مدرسته وهدومه مكويه ونظيفة، وأكله جاهز.
مريم بقيت أقعد معاها وأعلمها ورسمنا سوا في الأوضة الجديدة، وسيف الصغير بقى ينام في حــ,,ـــــضني كل ليلة وهو ماسك في ثوبي كأنه خايف أختفي.
أما سامح؟ سامح اتغير تغير كلي وجزئي. بقى يرجع من شغله بدري، يجيب معاه طلبات البيت من غير ما أطلب، ويدخل المطبخ يساعدني في إعداد العشاء، ويشيل عني سيف لما يلاقيني تعبانة من شغل الحضانة. الكلام المستفز والضحك البارد اختفوا تماماً، وحل محلهم الكلام الطيب والاحتواء. بقى كل ما يبص لي يقول لي: “ربنا يخليكي ليا يا سحر، أنتِ غيرتي حياتي ورجعتيلي الروح.”
بس هل كانت الحياة وردية ومفيش أي عقبات؟ لا طبعاً..
بعد شهرين من الجواز، بدأت تظهر عقبة جديدة ما كانتش في الحسبان.. أهل سامح، وتحديداً أخته الكبيرة “نادية”.
نادية كانت متعودة في فترة يأس سامح وبعد وفــ,,ـــــاه مراته الأولى إنها هي اللي تمشي البيت وتتحكم في مصاريفه، وكانت بتاخد من سامح فلوس بحجة إدارة شؤون العيال، ولما أنا جيت واستلمت إدارة البيت كزوجة وأم، حست إن البساط اتسحب من تحت رجليها وأن النفوذ والفلوس اللي كانت بتاخدهم اتقطعوا.
في يوم، كنت قاعدة في الشقة مع الأطفال بنعمل الواجبات، وسمعت الباب بيتفتح بقوة.
دخلت نادية وبنتها، ومن غير ما تسلم ولا تصبح، بصت في الصالة بنظرة تفحص وقرف، وقالت بصوت عالٍ ومستفز:
“إيه ده يا سحر؟ العفش ده كله اتغير ليه؟ هو سامح لحق يجمع الفلوس دي كلها عشان يجدد لك الشقة وأنا أخت ه مش لاقية كفايتي؟ وبعدين الأكل اللي على الترابيزة ده مكلف أوي، أنتِ جاية تصرفي وتخلصي فلوس أخويا اللي تحوشت للأيتام دول؟”
وقفت بكل ثبات، ورسمت ابتسامة هادية على وشي، وقلت لها: “أهلاً يا أم عبده، نورتي.
العفش ده أخوكي جابه بإرادته تقديرًا ليا ولبيته، والأكل ده من خير ربنا وخير أخوكي، وأنا ست البيت هنا وعارفة مصلحة العيال كويس أوي ومحدش بيخاف عليهم أكدي.”
نادية وشها احمر، وقربت مني وقالت بنبرة حقد: “ست بيت إيه يا عين أمك؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟ أنتِ نسيتي إنك كنتِ عانس ومحدش راضي بيكي وأخويا هو اللي جالك ولمك من بيت أبوكي؟ بلاش تعيشي في دور الهانم، أنتِ هنا عشان تربي العيال دول وتخدميهم وبس!”
في اللحظة دي، يوسف الصغير -اللي عنده 9 سنين- وقف قدام عمتو نادية وقال بصوت طفولي بس قوي:
عمتو بلاش تتكلمي مع ماما سحر كده! ماما سحر هي اللي بتراعينا وبتحبنا، وبابي بيحبها ومحدش يقدر يزعلها هنا!”
نادية اتفاجئت من كلام يوسف، وصرخت فيه: “انت كمان بتتكلم يا ولد؟ أنتِ لحقتي تقسي العيال عليا يا سحر؟”
وفي نفس اللحظة، باب الشقة اتفتح، ودخل سامح…
سامح سمع آخر جملة من أخته، وشاف وشي الهادي والاطفال الواقفين حمايتي، وشاف أخته الواقفة بتزعق وتستفز.
سامح بص لأخته بنظرة حادة جدًا وقوية، وقال بصوت هز الصالة: “جرى إيه يا نادية؟! أنتِ بتعملي إيه في بيتي وبترفعي صوتك على مراتي ليه؟!”
نادية جرت عليه وتحولت نبرتها لمسكنة ومكر:
“تعال شوف يا سامح، مراتي المتربية الجديدة اللي جيبتها تعلّم العيال يقلوا أدبهم عليا، وبتقولي أنا ست البيت وأنتِ مالكيش دعوة! هي لحقت تنسى أصلها ونفسها؟!”
سامح قرب من أخته، ومسكها من إيدها بصرامة وقوة عمره ما عملها قبل كده، وقال لها ونبرة صوته تقطع العرق والدم:
“نادية! لحد سحر وخط أحمر! سحر دي الهانم بتاعة البيت ده، وهي صاحبة الفضل عليا وعلى عيالي، واللقمة اللي بناكلها والأمان اللي عايشين فيه ببركتها. اللي يقلل من قيمتها أو يفكر يذكرها بكلمة تضايقها، يبقى بيقلل مني أنا شخصيًا ومش عاوز أشوف وشّه في بيتي!”
نادية اتصدمت، وبصت لأخوها بذهول:
“أنت بتطرد أختك عشان دي؟!”
سامح رد بمنتهى الجدية: “أنا بوقف أي حد عند حده يحاول يخرب بيتي أو يهين مراتي، حتى لو كانت أختي. سحر دي اللي شالت عيالي في عز ما أنتِ وغيرك كنتوا بتتفرجوا علينا. اتفضلي يا نادية، ولما تعرفي تحترمي مراتي وست بيتي أبقي تعالي زورينا.”
خرجت نادية وهي بتبرطم وتضــ,,ـــــرب رجلها في الأرض من الغيظ. وسامح قفل الباب وراها، ولف ليا وقرب مني، ومسك إيدي وأنا واقفة بصدمة من موقفه الشجاع والسريع.
قال لي ونبرة صوته مليانة حنان وندم على الماضي: “سامحيني يا سحر..
أنا السبب إنهم يتجرأوا عليكي بالماضي، بس وحياة العيال دول عندي، محدش في الدنيا كلها هيقدر يمس شعرة منك طول ما أنا حي على وش الأرض.”
مسكت إيده وابتسمت له، وحسيت إن الدائرة اكتملت. الراجل اللي كان زمان بيمارس عليا الاستعلاء، بقى النهاردة الدرع والسند اللي بيدافع عني قدام أهله وعيلته.
لكن هل انتهت المشاكل عند كده؟
بعد أسبوعين من واقعة أخته، بدأت أحس بتعب مفاجئ، دوخة ودوار مستمر، وأمي أصرت أروح أكشف عند الدكتور.
ولما طلعت نتيجة التحاليل، الدكتور بص لي ولأبويا وأمي وبشرنا بالخبر اللي هز كياني كله…
أنا حامل!
الخبر نزل عليا زي الصاعقة الحلوة! أنا سحر، اللي كان الناس بيقولوا عليها عانس وقطار الجواز فاتها وراحت تربي أيتام الناس، ربنا بيعوضها وبيرزقها بطفل من صلبها في سن الـ 36!
ولما رجعت البيت وأعلنت الخبر لسامح والأطفال…
سامح طار من الفرحة وسجد على الأرض يبكي ويشكر ربنا، والعيال حــ,,ـــــضنوني وبقوا يرقصوا ويقولوا: “هيجيلنا أخ جديد من ماما سحر!”
بس الفرحة دي فتحت باب جديد من التساؤلات والخوف في قلبي:
يا ترى بعد ما خلف طفلي الخاص، هل معيتي وحبي للأطفال الأيتام دول هتتغير؟ هل سامح هيعمل تفرقة بين ابني الجديد وبين عياله من مراته الله يرحمها؟
وهل أهله وعيلته هيسيبونا في حالنا بعد ما يكتشفوا إن سحر بقت أم وليها عيل في البيت ورثت فيه كل حاجة؟
وقفت قدام مرايتي بليل، وبصيت لبطني وبصيت للعيال وهم نايمين في أوضتهم بسلام، وقلت لنفسي: “الرحلة لسه طويلة يا سحر، واللي قدرت تقف وتكسر الاستبداد وترجع حقها، هتقدر تحمي بيتها وعيالها كلهم من أي طوفان جاي…”
مرت شهور الحمل الأولى ثقيلة ومتعبة، بس الدفا اللي ملأ بيتي كان بيهوّن عليا كل وجع. سامح كان شايلني من على الأرض شيل، مش بيخليني أمد إيدي على حاجة في البيت، يجيب الأكل جاهز، ويقعد مع يوسف ومريم يراجع لهم دروسهم، ويرعى سيف الصغير عشان أستريح. العيال نفسهم كانوا طايرين بالفرحة؛ مريم كل يوم تحط إيدها الصغيرين على بطني وتكلم البيبي وتقول له: “اطلع بسرعة يا نونو عشان ألبسك وألعب معاك”، ويوسف كان بيتباهى قدام أصحابه في المدرسة ويقولهم: “ماما سحر هتجيب لنا أخ جديد!”
بس في وسط الفرحة دي، كان في نــ,,ـــــار تحت التلج بتغلي..
أخت سامح “نادية” وقرايبه من ناحية مراته المرحومة ما يسكتوش. لما عرفوا بخبر الحمل، القيل والقال بدأ يزن في المنطقة تاني زي السوس: “سحر ذكية، ضحكت على الراجل وأخدت العفش والشقة، ودلوقتي جابت العيل اللي هيورث كل حاجة ويرمي العيال الأيتام في الشارع!”، “بكرة سحر تخلف وتفرق بين ابنها وبين عيال المرحومة، وتخليهم خدامين تحت رجلين ابنها!”
الكلام ده كان بيوصلني عن طريق الجيران ونظرات القرايب في المناسبات.
بس أنا كنت ساكتة ومكبرة عقلي، وواثقة في ربنا وفي قلبي اللي اتعلق بالعيال دول قبل ما أعرف إني هكون أم.بالنسبة لي، يوسف ومريم وسيف مش عيال جوزي، دول ولادي اللي كبروا في قلبي قبل ما ألمسهم بأيدي، وهما الساس اللي اتبنى عليه بيتي.
وفي يوم من أيام الشتا، وأنا في الشهر السابع، سامح كان في شغله بالليل، والجو كان مطر وهوا شديد يكتف العضم. كنت قاعدة مع العيال بنشرب سحلب دافي وبنلعب كوتشينة ونضحك. فجأة، سمعت خبط شديد ومستفز على الباب، خبط يخلع القلوب.
قمت بالراحة وأنا سانده ضهري، فتحت الباب..
اتفاجئت بنادية أخت سامح، ومعاها أم مراته المرحومة “الحاجة أم هدى” وزوج أختها!
دخلوا الشقة باندفاع ومن غير استئذان، ونادية بصت لي بنظرة حقد وقرف وقالت بصوت عالٍ: “أهلاً بالهانم! أهلاً باللي جاية تأكل مال الأيتام وتعمل نفسها أم العروسة!”
الحاجة أم هدى قربت مني، وكانت ست كبيرة وجاحدة، وبصت لبطني المنفوخة وقالت بنبرة مليانة غل: “بصي بقى يا سحر، عشان نكون على نور وما نلفش وندور.. البت هدى بنتي الله يرحمها سابت الشقة دي والخير ده كله لعيالها. أنتِ جيتي هنا برضاهم عشان ترعي العيال وتخدميهم، إنما تعيشي في دور الملكة وتجيبي عيل يشارك عيال بنتي في الشقة والورث وفي أبولهم؟ دي عند بعلك!
العيال دول يلزمونا، ونحن جايين ناخد حقهم منك ومن اللي في بطنك قبل ما نلجأ للمحاكم!”
وقفت بثبات رغم التعب اللي كان يهد الجبال، وبصيت لهم بكل شموخ وقوة، وقلت بنبرة هادية بس أرعبتهم: “يا أهلاً ويا مرحباً بكم في بيت سامح وسحر.. اتفضلوا اقعدوا الأول واشربوا حاجة تبرد النــ,,ـــــار اللي طالعة من صدوركم دي.”
نادية صرخت: “ما تتستريش بالهدوء الفارغ ده يا سحر! أنتِ فاكرة نفسك مين؟ أنتِ حتة عانس سامح اتفضل عليكِ ولمك، ودلوقتي عاوزة تكنشي على كل حاجة؟”
في اللحظة دي، يوسف ومريم جرو من الأوضة، ووقفوا حيطة سد قدامي.
مريم مسكت في جلابيتي وعيطت، ويوسف وقف بملء طوله قدام جدته وعمته وقال بصوت هز الصالة: “محدش يزعق لماما سحر! ماما سحر مش وحشة، أنتِ يا تيتا ما جيتيش تطلعي علينا ولا سألتي فينا لما كنا بنمــ,,ـــــوت من الجوع والسخونية! ماما سحر هي اللي حماتنا وغسلت هدومنا وأكلتنا! ومحدش هيآخدنا من هنا ولا هيزعلها!”
الحاجة أم هدى اتصدمت، وبصت لي بغل: “شوفوا البت لحقت تلحس عقل الولد إزاي وتخليه يكره أهله!”
رديت عليها بمنتهى الثبات والوقار: “الولد مش ملحوس عقله يا حاجة أم هدى.. الولد طفل يفهم مين اللي بيحبه بجد ومين اللي بيفتكره بس لما يعوز يعمل مشكلة!
العيال دول ولادي، قبل ما يكون في بطني عيل، أنا اللي شلتهم في عيني وأنا اللي سهرت على سخونيتهم وأنا اللي عملت لهم بيت ودفى لما الكل اتخلى عنهم. العيل اللي في بطني ده أخوهم، هيطلع يلاقي إخوات كبار يحموه ويحبوه، ومش سحر اللي تفرق بين أيتام وبين ابنها! أنا اتقيت ربنا فيهم وأنا غريبة، أفرّق بينهم وأنا أمهم؟!”
نادية جرت ناحية المكتبة وقالت بمكر: “كلام أونطة! أنتِ كتبتي الشقة باسمك؟ ولا جرجرتي سامح للمأذون يكتب لك مؤخر كبير؟ اتكلمي يا هانم!”
وقبل ما أرد، اتفتح الباب، ودخل سامح!
سامح كان راجع من الشغل ومبلول من المطر، وأول ما شاف المنظر، وأخته والستات واقفين يصرخوا في وشي وأنا في الشهر السابع وجسمي بيرتعش من التعب، عينيه أحمرت وشاط غضب زلزل البيت كله!
سامح حدف الشنطة على الأرض وقرب منهم بخطوات زي الرعد، وقف بيني وبينهم وقال بصوت هز جدران العمارت كلها: “إيه المهزلة دي؟! أنتوا اتجننتوا ولا جرى لعقلكم حاجة؟! جرايين لبيتي في غيابي وتهجموا على مراتي وهي في الحبل وفي الشهر السابع عشان شوية ظنون وغل؟!”
الحاجة أم هدى قالت بثقة: “نحن جايين نحمي حق عيال بنتي يا سامح!
مراتك دي بكرة تخلف ترمي عيالك في الشارع وتاخد الشقة!”
سامح بص لأم مراته المرحومة بكل احترام بس بصرامة قاطعة: “حق عيالي محفوظ، وسحر هي اللي حمت حقهم قبل ما أنتوا تفكروا فيه! يوم ما العيال دول جاعوا ومرضوا، محدش فيكم فتح بابه ولا جه يشيل عني الهم. سحر هي اللي دخلت البيت ده ورجعته جنة، هي اللي سهرت تعصب لسيف وتذاكر ليوسف وتغزل شعر مريم. سحر دي جزمة رجليها برقبتكم كلكم! والبيت ده بيتها، والعيل اللي جاي ده ابني وأخو عيالي وسندهم، واللي يمس كرامتها بكلمة، كأنه مسني في شرفي وداس على رقبتي!”
سامح مسك إيد أخته وإيد زوج أختها وفتح الباب على آخره وقال بصوت قاطع لا يقبل النقاش: “برة بيتي! أنتوا والغل اللي في قلوبكم ده برة بيتي! مش عاوز أشوف رجل حد فيكم هنا تاني إلا لما تتعلموا الأدب وتعرفوا مقام ست البيت دي!”
خرجوا كلهم وهما بيتمنوا الأرض تنشق وتبلعهم من الكسفة والانكسار قدام قوة سامح ووقوفه في ظهري.
سامح قفل الباب بالمفتاح، ورجع لي تجري، مسك إيدي وجاب كرس وقعدني عليه وهو بيترجاني: “سامحيني يا سحر.. حقك عليا، والله ما كنت أعرف إنهم جرانين ليكي كده. أنتِ كويسة؟
البيبي كويس؟”بصيت له ودموعي نازلة، بس المرة دي كانت دموع شكر لله. مسكت إيده وقلت له: “أنا كويسة طول ما أنت في ظهري يا سامح.. وطول ما العيال دول في حــ,,ـــــضني.”
مرت باقي شهور الحمل بسلام، ورعاية ودفا، وجاء اليوم الموعود.. يوم الولادة.
كنت في المستشفى، وأبويا وأمي وافقين برة، وسامح واقف ماسك إيدي في أوضة العمليات ومش راضي يسيبني لحظة، ويوسف ومريم وسيف قاعدين في الاستراحة برة مستنيين أخوهم بفارغ الصبر.
ولما الدكتور شال المولود ونطق الآذان في أذنه… قال الدكتور: “مبروك يا مدام سحر.. جالك ولد زي القمر!”
سامح بكى زي الأطفال، ووطى باس رأسي وإيدي وقال: “حمد الله على سلامتك يا أم حمزة.. بركة بيتي وست البنات.”
جابوا العيال جوة الأوضة عشان يشوفوا أخوهم الصغير “حمزة”. يوسف ومريم شالوه بحذر شديد وهما طايرين من الفرحة، ومريم بصت لي وعينيها مليانة دموع وقالت: “شكراً يا ماما سحر إنك جيبتي لنا حمزة.. نحن بنحبك أوي!”
في اللحظة دي، بصيت لأبويا وأمي، وشفت الفخر في عيونهم. الـ36 سنة اللي كانوا زمان بيسموها “عنس”، بقت هي السبب في إني أبني بيت من دهب، وأحول راجل قاسي لسند وحبيب، وأكون أم لاربع أطفال يحبوني من جوة قلوبهم.
بس وأنا قاعدة في الأوضة وببص لحمزة وللعيال وسامح، تليفون سامح رن برة الأوضة.. سامح خرج يرد، ورجع وشه مقلوب وأصفر زي الليمونة!
بص لي بنظرة قلق وقال بصوت متلخبط: “سحر.. في مصيبة حصلت في الشقة عندنا برة…”
توقفت حركات سامح، ووشه اتخطف وبقت شفايفه بترتعش. مسكني من كتفي بكل حرص وقال بصوت مبحوح: “سحر.. جاري العزيز أبو أحمد بيتصل وبيقول إن نادية وبنتها راحوا الشقة ومعاهم حد فتح الباب، وبيدوروا على حاجة جوة وبيكسروا في الأقفال!”
في اللحظة دي، حطيت إيدي على إيده وابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة ثقة وارتياح.
سامح اتفاجئ من رد فعلي وسألني بذهول: “أنتِ بتضحكي يا سحر؟! دول ممكن يكونوا بيبوظوا الشقة أو بيسرقوا حاجة!”
قلت له بصوت واثق وناعم: “اقعد يا سامح، واهدا خالص.. الشقة مفهاش ورقة واحدة ولا مليم يخصهم، ولا حتى أوراق الشقة نفسها موجودة هناك.”
سامح تنح وقال: “إزاي يعني؟ الأوراق والعقود كانت في الخزنة!”
رديت عليه وأنا ببص لحمزة الصغير اللي نايم في السر,,ـــــير جنبنا: “أنا من أسبوع، لما حسيت إن نادية وأهل المرحومة ناويين على شر ويدوروا على مشاكش، خدت كل العقود والأوراق المهمة، وذهبي، وفلوس التحويش، وحطيتهم في أمانات البنك باسمي واسمك.
الشقة مقفولة، ومافيهاش غير العفش اللي اشتريناه بفلوسنا وبشهود ورسائل مثبتة. خليهم يدوروا وينبشوا في الفراغ، القانون أعمى بس ما بيبصش غير للأوراق والشرعية.”
سامح اتنهد بتنهيدة طويلة خففت كل الهم اللي كان على صدـ,,ـــره، وبص لي بنظرة ذهول وإعجاب عمري ما شفتها في عين راجل قبل كده. مسك رأسي وباسها وقال: “يا بختي بيكي يا سحر.. أنتِ مش بس ست بيت وحنونة، أنتِ عقل وتدبير يوزن بلد!”
وبالفعل، سامح اتصل بالشرطة وبأبو أحمد الجار، وخلال نصف ساعة كانت الشرطة قابضة على نادية وبنتها في الشقة بتهمة اقتحام ملك الغير والاتلاف.
ولما سامح راح القسم مع أبويا، أخت نادية كانت بتعيط وتترجى إننا نتنازل عن المحضر.
سامح بص لأخته وقال لها قدام الظابط: “أنا مش هحبسك يا نادية عشان أنتِ أختي، بس من النهاردة أنتِ مالكيش بيت عندي، وخطوة الشقة دي لو اتكررت مش هرحمك. سحر كانت أرحم بيا وبدافع عن عيالي أكتر منك!”
تنازلنا عن المحضر، ونادية خرجت مكسورة ومكسوفة من المنطقة كلها، وعرف الكل إن سحر مش بس حنينة على الأيتام، دي ست عاقلة وواعية بتعرف تحمي بيتها وأولادها بالقانون والعقل مش بالصوت العالي.
ومرت الأيام والسنين..
كبر حمزة وشاركه يوسف ومريم وسيف كل لحظة.
البيت بقى مليان ضحك ودفا وبركة. يوسف تخرج من كلية الهندسة وهو بيشيل شهادته وبيجري عليا قدام الكل ويقول: “الشهادة دي بتاعتك أنتِ يا ماما سحر.. أنتِ اللي عملتيني راجل!”
ومريم اتجوزت وزفيناها من نفس الشقة اللي كانت زمان مليانة هموم، وسيف بقى أجدع شاب يقف جنبي في كل خطوة. أما سامح؟ سامح كان كل يوم يبص لي نفس النظرة اللي فيها امتنان وحب كأنه لسه كاتب الكتاب النهاردة.
وصلت لسن الستين وأنا قاعدة في وسط صالة شقتي، المليانة بأحفادي وعيالي الأربعة، وبصيت للسماء وقلت: “الحمد لله..”
الحكمة من القصة:
* الكرامة خط أحمر:
السن مجرد رقم، والعانس مش اللي فاتها قطار الزواج، العانس هي اللي بتتنازل عن كرامتها وإنسانيتها عشان تعجب الناس. لما تمسكت سحر بكرامتها، فرضت احترامها على الكل وجبرت الراجل يتغير.
* الأصل الطيب يغلب: الخير والحنية اللي بنزرعهم في الأطفال الأيتام بيقعدوا لنا. عيال سامح كانوا السند والدرع لسحر لأنها عاملتهم بقلب أم حقيقية مش باستعلاء.
* العقل والتدبير حماية للبيت: الطيبة والحنية لا تعني الغباء أو القبول بالظلــ,,ـــــم؛ المرأة الذكية هي اللي تجمع بين الحنان في بيتها وبين القوة والعقل في مواجهة أعدائها وحماية حقوق أولادها.
* عوض الله يتأخر ليأتي كاملاً:
تأخر الزواج لم يكن حظاً سيئاً لسحر، بل كان تدبيراً إلهياً لتنضج وتكون سبباً في إنقاذ عائلة كاملة وبناء بيت هادئ قائم على الاحترام المتبادل.


تعليقات
إرسال تعليق