القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 ابويا خباني تحت ترابيزة كامله مني السيد



ابويا خباني تحت ترابيزة كامله مني السيد


الجزء الأول


“ادخلي استخبي تحت ترابيزة السفرة… ومهما سمعتي اسمك أو أي حاجة توجع قلبك، أوعي تطلعي.”


دي كانت أول جملة قالهالي أبويا أول ما فتحلي باب شقته بالليل.


كنت وصلت من غير ما أقوله، حوالي الساعة عشرة، بعد ما فضل إحساس غريب ملازمني طول اليوم.

أبويا، الحاج محمود عبدالعزيز، عنده 64 سنة، طلع على المعاش بعد عمر طويل شغال صنايعي ميكانيكي، وعمره ما كان راجل بيهوّل أو يخاف بسهولة. لكن الليلة دي مسكني من كتافي، دخلني الشقة بسرعة وقفّل الباب بالمفتاح.


قلتله وأنا مستغربة:

“في إيه يا بابا؟”


بصلي وقال بنبرة عمري ما سمعتها منه:

“ثقي فيا يا منى… ادخلي تحت الترابيزة حالًا.”


ترابيزة السفرة الخشب الكبيرة كانت واخدة نص مساحة السفرة. دي الترابيزة اللي أمي الله يرحمها كانت مصممة تشتريها من معرض أثاث في دمياط من أكتر من عشرين سنة، وعليها اتجمعنا في كل عيد ورمضان.


زحفت تحتها، ضميت رجليا على بعض، وحاولت حتى نفسي يبقى من غير صوت.


أبويا شغّل التلفزيون في الصالة، وقعد يتصرف كأن مفيش أي حاجة.


بعد أقل من تلات دقايق…


جرس الباب رن.


أول ما سمعت خطوات الشخص اللي داخل، جسمي كله اتجمد.


أنا أعرف صوت الجزمة دي من وسط ألف واحد…


دي الجزمة اللي أنا اشتريتهاله بنفسي في عيد ميلاده.


كان أحمد الشناوي…


جوزي بقاله اتناشر سنة.


دخل وهو بيقول بابتسامته المعتادة:


“إزيك يا حاج محمود… الحمد لله إنك صاحي. لازم نخلص موضوع الشقة النهارده.”


قعدوا على السفرة… فوق دماغي بالظبط.


أبويا قام عمل شاي.


الشقة دي، اللي في حي هادي في مدينة نصر، كانت كل اللي يملكه في الدنيا. فضل يشتغل شيفتات زيادة أكتر من تلاتين سنة عشان يقدر يشتريها، ولسه محافظ على أوضة أمي زي ما هي من يوم ما توفاها ربنا.


مش شقة فخمة…


بس كل ركن فيها شايل ذكرى من عمرنا.


ابتدى أحمد يشرح لأبويا إن الأفضل ينقل ملكية الشقة لشركة اسمها الاستثمار العقاري المصري، وإن ده مجرد إجراء قانوني وهيفضل عايش فيها طول عمره، ومحدش هيقدر يطلعه منها.


أبويا بصله وقال بهدوء:


“طيب… ليه الشركة دي مش باسم منى؟”


ساد صمت كام ثانية.


وبعدين أحمد رد بسرعة:


“دي إجراءات ورق بس… كلها شوية روتين.”


الجملة دي خبطتني في قلبي.


لأنها نفس الجملة بالحرف…


اللي قالهالي من كام سنة لما حاول يقنعني نسجل شقة أبويا باسمنا إحنا الاتنين بحجة الضرائب.


أنا شغالة محاسبة…


وساعتها اكتشفت إن كلامه كله مالوش أي أساس قانوني، ورفضت.


افتكرت إنه نسي الموضوع.


لكن واضح إنه عمره ما نسي.


فجأة…


أبويا فتح دوسيه كان جنبه.


وقال:


“وأنت كمان جبتلي الورق ده الأسبوع اللي فات.”


صوت أحمد وطي شوية وهو بيرد:


“ده تقرير طبي يا حاج محمود. حضرتك بقيت بتنسى، وبتتلخبط في المواعيد، وعايش لوحدك. لو مضيت، محدش هيحتاج يقلق عليك.”


وسكت لحظة…


وبعدين كمل ببرود:



“ولو رفضت… هقدم طلب للمحكمة يتعين ليك قيّم، لأنك مش هتبقى قادر تدير أملاكك بنفسك.”


حسيت ضوافري غرست في كف إيدي.


أبويا كان بكامل قواه العقلية.


ولا عمره كشف عند الدكتور اللي اسمه مكتوب في التقرير.


ساعتها فهمت الحقيقة…


أحمد مش بس عايز يستولى على شقة أبويا…


ده مستعد يزوّر تقارير، ويثبت إنه فاقد الأهلية، ويحطه في دار رعاية، بس عشان ياخد الشقة.


قام أحمد وهو بيجمع الورق وقال:


“قدامك لحد يوم الجمعة يا حاج محمود… يا تمضي بالذوق، يا هتخسر الشقة… ويمكن كمان حريتك.”


وأنا مستخبية تحت الترابيزة…


اكتشفت إني عشت اتناشر سنة مع راجل معرفتوش أبدًا.


لكن اللي مكنتش أعرفه…


إن اللي أحمد ناوي يعمله بعد كده…


كان أخطر بكتير من أي حاجة سمعتها الليلة دي.

الجزء التاني


عشان أفهم ليه أبويا خبّاني تحت ترابيزة السفرة الليلة دي…


كان لازم أواجه حقيقة عمرها ما كانت سهلة.


أحمد ما حبنيش بالصدفة…


أنا كنت مجرد هدف.


اتقابلنا أول مرة في حفلة تبع شغل، في القاهرة. وقتها كان عندي واحد وعشرين سنة، ولسه متخرجة من كلية التجارة، وأنا البنت الوحيدة لأبويا اللي كان مالك شقة باسمه وخالصة أقساطها من سنين.


أما أحمد…


فكان أكبر مني بـ13 سنة.


بيعرف يتكلم كويس، وشخصيته جذابة، وعنده قدرة يخلي أي حد يحس إنه أهم شخص في الدنيا.


لكن بعد سنين…


اكتشفنا إنه قبل ما يقرب مني، كان بيدور على عائلات عندها أملاك، وبنات وحيدين، عشان يختار أسهل ضحية.


وأنا…


كنت الاختيار المثالي بالنسباله.


طول سنين جوازنا، كان بيروح يقعد مع أبويا لوحدهم.


ياخد معاه شوية مشاريب، يقعدوا يتفرجوا على ماتش، أو يعرض عليه يساعده في مراجعة الفواتير وأوراق البيت.


ولما أبويا يقوم يدخل الحمام…


كان أحمد يطلع موبايله ويصور عقد الشقة، والتوقيعات، وكشوفات البنك.


وبعدها بدأ يجيبله ورق ويقوله:


“دي إجراءات بسيطة… إمضي هنا بس.”


كان بيعوده إنه يمضي من غير ما يراجع.


والحقيقة…


كل العلامات كانت قدامي من زمان، وأنا اللي ماخدتش بالي.


في مرة لقيت جواب من البنك محروق نصه في البلكونة.


اكتشفت بعدها إن عربيتنا، اللي كنا دافعين تمنها كاش، اتحطت ضمان على قرض من غير ما أعرف ولا أمضي على أي حاجة.


وكمان واحدة زميلتي في المكتب قدرت توصل لق\ضية قديمة.


طلعت ست كانت متجوزة أحمد قبلي، سابها مديونة بمبالغ كبيرة، وبعدها نقل عربيتها باسم أمه عشان الديانة ما يعرفوش يحجزوا عليها.


ساعتها فهمت…


دي ما كانتش غلطة.


ده كان أسلوب حياته.


ولما أبويا رفض ينقل ملكية الشقة…


أحمد ابتدى ينهار.


طلع معرض العربيات بتاعه مش خسران زي ما كان بيحكي.


الحقيقة إنه كان مديون بأكتر من مليونين جنيه لراجل اسمه إبراهيم الجندي…


واحد معروف إنه بيقرض الناس بفلوس ربا، وليه علاقات بتجارة القمار.


وشقة أبويا…


كانت هي الضمان اللي وعده بيه.



ساعتها أبويا طلب المساعدة من صاحبه القديم…


العم سيد، ظابط مباحث على المعاش.


العم سيد بدأ يدور في الموضوع…


واكتشف إن في حد قدم طلب مزور في الشهر العقاري عشان يطلع نسخة رسمية من عقد الشقة.


واكتشف كمان إن التقرير الطبي اللي بيقول إن أبويا فاقد الأهلية…


مزور بالكامل.


قرروا يحطوا خطة.


أبويا هيمثل إنه بقى بينسى، وهيتصرف كأنه مش مركز.


وفي نفس الوقت…


حطوا جهاز تسجيل صغير مستخبي جوه الراديو القديم اللي في المطبخ.


أما أنا…


فوصلت قبل الميعاد الأخير بدقايق، من غير ما أعرف أي حاجة.


ومن تحت الترابيزة…


كنت بسمع كل كلمة.


أبويا كان بيمثل الدور بإتقان.


وسأله بهدوء:


“يعني… الشقة دي هتسدد ديونك؟”


أحمد ضحك ضحكة متوترة وقال:


“دي مش ديون يا حاج محمود… دي استثمارات.”


ولما أبويا قام يجيب سكر للشاي…


شفت أحمد وهو بيطلع علبة صغيرة من جيبه.


فتحها…


وحط قرصين أبيض في كوباية الشاي بتاعة أبويا.


بعد كده عرفنا إنها كانت أقراص منوم قوية.


كان ناوي يخليه يفقد وعيه…


ويبصم على الورق وهو نايم، وبعدها يقول إنه مضى بإرادته، ولو نسي يبقى بسبب سنه.


أول ما أبويا رجع…


كنت بمسك نفسي بالعافية عشان ماصرخش.


قبل ما يشرب، بص لأحمد وقال:


“طيب… ومنى؟”


“هتعمل إيه مع بنتي؟”


هنا…


أحمد انفجر.


وقال بكل كره:


“منى عمرها ما كانت هدفي أصلاً.”


“استحملت اتناشر سنة مع واحدة مملة، كل حياتها أرقام وحسابات.”


“أنا استحملت العيلة دي كلها… والشقة دي حقي.”


أبويا ما لمسش كوباية الشاي.


فضل ساكت…


لحد ما أحمد، وهو فاكر إنه كسب، اعترف بكل حاجة.


اتكلم عن الديون…


وعن القمار…


وعن إبراهيم الجندي.


وفجأة…


أبويا شاور بإيده ناحية الراديو.


وقال بهدوء:


“أنت لسه قلت كل اللي كنا محتاجين نسمعه.”


في اللحظة دي…


نور أحمر صغير ظهر في الراديو.


أحمد قام من مكانه مفزوع.


بص للراديو…


وبعدين نزل عينه ببطء ناحية المكان اللي تحت الترابيزة.


عيونه قابلت عيوني…


وفي اللحظة دي عرفت…


إن الحقيقة لسه بدأت تظهر.


يتبع في الجزء الثالث…

الفصل الرابع


عدّى حوالي ست شهور…


وأول مرة من سنين، صحيت من النوم من غير ما أحس إن في حد واقف على صدري.


ما بقاش في حد يفتش في موبايل أبويا، ولا حد يراقب حساباتي، ولا حد يسألني رايحة فين وجاية منين.


لكن الغريب…


إن بعد كل اللي حصل، أصعب معركة ما كانتش في المحكمة…


كانت جوايا أنا.


كل يوم كنت أصحى وأسأل نفسي:


“إزاي عشت مع واحد بالشكل ده اتناشر سنة… وماخدتش بالي؟”


وأرجع أفتكر كل موقف كنت ببرره.


كل كدبة كنت بصدقها.


كل مرة كنت بقول لنفسي:


“أكيد عنده ظروف.”


أكتشف إني كنت بخدع نفسي أكتر ما هو كان بيخدعني.



في صباح يوم جمعة…


كنت قاعدة في المكتب الصغير اللي فتحته لمساعدة كبار السن.


المكان لسه جديد.


مكتبين…


وكرسيين…


وصورة لأمي وأبويا معلقة على الحيطة.


دخل راجل كبير في السن، يمكن عنده سبعين سنة.



وشه كله تعب.


قعد قدامي وقال:


“بنتي… ابني خد مني توكيل عام.”


سألته بهدوء:


“وبعدين؟”


قال وهو بيبكي:


“باع الأرض… وباع العربية… ولسه عايز يبيع البيت اللي ساكن فيه.”


فضلت ساكتة.


لأن حكايته كانت شبه حكايتي بشكل يخوف.


ساعتها فهمت…


إن أحمد ماكانش حالة فردية.


في ناس كتير بتستغل ثقة أهلها.


ومن اليوم ده…


قررت إن المكتب مايبقاش مجرد شغل.


يبقى رسالة.



في نفس الأسبوع…


أبويا اتصل بيا.


صوته كان هادي.


قال:


“تعالي اشربي الشاي معايا.”


أول ما دخلت البيت…


لقيته قاعد على نفس ترابيزة السفرة.


حط قدامي كوباية شاي وقال وهو بيضحك:


“اطمني… المرة دي من غير منوم.”


ضحكت لأول مرة من قلبي.


وبعدين بصلي وقال:


“عارفة يا منى…


أنا كنت فاكر إن أصعب يوم في حياتي يوم وفاة أمك.


طلع أصعب يوم…


اليوم اللي اكتشفت فيه إن الراجل اللي وثقت فيه هيدمر بنتي.”


مسكت إيده.


وقلتله:


“خلاص يا بابا…


عدت.”


هز راسه وقال:


“لا…


لسه.”


استغربت.


قال:


“الناس اللي زي أحمد عمرها ما تستسلم بسهولة.”



وبالفعل…


بعد أسبوعين بس…


لقيت رقم غريب بيتصل بيا.


رديت.


جالي صوت أحمد.


أول مرة أسمعه من ساعة الحكم.


قال بهدوء غريب:


“إزيك يا منى؟”


قفلت السكة.


بعد دقيقة…


بعت رسالة.


“أنا عايز أقابلك خمس دقايق.”


عملتله حظر.


بعدها بساعتين…


جالي جواب على المكتب.


كان مكتوب بخط إيده.


فتحت الظرف.


كان جواه ورقة واحدة.


“أنا خسرت كل حاجة…


بس إنتي كمان مش هتعرفي تعيشي مرتاحة.”


قريت الجملة أكتر من مرة.


ولأول مرة…


ماخفتش.


أخدت الجواب…


ورحت بيه على طول للعم سيد.


بص عليه وقال:


“كنت مستنيه.”


قلتله:


“يعني إيه؟”


قال:


“الناس اللي بتخسر كل حاجة…


يا بتبدأ من جديد…


يا بتحاول توقع اللي حواليها.”



من اليوم ده…


الشرطة زودت المرور حوالين البيت.


وأبويا رفض يخرج لوحده.


كنت كل يوم أعدي عليه.


أطبخله.


وأشرب معاه الشاي.


وأرجع شغلي.


ورغم إني كنت بحاول أبان قوية…


إلا إني كنت بحلم بأحمد كل ليلة.


أصحى مفزوعة.


حاسّة إنه واقف قدام الباب.


أو مستخبي تحت البلكونة.


أو بيراقبني.



وفي يوم…


وأنا خارجة من المكتب.


لقيت عربية سودا واقفة بعيد.


جواها راجل لابس كاب.


أول ما شافني…


دور العربية ومشي.


قلت يمكن أوهام.


لكن تاني يوم…


العربية رجعت.


وثالث يوم كمان.


بلغت العم سيد.


بعد نص ساعة كان موجود.


وقف بعيد يراقب.


وفجأة…


العربية ظهرت.


العم سيد اتحرك بسرعة.


لكن أول ما قرب…


العربية هربت.


قدر يسجل رقمها.


ولما استعلم عنها…


طلع إنها باسم واحد من رجالة إبراهيم الجندي.


يعني…


الموضوع ماخلصش.



بعد يومين…


إبراهيم بنفسه طلب يقابلني.


رفضت.


رجع بعت مع واحد رسالة.


“قوليلها…


الفلوس لازم ترجع.”


ضحكت.


وقلت للراجل:


“أنا مديونتش حد.”


رد وهو بيبصلي بثبات:


“إنتي مراته.”


قلت:


“لا…


أنا مطلقته.”


سابني ومشي.


لكن قبل ما يركب عربيته…


لف وقال:


“ديون أحمد…


لسه ماخلصتش.”



في الليلة دي…



أنا وأبويا والعم سيد قعدنا نفكر.


قال العم سيد:


“إبراهيم مش فارق معاه أحمد…


هو بيدور على أي فلوس.”


قلت:


“يعني ممكن يحاول يضغط علينا؟”


قال:


“وده المتوقع.”


أبويا بصلي وقال:


“متخافيش.”


قلتله:


“مش خايفة على نفسي…


أنا خايفة عليك.”


ابتسم وقال:


“يا بنتي…


أنا اتعلمت من الحياة إن الحق ساعات بيتأخر…


بس عمره ما بيضيع.”



بعدها بأسبوع…


وصل استدعاء جديد.


النيابة طلبت شهادتي في ق\ضية تانية.


استغربت.


روحت.


وهناك…


المحقق حط قدامي ملف كبير.


وقال:


“إنتي تعرفي الناس دول؟”


فتحت الملف.


كان فيه صور.


رجالة وستات كبار في السن.


أكتر من عشرين أسرة.


كلهم وقعوا بنفس الطريقة.


جواز…


ثقة…


أوراق…


تزوير…


واستيلاء على الأملاك.


أحمد ماكانش بيشتغل لوحده.


كان جزء من شبكة كاملة.


وشهادة كل واحد فيهم…


كانت شبه التاني.


واحدة قالت:


“خد بيت أبويا.”


واحد قال:


“باع أرض جدي.”


واحدة تانية قالت:


“خلاني أمضي على ورق وأنا فاكرة إنه عقد تأمين.”


ساعتها جسمي كله قشعر.


يعني…


لو أبويا ماكانش شك فيه…


كان زماننا إحنا كمان مجرد رقم جديد في الملف.



وأنا خارجة من النيابة…


بصيت للسماء.


وأول مرة من سنين…


حسيت إن أمي شايفانا.


ابتسمت من غير ما أحس.


وركبت العربية.


لكن قبل ما أوصل البيت…


رن تليفوني.


كان رقم مجهول.


رديت.


الصوت كان واطي جدًا.


وقال جملة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي:


“إحنا عرفنا أبوكي خبّى الحاجة فين…”


وقبل ما أتكلم…


قفل الخط.


وقتها بصيت ناحية بيت أبويا…


وحسيت إن الكابوس الحقيقي…


لسه ما بدأش.


ابويا خباني تحت ترابيزة ج 2 حكايات مني السيد

الفصل الخامس


فضلت أبص في شاشة الموبايل بعد المكالمة…


الجملة كانت قصيرة جدًا.


“إحنا عرفنا أبوكي خبّى الحاجة فين.”


لكن وقعها عليّا كان تقيل.


بصيت ناحية العم سيد اللي كان سايق العربية، ومديتله الموبايل من غير ما أتكلم.


قرأ الرسالة أكتر من مرة، وبعدها قال بهدوء غريب:


“هما بيراهنوا على إننا نخاف.”


قلت وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي:


“بس هما يقصدوا إيه بالحاجة؟ إحنا معندناش حاجة مستخبية.”


رد من غير ما يبصلي:


“يمكن يقصدوا ورق… ويمكن فلوس… ويمكن فاكرين إن أبوكي مخبي دليل جديد.”



وصلنا بيت أبويا.


لقيته قاعد في البلكونة، بيشرب شاي، وكأنه مستنينا.


أول ما شاف وشوشنا، عرف إن في حاجة.


قال:


“خير؟”


حكيتله كل اللي حصل.


فضل ساكت دقيقة كاملة.


وبعدين قام من مكانه، ودخل أوضة النوم.


رجع بعد شوية، ومعاه علبة صفيح قديمة.


حطها على الترابيزة.


فتحها.


كان جواها صور قديمة…


وشهادة جواز أمي…


وشوية خطابات كانت بتبعتهم له وهو في الجيش.


استغربت.


قلت:


“إيه ده؟”


ابتسم وقال:


“دي الحاجة الوحيدة اللي مخبيها.”


اتنفست براحة.


لكن العم سيد هز راسه وقال:


“واضح إنهم بيدوروا على حاجة تانية.”



تاني يوم الصبح…


وأنا داخلة المكتب…


لقيت ظرف أبيض محطوط تحت الباب.


ماكانش عليه اسم.


فتحته.


كان جواه صورة.


أنا…


وأبويا…


وإحنا قاعدين بنشرب شاي في البلكونة امبارح.


الصورة كانت متصورة من بعيد.


من عمارة قدامنا.


اتجمدت مكاني.


في ضهر الصورة مكتوب بقلم أسود:


“لسه بنراقبكم.”



بلغنا الشرطة.


واتثبتت كاميرات حوالين البيت والمكتب.


لكن اللي كان بيبعت الرسائل…


كان ذكي.


ولا مرة ظهر وشه.


ولا ساب أي أثر.



بعدها بثلاث أيام…


دخلت عليا المكتب ست كبيرة في السن.


لابسة ملاية لف، ووشها كله حزن.


قالت:


“إنتي الأستاذة منى؟”


قلت:


“أيوه.”


طلعت صورة من شنطتها.


أول ما شفتها…


وقفت مكاني.


الصورة كانت لأحمد.


لكن كانت قديمة.


واقف جنب راجل تاني.


الست قالت:


“ده ابني.”


بصيت للصورة تاني.


كان الراجل اللي واقف جنب أحمد.


قالت:


“ابني مات من أربع سنين.”


استغربت.


“وأحمد ماله؟”


قالت وهي بتمسح دموعها:


“كان صاحبه.”


سكتت شوية…


وبعدين قالت:


“ولما ابني مات…


اكتشفت إن كل أملاكه اتباعت.”



بدأت تحكي.


ابنها كان فاتح معرض أجهزة كهربائية.


اتعرف على أحمد.


بقوا أصحاب.


وبعدين أقنعه يدخل معاه في استثمار.


بعد سنة…


كان كل شيء باسمه.


وابنها بقى مديون.


وبعدها بشهور…


اتوفى بأزمة قلبية.


قالت وهي بتبكي:


“أنا طول السنين دي فاكرة إن ابني هو اللي غلط.”


“لحد ما شفت أحمد في الأخبار وهو بيتحاكم.”


مدتلي ملف.


وقالت:


“يمكن الورق ده يفيد.”



قعدت أنا وهبة نراجع الملف.


وفجأة…


لقينا اسم متكرر.


شركة اسمها…


الأمان للاستثمارات.


نفس الشركة كانت موجودة في أكتر من ق\ضية.


وكل الضحايا…


مروا بنفس السيناريو.


استثمار…


ديون…


تزوير…


واختفاء.



هبة قالت وهي بتقلب الورق:



“واضح إن أحمد ماكانش المدير.”


قلت:


“يعني؟”


قالت:


“في حد أكبر منه.”



الجملة دي فضلت ترن في دماغي.


يمكن أحمد كان مجرد واجهة.


يمكن الشخص الحقيقي…


لسه بره.



في نفس الليلة…


وأنا راجعة البيت…


لقيت باب الشقة مفتوح سنة.


اتجمدت.


أنا متأكدة إني قفلته.


دخلت بحذر.


كل حاجة كانت مكانها.


ولا حاجة متسرقة.


لكن وأنا داخلة أوضة النوم…


لاحظت إن الدولاب مفتوح.


والأوراق كلها مرمية على الأرض.


حد كان بيدور على حاجة.


بس ماخدش حاجة.



اتصلت بالشرطة.


بعد المعاينة…


الظابط قال:


“الغريب إن اللص ما لمسش الذهب.”


فعلاً.


الدهب كان موجود.


اللابتوب موجود.


الفلوس موجودة.


اللي اتقلب…


كان الورق بس.



رجعت أبص على الملفات.


كلها ملفات تخص قض\ية أحمد.


يعني…


اللي دخل…


كان بيدور على دليل.



وأنا بجمع الورق…


وقعت مني صورة قديمة.


أنا وأحمد يوم الفرح.


ورانا كان في راجل كبير، لابس بدلة كحلي.


ماكنتش واخدة بالي منه قبل كده.


بصيت للصورة أكتر.


حسيت إني شفته قبل كده.


لكن فين؟



تاني يوم…


روحت للعم سيد.


وريته الصورة.


أول ما شافها…


وشه اتغير.


قال:


“مش معقول.”


قلت بسرعة:


“مين ده؟”


رد وهو بيقرب الصورة من عينه:


“ده فؤاد الشرقاوي.”


“كان محاسب في شركة كبيرة.”


“ومن عشر سنين اختفى.”


استغربت.


“اختفى إزاي؟”


قال:


“اختفى…


والشركة اكتشفت بعدها إن ملايين الجنيهات راحت.”



قلبي بدأ يدق بسرعة.


قلت:


“تقصد إنه ليه علاقة بأحمد؟”


رد:


“واضح إن العلاقة أكبر بكتير.”



بعد يومين…


النيابة استدعتنا.


كان فيه تطور جديد.


دخلنا مكتب وكيل النيابة.


لقيناه حاطط قدامه ملفات كتير.


قال:


“في شاهد جديد.”


دخل راجل في الخمسينات.


أول ما شفته…


عرفته.


كان موظف سابق عند أحمد.


قال:


“أنا ساكت بقالي سنين.”


“لكن خلاص.”


وبدأ يحكي.


قال إن أحمد كان بينفذ أوامر شخص واحد.


وكل العقود…


كانت بتروحله الأول.


وكل الفلوس…


كانت بتتقسم.


وكمان قال جملة خلت المكان كله يسكت.


“أحمد ماكانش بيختار ضحاياه.”


“كان فيه حد بيسلمهم له.”



بصيت للعم سيد.


لقيته بيكتب اسم على ورقة.


وراني الورقة.


كان مكتوب عليها:


فؤاد الشرقاوي.


في اللحظة دي…


وكيل النيابة فتح درج مكتبه.


طلع صورة قديمة.


وحطها قدامي.


الصورة كانت لنفس الراجل…


لكن واقف جنب شخص تاني.


الشخص ده…


خلاني أحس إن الأرض بتميد بيا.


لأن الراجل التاني…


كنت أعرفه كويس جدًا.


وكان بيزور بيتنا من سنين…


وبابا كان بيناديه طول عمره:


“يا عم حسن…”


يتبع…

الفصل الأخير


فضلت أبص للصورة…


وأبص للراجل اللي واقف جنب فؤاد الشرقاوي.


كل ملامحه كانت مألوفة.


مش مجرد معرفة…


ده راجل دخل بيتنا مئات المرات.


كان بيضحك مع أبويا.


وبيشرب معاه الشاي.


ولما أمي كانت عايشة، كان أول واحد يجي يعزي بعد وفاتها.


عم حسن.


بصيت لأبويا.


لقيته ساكت.


ملامحه اتغيرت.


لكن ملامح الصدمة ماكنتش موجودة.


كانت ملامح حزن.


قال بهدوء:


“أنا كنت مستني اليوم ده.”



بصيتله بعدم تصديق.


“إنت كنت عارف؟”


هز راسه بالنفي.


“كنت شاكك… لكن عمري ما تمنيت إن شكي يطلع صح.”



العم سيد طلب من وكيل النيابة يجيب عم حسن للتحقيق.


وفي نفس الليلة…


الشرطة راحت بيته.


لكن…


كان اختفى.


ساب البيت مفتوح.


وموبايله مقفول.


وكأن حد بلغّه قبل ما يوصلوله.



بعد يومين…


وصل بلاغ.


حد شاف عربية عم حسن واقفة قدام استراحة قديمة على طريق الصحراوي.


الشرطة اتحركت فورًا.


أنا وأبويا والعم سيد وقفنا بعيد.


ماكانش مسموح لينا ندخل.


بعد نص ساعة…


طلعوا بعم حسن.


كان قاعد لوحده.


ولا حاول يجري.


ولا قاوم.


بالعكس…


كان باين عليه إنه مستنيهم.



في التحقيق…


أنكر كل حاجة.


قال إنه مجرد صاحب لأبويا.


وإن الصورة قديمة.


لكن لما واجهوه بالتحويلات البنكية…


وبالتسجيلات…


وبشهادة الموظف…


ابتدى يتكلم.


قال:


“أنا ما كنتش بنصب.”


“أنا كنت بختار الناس بس.”


سأله وكيل النيابة:


“يعني إيه؟”


رد بمنتهى البرود:


“أي عيلة فيها راجل كبير… وبنت وحيدة… وشقة أو أرض… كنت أعرفهم على أحمد.”


حسيت إن نفسي اتقطع.


يعني…


كل السنين دي…


كان داخل بيتنا وهو مخطط يدمره.



قال كمان إنه أول مرة شافني كان عندي سبعتاشر سنة.


ومن ساعتها…


رشحني لأحمد.


لأن أبويا كان معروف إنه راجل شريف، وعنده شقة باسمه.


وأنا كنت بنته الوحيدة.


أبويا ساعتها ماقدرش يكمل سماع.


خرج برة الأوضة.


وأنا جريت وراه.


لقيته واقف في طرقة النيابة…


وساند على الحيطة.


أول مرة أشوف دموعه.


قال بصوت مكسور:


“أنا اللي دخلته بيتنا.”


حضنته.


وقلتله:


“إنت الضحية يا بابا… مش السبب.”



بعد شهور من التحقيقات…


الق\ضية اتحولت للمحكمة.


المرة دي…


ماكانتش ق\ضية أحمد لوحده.


كانت ق\ضية شبكة كاملة.


فؤاد الشرقاوي…


عم حسن…


أحمد…


وأكتر من شخص كان بيساعدهم في التزوير.


استمرت الجلسات شهور.


كل جلسة…


كان يظهر ضحية جديدة.


أرملة.


مدرس على المعاش.


صاحب ورشة.


ست كبيرة في السن.


كلهم…


وقعوا بنفس الطريقة.



وفي آخر جلسة…


القاضي وقف وقال:


“بعد الاطلاع على الأدلة، والتسجيلات، والتحويلات البنكية، وشهادات الشهود…”


وسكت لحظة.


القاعة كلها كانت ساكتة.


وبعدين نطق بالحكم.


أحمد…


وعم حسن…


وفؤاد…


وباقي أفراد الشبكة…


صدرت ضدهم أحكام بالسجن المشدد.


وأمرت المحكمة بمصادرة الأموال اللي ثبت إنها جاية من جرائم النصب.


وكمان…


إعادة أي ممتلكات قدروا يثبتوا أصحابها الحقيقيين.



وأول ما القاضي أنهى كلامه…


بصيت ناحية أحمد.


لقيته أول مرة…


خايف.


مش متكبر.


ولا واثق.


ولا بيبتسم.


مجرد راجل…


خسر كل حاجة بسبب طمعه.


خرج من القاعة وسط الحراسة.


ولأول مرة…


ماحاولش يبصلي.


يمكن لأنه عرف…


إنه انتهى.



بعد الحكم بشهر…


رجعت أنا وأبويا البيت.


فتح باب الشقة.


دخل بهدوء.


وقف قدام ترابيزة السفرة.


نفس الترابيزة…


اللي استخبيت تحتها.


عدّى بإيده على الخشب.


وقال:


“فاكرة الليلة دي؟”



ابتسمت.


وقلت:


“مستحيل أنساها.”


رد:


“الترابيزة دي أنقذت حياتنا.”


ضحكت.


وقلت:


“لا…


اللي أنقذنا إنك ما استسلمتش.”



قررنا نغير حاجات كتير في البيت.


دهنّا الحيطان.


غيرنا الستاير.


اشترينا سفرة جديدة.


لكن…


لما جه النجار يشيل الترابيزة القديمة…


أبويا وقف.


وقال:


“سيبها.”


استغرب.


قال:


“دي قديمة.”


أبويا ابتسم.


وقال:


“يمكن…


بس شاهدة على عمر كامل.”


فضلت مكانها.


زي ما هي.



أما المكتب بتاعي…


فابتدى يكبر.


كل أسبوع…


كان يجيلنا حد جديد.


حد محتاج يساعده.


حد اتضحك عليه.


حد خايف.


وكنت كل مرة أفتكر نفسي.


وأقول للناس:


“اقروا أي ورقة قبل ما تمضوا.”


“اسألوا.”


“وما تخافوش تشكوا لو في حاجة مش مريحة.”



وفي يوم…


دخل المكتب شاب صغير.


قال:


“أنا جاي أشكر حضرتك.”


استغربت.


قال إن جده كان هيوقع على توكيل عام.


لكن بعد ما شاف حلقة تلفزيونية اتكلموا فيها عن قضيتنا…


رفض يمضي.


وبالتالي…


أنقذ بيته.


ابتسمت.


وحسيت لأول مرة…


إن اللي مرينا بيه…


مكنش كله وجع.


كان سبب إن ناس تانية تنجو.



عدت سنة كاملة.


في عيد ميلاد أبويا…


عملتله مفاجأة.


جمعت كل الناس اللي وقفوا جنبنا.


العم سيد.


هبة.


عم شوقي.


وحتى الست الكبيرة اللي كانت أول واحدة جابتلنا ملف جديد.


قعدنا حوالين نفس الترابيزة.


وأبويا بص لينا كلنا.


وقال:


“زمان كنت فاكر إن البيت بيتبني بالطوب.”


“دلوقتي عرفت…


إن البيت بيتبني بالناس اللي تحميه.”



وأنا راجعة أوصل الضيوف…


لقيت بنت صغيرة، يمكن عندها عشر سنين، واقفة قدام المكتب.


قالتلي:


“هو إنتي الأستاذة منى؟”


ابتسمت.


وقلت:


“أيوه.”


قالت:


“ماما قالتلي أشكرك.”


“عشان إنتي رجعتلها أرض جدي.”


انحنيت قدامها.


وقالت وهي ماشية:


“أنا لما أكبر…


عايزة أبقى زيك.”


فضلت واقفة أبص عليها لحد ما اختفت.


وساعتها…


افتكرت نفسي من سنين.


البنت اللي كانت فاكرة إن الحب معناه إنها تسكت.


وإن الثقة معناها إنها ما تسألش.


لكن الحياة علمتني حاجة واحدة…


الحب الحقيقي عمره ما يطلب منك تتنازلي عن كرامتك… والثقة الحقيقية عمرها ما تخاف من السؤال.


رجعت البيت.


دخلت المطبخ.


لقيت أبويا بيحضر الشاي.


ضحك أول ما شافني.


وقال:


“هتشربي؟”


ضحكت وأنا بقعد قدامه.


وقلت:


“أكيد.”


ناولني الكوباية.


ورفع كوبايته هو كمان.


وقال بابتسامة هادية:


“المرة دي…


من غير خوف.”


بصيت حواليّا.


للبيت.


للترابيزة.


للصور القديمة.


وحسيت إن كل حاجة رجعت لمكانها.


يمكن الجروح عمرها ما بتختفي تمامًا…


لكن بتتعلم تعيش بيها.


وأوقات…


بتبقى هي السبب اللي يخليك أقوى.


في الليلة دي…


شربنا الشاي في هدوء.


ولأول مرة من سنين…


كان الصمت مش مليان خوف.


كان مليان سلام.


تمت.


تعليقات

التنقل السريع
    close