لو نفسك أوي في «الحفيد الولد» يا أمي مني السيد
مني السيد
— لو نفسك أوي في «الحفيد الولد» يا أمي، روحي عيشي معاه. بس بنتي مش هتفضل كل مرة حاجة تتاخد منها عشان ترضي ابنك.
قالها جوزي أحمد من غير ما يعلي صوته، وهو ماسك كيس أسود في إيده، جواه كيس جمبري كبير ولسه سخن.
أنا كنت واقفة قدامه ومش مصدقة اللي بيحصل.
ست سنين وأنا ببلع كل حاجة وأسكت… بس عشان البيت ما يخربش، وعشان ما أدخلش في خناقات مع حماتي.
كنا عايشين في شقة متوسطة في منطقة شعبية محترمة في القاهرة: أنا، وجوزي أحمد، وبنتنا مريم اللي عندها خمس سنين، وحماتي أم أحمد.
أحمد كان الابن الأصغر.
أخوه الكبير، سامح، كان واخد تقريبًا كل اللي أبوهم سابه بعد وفاته. شقة، وقطعة أرض، وفلوس من بيع محل قديم.
ولما أحمد اعترض، أبوه وقتها كان بيقول:
— سامح الكبير… وهو اللي هيشيل اسم العيلة ويقف جنبنا.
سامح باع جزء من الأرض، واشترى شقة كبيرة جدًا، وبعدها اتجوز وخلف ولد اسمه ياسين.
أما حماتي، فبعد ما أبو أحمد مات، سامح قال إن شقته مش هتنفع تستقبلها.
فجت عندنا وقالت:
— كام أسبوع بس يا أحمد… لحد ما أظبط أموري.
الـ«كام أسبوع» دول بقوا ست سنين.
ست سنين وإحنا اللي بندفع علاجها، وأدويتها، وأكلها، وفواتير البيت.
وسامح؟
كان بييجي كل فترة، ياخد طلباته ويمشي.
ورغم كل ده، حماتي كانت شايفاه ملاك.
والأسوأ من كده إنها كانت بتعشق ابنه ياسين.
— ده حفيدي الولد… ده اللي هيشيل اسم العيلة.
أما بنتي مريم، فكانت بتحبها على قد ما يكون مفيش حاجة تتقسم.
أنا شفت بعيني قبل كده حماتي وهي بتخبي فراخ، وفاكهة غالية، ولبن مخصوص عشان تاخدهم لياسين.
وآخر مرة اشتريت فيها علبة مكمل غذائي مخصوص لمريم، بعد ما وزنها نزل بسبب دور برد شديد، لقيتها بتحاول تخبيها عشان تديها لسامح.
أحمد وقف لها وقتها.
بس للأسف… ده ما غيرش حاجة.
لحد يوم الجمعة.
أمي، الحاجة فاطمة، كانت راجعة من عند خالتي في البلد، وجابت معاها شنطة أكل كبيرة.
فتحتها قدامنا وطلعت منها كيس كبير مليان جمبري جامبو.
وقالت وهي بتبص لمريم:
— ده مخصوص لمريم يا حبيبتي. البنت خسّت أوي بعد المرض، خليها تاكل منه عشان تقوى وتفوق.
مريم من الفرحة قعدت جنبي في المطبخ، وكل شوية تسألني:
— ماما خلص؟ أكل؟
ضحكت وقلت لها:
— خلاص يا حبيبتي، دقايق وهيبقى جاهز.
نضفت الجمبري وطبخته بالثوم والليمون والزبدة، وريحتُه ملت البيت.
مريم كانت مستنية قدام السفرة.
لكن أنا دخلت المطبخ أجيب لها طبق ومعلقة.
يمكن دقايق… خمس دقايق بالكتير.
لما رجعت، لقيت السفرة فاضية.
بصيت حواليّ.
لقيت حماتي خارجة بسرعة ناحية باب الشقة، وماسكة كيس أسود بإيدها.
بصيت للكيس… وبعدين بصيت لها.
— إنتِ رايحة فين؟
اتوترت وقالت:
— رايحة أودي الأكل لياسين.
اتجمدت مكاني.
— الأكل إيه؟
ردت بمنتهى البرود:
— الجمبري.
قربت منها وقلت:
— جمبري مريم؟
— أيوه، مالُه؟
— أمي جابته مخصوص عشان بنتي!
ضحكت بسخرية وقالت:
— يعني إيه؟ هو ياسين مش حفيدي؟ وبعدين الولد محتاج أكل أكتر من البنت.
حسيت إن الدم بيغلي في عروقي.
— بس مريم كانت مستنياه من الصبح!
ردت بمنتهى الاستهانة:
— ما تاكل أي حاجة تانية. هو الجمبري بقى دواء يعني؟
بصيت لها وأنا مش قادرة أصدق اللي بسمعه.
— إنتِ بتاخدي أكل بنتي من قدامها عشان تديه لابن ابنك؟
قالت بمنتهى الثقة:
— وأنا جدته. ومن حقي أدي حفيدي اللي أنا عايزاه.
في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح.
أحمد دخل.
بص لي، وبعدين بص لأمه، وبعدين عينه وقعت على الكيس الأسود اللي في إيدها.
— في إيه؟
أنا ما قدرتش أتكلم.
لكن مريم قالت بصوت صغير:
— بابا… تيتة خدت الجمبري بتاعي لياسين.
أحمد سكت.
ثواني طويلة عدت كأنها دقايق.
وبعدين مد إيده وخد الكيس من إيد أمه.
فتحه.
شاف الجمبري لسه زي ما هو.
بص لأمه وقال بهدوء غريب:
— مريم حتى ما لحقتش تدوقه.
حماتي بدأت تتكلم بسرعة:
— يا ابني أنا أمك، وياسين ولد، والولد أولى بالحاجات دي، وبعدين إنت مراتك هي اللي مكبرة الموضوع…
أحمد قاطعها:
— أمي، كفاية.
سكتت.
أول مرة أشوفه بيتكلم معاها بالشكل ده.
حط الكيس على السفرة وقال:
— من النهارده، محدش هياخد حاجة من بنتي.
حماتي شهقت:
— إنت بتتكلم معايا أنا كده؟
قال:
— أيوه.
وبعدين مسك موبايله واتصل بأخوه سامح.
— سامح، تعالى خد أمي.
سامح رد عليه من الناحية التانية.
أحمد قال:
— أمي بتقول إنها عايزة تعيش معاكم.
سكت شوية.
وبعدين سمعنا صوت سامح بيقول:
— يا أحمد، إنت عارف إن البيت عندي صغير، ولورين مش هتقدر تستحمل وجود حد معانا دلوقتي… خليها عندك وإحنا نشوف الموضوع بعدين.
وش أحمد اتغير.
قفل المكالمة وبص لأمه.
حماتي كانت مصدومة.
لكن بدل ما تعترف إنها غلطانة، بصت لي أنا وقالت:
— كل ده بسببك إنتِ! من ساعة ما دخلتي البيت وإنتِ بتحاولي توقعي ابني في أمه!
وبعدين بصت لمريم وقالت بغضب:
— والبنت دي هي اللي خلتك تنسى أهلك!
مريم خافت وجريت استخبت ورا أبوها.
أحمد ضمها لصدره.
وبص لأمه بنظرة عمرها ما شافتها منه قبل كده.
لكن اللي حصل في الليلة دي ما كانش مجرد خناقة على كيس جمبري.
حماتي قررت تنتقم.
واللي عملته بعدها كشف سر قديم في العيلة… سر أحمد نفسه ما كانش يعرفه.
سر خلى كل حاجة حصلت خلال الست سنين اللي فاتوا تاخد معنى مختلف تمامًا.
وفي صباح اليوم التالي…
دخلت علينا واحدة من غير ميعاد.
وأول ما حماتي شافتها، وشها اتغير تمامًا.
لأن الست دي كانت آخر إنسانة تتمنى إنها تظهر قدامنا.
الفصل الثاني
الست اللي دخلت فجأة كانت لابسة عباية سودة شيك، وملامحها حادة ومش ناسية أي تفصيلة من وشها، رغم إن السنين سابت علاماتها تحت عينيها. كانت ماشية بثقة كأنها صاحبة المكان، وفي إيدها شنطة جلد قديمة بس متصانة كويس. أول ما حماتي شافتها، كيس النايلون اللي كان في إيدها وقع، ورجليها ما شالتهاش، فقعدت على أول كرسي قابلها وهي بتبص للست بدهشة خالتها خوف حقيقي.
أحمد بصلها باستغراب، ونزل مريم من حضنه ببطء وهو بيسأل بصوت متوتر:
— خير يا طنط؟ إنتِ مين؟ ودخلتي إزاي كده؟
الست بصت لأحمد بابتسامة غريبة، ابتسامة فيها وجع على حصرة على شفقة، وقالت بصوت هادي بس يرن في الصالة كلها:
— أنا خالك يا أحمد… قصدي، أنا خالته لسامح. أنا “جمالات”، أخت أباك الله يرحمه الصغيرة. اللي مقاطعة العيلة دي من يجي عشرين سنة بسبب الساحرة اللي قاعدة عندك في الصالة دي.
حماتي وقفت بسرعة وهي بتصرخ وصوتها بيرتعش من الغيظ:
— اطلعي برة يا جمالات! إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ جاية تخربي بيوت ولادي بعد العمر ده كله؟ امشي برة قبل ما أنادي على البواب يرميكي!
الست جمالات ضحكت بتهكم وربعت إيدها:
— ترميني؟ ده أنا جاية أنقذ باقي عمر ابن أخويا اللي إنتِ دايسة عليه ورامية شقاه تحت رجليين ابنك سامح! جاية أقول الحق اللي سكتت عنه عشان خاطر المحروم أخويا قبل ما يموت، بس لما عرفت باللي بتعمليه في العيلة وبنت أحمد الصغيرة، قلت لأ… لحد هنا والظلم لازم يقف.
أنا واقفة جمب أحمد ماسكة إيده، وحاسة إن في مصيبة كبيرة مستنية تتكشف. أحمد كان بيتنفس بصعوبة، بص لأمه وقال بصوت جامد:
— اقعدي يا أمي. وإنتِ يا طنط جمالات، قولي اللي عندك. سر إيه ده اللي بتتكلمي عنه؟ وإيه علاقته بيا وبسامح وأبويا الله يرحمه؟
جمالات قعدت على الكنبة بكل هدوء، وفتحت شنطتها الجلد وطلعت منها أوراق قديمة لونها أصفر، ملفوفة بحبل رفيع. بصت لأحمد وقالت:
— إنت فاكر إن أبوك كان بيحب سامح أكتر منك؟ فاكر إن أبوك هو اللي كتب الشقة والأرض والمحل لسامح عشان هو الكبارة اللي هيشيل اسم العيلة؟
أحمد هز رأسه بمرارة وقال:
— ده اللي طول عمرنا بنسمعه. ده اللي أمي كانت بتقولهولنا كل يوم. سامح الكبير، سامح اللي هيقف جمبنا… وأنا طلع عينيا في المصاريف والتعليم وفي الآخر ما طلعتش بحاجة غير الشقة المتوسطة دي، وبدفع ديونهم ومرض أمي.
جمالات ضحكت بصوت عالٍ كله حسرة:
— أبوك الله يرحمه ما كتبش حاجة لسامح يا أحمد! أبوك مات وهو سايب كل حاجة مقسومة بالعدل بينك وبين أخوك، بل بالعكس، كان كاتب الشقة المترهنة دي باسمك إنت عشان عارف إنك الغلبان، والأرض والمحل كانوا للنص بالظبط!
أحمد تنح، وبص لأمه اللي وشها بقى أصفر زي الموتى، وقالت وهي بتهدد جمالات:
— اسكتي يا جمالات! اسكتي الله يخرب بيتك! إنتِ بتتبلي عليا! أحمد، ما تسمعلهاش، دي ست مجنونة وجاية تعمل فتنة بينك وبين أخوك!
أحمد ما ردش على أمه، قرب من جمالات بخطوات بطيئة وقال بصوت مهزوز:
— إزاي؟ إزاي وسامح هو اللي باع الأرض وباع المحل واشترى شقته الجديدة؟ ومستندات الملكية اللي كانت معاه دي جت منين؟
جمالات طلعت ورق من الشنطة وحطته على السفرة قدام كيس الجمبري اللي لسه موجود:
— الورق ده صورة طبق الأصل من إعلام الوراثة القديم وعقود البيع الحقيقية اللي أبوك سابها معايا أنا قبل ما يموت بأسبوع واحد. أبوك كان عارف إن أمك بتفضل سامح تفضيل أعمى، وكان عارف إنها بتسحب منه الفلوس والتوكيلات وتديهاله من ورا ضهره. أمك يا أحمد هي اللي زورت توكيل باسم أبوك وهو في أيام مرضه الأخيرة، ونقلت ملكية الأرض والمحل لسامح بلطجة وتزوير!
أنا شهقت وحطيت إيدي على بقي. أحمد مسك الورق بإيد بتترعش، بدأ يقلب فيه، وعينيه بتتوسع من الصدمة. كانت العقود بتثبت إن المحل والأرض كانوا ملك للطرفين، وإن التوكيل المكتوب لسامح اتعمل في فترة أبوهم كان فيها في العناية المركزة وما يقدرش يبصم حتى!
أحمد بص لأمه بنظرة مكسورة، أكنه بيكلم حد تاني غير أمه اللي رباها وشالها على كتافه ست سنين:
— الكلام ده صح يا أمي؟ إنتِ زورتي ورق أبويا عشان تدي كل حاجة لسامح وتطلعيني أنا باللاش؟
حماتي بدأت تعيط بعصبية وتصرخ:
— أنا ما زورتش حاجة! سامح هو اللي كان هيشيل اسم العيلة! سامح خلف الولد اللي بيحمل اسم أبوك! إنت خلف بَنات يا أحمد! كنت عايزني أرمي شقى أبوك للبنات ولغريب ياكل فيه؟ سامح كان محتاج البدية، وإنت الله يعينك أهوه عايش ومستور!
أحمد صرخ فيها لأول مرة في حياته، صرخة طلعت من أرجاء صدره هزت الصالة كلها:
— مستور إيه؟! ده أنا باكل الشهد بالعافية! ده أنا بقالي ست سنين بستلف عشان أجيبلك دواكي ومصاريف علاجك اللي سامح ما دفعش فيها جنيه واحد! ده أنا كنت بقطع من قوت بنتي مريم عشان أفرشلك الأوضة وأديكي مصروفك في إيديكي كل أول شهر! وإنتِ… إنتِ كنتِ بتاخدي الشقى ده كله وتسرقي أكل بنتي من السفرة عشان توديه لابن سامح؟!
جمالات وقفت وحطت إيدها على كتف أحمد:
— مش بس كده يا أحمد… الورق ده فيه السر الأكبر. المحل اللي سامح باعه بمليون جنيه زمان؟ سامح ما اشترى بيه شقة بس… سامح ومامتك كانوا عاملين مشروع تجاري باسم سامح من وراك، وبياخدوا أرباحه كل شهر. وأمك كانت بتستلف منك وتسحب من جيبك عشان تبعتلهم الأرباح دي تكبر مشروعهم، وإنت فاكر إنك بتعالجها!
الصدمة كانت أكبر من إن أي حد يستوعبها. البيت بقى عبارة عن ساحة حرب هادية، محدش قادر يتنفس. حماتي كانت قاعدة على الكرسي بتهز رجلها بانهيار، مكسورة ومفضفضة، بس عينيها لسه فيها جشع وشر.
أنا قربت من أحمد، مسكت إيده وقلت بصوت حنين بس حاسم:
— أحمد… تهدى الأول. الورق ده لازم نوديه لمحامي يدرسه كويس. إحنا مش هنضيع حقنا ولا حق بنتنا أكتر من كده.
حماتي بصتلي بغل وحقد وقالت:
— إنتِ السوسة اللي في العمارة دي! إنتِ اللي قومتيه عليا! طول عمرك بتبصي لسامح ومراته في اللقمة والقرشين! جيتي بالست الملعونة دي عشان تهدوا البيت على دماغي!
في اللحظة دي، تلفون أحمد رن. كان سامح.
أحمد بص للشاشة، ورد وهو حاطط التلفون على السبيكر من غير ما ينطق.
صوت سامح جه من الناحية التانية، متوتر ومستعجل:
— إيه يا أحمد؟ عملت إيه مع أمك؟ يا ابني أنا قلتلك ظبط أمورك عندها، لورين مراتي هنا ماسكالي في الشوشة ومش راضية يستقبلها، وبعدين إنت عارف العيال ومصاريف المدارس اللغات بتاعة ياسين، مش ناقصين مصاريف زيادة وعلاج أمك ده بيقطّم الضهر. خليها عندك الشهر ده كمان وأنا هبقى أعدي أرميلك ألف جنيه ولا حاجة تنفعك في مصاريفها.
أحمد ضحك ضحكة مكسورة، ضحكة واحد فاوق من غيبوبة طويلة، وقال بكل برود:
— ألف جنيه يا سامح؟ هترميهم لي تنفعني؟ من أرباح المشروع اللي عملتوه بفلوس بيع أرض أبويا والمحل اللي زورتوا ورقه؟
الناحية التانية سكتت خالص. الصوت انقطع لثواني، وبعدين سامح قال بصوت حذر:
— إنت… إنت بتقول إيه يا أحمد؟ مين اللي ضاحك عليك ومفهمك الكلام الفارغ ده؟
أحمد بص لأمه، وبعدين بص لجمالات وللورق اللي على السفرة وقال:
— مش حد ضاحك عليا. الورق معايا يا أخويا. العقود وإعلام الوراثة الحقيقي والتوكيل المزور، كله في إيدي دلوقتي. وأنا مش هفضل مغفل ست سنين كمان.
سامح اتوتر وبدأ صوته يعلى:
— أحمد، بلاش جنان! الورق ده ملوش أي قيمة دلوقتي! الكلام ده عدى عليه سنين والموضوع اتقفل! بلاش تمشي ورا كلام الحريم وتخرب على أخوك الكسيب!
أحمد قال بثبات ما شفتهوش فيه من يوم ما اتجوزنا:
— لا يا سامح، الموضوع ما اتقفلش… الموضوع يلا دوبك بيبدأ. إنت قدامك ساعتين بالظبط. تيجي تاخد أمك بنفسك، وتجيب معاك كل عقود المشروع والأرض، عشان نقعد نتحاسب بالقرش والمليم. ولو ما جيتش خلال الساعتين دول… الورق ده بكرة الصبح هيبقى في النيابة العامة بتهمة التزوير والاستيلاء على حق الورثة.
قفل المكالمة في وش أخوه من غير ما يستنى يراغمه.
حماتي صرخت:
— إنت بتهدد أخوك الكبير يا أحمد؟! بتهدد سندك في الدنيا عشان شوية ورق وشوية جمبري؟!
أحمد بص لأمه بكل قسوة الدنيا وقرار لا رجعة فيه وقال:
— سامح مش سندي يا أمي… سامح هو اللي كان بيمص دمي ورزق بنتي بمساعدتك. وإنتِ… إنتِ من الساعة دي مالكيش كلمة في البيت ده.
حماتي وقفت، عينها طالع منها شرار، وبصتلي أنا ومريم وقالت:
— ماشي يا أحمد… فاكر إن الورق ده هيخليك تكسب؟ إنت ما تعرفش سامح عامل إيه وراميك في إيه! المشروع اللي إنت فرحان بيه ده مش باسمه لوحده… وسامح كاتب عليك إنت شيكات وضمانات من غير ما تعرف زمان لما كنت بتوقعله على ورق الصيدلية والشركة بتاعته! لو اتكلمت يا أحمد… إنت اللي هتتسجن قبل منه!
الكلمة نزل علينا زي الصاعقة. أحمد اتجمد مكانه، وبص لأمه بذهول…
مني السيد
الفصل الثالث والأخير
السكوت اللي ساد في الصالة بعد كلمة حماتي كان أتقل من الجبل. الكلمة كانت نازلة كأنها كرباج اترسم على وش أحمد. شيكات؟ ضمانات؟ إزاي وفيين ومتى؟ أحمد وقف زي الصنم، إيده اللي ماسكة ورق الورثة بدأت ترتعش بجد، مش من الخوف، لكن من هول الصدمة. الإنسان لما يتغدر بيه من غريب بياخد حذره، لكن لما الغدر ييجي من إيد أمه وأخوه اللي من دمه، الضربة بتهد الحيل وما بتسيبش حتة سليمة.
حماتي وقفت في نص الصالة، وشها اللي كان دبلان من شوية تحول لملامح فيها الشماتة والتحدي، ربعت إيدها وبصت لأحمد بمنتهى القسوة وقالت:
— فاكر نفسك كبرت وبقى ليك صوت يا أحمد؟ فاكر إن شوية ورق أصفر جابتهم العقربة دي هيخلوا ليك كلمة عليا وعلى أخوك؟ سامح ده سيدك وسيد العيلة دي كلها، ومن سنين وهو عامل حسابه لليوم ده. لما جالك من أربع سنين وقالّك تعالى اشترك معايا في شركة التوريدات الصغيرة وخلّاك تتطلع على أوراق وتوقع بصفتك الشريك الموصي، الورق اللي وقّعت عليه ما كانش ورق شراكة بس يا روح أمك! كان فيه شيكات على بياض وإقرارات دين بمبالغ تتمنى تشوفها في حلمك!
أنا حسيت إن الأرض بتدور بيا. مريم بنتي كانت لسه مستخبية ورا ضهر أحمد، ماسكة في بنطلونه بإيدها الصغيرة وبتعيط بصوت مكتوم وهي مش فاهمة إيه بيحصل، بس حاسة بالخطر اللي مالك المكان. أنا قربت من أحمد، مسكت دراعه بقوة وقلت بصوت بيترعش بس حاول يكون صلب:
— أحمد… بتبصلها كده ليه؟ الكلام ده مش صح… أكيد بتخوفك عشان تتراجع! افتكر إنت وقّعت على إيه وقتها!
أحمد غمّض عينيه بوجع، وغمزاته ظهرت من كتر ما كان ضاغط على سنانه. رجع بالذاكرة لأربع سنين فاتوا، ونطق بصوت مبحوح كأنه طالع من بير ملوش قاع:
— يومها… يومها سامح جالي الورشة، وكان جايب معاه أكل وعامل فيها الأخ الحنين. قال لي يا أحمد أنا عايز أوسع شغلي، وفيه مناقصة مستلزمات طبية محتاجة شركاء عشان الشروط، وقدم لي ملف أوراق كتير وقال لي بس بصم إيدك وهيصة، دي أوراق إدارية مش هتغرمك مليم، ده مجرد توثيق إن العيلة متضامنة… وأنا… أنا وقتها كنت أعمى، كنت فاكر أخويا الكبير بيفتح لي باب رزق أو حتى بيشاركني في نجاحه… ووقعت وبصمت على أوراق كتير من غير ما أقرا حرف واحد!
حماتي ضحكت بصوت عالٍ ضحكة رنانة ماليها الغل:
— ورجلت يا حبيبي! بصمت ووقعت! وسامح شال الشيكات دي في السيف عنده في البيت، قال لي يا أمي عشان لو أحمد في يوم من الأيام اتفرعن ولا مراته عفرتته علينا، نعرف نوقفه عند حده ونرجعه حجمه الطبيعي! أها، اديك شفت حظك بقى… لو حركت خطوة واحدة ناحية النيابة بالورق ده، سامح هيروح بكرة الصبح يرفع الشيكات دي في المحكمة، وتلاقي نفسك لابس قض..ية تبديد وحبس مش أقل من سبع سنين! ساعتها بقى خلي العباية السودة والست جمالات ينفعوك!
جمالات وقفت من على الكنبة، وبصت لحماتي بنظرة احتقار شديدة، وضربت كف بكف وقالت:
— يا ساتر يا رب! إيه الغل ده كله؟ إيه القلب الأحجر ده؟! بقى أم تبطّن لأبنها مصيبة وتفرح فيها عشان خاطر ابن تاني؟ إنتِ إيه يا شيخة؟ إنتِ إبليس يتعلّم منك! بس وحياة طول عمري اللي ضاع بعيد عن العيلة دي، مش هسيبك تمشي مخططك القذر ده على أحمد!
أحمد بصلهم هما الاتنين، كان منظره يقطع القلب. الراجل اللي اشتغل ليل ونهار، اللي كان بيصحى من ستة الصبح عشان يروح شغله، ويرجع بالليل يشتغل شغلانة تانية عشان يسدد مصاريف علاج أمه ومصاريف بيته، الراجل اللي ما رفضش لأمه طلب في يوم، يكتشف إنه كان مجرد لقمة سايغة في بق أمه وأخوه، بيستغلوه ويجهزوله المشنقة في أي وقت يقرر فيه يطالب بحقه!
أحمد قعد على الكرسي، وحط راسه بين إيديه. المنظر كان صعب. مريم قربت منه وحطت إيدها على ركبته وقالت:
— بابا… إنت بتعيط؟
أحمد رفعه راسه بسرعة، مسح عينيه بإيده واستجمع قوته بالعافية، وطبطب على راس مريم وقالها:
— لا يا حبيبتي… بابا مش بيعيط، بابا بيستوعب بس. روحي جوة أوضتك يا مريم دلوقتي يلعب باللعب بتاعتك.
مريم بصتلي، أنا هزيت لها رأسي بمعنى روحي، ومسكت إيدها ودخلتها الأوضة وقفلت الباب بالراحة. لما رجعت الصالة، لقيت الوضع اتغير. أحمد ما كانش منكسر زي من شوية، كان فيه نظرة جديدة في عينيه… نظرة راجل ما بقاش عنده حاجة يخسرها.
أحمد بص لأمه وقال بصوت هادي جدًا، والهدوء ده كان يرعب أكتر من الصريخ:
— ماشي يا أمي. سامح كاتب عليا شيكات على بياض، وإنتِ فرحانة ومبسوطة إن ابنك البكر بيلوي دراع ابنك الصغير. تمام. إحنا مستنيين سامح لما ييجي. مش هو فاضل له ساعة وييجي؟ خلونا قاعدين ومستنيين.
حماتي ارتبكت من هدوء أحمد، كانت فاكراه حيعيط أو يتوسل لها عشان تتدخل عند سامح وما يرفعش الشيكات. وقالت بتوتر:
— إيه؟ هتستنى إيه؟ إنت فاكر إنه هيخاف منك؟ سامح جاي وياخدني من هنا، وإنت ترجع لعقلك وتديني الورق اللي مع جمالات ده تحرقه قدامي، ساعتها بس هخلي سامح يسلمك الشيكات ونسامحك على اللي عملته النهاردة!
جمالات ضحكت وقالت:
— تحرق الورق؟ ده إنتِ بتحلمي يا أم سامح! الورق ده مش هيتحرق، ده صورة طبق الأصل، الأصل محفوز في مكان أمين محدش يعلم بيه غير ربنا وأنا! والورق ده هو اللي هيطير رقبتكم إنتِ وابنك!
في اللحظة دي، خبط جامد على باب الشقة. الخبط كان متوتر وسريع، كأن اللي برة بيهد الباب.
أحمد قام ببطء، مشى ناحية الباب وفتحه.
كان سامح.
سامح دخل الشقة ووشه جايب ألوان، العرق نازل على جبهته رغم إن الجو ما كانش حر. كان باين عليه الخوف والاضطراب. بص لأحمد، وبعدين بص لجمالات اللي كانت واقفة مربعة إيدها، وبعدين بص لأمه.
سامح نطق بصوت عالي وهو بيحاول يفرض سيطرته:
— إيه الجنان اللي بيحصل هنا ده؟ إنتِ إيه اللي جابك يا جمالات؟ جاية بعد السنين دي كلها عشان تعملي فتنة بين الأخوات؟ وأنت يا أحمد… إيه الكلام الفارغ اللي بتقوله في التلفون ده؟ تزوير إيه ونيابة إيه؟ إنت اتجننت؟
أحمد ما ردش بشرة، وقف وسد طريق الصالة، وبصلو بمنتهى الثبات وقال:
— أهلاً يا سامح. اتفضل أدخل. كنت مستنيك عشان تحل الفزورة دي. أمك بتقول إنك كاتب عليا شيكات على بياض من أربع سنين، وإنك جنيت عليّ وخليتني أوقع على إقرارات دين عشان لو طلبت بحقي في ورث أبويا تلبسني قض..ية وتوديني السجن. الكلام ده صح يا أخويا الكبير؟
سامح اتلعثم، وبص لأمه بعتاب شديد وكأنه بيلومها إنها كشفت السر، وقال متوتر:
— شـ… شيكات إيه؟ أمك بتقول أي كلام عشان كانت زعلانة منك! أنا أعمل فيك كده يا أحمد؟ ده إنت أخويا الصغير!
جمالات اتكلمت بصوت عالي:
— بلاش تمثيل يا سامح! الوش ده حافظاه كويس من أبوك الله يرحمه ومن أمك! الكذب في دمكم! اخلص وقول للراجل إنت ناوي على إيه، عشان أصل العقود الحقيقية اللي معاها إعلام الوراثة المزيف المكتوب باسمك جاهزة تنزل للنيابة بكرة الصبح!
سامح مسح العرق من على وشه، وبص لجمالات بغضب:
— إنتِ تسكتي خالص! ما تدخليش بيني وبين أخويا!
وبعدين بص لأحمد وقرب منه، وغير نبرة صوته لنبرة هادية ومخادعة:
— أحمد… يا حبيبي، تعالى نتكلم في الأوضة جوة لوحدنا. بلاش الكلام قدام الحريم. الحريم هما اللي بيخربوا البيوت. تعالي نتفاهم يا أخويا.
أنا اتدخلت وقلت بصوت حاسم:
— لا يا سامح! مفيش كلام في الأوضة لوحدكم! الكلام كله هيبقى هنا وقدام الكل! أحمد ما بقاش أعمى، وأنا مش هسيبك تستفر بيه تاني وتضحك عليه بكلمتين حنينين!
سامح بص لي بغل وقال:
— إنتِ تسكتي خالص! إنتِ السبب في كل ده! من يوم ما دخلتي العيلة دي وإنتِ شايلة الغل والكره لمراتي ولابني، والنهاردة طالعة تعملي مشكلة عشان شوية جمبري أمه كانت رايحة تديه لابني؟!
أحمد صرخ بصوت هز جدران الشقة، وصوته كان مليان غضب سنيين مكتوم:
— الشتيمة في مراتي خط أحمر يا سامح! مراتي دي هي اللي كانت بتستحمل أمك وطلباتها وقرفها ست سنين كاملين! مراتي دي هي اللي كانت بتدبر قرشين البيت عشان أعرف أدفع علاج أمك وأدويتها اللي إنت ما دفعتش فيها جنيه واحد! مراتي دي هي اللي حارمة بنتها من الأكل الغالي والفاكهة عشان أمك تخبيه وتديه لابنك! بلاش تتكلم عن المبادئ والأخلاق وإنت لابس عباية التزوير والنصب!
سامح وشّه اسودّ، وفهم إن المحايلة مش هتجيب نتيجة مع أحمد. ملامحه اتغيرت وشخصيته الحقيقية ظهرت، وقف بشر وقال:
— ماشي يا أحمد… طالما جادد في كلامك ومش عايز تتراجع، أه… الشيكات معايا! ومعايا إقرار منك بدين بقيمة أربعمائة ألف جنيه، موثق ببصمتك وتوقيعك! لو سمعت صوتك تاني أو حاولت ترفع قض..ية تزوير على ورث أبويا، الشيكات دي هتبقى في المحكمة تاني يوم، وهتترمي في السجن وهتسيب مراة وبنتك يلفوا على الأبواب! وريني بقى هتنفعك إزاي السبعة وثمانين ألف جنيه بتوع نصيبك في المحل والأرض لما تبقي محبوس!
الصمت نزل على المكان تاني. حماتي ابتسمت بنصر، كأنها كانت مستنية اللحظة دي.
لكن أحمد ابتسم… ابتسامة غريبة جدًا. ابتسامة راجل كشف كل الكروت.
أحمد طلع موبايله من جيبه، وحطه على الترابيزة قدام سامح.
الموبايل كان بيسجل.
أحمد قال ببرود شادد:
— الشيكات دي يا سامح… إنت قلت بعظمة لسانك دلوقتي إنك خدتها مني بالتزوير والخديعة، وإنك مخليني أوقع عليها عشان تضغط عليا وما أطالبش بحقي في الورث. والتسجيل ده شغال من أول ما دخلت الشقة وسمعت كلامك وكلام أمك بالتفصيل.
سامح اتصدم، وعينيه اتوسعت من الخوف، وهجم على الترابيزة عشان يخطف الموبايل، بس أحمد كان أسرع منه، مسك الموبايل وحطه في جيبه وهو بيبعد سامح بإيده التانية بقوة.
أحمد قال بثقة:
— ومش بس كده يا أخويا الكبير… الورق اللي إنت فاكر إنه اتنسى؟ التوكيل اللي زورتوه باسم أبويا وهو في العناية المركزة؟ التارخ بتاعه مكتوب فيه إنه اتعمل يوم ١٤ يناير ٢٠١٨. وأبويا الله يرحمه دخل العناية المركزة وفقد الوعي تمامًا من يوم ١٠ يناير ٢٠١٨، وتقارير المستشفى الحكومي والرعاية المركزة لسه موجودة وفيها أختام الأطباء وتوقيعاتهم إن الحالة كانت غير واعية تمامًا وما تقدرش تتصرف قانونيًا! يعني التوكيل باطل قانونًا، والتزوير جناية مش مجرد جنحة!
سامح رجع لورا خطوتين، كأنه اتضرب على دماغه بآلة حادة. وش حماتي اصفرّ أكتر، ورجليها اتعكست وما بقتش قدرة تقف.
جمالات ضحكت بصوت عالٍ وصقفت بإيدها:
— الله عليك يا ابن أخويا! الله عليك يا أحمد! طالع لأبوك في ذكاءه وحكمته لما كان بيركز في التفاصيل! المستشفى والدكاترة لسه موجودين، والتقارير اتوثقت من زمان!
سامح بدأ يترعش، الخوف أكل قلبه لأن عارف إن جناية التزوير واستعمال محرر مزور عقوبتها السجن المشدد، وغير كده هتضيع منه الشقة والمشروع وكل حاجة بناها من الحرام.
سامح نزل إيديه وبدأ صوته يضعف:
— أحمد… يا أحمد استهدى بالله… إحنا إخوات في الآخر… بلاش ندخل المحاكم والنيابات بيننا… الناس تقول علينا إيه؟
أحمد بص له بقرف وقال:
— الناس؟ إنت افتكرت الناس دلوقتي؟ وين كان عُرف الإخوة لما كنت بتاكل شقايا وبتخطط تسجنني؟ وين كانت الإخوة وأمك بتاخد أكل بنتي الصغيرة المريضة عشان تديه لابنك وتقلل من قيمة بنتي عشان هي بنت وياسين ولد؟
حماتي بدأت تعيط بجد المرة دي، دموع خوف مش دموع ندم، وقربت من أحمد وهي بتترجاه:
— يا أحمد يا ابني… عشان خاطري أنا… بلاش تسجن أخوك… سامح ده روح قلبي، لو جرى له حاجة أنا أموت! اعمل خاطر للي ربتك!
أحمد بص لأمه بنظرة ألم عميقة وقال:
— إنتِ ما ربيتنيش يا أمي… إنتِ ربيتي سامح بس. إنتِ كنتِ بتستخدميني خادم وممول لمشاريع سامح. أنا طول الست سنين اللي فاتوا كنت فاكر إنك صابرة ومعذبة، وكنت بشيل الجزمة وأحطها على رأسي عشان رضاكي… اتاري رضاكي كان بتمن، والتمن ده هو شقايا وصحة بنتي كرامة مراتي!
أحمد مشى ناحية باب الأوضة، فتح الباب وجاب الشنطة الكبيرة بتاعة حماتي اللي كانت جاية بيها من ست سنين، وحطها في نص الصالة.
وقال بصوت صارم، صوت راجل أخد قراره وما فيش قوة في الأرض هترجعه عنه:
— سامح… إنت قدامك حلين مالهمش تالت.
الحل الأول: بكره الصبح الساعة تسعة الصبح، نكون واقفين قدام شهر العقاري والمحامي. تنازل لي عن نصيبي الكامل في ورث أبويا، بما فيه أرباح المشروع اللي عملتوه بفلوس المحل والأرض طول السنين اللي فاتت، وتبعت لي أصل الشيكات وإقرارات الدين المزورة عشان نولع فيها قدام المحامي. وتدفع لي كل المصاريف والعلاجات اللي أنا دفعتها لأمي طول الست سنين اللي فاتوا، لأنك إنت اللي كنت بتشفط أرباح المحل والأرض لوحدك!
سامح بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت خافت:
— والتاني…؟
أحمد قال بثبات:
— الحل التاني: التسجيل ده والتقارير الطبية وصور العقود المزورة هتكون عند النائب العام بكرة الساعة عشرة الصبح. ساعتها التزوير والجناية هتطولك إنت وأمي، لأنها كانت شريكة معاك وباصمة في التوكيل المزور!
حماتي شهقت وصرخت:
— عايز تسجن أمك يا أحمد؟!
أحمد بص لها وقال:
— أنا مش هسجن حد… أفعالكم هي اللي هتسجنكم. القانون هو اللي هيحاسبكم. وأنا مش هظلم حد، أنا باخد حق بنتي وحقي اللي أكلتوه بالباطل.
ثم مسك شنطة أمه وحطها قدام سامح:
— ودلوقتي… تاخد أمك معاك. الشقة دي شقتي، جبيتها بعرقي وشقايا، ومحدش هيدخلها تاني يظلم بنتي ولا يقلل من مراتي. أمك تعيش معاك في شقتك الكبيرة اللي اتشرت بفلوس أبويا. تعيش مع ياسين “حفيدها الولد” اللي هيشيل اسم العيلة، وخلي ياسين يشيل مصاريف علاجها وأدويتها من أرباح المشروع اللي سرقتوه مني!
سامح كان واقف مكسور، ما قدرش ينطق بكلمة واحدة. عارف إن أحمد ماسك كل الخيوط في إيده، وإن أي حركة غلط هتوديه في داهية. بص لأمه وقال بصوت مهدود:
— يلا يا أمي… قومي معايا.
حماتي وقفت ببطء، بصت للشقة اللي عاشت فيها ست سنين بتتآمر وتتحكم، بصت لي أنا وأحمد ونظرتها كانت مليانة هزيمة. ما قدرتش تتكلم، خرجت بخطوات تقيلة، وسامح ماشي وراها شايل شنطتها كأنه شايل هم الدنيا فوق كتافه.
قبل ما يقفل الباب، سامح بص لأحمد وقال:
— بكرة الساعة تسعة… هكون عند المحامي بالورق كله والشيكات.
أحمد هز رأسه ببرود:
— مستنيك.
الباب اتقفل.
الهدوء نزل على الشقة تاني، بس المرة دي كان هدوء راحة، هدوء بعد العاصفة لما تنضف الجو وتطير كل القش والتراب.
جمالات قربت من أحمد، طبطبت على كتفه بابتسامة فخر وقالت:
— برافو عليك يا أحمد… طالعة راجل من ظهر راجل. أبوك الله يرحمه دلوقتي مرتاح في تربته لما شافك بتاخد حقك وحق بنتك بالعدل والقانون. أنا كده أديت الأمانة اللي أبوك سابها معايا، وأقدر أمشي وأنا مرتاحة.
أحمد مسك إيد خالته جمالات وقالها بامتنان:
— أنا مش عارف أملك إيه يا طنط جمالات… لولا وجودك والورق اللي معاكي، كنت هفضل عايش في الغفلة دي عمر كله، وكنت هفضل فاكر إن أنا المقصر في حقهم.
جمالات ابتسمت وقالت:
— حقك يا ابني. والظلم ما يدومش أبداً. أنا هبقى معاكم بكرة عند المحامي عشان أضمن إن كل حاجة تمشي صح.
ودعنا طنط جمالات، ولما الباب اتقفل وراها، الصالة بقت فاضية ونظيفة.
أنا مشيت ناحية أحمد. كان واقف عند السفرة، باصص لكيس الجمبري اللي كان سبب في كشف كل القرف ده.
أحمد بص لي، وعينيه كانت مليانة دموع، بس المرة دي كانت دموع ارتياح وشفاء من جرح قديم.
أنا قربت منه، مسكت إيديه الاتنين وقلت بصوت حنين:
— الحمد لله يا أحمد… الحق ظهر. ربنا ما بيرضاش بالظلم أبداً.
أحمد مسك إيدي بقوة، وباس رأسي وقال:
— أنا آسف يا حبيبتي… آسف على كل يوم است حملتي فيه الظلم ده عشان خاطري. آسف إن كنت أعمى ومش شايف اللي بيحصل في بيتي وفي بنتي. يوعدك من النهاردة، محدش هيقدر يجي على كرامتك ولا على حق مريم تاني أبداً.
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح بالراحة، ومريم خرجت ببطء، بصت حولها ولقيت الصالة فاضية ومفيش غيرنا.
قربت منا بخطوات صغيرة وقالت بابتسامة بريئة:
— بابا… تيتة وعمو مشيوا؟
أحمد قعد على ركبه، وفتح دراعاته لمريم. مريم جريت عليه وحضنته بقوة. أحمد ضمها لصدره وباسها في خدها وقال بصوت مليان فرحة:
— أه يا روح بابا… مشيوا. والبيت ده بقى بتاعنا إحنا وبس. محدش بياخد حاجتك تاني أبداً.
مريم بصت للسفرة وقالت بفرحة طفولية:
— يعني الجمبري بتاعي لسه هنا؟
أنا أبتسمت وضحكت من قلبي، ورفعت كيس الجمبري اللي كان لسه دافي:
— أه يا ستي… الجمبري بتاعك لسه هنا وزي ما هو. يلا بينا ندخل المطبخ ونسخنه، ونقعد ناكل أحلى غدوة إحنا التلاتة مع بعض!
مريم تسقف بإيدها وجريت على المطبخ وهي بتغني وفرحانة.
أحمد وقف، ومسك إيدي، وبص لي بابتسامة صافية أول مرة أشوفها على وشه من سنين. ابتسامة راجل رجّع هيبته ورجّع حقه، وحمى بيته وبنته من أقرب الناس ليه.
دخلنا المطبخ مع بعض، والبيت اللي كان مليان نكد وغدر ست سنين، أخيرًا بقى مليان بضحك مريم وريحة الأكل الدفية، وراحة البال اللي ما تتقدرش بمال الدنيا.


تعليقات
إرسال تعليق