القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 بنت عمى كامله بقلم امانى سيد



بنت عمى كامله بقلم امانى سيد


بعد وفاه عمى طلقت بنته ورمتها من غير ما اعرف هيكون ايه مصيرها

عمى قبل مايموت ضغط عليه اتجوز بنته عشان مالهاش حد غيره وانا مكنتش بحبها بس قررت بعد وفاته أطلقها وفعلاً طلقتها وقولتلها خدى حاجتك وامشى قالتلى ماعنديش مكان اروحه قولتلها اتصرفى

بصراحه كنت عايز اعيش حياته واتجوز واحده على زوقى

حاولت معايا كتير انى ماتخلاش عنها او حتى اصبر عليها لحد ما تلاقى مكان بس انا رفضت كنت عايز اخلص منها بأى شكل لانى شايفها عبء

مرت الأيام، ونسيت “ندى” ووصية عمي، وانشغلت في حياتي مع “شيرين”. كنت فاكر إن الدنيا ضحكت لي لما خلفت “ياسين”، ابني اللي مالي عليا الدنيا. وفي يوم، ياسين تعب جداً وسخن، والدكاترة قالوا لازم يتحجز في المستشفى كام يوم تحت الملاحظة.

دخلنا الأوضة، شيرين كانت بتبص لكل ركن بقرف وتقول: “إيه ده؟ الأوضة مش عجباني، الحيطان دي مطفية كدة ليه؟ أنا دافعة في الليلة الشيء الفلاني عشان ابني يقعد في مكان نضيف”. وبصت في الممر وقالت بصوت عالي ومستفز: “يا بتاعة النضافة! إنتي يا ست إنتي.


. تعالي هنا فوراً!”

دخلت واحدة لابسة لبس عمال النظافة الأزرق الباهت، كانت شايلة جردل وماسكة مساحة، وموطية راسها للأرض..

أول ما رفعت راسها عشان تشوف الطلبات، الزمن وقف بيا..

ندى!

بنت عمي اللي رميتها وقولتلها “اتصرفي”. وشها كان شاحب، وتحت عينيها سواد من السهر والتعب، وإيدها اللي كانت زي الحرير بقت مشققة وناشفة من كتر الكلور والمطهرات. ندى بصت لي، وشفت في عينيها لمعة دمعة محبوسة، كأنها مش مصدقة إن ده أنا، ولا مصدقة إنها واقفة قدامي في المنظر ده.

شيرين مسبتهاش، وقفت في نص الأوضة وشاورت بصباعها بغطرسة:

“بقولك إيه.. الأوضة دي تتمسح بـ “ديتول” مركز خمس مرات قدامي، والكومودينو ده يتلمع لحد ما أشوف وشي فيه. أنا مش عايزة بكتيريا تقرب من ابني.. فاهمة يا شاطرة؟”

ندى ماردتش، بدأت توطي بوجع وتلمع الخشب وإيدها بترتعش. شيرين كملت بسماجة وهي بتمسك “اللانش بوكس” بتاع ياسين وبتاكل منه:

“شايف يا بيبي؟ الأشكال دي بتبقى بطيئة أوي في الشغل. وبعدين إنتي ليه ريحتك منظفات كدة؟ إنتي بتستحمي بكلور؟ ابعدي شوية عني وانتي بتمسحي عشان الريحة بتصدعني.. ريحة فقر بجد!”

حسيت بوجع في صدري، ندى كانت لسه بتمسح بكسرة نفس، بس شيرين كملت وهي بتطلع “عشرين جنيه” من شنطتها وترميها بضهر إيدها على الأرض تحت رجل ندى:

“خدي.. الفلوس اللى بتتباطيى فى الشغل عشان تاخديها هاتي لنفسك كريم للإيد، عشان لما تيجي تنضفي أوض الهوانم بعد كدة إيدك الخشنة دي متجرحش الخشب الغالي.. إنجزي بقى مش فاضيين للبطء ده!”

ندى بصت للعشرين جنيه اللي على البلاط المبلول، وبصت لي.. كانت نظرة “ذل” ممزوجة بوجع قلب عميق. وطت ببطء، مش عشان تاخد الفلوس، عشان تلم جردلها وتمشي. انحنت بوجع وكأن ضهرها هو اللي مكسور من جوا مش مجرد تعب شغل.

وقفت ندى وبصت لشيرين بهدوء يقتل، وقالت بصوت مبحوح:

“المكان نضف يا هانم.. والمنظفات اللي ريحتها “تصدعك” دي هي اللي بتخلينا نعيش بكرامتنا وما نحتاجش لحد.. ألف سلامة على ابنك يا أستاذ.”

خرجت ندى بضهر محني، وأنا وقفت زي الندل، مش قادر أنطق بكلمة. شيرين بصت لي وقالت بضحكة باردة: “شوفت الأشكال دي؟ فاكرين نفسهم بني آدمين بجد.. يالا يا بيبي رتب الهدوم في الدولاب”.

بصيت على ندى وهي ماشية في الممر بتمسح دموعها بـ “كم” اليونيفورم الخشن، وعرفت في اللحظة دي إن “العبء” الحقيقي مش ندى.. العبء هو الذنب اللي هيفضل عايش جوايا طول عمري.

بعد ما ندى خرجت، الأوضة بقى فيها سكات تقيل أوي، مفيش غير صوت ضحكة شيرين وهي ماسكة الموبايل وبتقلب فيه ببرود، وكأنها مدستش على كرامة بني آدمة من لحظات. حاولت أتحرك، حاولت أخد نفسي، بس الهوا كان كله ريحة “كلور”.. الريحة اللي شيرين اتريقت عليها، بس كانت هي دي ريحة شرف ندى اللي حافظت عليه، في الوقت اللي أنا ضيعت فيه وصية عمي ولحمي.

فتحت الدولاب عشان أرص الهدوم زي ما شيرين طلبت، بس إيدي كانت بتترعش. قميص ياسين وقع مني، ولما وطيت أجيبه، شوفت “الـ 20 جنيه” لسه مرمية على الأرض، غرقانة في مية المسح.. ندى مخدتهاش. سابتها عشان تلطش كبريائي أنا ومراتي ميت قلم بسكاتها ده.

بصيت لياسين ابني وهو نايم، وجالي رعب فجأة.. يا ترى ذنب ندى ده هو اللي هيدفعه ابني الصغير؟ يا ترى سخونية جسمه دي أول الرسائل



اللي القدر بيبعتها لي؟


قطعت شيرين سرحاني وهي بتقول بقرف:

“مالك يا بيبي؟ واقف كأنك شوفت عفريت ليه؟ بقولك إيه، ابقى كلم مدير المستشفى يغيروا الشغالة دي، مش عايزة أشوف وشها الكئيب ده هنا تاني.”

مردتش عليها، وخرجت من الأوضة زي المجنون. فضلت أجري في الطرقات الطويلة، بدور على الهدوم الزرقا الباهتة دي. شوفتها في آخر الممر، كانت سانده راسها على الحيطة ثانية واحدة، قبل ما تفتح باب أوضة تانية عشان تبدأ شقا جديد.

“ندى!”.. نديت باسمها وصوتي مخنوق.

وقفت مكانها بس ملفتتش. قربت منها وأنا حاسس إني قزم، أصغر من أي وقت فات.

“ندى.. أنا.. أنا مش عارف أقول إيه. شيرين مكنتش تقصد، وهي متعرفش إنتي تبقي مين..”

لفتت ندى ببطء، وعينيها كانت ناشفة من الدموع، بس فيها برود يوجع أكتر من العياط. قالت بصوت هادي يذبح:

“مش مهم هي تعرف أنا مين يا ابن عمي.. المهم إنك إنت اللي عارف أنا مين، وعارف إن دي الوصية اللي سابها لك أبويا قبل ما يموت. هي مش غلطانة، هي شافت واحدة غريبة بتمسح تحت رجليها فاتعاملت بأصلها.. وإنت كمان، شوفت بنت لحمك ودمك بتهان، واتعاملت بأصلك.”

إيدي راحت لمحفظتي تلقائي، كنت عايز أديلها فلوس، أي حاجة تكفر عن اللي حصل، بس هي رفعت إيدها الخشنة في وشي بحسم:

“شيل فلوسك يا أستاذ.. أنا باكل لقمة حلال من عرق جبيني. يوم ما رميتني في الشارع وقلت لي اتصرفي، ربنا هو اللي صرفني. الشغلانة دي هي اللي سترتني وفتحت لي باب رزق بعيد عن ذل سؤالي ليك.”

سألتها بمرارة: “ساكنة فين؟ وعايشة إزاي؟”

ابتسمت بوجع وقالت: “عايشة في ستر الله. وبكرة لما ابنك يقوم بالسلامة وتخرج من هنا، انسى إنك شوفتني.. زي ما نسيت وصية عمك. أنا مش “عبء” يا ابن عمي.. أنا اللي كنت هشيل عنك كتير، بس إنت اخترت اللي تشيلك ذنب ملوش آخر.”

مسكت ندى المساحة والجردل، ودخلت الأوضة اللي بعدها وقفلت الباب، وسابتني واقف في الطرقة لوحدي، على صوت كعب شيرين وهو بيقرب وهي بتنادي بصوت عالي: “إنت فين يا بيبي؟ سايبني لوحدي ليه؟”

بصيت لإيدي النضيفة، وبصت للباب اللي ندى قفلته، وعرفت وقتها إن مهما غسلت إيدي بأغلى براندات العطور، ريحة الذنب ده هتفضل مطارداني.. ندى اللي كانت في يوم من الأيام ملكي وتحت طوعي، بقت دلوقتي أبعد من النجوم، بكرامة مفشلش فقرها ولا الـ 20 جنيه بتوع شيرين إنهم يكسروها.

رجعت الأوضة وأنا رجلي مش شايلةني. شيرين كانت لسه بترص علب المكياج بتاعتها على الكومودينو اللي ندى لسه ملمعاه، وبتقول بزهق: “تصدق الأوضة لسه ريحتها فقر برضه؟ أنا هكلم الدادة تجيب لي معطر جو بريحة الياسمين، مش طايقة القرف ده”.

بصيت لها وكنت أول مرة أشوفها على حقيقتها.. كانت حلوة وشيك، بس في عيني بقت شبه “السراب”، فاضية من جوا. حاولت أنطق، أقولها إن اللي كنتِ بتهينيها دي “بنت عمي”، إن دي اللي أبويا وصاني عليها وأنا خذلته، بس لساني كان مربوط.. خفت من نظرة الاحتقار اللي ممكن أشوفها في عين شيرين لو عرفت إن قريبتي “شغالة نظافة”، وخفت أكتر من نفسي اللي وافقت على المهزلة دي من البداية.

ياسين بدأ يئن وهو نايم، جريت عليه ودموعي نزلت غصب عني. شيرين استغربت وقالت: “يا حبيبي إنت قلقان عليه قوي كدة ليه؟ الدكاترة قالوا الجرح هيلم

قلت لها بصوت مخنوق: “يا رب يعدي يا شيرين.. يا رب ربنا ما يحاسبنيش بسببه”.

طول الليل مكنتش عارف أنام. كل ما أغمض عيني أشوف إيد ندى المشققة وهي بتلم العشرين جنيه من الأرض بكسرة نفس. قمت وقفت في البلكونة بتاعة الأوضة، كانت الدنيا فجر، وشفت ندى من بعيد وهي خارجة من باب المستشفى، كانت لامة هدومها وماشية بخطوة سريعة، وكأنها بتهرب من مكان فيه وباء.

طلعت محفظتي وطلعت منها كل الفلوس اللي معايا، كنت عايز أجري وراها وأحلف لها إني هصلح كل حاجة، إني هجيب لها شقة وأعوضها.. بس وقفت مكاني لما افتكرت كلمتها: “أنا باكل لقمة حلال من شقايا”. ندى مش عايزة فلوسي، ندى كانت عايزة “راجل” يصونها، وأنا أثبت لها إني كنت مجرد “عبء” على رجولتي.

الصبح جه، والحرارة نزلت عن ياسين، والدكتور قال لنا تقدروا تخرجوا. وأنا بخلص إجراءات الخروج، عيني كانت بتدور عليها في كل حتة، كنت زي اللي بيدور على طوق نجاة وسط الغرق. سألت الموظف في الاستقبال: “لو سمحت، الست اللي كانت بتنضف الدور التالت بالليل.. اسمها ندى، ممكن أعرف هي فين؟”

الموظف بص لي باستغراب وقال: “ندى؟ دي كانت شغالة ‘يومية’ يا فندم، وخلصت شفتها وسلمت العهدة الصبح وقالت مش جاية تاني.. قالت إن المكان ده بقى بيخنقها”.

خرجت من المستشفى وأنا شايل ياسين، وشيرين ماشية جنبي بتتكلم عن الحفلة اللي عايزة تعملها بمناسبة سلامة ابننا. ركبت العربية، وبصيت في المراية لشريط حياتي اللي فات.. شفت عمي وهو بيموت وبيوصيني، وشفت ندى وهي بتمسح الأرض بدموعها.

دوّرت العربية ومشيت، بس كنت عارف إن الطريق اللي بدأت فيه مع شيرين ملوش نهاية سعيدة. ندى مشيت بكرامتها، وأنا فضلت في مكاني.. غرقان في ذنب هيفضل يطاردني كل ما أبص في وش ابني، وكل ما أشم ريحة “كلور” في أي مكان.


بنت عمى ٢

امانى سيد


فات شهر، وشهر جاب شهر، وحالتي كانت بتسوأ. شيرين كانت عايشة حياتها عادي، خروجات وعزومات، وأنا كنت عايش في سجن جوه نفسي. كل ما أبص لرجلي وهي ماشية على سجاد بيتي الغالي، أفتكر إيد ندى وهي بتمسح البلاط المبلول.

قررت إني لازم ألاقيها، مش عشان أرجعها لي -لأني بقيت عارف إني مستاهلهاش- بس عشان أريح ضميري اللي مبيسبنيش أنام. بدأت رحلة التدوير من نفس المستشفى. رحت لمسؤول العمال وضغطت عليه بشوية فلوس عشان يديني أي بيانات من “صورة البطاقة” اللي قدمت بيها عشان تشتغل اليومية دي.

بص لي المسؤول وقال لي: “يا أستاذ، هي كانت ساكنة في منطقة عشوائية ورا القلعة، بس العنوان اللي في البطاقة قديم قوي، غالباً عزبة منسية هناك”.

أخدت العنوان ورحت. شوارع ضيقة، ريحة فقر، وبيوت حيطانها بتصرخ. فضلت ألف وأسأل: “حد يعرف ندى؟ ندى اللي كانت بتشتغل في مستشفيات؟”. لحد ما دلتني ست عجوزة قاعدة قدام باب بيت مهدود: “قصدك ست البنات ندى؟ يا ضنايا دي سابت الحتة من شهرين، بعد ما جالها شغلانة تانية في دار رعاية مسنين، قالت المكان هنا بيفكرها بناس باعت لحمها”.

عرفت اسم دار الرعاية ورحت لها. قلبي كان بيدق كأنه هيقف وأنا داخل. سألت عنها، الموظفة قالت لي: “ندى؟ أيوه موجودة، هي دلوقتي مع الحالات في الجنينة ورا”.

مشيت بخطوات تقيلة لحد ما شفتها. كانت قاعدة على كرسي خشب، وجنبها راجل عجوز قوي، ماسكة إيده وبتحكي له حكاية عشان يهدى وينام. مكنتش لابسة اليونيفورم الأزرق، كانت لابسة عباية سودة بسيطة بس نظيفة جداً، ووشها


كان فيه هدوء غريب، هدوء حد اتصالح مع وجعه.

قربت منها، خيالي جه عليها، رفعت راسها وشافتني. مكنش في عينيها صدمة المرة اللي فاتت، كان فيه “شفقة”.

قلت بصوت مرتعش: “ندى.. أنا قلبت الدنيا عليكي”.

قامت وقفت براحة، وبصت للراجل العجوز تطمن عليه، وبعدين بعدت خطوتين وقالت ببرود: “قلبت الدنيا ليه يا ابن عمي؟ محتاج حد يمسح لك الأوضة تاني؟ ولا شيرين هانم نسيت خاتمها في حتة وعايزة تتهمني بيه؟”

نزلت راسي في الأرض: “أنا جاي أعتذر.. جاي أقولك إني غلطت في حقك وفي حق أبوكي. ندى، أنا جهزت لك شقة، وكتبت لك مبلغ في البنك يعيشك هانم طول عمرك.. مش عايز منك حاجة، بس تقبلي ده وتسامحيني”.

ندى ضحكت ضحكة خفيفة، بس كانت توجع أكتر من العياط: “شقة؟ وفلوس؟ إنت فاكر إن كل حاجة بتتحل بالفلوس زي ما شيرين فاهمة؟ يا ابن عمي، أنا لما خرجت من بيتك، خرجت ومعايا كرامتي، ودي الحاجة الوحيدة اللي الفلوس متبنيهاش لو اتهدت”.

كملت وهي بتبص لإيدها: “أنا هنا باخد ماهية بسيطة، بس باخد معاها دعوة حلوة من حد غلبان، وبنام وأنا راسي مرفوعة. الشقة اللي إنت جايبها لي دي، هعيش فيها إزاي وأنا كل ركن فيها هيذكرني بإنك “اشتركت” في ذلي؟”



مسكت طرف العباية بتاعتها وقالت بحدة: “لو عايزني أسامحك بجد، ابعد عن طريقي. كفاية عليا إني شوفتك وإنت مكسور المرة دي.. ده حقي وخدته. الفلوس دي روح اتبرع بيها للمستشفى اللي شوفتني فيها، يمكن تنضف الذنب اللي محاوطك”.

لفت ضهرها ومشت، ورجعت قعدت جنب الراجل العجوز وكأنني مكنتش موجود. وقفت مكاني مش عارف أتحرك، المحفظة في جيبي تقيلة كأنها جمرة نار، وعرفت إن فيه بيبان لما بتتقفل بالوجع، مفيش مفاتيح دهب في الدنيا تقدر تفتحها تاني.

بقيت أروح دار المسنين كل أسبوع، بس من بعيد لبعيد. أركن عربيتي في ركن مداري وأقعد أراقبها وهي بتتحرك وسط العواجيز كأنها ملاك بعتته السما عشان يطبطب عليهم. كنت بشوفها وهي بتضحك معاهم، وهي بتأكل حد فيهم، وهي بتمسك إيد واحدة ست غلبانة وتسمع حكاويها.. ندى كانت بتنور المكان، وأنا كنت بضلم في مكاني وأنا شايف إن الجوهرة دي كانت في إيدي وضيعتها.

شيرين بدأت تلاحظ غيابي وسرحاني، بس كنت بتهرب منها بأي حجة. مكنتش طايق أسمع صوتها ولا طايق الرفاهية اللي إحنا عايشين فيها وهي متبنية على حساب كسر نفس ندى.


وفي يوم، رحت الدار كالعادة، بس لقيت المكان فيه حركة غريبة. زينة متعلقة، وصوت ضحك عالي، والناس لابسة أنضف ما عندها. قلبي قبضني، دخلت الدار المرة دي ومهمتنيش المظاهر، سألت الممرضة اللي على الباب: “هو فيه إيه النهاردة؟ حفلة؟”

الممرضة ضحكت وقالت لي: “حفلة إيه يا أستاذ.. ده النهاردة كتب كتاب ندى! ربنا سابها طول العمر ده عشان يرزقها بسيد الرجالة.”

الكلمة نزلت عليا كأنها جبل وقع فوق دماغي. دخلت الجنينة بخطوات مهزوزة، وشفت المشهد اللي عمره ما جه في خيالي. ندى كانت قاعدة لابسة فستان أبيض بسيط قوي، بس كانت زي القمر، وشها فيه نور مبيتمحيش. وجنبها شاب ملامحه هادية ومحترمة، باين عليه ابن ناس ومثقف.

الراجل العجوز اللي كانت ندى بتهتم بيه دايماً كان قاعد في النص، وحاطط إيده فوق إيديهم والدموع في عينيه. عرفت بعدها إن الشاب ده يبقى ابنه، كان مسافر برا يشتغل عشان يجهز نفسه، ولما رجع وشاف ندى وهي بتشيل أبوه في عينها، وشاف حنيتها وأصلها، مقدرش يفرط فيها.. قال لأبوه “دي اللي هتحافظ عليا وعلى بيتي زي ما حافظت عليك”.

المأذون بدأ يقول: “بارك الله لكما وبارك عليكما..”

وقفت ورا شجرة، والدموع مغرقة وشي. كنت شايفها وهي بتمضي على القسيمة، شفت الفرحة الحقيقية في عينيها، الفرحة اللي مكنتش هتشوفها معايا أبداً. وفي لحظة، ندى رفعت عينها وشافتني.. بصت لي نظرة طويلة، بس المرة دي مكنش فيها وجع، ولا عتاب، ولا حتى شماتة. كانت نظرة “وداع” أخيرة، كأنها بتقول لي: “شوفت؟ ربنا عوضني باللي يستاهلني، وباللي عارف قيمة الست اللي بتصون شرفها بلقمة حلال.”

العريس باس راسها، والكل بدأ يزغرد. خرجت من الدار وأنا حاسس إني عريان، مهزوم هزيمة مفيش بعدها قومة. ركبت عربيتي وبصيت في المراية، وشفت واحد ضيع جوهرة عشان يعيش مع “سراب”.

رجعت البيت، لقيت شيرين واقفة وبتقولي بنرفزة: “إنت كنت فين؟ واللانش بوكس بتاع ياسين ضاع في النادي، لازم تنزل تشتري واحد زيه فوراً عشان ميعيطش”.

بصيت لها ببرود وقلت لها: “ياسين مش محتاج لانش بوكس يا شيرين.. ياسين محتاج أب بجد، وأنا النهاردة بس عرفت إني كنت مجرد صورة.. واللانش بوكس والفلوس وكل اللي إحنا فيه ده، ميسواش ضفر واحدة زي ندى.”

سبتها ودخلت أوضتي، وقفلت الباب، وعرفت إن ندى النهاردة بدأت حياتها، وأنا حياتي انتهت في اللحظة اللي قولت لها فيها “اتصرفي


أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close