بيت مين؟!! كامله حكايات منــال عـلـي
بيت مين؟!! كامله حكايات منــال عـلـي
الجزء الاول 👇🏼
لو أبوك فتح بُقه عليّا تاني... أنا مش هسكت!
"يا مِنى... هو أحمد بيفطر ولا إنتِ معاقباه؟!"
الصوت الجهوري اللي طلع من المطبخ وصل لمنى قبل حتى ما تفتح عينيها. فتحتها بالعافية، وبصّت للسقف وهي بتتنهد. بقى عندها يقين إن أي يوم يبدأ بصوت عم رمضان، يبقى يوم مفيهوش راحة.
لفّت وشها ناحية السرير... لقت مكان أحمد فاضي.
طبعًا صحي بدري وقاعد مع أبوه، اللي جه من البلد من أسبوع بحجة إنه هيعمل شوية فحوصات في معهد
القلب، وقال: "هقعد كام يوم بس لحد ما أخلص."
"كام يوم"... دي كانت أكبر كدبة سمعتها منى.
لسه اليوم الرابع، لكنها كانت حاسة كأن الراجل عايش معاهم من شهور، وكل يوم بيحاول يثبت لها إن البيت ده بقى بيته، وهي مجرد واحدة جاية تخدم فيه.
قامت من السرير وهي بتعدل شعرها، وخرجت ناحية المطبخ.
ريحة البيض المقلي كانت مالية المكان، لكن كان برد خلاص.
عم رمضان قاعد على رأس السفرة، لابس جلابية بيت خفيفة، وقدامه كباية شاي تقيلة، وبياكل بمنتهى
الأريحية، كأنه صاحب الشقة.
أما أحمد، فكان لابس هدوم الشغل، وماسك رغيف بلدي بيدهن فيه جبنة، وعلى وشه نفس الابتسامة المستفزة اللي بيبتسمها كل ما أبوه يقول حاجة تضايقها.
أول ما شافها عم رمضان قال، من غير حتى صباح الخير:
ـ هو البيض ده بيتاكل؟! ناشف خالص... الراجل لازم يفطر فطار يرد فيه الروح.
ابتسمت منى ابتسامة صفرا وهي بتحاول تتحكم في أعصابها.
ـ صباح الخير الأول يا عمي.
بصلها وقال وهو بيهز كتفه:
ـ صباح النور... بس بقول
اللي بشوفه.
ـ لو مش عاجبك، متاكلوش.
رفع الشوكة في الهوا وبص لأحمد.
ـ شوفت مراتك؟! على طول مستعدة ترد. أنا بنصحها بس.
ضحك أحمد وقال:
ـ يا بابا... سيبها، دي لسه صاحية.
وبعدين يا منى... بابا قصده الخير.
الجملة دي!
والله لو كانت جنيه، كانت بقت من أغنى الناس من كتر ما سمعتها.
"بابا قصده الخير."
"بابا راجل كبير."
"بابا عاش وشاف."
"اسمعي كلامه وهترتاحي."
في الأول كانت تبتسم وتسكت.
بعدها بقت ترد بكلمتين.
دلوقتي...
بقت
بتحس إن كل كلمة بيقولها عم رمضان بتنزل على أعصابها زي الحجر.
في الأربع أيام اللي فاتوا، الراجل ما سابش حاجة إلا وعلّق عليها.
الجزمة اللي عند باب الشقة.
الفوط اللي في
الحمام.
ترتيب التلاجة.
حتى مكان السكر والشاي في المطبخ!
وفي مرة وقف قدام الدولاب وقال بكل ثقة:
ـ قمصان
أحمد لازم تتكوي بالليل، مش الصبح.
ردت عليه بهدوء:
ـ أحمد راجل كبير... ولو احتاج حاجة يعرف يعملها.
هز راسه
بأسف.
ـ هو ده اللي بوظ الجيل ده... كل واحد بقى يقول "يعرف يعملها". أمال الست دورها إيه؟
ساعتها منى ما ردتش.
لكن من جواها كانت بتغلي.
الشقة دي ما جتش بالساهل.
من أربع سنين، لما هي وأحمد اتجوزوا، باعِت شقة جدتها الله يرحمها، وحطت فلوسها مقدم للشقة.
وأحمد كمل معاها الباقي
بقرض من البنك.
وقتها كانوا بيقعدوا بالساعات يختاروا لون الحيطان، ويختلفوا على شكل المطبخ، ويضحكوا في الآخر.
ماكنش فيه حد بيفكر مين الكبير
في البيت.
ولا مين له الكلمة.
كانت شايفة أحمد راجل هادي ومحترم.
لكن بعد الجواز اكتشفت إن هدوءه ليه سبب تاني.
هو ببساطة...
ما بيعرفش يقول
"لأ".
خصوصًا لو اللي قدامه أبوه.
أول ما عم رمضان يدخل أي مكان، أحمد يتحول لطفل صغير مستني كلمة "برافو" من أبوه.
ولو أبوه قال إن السما خضرا.
..
يبقى أكيد عنده وجهة نظر!
حطت منى لنفسها فنجان قهوة.
لسه هتشرب أول رشفة، لقت عم رمضان بيقول:
ـ إنتِ النهارده نازلة الشغل؟
ـ أيوه.
ـ هترجعي إمتى؟
ـ على حسب الشغل.
ـ يعني البيت يفضل مقفول لحد بالليل؟
بصتله باستغراب.
ـ يعني إيه؟
ـ يعني مين هيعمل الغدا؟
قالتها بمنتهى البساطة:
ـ لو رجعت متأخرة هنطلب أكل.
الراجل بص لها وكأنها قالت إنها هتعزمهم ياكلوا من الزبالة.
ـ طلبات؟!
أيامنا عمرنا ما عرفنا الكلام ده.
أم أحمد الله يرحمها كانت تقوم من الفجر، تعجن وتخبز وتطبخ، ولما
أرجع من الغيط ألاقي السفرة جاهزة.
الست هي اللي تريح جوزها.
ردت منى وهي بتحط المج:
حصري على صفحه روايات واقتباسات
ـ وربنا يرحمها.
بس الزمن اتغير.
وأنا كمان بشتغل زي أحمد.
تدخل أحمد بسرعة قبل ما الدنيا تولع.
ـ خلاص يا جماعة... كل واحد يشرب الشاي بتاعه.
لكن عم رمضان ما سكتش.
ـ لا يا ابني... لازم مراتك تعرف إن البيت ليه أصول.
قالت منى وهي بتبص في ساعتها:
ـ وأنا كمان عندي شغل لازم أمشي.
رد وهو بيتمتم:
ـ أهو الشغل... بقى حجة كل الستات.
حكايات منــال عـلـي
طول الطريق وهي رايحة الشركة، كانت بتحاول تنسى اللي حصل.
لكن الكلمات كانت بتلف في دماغها.
"البيت ليه أصول."
"الست لازم."
"الراجل لازم."
هي ليه كل يوم حد بيشرح لها تعيش إزاي؟
وليه أحمد كل مرة يفضل ساكت؟
ولا مرة قالتله يدافع عنها قدام أي حد.
بس أقل حاجة...
يحسسها إنها مش لوحدها.
حصري على صفحه روايات واقتباسات
خلصت شغلها، ورجعت البيت بعد المغرب.
أول ما فتحت الباب، سمعت صوت عم رمضان من الصالة.
ـ أهو وصلت الهانم!
ابتسمت بالعافية.
ـ مساء الخير.
ـ مساء النور...
إيه؟ لحد دلوقتي مفيش أكل؟
قالت وهي بتقلع الكوتشي:
ـ يا عمي أنا لسه داخلة.
رد بكل هدوء:
ـ ما هو الراجل لما يرجع من شغله لازم يلاقي أكله جاهز.حكايات منال علي
قبل ما ترد، دخل أحمد من أوضة النوم.
ـ خلاص يا جماعة... هنطلب أكل.
لكن عم رمضان هز راسه بضيق.
ـ طلبات إيه بس؟
كل ده دلع.
لو الست عرفت مسؤوليتها، عمر الراجل ما هياكل من بره.
في اللحظة دي، منى حسّت إن صدرها بقى ضيق.
لكنها عضّت على
شفايفها وسكتت.
لأنها كانت عارفة...
إنها لو اتكلمت دلوقتي، هتقول كلام مش هتعرف ترجعه.
وللأسف...
دي كانت مجرد بداية.
بيت مين؟!! ج2 حكايات منــال عـلـي
الجزء الثاني
رجعت منى من الشغل وهي حاسة إن جسمها كله مكسر.
اليوم كان طويل، والمدير فضل يراجع وراها في الحسابات لحد آخر دقيقة، وكل اللي كانت نفسها فيه إنها ترجع بيتها، تاخد دش سخن، وتشرب كباية شاي في هدوء.
لكن أول ما فتحت باب الشقة...
عرفت إن الهدوء ده مجرد حلم.
لسه ما خلعتش الشنطة من على كتفها، لقت صوت عم رمضان جاي من الصالة
أخيرًا الهانم افتكرت إن ليها بيت!
قفلت الباب وابتسمت بالعافية.
مساء الخير.
مساء النور... الساعة داخلة على عشرة، ولسه مفيش ريحة أكل!
خلعت الكوتشي وهي بتحاول تتحكم في أعصابها.
يا عمي... أنا لسه داخلة.
والراجل اللي راجع من شغله ياكل إمتى؟!
قبل ما ترد، خرج أحمد من أوضة النوم وهو ماسك الموبايل.
خلاص يا جماعة... هنطلب أكل.
هز عم رمضان راسه بضيق.
طلبات إيه بس؟! كل يوم أكل من بره! أيامنا الست كانت ترجع من أي حتة، تدخل المطبخ على طول.
منى بصت له وقالت بهدوء
وأنا كمان برجع من شغلي تعبانة زي أحمد بالظبط.
الراجل شغله غير الست.
ليه يعني؟
لأن الست هي اللي تشيل البيت.
ردت بسرعة
وأنا شايلة شغلي وبيتي... بس مش هشيل بيت حد تاني.
سكتت الصالة
كلها.
أحمد حس إن الجو بدأ يسخن، فقال وهو بيضحك
خلاص يا جماعة... إحنا جعانين بس.
لكن منى كانت خلاص وصلت لآخرها.
دخلت أوضتها وقفلت الباب وراها.
بعد نص ساعة...
كانوا قاعدين بيتعشوا.
عم رمضان فضل يحكي عن جارهم في البلد.
ابنه اتجوز واحدة محترمة... أول ما يدخل البيت تخلع له الجزمة، وتحطله الأكل، وبعدها تعمله كباية شاي.
قالها وهو بيبص لمنى.
وكأن الكلام موجه ليها هي.
ابتسمت وقالت
ربنا يباركلهم.
رد بابتسامة ساخرة
أهو... فيه ستات لسه عارفة الأصول.
أحمد ضحك ضحكة صغيرة.
الضحكة دي وجعت منى أكتر من كلام أبوه.
كانت مستنية منه يقول
يا بابا... سيب مراتي في حالها.
لكن...
ولا كلمة.
بالليل...
كانوا بيغسلوا الأطباق سوا.
قال أحمد وهو بيحاول يهديها
يا منى... بلاش تاخدي كلام بابا على أعصابك.
قفلت الحنفية وبصت له.
وإنت شايف إني اللي غلطانة؟
لا... بس هو راجل كبير.
يعني؟
استحمليه يومين.
ضحكت بسخرية.
يومين؟!
هو بقاله أربع أيام، وكل يوم يدخل في اللي ملوش فيه.
قصده الخير.
ابتسمت بمرارة.
أحمد...
لو حد كل يوم يقولك إزاي تشتغل، وإزاي تلبس، وإزاي تتكلم...
هتقول قصده الخير؟
سكت.
كملت
أنا
في بيتي.
مش في لجنة امتحان.
إنتِ مكبرة الموضوع.
الكلمة دي...
كانت آخر حاجة كانت نفسها تسمعها.
حطت الطبق على المجفف بقوة وقالت
مكبراه؟!
يعني لما حد كل يوم يقلل مني في بيتي يبقى عادي؟
يا منى...
لا... رد عليا.
مرة واحدة دافعت عني قدام أبوك؟
مرة واحدة قلتله كفاية؟
سكت أحمد، وبص في الأرض.
عرفت الإجابة.
تاني يوم...
كان دورها تشتغل من البيت.
قعدت في أوضة المكتب، وفتحت اللاب.
بعد حوالي ساعة...
الباب اتفتح من غير خبط.
رفعت عينها.
عم رمضان.
قاعدة لسه؟
أيوه... شغالة.
بص للشاشة باستغراب.
ده شغل؟
ابتسمت بالعافية.
أيوه.
يعني قاعدة على الكمبيوتر طول اليوم؟
أيوه.
وأكل الغدا؟
قفلت اللاب ثواني.
لما أخلص.
أحمد هييجي جعان.
أحمد لو جعان قبلي...
يعرف يعمل سندوتش.
بصلها بصدمة.
الراجل يعمل لنفسه أكل؟!
قالت بثبات
أيوه... زي ما أنا بعمل لنفسي.
قرب منها وقال
بالكلام ده...
البيوت بتخرب.
ابتسمت.
واللي حضرتك بتعمله ده...
هو اللي بيبنيها؟
وشه احمر.
إنتِ قليلة الأدب.
وأنا من ساعة ما حضرتك جيت الشقة، كل يوم بسمع إني مش ست بيت، ومش بعرف أطبخ، ومش بعرف أكوي، ومش بعرف أرتب.
هو ده الأدب؟
سكت لحظة...
وبعدين لف وخرج وهو بيتمتم بكلام مش مفهوم.
بالليل... حكايات منال علي
رجع أحمد.
وأول ما دخل، عم رمضان سبقه بالكلام.
مراتك بقت ترد عليا.
بص أحمد لمنى.
حصل إيه؟
قالت بهدوء
حضرتك اسأله هو.
بدأ عم رمضان يحكي... حصري على صفحه روايات واقتباسات
وطبعًا حكى النسخة اللي على مزاجه.
وإنه كان بينصحها.
وإنها اتطاولت عليه.
خلص كلامه.
وسكت.
كل اللي كانت مستنياه...
إن أحمد يقول
أكيد فيه سوء تفاهم.
أو حتى...
بابا سيبها.
لكن اللي قاله كان
يا منى...
اعتذري لبابا.
في اللحظة دي...
حست إن حاجة جواها اتكسرت.
بصت لجوزها ثواني...
من غير ما تتكلم.
وبعدين قامت من على السفرة.
دخلت أوضة النوم وقفلت الباب.
أحمد دخل بعدها بخمس دقايق.
قال بضيق
إيه اللي إنتِ عملتيه ده؟
لفت تبص له.
أنا؟!
أيوه.
بابا زعل.
ضحكت.
ضحكة كلها وجع.
وأنا؟
أنا بقالي أربع أيام بزعل...
حد حس بيا؟
فضل ساكت.
قالت وهي دموعها محبوسة
تعرف المشكلة إيه يا أحمد؟
إني كل يوم كنت مستنية تختارني.
كل يوم أقول أكيد المرة دي هيدافع عني.
لكن إنت كل مرة...
بتختار السكوت.
وأصعب حاجة في الدنيا...
إن الست تحس إنها لوحدها وهي وجوزها موجود.
سكت أحمد...
لأنه لأول مرة...
ما لقاش أي كلام يقوله.
أما منى...
فكانت حاسة إن صبرها قرب يخلص.
وإن الانفجار...
بقى مسألة وقت.
يتبع...
الجزء الثالث والاخير 👇🏼
عدّى يومين...
والشقة بقت هادية بشكل يخوّف.
لا منى بتتكلم، ولا أحمد عارف يبدأ كلام، وحتى عم رمضان بطل يعلّق بصوت عالي... لكنه بدأ يعمل حاجات أضايقت منى أكتر.
مرة دخل أوضة المكتب ونقل ملفاتها من مكانها.
ومرة شال مستحضراتها من الحمام وقال:
ـ كده أحسن.
ولما اعترضت، رد بكل برود:
ـ هو أنا غريب؟! دي شقة ابني.
كانت كل مرة تبص لأحمد...
وتستنى منه كلمة.
لكن كعادته...
كان يهرب.
ـ سيبيه يا منى... بابا كبير.
لحد ما جه صباح الجمعة...
الصبح كانت منى خارجة من أوضتها تشرب مية، وسمعت صوت أحمد وأبوه بيتكلموا في الصالة.
وقفت مكانها من غير صوت.
قال عم رمضان:
ـ بص يا أحمد... أنا خلاص كبرت، والبيت اللي في البلد هبيعه.
أحمد قال بهدوء:
ـ ربنا يسهل.
ـ الفلوس هتساعدك تخلص أقساط الشقة... وأنا هعيش معاكم هنا. بدل ما أفضل لوحدي.
اتجمدت منى مكانها.
هعيش معاكم؟!
يعني الراجل كان مرتب لكل ده من الأول؟!
رد أحمد بعد لحظة:
ـ إن شاء الله لما تهدى الأمور... هقنع منى.
ابتسم عم رمضان.
ـ سيبها عليا... الست لازم تعرف إن كلمة الراجل هي اللي بتمشي.
رجعت منى أوضتها وهي حاسة إن الأرض بتلف بيها.
دلوقتي فهمت...
الموضوع عمره ما كان
بيض ناشف...
ولا قمصان...
ولا ترتيب شقة.
الراجل كان بيجهز نفسه يعيش معاهم، وبيحاول من أول يوم يفرض قوانينه.
والأصعب...
إن أحمد كان عارف.
استنت أحمد يرجع أوضة النوم.
أول ما دخل، بصت له وقالت من غير مقدمات:
ـ أبوك ناوي يعيش معانا؟
اتوتر.
ـ إنتِ كنتي بتسمعي؟
ـ جاوبني.
سكت ثواني.
ـ كنا بنتكلم بس.
ـ يعني الكلام صح؟
تنهد.
ـ أيوه... بس لسه مفيش حاجة مؤكدة.
ضحكت ضحكة كلها وجع.
ـ يعني كنت ناوي تقولي إمتى؟
بعد ما ينقل هدومه؟
ولا بعد ما يختار الأوضة اللي هينام فيها؟
ـ يا منى... ده أبويا.
ـ وأنا مراتك.
ـ الراجل كبر.
ـ وأنا مالي؟
أنا أساعده، أزوره، أوديه الدكتور... إنما أعيش طول عمري تحت أوامر واحد شايفني خدامة؟!
مستحيل.
أحمد بدأ يتضايق.
ـ إنتِ قاسية.
ـ لا.
أنا بحافظ على كرامتي.
بعد يومين...
رجعت من الشغل.
اتفاجئت بشنطة عم رمضان الكبيرة جوه أوضة المكتب.
وقفت مكانها.
دخلت المطبخ.
ـ الشنطة دي بتعمل إيه هنا؟
قال أحمد وهو بيقطع عيش:
ـ الصالة ضيقة على بابا.
فنقلته أوضة المكتب.
ـ أوضة المكتب؟!
دي أوضتي.
رد عم رمضان بمنتهى الثقة:
ـ الكمبيوتر يتحط على السفرة.
إنما الراجل الكبير لازم يرتاح.
حطت شنطتها على الأرض.
وقالت بهدوء
أخافهم كلهم:
ـ أحمد...
شيل الشنطة.
ـ يا منى...
ـ قلت شيلها.
ـ يومين بس.
ـ لا.
ولا ساعة.
فتح عم رمضان بقه:
ـ إنتِ بتتكلمي مع جوزك كده؟!
لفت له.
ـ وأنا بكلم حضرتك من الأول باحترام.
بس الاحترام مش معناه إنك تاخد بيتي.
راح أحمد يحاول يهديها.
لكنها سبقته.
دخلت أوضة النوم، وطلعت ملف.
حطته قدامهم.
ـ شايفين؟
دي أوراق بيع شقة جدتي.
ودي تحويلات مقدم الشقة.
ودي الأقساط اللي بدفعها مع أحمد.
يعني الشقة دي...
بيتي زي ما هي بيته.
وبناءً عليه...
إما أبوك يلم شنطته النهارده...
أو بكرة الصبح هتشوفني في المحكمة.
شهق أحمد.
ـ إنتِ بتهدديني؟!
ـ لا.
بلغتك.
ضرب عم رمضان بإيده على السفرة.
ـ يا سلام!
وصل بيكي الحال تهددي ابني بالمحاكم؟!
إنتِ فاكرة نفسك مين؟
لفت منى تبص لأحمد.
كانت مستنية...
مرة واحدة بس...
يقول:
"يا بابا... كفاية."
لكن أحمد قال:
ـ يا منى...
كان ممكن نحلها بالهدوء.
ابتسمت.
ولأول مرة...
ابتسامتها كانت هادية جدًا.
ـ خلاص يا أحمد.
أنا فهمت.
دخلت أوضة النوم.
طلعت شنطة كانت مجهزاها من يومين.
حطت فيها آخر كام حاجة.
ولما وصلت لباب الشقة...
نادت عليها أحمد.
ـ منى...
إنتِ رايحة فين؟
بصت له وقالت:
ـ رايحة المكان
الوحيد اللي هحس فيه إني مش مضطرة كل يوم أثبت إني ليّا قيمة.
ـ متعمليش كده.
ـ متأخر.
الغلط الحقيقي...
إني كنت فاكرة إن الراجل اللي بيخاف يزعل أبوه...
هيعرف يحمي مراته.
وقف أحمد مكانه...
مش قادر يتحرك.
أما عم رمضان...
فضل ساكت لأول مرة.
الباب اتقفل.
والشقة بقت هادية...
بس المرة دي...
الهدوء كان معناه إن كل حاجة انتهت.
بعد أسبوع...
قدمت منى دعوى طلاق.
ورفعت قضية تقسيم الممتلكات.
ولما المحامي قدّم كل المستندات اللي تثبت إنها دفعت مقدم الشقة من ورثها، أحمد بدأ يفهم حجم الغلط اللي عمله.
القضية طولت شهور.
وفي الآخر...
اضطروا يبيعوا الشقة.
وأحمد خسر البيت...
وخسر مراته.
أما عم رمضان...
فرجع البلد.
لأن البيت اللي كان ناوي يبيعه ما اتباعش.
وبدل ما يعيش مع ابنه...
رجع يعيش لوحده.
بعد شهور...
اشترت منى شقة صغيرة قريبة من شغلها.
مش كبيرة...
ومش فيها سفرة ضخمة...
ولا مطبخ أحلامها.
لكن كان فيها حاجة أهم.
راحة.
آخر مرة شافت أحمد كانت عند الشهر العقاري وهم بيوقعوا أوراق البيع.
كان شكله أكبر من سنه.
ولما خلصوا...
وقف قدامها وقال بصوت واطي:
ـ منى...
لو كنت وقفت في صفك من أول يوم...
كان ممكن ننقذ جوازنا؟
بصت له ثواني...
وبعدين
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:
ـ آه...
كان ممكن.
لأن المشكلة عمرها ما كانت في أبوك...
المشكلة كانت إنك في كل مرة كنت بتخاف تزعل أبوك...
وما خفتش أبدًا تخسر مراتك.
وسابته...
وخرجت.
المرة دي...
ما كانتش خارجة من بيتها.
كانت خارجة من حياة كاملة، اتعلمت منها أغلى درس:
البيت اللي مفيهوش احترام... عمره ما يبقى بيت، حتى لو كان أكبر وأفخم شقة في الدنيا.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق