الشقه كامله حكايات رومانى مكرم
الشقه كامله حكايات رومانى مكرم
امبارح جبت مرات عم جوزى تنظفلي كانت محتاجة مجهود جامد لانى كنت عند اهلى بقالى شهر وحوزى مسافر الكويت قعدت تنظف ثلاث ايام لم خلصت اديتها 600جنيه قالتلي: “ده قليل أوي!”
قلت لها: “إزاي قليل؟ ده حلو جدًا، دلوقتي محدش لاقى شغل ويومك ب200جنيه عاوزه ايه تانى كفايه طمع
قالت حرام عليكي، أنا بسيب ولادي من الصبح لحد بالليل، والشغل مرهق صعبة!”
كانت أنفاس “نورا” طالعة ونازلة وزي النار وهي سامعة كلام “أم عبده”، مرات عم جوزها. بصت لها في عينها بنظرة كلّها غيظ واستحقار، وكأن أم عبده جاية تبني لها البيت ببلاش، مع إنها واخدة أجرها على كل نقطة عرق نزلت منها وهي بتنظف اللي كانت ياما فيها التراب رديم.
زعقت أم عبده وهي بتهز إيدها في وش نورا وبصوت يرن في كلها:
“طمع؟ أنا طماعة يا نورا؟ بقالي ثلاث أيام مهدود حيلي، سايبة بيتي وعيالي من النجمة للمغرب، بطلع التراب اللي بقاله شهر، وفي الآخر ترميلي 200 جنيه في اليوم وتقوليلي حلوة عليكي؟ الفلوس دي مش لغريب، دي لولاد عم جوزك اللي الشقا طافحهم عشان لقمة العيش! داحنا أهل يا شيخة، اتقي الله ده عرق وشقا ناس غلابة!”
ردت نورا فوراً بقمة الجحود والعنجهية، وقربت منها وعينيها جمر:
“شقا إيه وكلام فاضي إيه يا حُرمة أنتِ؟! أنتِ جاية تعملي عليا معلمة وتمنّي عليا في بيتي؟ أنا جبتك عشان محتاجة قرشين ومش لاقية تأكلي عيالك، ومحدش ضربك على إيدك! الفلوس دي كتيرة عليكِ أصلاً، وماتجيبيش سيرة سيد جوزي على لسانك ده! يلا.. برة بيتي! مش عاوزة أشوف وشك هنا خالص!”
أم عبده ما سكتتش، وقفت في نص الصالة وعلّت صوتها بالردح وهي بتقرب من الباب:
“مش طالعة غير لما آخد حقي كاااامل! والله لأعرف سيد عمايلك وجحودك، وأعرف العيلة كلها أنتِ بتعاملي مرات عمه إزاي وتجيبي رجليها الأرض إزاي عشان قرشين!”
هنا نورا العقل طار منها وشيطانا عمى عينها. من كتر الغضب والقلة، راحت طيرة عليها وفي لحظة كانت إيدها نازلة على وش أم عبده بقلم رن في أركان ، وبعدها راحت ماسكاها من دراعها بجنون وجرتها لبرة ، وراحت هابدة الباب في وشها هبدة هزت السلم كله.
وقفت أم عبده على السلم تحط إيدها على خدها اللي ، بيغلي في عروقها من قسوة الإهانة والظلم. نزلت السلم وهي بتجري ودموع القهر نازلة مغرقة وشها، وطلعت على بيتها جاري.
أول ما فتحت الباب ودخلت، كانت بنتها “شهد” قاعدة، اتخضت من منظر أمها وشكل وشها اللي معلم وأحمر زي الدم.
ارتمت أم عبده على الكنبة وهي بتصرخ وبتلطم بصوت واطي:
#الكاتب__رومانى__مكرم__
“عملتها معايا الفاجرة يا شهد.. ضربتني بالقلم وطردتني! ضربت مرات عم جوزها الكبيرة عشان بطالب بعرقي وحقي!”
شهد اتسمرت مكانها، والدم طار من وشها وجاه مكانها شرار من الفُجر اللي سمعته. من غير ما تفكر ولا تسكت على الإهانة دي، سحبت تليفونها بسرعة، وبأصابع بترتعش من كتر الغضب، طلبت رقم عمها “سيد” في الكويت، ومستنية التليفون يجمع عشان تولع الدنيا على رأس نورا المفترية…
جمعت “شهد” أ انفاسها بالعافية والتليفون بيرن في إيدها، وكل ثانية بتمر كان أملها يكبر إن “سيد” يرد ويشوف المهزلة دي. على الناحية التانية في الكويت، كان سيد قاعد في سكنه بعد يوم شغل شاق، مسك التليفون باستغراب أول ما شاف اسم بنت أخوه شهد. فتح الخط بصوت تعبان:
“أهلاً يا شهد.. خير يا بنتي؟ في حاجة ولا إيه؟ أمك وأبوك بخير؟”
شهد ما قادراش تمسك نفسها، والدموع الغاضبة نازلة من عينيها وبصوت كله قهر وشرار:
“مش بخير يا عمي! الحقنا.. مرتك نورا شرشحت لأمي بالقلم في السلم زي الكلاب!”
سيد اتنفض من مكانه وكأن كهربا ضربت جسمه، وصوته تحول لجمود وهو بيسأل:
“أنتِ بتقولي إيه يا شهد؟! ضربت مين؟ كلام إيه ده وعقل إيه اللي بتقوليه؟!”
قاطِعته أم عبده وهي بتسحب التليفون من إيد بنتها، وصوتها مكسور بالشهقات، والوجع ناطق من حنجرتها:
“حق الله يا سيد.. أقسم بالله ده اللي حصل! طلعتلي الشقة عشان أنظفها بقالي ثلاث أيام مهدود حيلي، سايبة بيتي وعيالي وبطلع التراب الردم. ولما خلصت رمتلي 600 جنيه! لما قلت لها ده قليل يرضيكي 200 جنيه في اليوم في الغلا ده؟ راحت شاتماني ومسحت بي الأرض، وقالتلي محدش على إيدك ويا جوعانة، ولما جيت أدافع عن نفسي وسمعت كلمة الحق، طارت عليا وادتني قلم رن في وشي برة وهي بتهيني!”
سيد بقى يسمع والكلام ينزل على دماغه زي الصاعقة. عقله مش قادر يستوعب إن مراته، اللي سابها أمانة في بيته وعيلته، تتجرأ وتمد إيدها على مرات عمه، الحرمة الكبيرة اللي من ريحة أهله! حاس بالحرج والجحود وشرف عيلته بيتمرغ في التراب.
“اقفلي يا أم عبده.. اقفلي دلوقتي وحقك عليّ وعلى راسي، والله العظيم ما هفوتها لها، ودين الله لأعرفها مين هو سيد!”
في الشقة، كانت نورا قاعدة في الصالة، أنفاسها لسة عالية، وواقفة بتفرك في إيدها من كتر الغيظ. كانت مفكرة إن الموضوع خلص لحد كده، وإن أم عبده حرمة ضعيفة مش هتقدر تتكلم ولا تفتح بقها خوفاً من الفضيحة. راحت المطبخ عملت لنفسها كوباية شاي، وقعدت وهي بتقول لنفسها بكل كبر:
“تساهل.. عشان تعرف تمامها وما ترفعش عينها فيا تاني! مفكرة عشان جوزها عم جوزي هتدلع عليا في بيتي؟”
وفجأة، رن تليفون نورا على الترابيزة. بصت في الشاشة لقت اسم “سيد”. ابتسمت بشر وقالت في سرها: “أكيد أم عبده راحت تتبلى عليا وأنا هعرف أرد عليه وأقلب الطاولة عليها.”
فتحت الخط بصوت متصنع بالهدوء والرقة:
“أهلاً يا سيد يا حبيبي.. عامل إيه؟”
يجيها صوت سيد من الناحية التانية مش صوت جوزها الرقيق، ده صوت وحش مجروح بيصرخ بكل غضب الدنيا:
“أنا مش حبيبك يا فاجرة! أنتِ تعملي كده في مرات عمي؟! تجيبس حريم عيلتي يخدموكي وفي الآخر تمدي إيدك عليها بالقلم ؟! ده أنا أقطع إيدك قبل ما تفكري تمسي حتة من عيلتي!”
نورا اتلجلجت، والتكابر اللي كانت فيه بدا يتهز، بس كبرياءها منعها تعترف بالذنب، فردت بصوت عالي وهي بتزعق:
“انت بتزعقلي عشان الخدامة دي؟! دي جاية تتطاول عليا في بيتك وتشتمني وتقولي طماعة وجعانة! أنت ما شفتش أسلوبها معايا ولا طمعها! الفلوس اللي اديتها لها كتيرة على شوية تراب!”
سيد صرخ في التليفون لحد ما صوته اتنبح:
“الخدامة دي هي مرات عمي اللي أكبر منك! الخدامة دي شقاها أنضف منك ومن أمثالك! أنتِ بفلوسي وفضلي بتتعازمي وتتكبري على الناس؟ بقى أنا سايبك حارسة بيتي، تروحي تذلي أهلي عشان غلابة ومحتاجين؟!”
نورا وقفت بعنجهية وقالت:
“أه، وأنا مش هسمح لأحد يرفع صوته عليا في بيتك! والللي حصل حصل، ولو جات هنا تاني هعمل فيها أوسخ من كده!”
سيد قطع كلامها بصوت هادي جداً.. هدوء أرعب نورا أكتر من الزعيق:
“ماشي يا نورا.. أنتِ طلعتي مش وش نعمة ولا صيانة أمانة. الشقة دي مش هتدخليها تاني، وهتعرفي قيمتك كويس.”
نورا بذهول: “يعني إيه؟ أنت بتهددني عشانها؟”
سيد: “أنا مش بهدد.. الباب اللي هبدتيه في وش مرات عمي، هقفله في وشك للأبد. دلوقتي تلمي هدومك وفي ظرف ساعة تكوني برة بيتي وتروحي بيت أهلك، وتستني ورقة طلاقك توصلك لحد عندك!”
#الكاتب__رومانى__مكرم__
نورا الصدمة شلتها، التليفون وقع من إيدها على الأرض، والعرق بدأ ينزل من وشها زي المية. عينها اتسعت بذهول وهي بصة للباب اللي هبدته من شوية، ومكنتش متخيلة إن العاصفة دي كلها هتتهد على دماغها في ثواني!
في نفس الوقت، كان الشارع كله تحت بيت نورا بدأ يتحرك؛ لأن شهد نزلت لبيت عمها التاني وأخوالها، والخبر انتشر في العيلة زي النار في الهشيم: “نورا ضربت أم عبده !”
بدأت حريم العيلة ورجالتها يتجمعوا تحت العمارة، وأصوات الهمس والوعيد طالعة، والكل مستني يشوف نورا وهي نازلة بكسرتها بعد ما سيد اتصل بأخوه الكبير وقال له: “اطلع ارمي هدوم نورا برة الشقة، الحرمة دي مالبسهاش تاني!”
وقف أخو سيد الكبير قدام باب وخبط بخبطات قوية هزت المكان كله، ونورا جوة وافقة ورا الباب بتترعش، مش عارفة تفتح ولا تستخبى من المصيبة اللي عملتها بإيدها…
الشقه حكايات رومانى مكرم 2
كانت الخبطات على الباب بتزيد شدة وقوة، وكأنها مطارق بتنزل على دماغ نورا. جسمها كله كان بيترعش، والشاي اللي عملته يبرد على الترابيزة من كتر الخوف. مسكت تليفونها اللي وقع على الأرض وبإيد بتترعش طلبت رقم أمها، وأول ما الخط فتح، صرخت نورا بصوت مكتوم وكله رعب:
“الحقيني يا أما! سيد طلقني في التليفون وعيلته مسخنين الدنيا وملمومين تحت وعلى الباب عاوزين من !”
أمها على الناحية التانية اتخضت وقالت بصوت مفزوع:
“مصيبة إيه دي يا نورا؟! عملتي إيه ياليلتك السودة؟ سيد طول عمره هادي ومش بتاع مشاكل!”
نورا بعنجهية مكسورة حاول تداري بيها غلطها:
“ما عملتش حاجة يا أما! مرات عم جوزي جاية تتطاول عليا وتطمع في الفلوس عشان جيتها تنظف، ولما قللت أدبها ضربتها بالقلم وطردتها، يقوم سيد يبيعني عشانها؟!”
أمها لطمت على وشها من ورا التليفون:
“ضربتي مين يا مهدودة الحيل؟! ضربتي مرات عم جوزك الكبيرة وفي بيته وهو غايب في الغربة؟! أنتِ عقل طار منك؟ ده عيلته حارة وصعيدة ومش هيعدوها لك! اقفلي الباب على نفسك وما تفتحيش لما أجيلك أنا وأبوكي وإخواتك نلحق الكارثة دي!”
قبل ما نورا ترد، كان الباب بيتفتح بالمفتاح الصولجان اللي مع “حسين”، أخو سيد الكبير. دخل حسين الصالة ووشه زي الليل الأكحل، وعينيه بتطق شرار، ووراه شهد وبنت عمها التانية، وأم عبده واقفة على العبهة ماسكة خدها ودموعها ناشفة من القهر.
حسين بص لنورا بنظرة احتقار وزعق بصوت هز جدران الشقة:
“بقى أنتِ يا حافية تجري إيدك على حرمة عمنا؟! أنتِ فاكرة سيد لما سافر سابلك البيت تفتري فيه على أهله وناسه؟!”
نورا رجعت لورا بخوف وصرخت:
“أنت دخلت إزاي بالمفتاح؟! برة بيتي! أنا هطلب للكل البوليس!”
حسين ضحك بصوت عالي كله استهزاء:
“بيتك؟ بيتك مين يا أم بيت؟! البيت ده بتاع سيد ابن أبوي، وسيد كلمني وقاللي الكلمة اللي تنهي الموضوع.. الحرمة دي ما تباتش في بيتي ليلة واحدة، وتترما بشنطة هدومها في الشارع زي ما طردت مرات عمي!”
شهد دخلت أوضة النوم زي العاصفة، فتحت الدولاب وفتحت الشنط، وبدأت ترمي الهدوم في الصالة على الأرض بكل غيظ، ونورا تصوت وتجري وراها:
“سيب الهدوم دي يا قادرة! يا حرامية! أنا هوريكوا كلكم لما أهلي يجوا!”
أم عبده وقفت في نص الصالة، وبصت لنورا وهي بتتفرج على هدومها وهي المرمية في الأرض وقالت بصوت هادي ومكسور لكنه مليان ثقة:
“الله حق يا نورا.. أنا طلعت من بيتك ودمعتي على خدي، وقلت لك اتقي الله في عرق الغلابة. أنتِ استقويتي عشان سيد مسافر وعشان معاكي القرشين، بس نسيتي إن ربنا فوق الكل، والقرشين دول هما اللي عموا عينك وجابوا أجلك.”
في اللحظة دي، وصل أبو نورا وإخواتها الاثنين الرجالة، دخلوا الشقة والدنيا كانت ولعة، أبوه نورا بص للحالة والهدوم المرمية، وقال بغضب:
“إيه المهزلة دي؟! انتوا بتطردوا بنتنا وبلطجوا عليها في غياب جوزها؟!”
حسين قرب من أبو نورا ووقف وشه في وشه بكل ثبات:
“ابنتك قلّت أدبها ومدت إيدها على مرات عمنا الكبير وقالت لها يا خدامة وطردتها بالقلم! بنتك نسيت أصلها والنعمة عمتها، وسيد جوزها طلقها في التليفون وقالنا ارموا هدومها برة. لو عاوز تأخد بنتك بالوصول والأصول خدها، لكن لو هتتكلم في الباطن، الشارع مليان برجالتنا تحت ومش هنرحم حد!”
أبو نورا بص لبنته بذهول وصدمة:
“الكلام ده صح يا نورا؟! أنتِ ضربتي مرات عم جوزك؟!”
نورا اتلجلجت وعينيها جت في الأرض، ومقدرتش تنكر قدام نبرة حسين القاطعة وشهادة أم عبده وشهد. أبوها نزل إيده على وشه بحسرة، وحس إن كرامته اتكسرت بسبب عمايل بنته وطمعها وعنجهيتها.
اخو نورا الصغير زعق وقال: “مهما حصل ما كده! ليها حق وشرع!”
رد حسين بحسم:
“حقها وشرعها يجي لحد عندها لما سيد ينزل أو يبعت ورقتها، إنما قعدة في البيت ده بعد النهاردة ما فيش! لموا هدوم بنتكوا ويا فكيك من هنا قبل ما الحارة كلها تتجمع وتشوف !”
#الكاتب__رومانى__مكرم__
لمت نورا هدومها وهي بتعيط بحرقة، مش عشان ندمانة على اللي عملته في أم عبده، لكن عشان كبرياءها اتكسر قدام العيلة كلها، وعرفت إن طمعها وجحودها طيروا من إيدها جوزها وبيتها في لحظة غضب.
نزلت نورا على السلم ورأسها في الأرض، وعيون الجيران وأهل المنطقة كلهم عليها، وأم عبده واقفة في البلكونة تبص عليها وهي نازلة بشنطتها، حاسة إن ربنا جاب لها حقها في نفس اليوم.
أول ما وصلت نورا بيت أهلها، قفلت على نفسها الأوضة وهي بتصرخ وتفكر إزاي هترد الكرامة دي، وهل سيد فعلاً هيبعت الورقة ولا دي مجرد قرصة أذن؟ وفجأة، تليفون أبوها رن.. وكان المتصل هو سيد بنفسه من الكويت عشان يحط النقاط على الحروف…
رد أبو نورا على التليفون وإيده بتترعش من كتر الخزي، وحط الموبايل على مكبر الصوت قدام ولاده ونورا اللي كانت واقفة ورا الباب بتتنطط وعينيها طالعة لبرة مستنية تسمع سيد هيقول إيه.
جاء صوت سيد من الكويت جاف، زي الحجر الصلب، خالي من أي مشاعر حنية أو ود:
“أهلاً يا عمي.. أنا بكلمك وأنا عارف إن نورا عندك دلوقتي. أنا اتصلت عشان أبلغك كلمتين قاطعين مش هيتثنوا، عشان الأصول اللي بنتك قستها ومشت عليها برجليها.”
أبو نورا حاول يهدي اللعب ويتكلم بمنطق الكبار:
“يا سيد يا بني، صلّي على النبي.. الشغار بين الحريم بيحصل، والنفس أمارة بالسوء. البنت غلطت وتسرعت وأنا بنفسي هاجي لحد عندكو وأخليها تبوس رأس مرات عمك وتعتذر لها، بس ما تهدمش بيتك في لحظة غضب وأنت بعيد!”
سيد اتنهد بتعب لكن بنبرة حسم لا فيها تراجع ولا ندم:
“النبي عليه الصلاة والسلام قايل أدى الأجير أجره قبل أن يجف عرقه. بنتك يا عمي مش بس حرمت حرمة كبيرة من أجرها، دي استقوت بفلوسي وبيتي، وافتكرت إن غيابي فرصة تذل بيها أهلي وغاليتي مرات عمي اللي مربياني! البنت اللي تمد إيدها على كبار عيلتي وتطردهم بالقلم، دي ما ينفعش تتشال على اسمي ولا تكون أم لأولادي في المستقبل. أنا كرمت أهلك وصنتك، لكن بنتك هانتني وهانت كرامتي قدام المنطقة كلها.”
نورا ما قدرتش تمسك نفسها، راحت داخلة في المكالمة وصرخت بكل غل:
“أنا ما هنتكش يا سيد! أنت اللي بعتني عشان حتة خدامة وطردتني من بيتي ومسحت بيا الأرض! بقى تبيع مرتك عشان 600 جنيه؟! أنا نورا اللي الكل يعملها ألف حساب!”
سيد رد عليها ببرود يرعب:
“الخدامة دي يا ست نورا هي شرفي وعيلتي، والجنية اللي بتطلعه من عرقها أنضف من كل الكبرياء المزيّف اللي عايشة فيه. أنتِ فاكرة القوة في طول اللسان ومد الإيد؟ لا يا نورا.. القوة في الأصول، وأنتِ أصولك طلعت مفيش. ورقتك هتوصلك للمأذون خلال أيام، وحقوقك الشرعية هتتوصلك لحد باب بيتك مش عشان سواد عيونك، لكن عشان أنا ابن ناس وما باكلش حق حد زي ما أنتِ عملتي.”
وقفل سيد الخط في وشهم من غير ما يستنى رد، وساب البيت في حالة ذهول وصمت رهيب. أبو نورا بص لبنته بنظرة خيبة أمل وقرف، ورفع إيده قلم هز وقالها بصوت ملوع:
“أدي اللي أخدتيه من طمعك وطول لسانك! خربتي بيتك بإيدك، وضيعتي راجل كان شايعك ومكرمك عشان 200 جنيه وعنجهية كدابة!”
في الوقت ده، في بيت أم عبده، كانت شهد وأمها قاعدين. كانت هادية، وأم عبده قاعدة بتدعي لسيد في صلاتها إن ربنا يرزقه ويكفيه شر غدر الزمان. شهد بصت لأمها وقالت:
“شفتي يا أمي؟ ربنا ما بيضيعش حق حد أبداً. نورا اللي كانت فاكرة نفسها ملكة الزمان، نزلت من الشقة ومكسورة الجناح قدام الحارة كلها.”
أم عبده اتنهدت وقالت بكل طيبة وأسى:
“أنا ما كنتش أتمنى بيتها يتخرب يا شهد، ولا كنت عاوزة سيد يطلقها.. أنا بس كنت عاوزة حقي وعرقي، وعاوزاها تعرف إن الناس الغلابة ليهم ربنا يحميهم. بس الطمع والافتراء عاقبتهم شديدة أوي عند ربنا.”
مرت أيام، ونورا قاعدة في أوضتها في بيت أهلها زي المحبوسة، كل ما تفتكر إنها ضيعت الشقة والجوز والمرتب اللي كان بيجيلها كل شهر، كان غلها بيزيد مش ندم، لكن رغبة في الانتقام!
#الكاتب__رومانى__مكرم__
كانت نورا بتبص لنفسها في المراية وعينيها بتطق شرار، وقالت بصوت واطي ومسموم:
“والله ما هسيبك يا أم عبده.. أنتِ وشهد بنتك السبب في خرابان بيتي، وحياة وحياتي لأخليكم تندموا على اليوم اللي فكرتم تطالبوا فيه بجنيه واحد!”
بدأت نورا تخطط لمصيبة جديدة تعوض بيها خسارتها، وتلوي بيها دراع سيد وعيلته عشان ترجع الشقة بالسيف، واستغلت إن أخوها الصغير متهور وبيسمع كلامها، وبدأت تتفق معاه على خطة سودة تهد المنطقة كلها…
كان “إبراهيم”، أخو نورا الصغير، متهور ومسحوق تحت كلام أخته اللي كانت بتبكي قدامه بدل الدموع دم، وتدعي إن أم عبده وشهد تتبلوا عليها وسرقوا دهبها من الشقة قبل ما يمشوا. نورا استغلت نقطة ضعفه وشرارة طيشه، وقعدت تبث السم في ودنه طول الليل:
“أنت هترضى أختك تترص في الشارع وكرامتها تتداس؟ الدهب بتاعي اختفى من الدولاب بعد ما أم عبده وبنتها دخلوا الشقة! العيلة دي سرقتني وخراب بيتي جه على إيديهم، ولو ما رجعتش حق أختك يبقى ما فيكش ريحة الرجولة!”
إبراهيم الدم غلى في عروقه، والشيطان عمى عينه من غير ما يفكر ولا يتحقق من كلام أخته . في اليوم اللي بعده بالليل، استغل إن رجالة عيلة سيد مش موجودين في الشارع، وطلع يجري على بيت أم عبده، وفضل يخبط على الباب بكل غل وقوة وكأنه عاوز يكسره.
فتحت شهد الباب وهي مرعوبة، لقت إبراهيم واقف ووشه بالغضب، وزعق في وشها بصوت هز السلم:
“هاتي الدهب اللي أمك سرقته من شقة أختي يا فاجرة! فاكرين أختي ملهاش ظهر؟ والله لأولع في البيت ده على دماغكم لو الدهب ما طلعش حالا!”
أم عبده طلعت تجري من المطبخ وهي ماسكة قلبها من الخضة:
“دهب إيه يا بني اتقِ الله؟! أنا دخلت أنظف بعرقي وشقايا وما مدتش إيدي على قشة مش حقي! اتقوا الله فينا بقى، حرام عليكم الخراب اللي بتعملوه ده!”
إبراهيم ما سمعش، وبمنتهى القسوة زق أم عبده زقة جامدة وقعت على الأرض، وراح زاقق شهد ودخل الأوضة يكسر في العفش ويدور في الأدراج بغل ونمرطة. شهد صرخت بعلو صوتها من الشباك وهي بتستغيث بأهل المنطقة:
“يا ناس يا هووووه! الحقونا! بلطجية بيكسروا البيت علينا وبيفتروا على أمي الغلبانة!”
الشارع كله اتلم على صوت الصريخ، ورجالة المنطقة المحترمين طلعت تجري على السلم، ودخلوا الشقة ومسكوا إبراهيم بالعافية وهو عمال يكسر ويزعق. في اللحظة دي، كان حسين أخو سيد الكبير نازل على السلم، ولما سمع هيعة الناس دخل الشقة ولطم على وشه لما شاف أم عبده مرمية على الأرض وبنتها بتعيط وإبراهيم ماسك حتة خشب وبيتهدد.
حسين قرب من إبراهيم ومسكه من زقم قميصه وقيده بغضب عارم:
“أنت بتستقوى على حريم غلابة في بيتها يا صايع؟! بتبلوا عليهم بعد ما أختك الحرمة ؟! ده أنت وأختك وأبوك حسابكم كبر أوي معانا!”
إبراهيم حاول يفلت وهو بيكابر:
“أختي دهبها اتسرق، ومش هنبيت الحق ده!”
حسين بص للرجالة وقال بثبات ورعب:
“أنا كلمت البوليس، ومفيش مخلوق هيخرج من هنا غير على القسم! والدهب اللي بتقول عليه ده، نورا أختك هي اللي أخدته معاها في شنطتها وهي نازلة، والجيران كلهم شاهدين على الشنط اللي طلعت بيها!”
سحبت الشرطة إبراهيم على القسم، والخبر وصل لنورا وأبوها زي الصاعقة. أبو نورا حس إن ظهره اتكسر بالكامل، وبنته الطماعة مش بس خربت بيتها، دي لبست أخوها الصغير في قضية تهجم واقتحام بيت وتعدي على حريم!
#الكاتب__رومانى__مكرم__
في نفس الليلة، وصل سيد مصر فجأة من الكويت بعد ما نزلت طيارته اضطرارياً لما عرف باللي حصل، ودخل القسم ووشه زي صخر الجبل. نورا وأبوها كانوا قاعدين يبكوا في الصالة مستنيين العفو، بس سيد بص لنورا بنظرة أخيره مفيهاش نقطة رحمة، وطلع من جيبه ورقة المأذون الرسمية ورمى المحضر في وشهم…
وقفت نورا مذهولة وهي شايفه إن المحاولة الأخيرة للانتقام انقلبت عليها بكارثة أكبر، وسيد واقف قدام النيابة يقدم بلاغ رسمي ضد أختها وأخوها!
وقف “سيد” في نص صالة النيابة بكبرياء وثبات، ورمى ورقة الطلاق الرسمية على الترابيزة قدام أبو نورا اللي كان قاعد على الكرسي مكسور ورأسه في الأرض من كتر الخزي والفضايح.
نورا بصت لورقة الطلاق اللي كُتبت فيها نهايتها، وعينيها دمعت لأول مرة مش ندم، لكن من كتر العجز والكسرة. استوعبت في اللحظة دي إنها خسرت كل حاجة: خسرت راجل كان شايلها على كفوف الراحة، وخسرت بيتها، ولبست أخوها المتهور في قضية تهجم واقتحام عقار وتعدي، وبقت سيرتها على كل لسان في المنطقة كلها كواحدة جشعة وقاسية القلب.
صرخت نورا بصوت ممزوج بالبكاء والغل:
“يا سيد ارحمني! عشان خاطر السنين اللي كانت بيننا تنازل عن المحضر لأخويا إبراهيم! هو مالوش ذنب، أنا اللي مسحت دماغه وقالتله دهبي اتسرق! ارميني أنا في الشارع بس طلع إبراهيم!”
سيد بص لها بنظرة سرد وحسم خالي تماماً من أي عاطفة وقالها بصوت هادي وجامد:
“اللي يفتري على الناس الغلابة ويفتكر إن الفلوس والجاه بيخلوه فوق البشر، لازم يتعلم الدرس للاخر. أخوكي دخل بيت حرمة كبيرة واستقوى على حريم غلابة، واللي يعمل كده يتحمل نتيجة أفعاله قدام القانون. أنتِ يا نورا النعمة طيرت عقلك، والطمع والافتراء عموا عينك عن الأصول والدين.”
أبو نورا مسك إيد سيد ودموعه نازلة على لحيته وقال بصوت مكسور:
“حقك عليّ يا بني.. أنا بعتذر لك وبعتذر لمرات عمك ولأهلك كلهم، بس استرنا وما تخربش بيت أخوها الشباب ده، ده مستقبله هيضيع!”
سيد اتنهد بتعب ورجع خطوة لورا وقال بكل أصل:
“أنا مش مفتري يا عمي، ولا بعرف أظلم.. تنازلي عن المحضر مش عشانها ولا عشان طول لسانها، تنازلي عشان خاطرك أنت بس عشان راجل كبير وكبرت في السن وتعبت في تربيتهم لكن هما اللي ما صانوش. لكن أخوها هيوقع على إقرار عدم تعرض لبيت مرات عمي ولشهد ولعيلتي كلها، ولو فكر يلمس شعرة منهم، السجن هيدخله وما يخرجش منه.”
في بيت أم عبده، كانت شهد وقاعدة جنب أمها اللي حاطة إيدها على خدها بتدعي بالستر والصلاح. دخل سيد وحسين الشقة، وسيد أول ما شاف مرات عمة قرب منها وباس رأسها وإيدها قدام الكل وقال:
“حقك عليا يا أمي.. رأسك دي ما تتوصلش للأرض أبداً طول ما أنا حي على وش الدنيا. والبيت اللي اتهانتي فيه، ده بيتك من النهاردة، وأجرك وشقاكي على راسي من فوق.”
أم عبده بكيت من الفرحة والراحة، ومسحت دموعها وقالت:
“الله يجبر بخاطرك يا سيد يا بني ويرزقك برزق الحلال ويفتحها في وشك.. أنا مش زعلانة منك، أنت ابن ناس وأصيل، والحمد لله إن ربنا ظهر الحق ورد الاعتبار.”
#الكاتب__رومانى__مكرم__
خرجت نورا من القسم وهي شايلة شنطة هدومها، ماشي جنب أبوها وأخوها المسحوق، تمشي في شوارع الحارة ورأسها متوطية في الأرض. كل عين كانت تلمحها كانت نظرة عتاب وازدارء، وعرفت إن القرشين والطمع ما ينفعوش لما الأخلاق والأصول تضيع. وقفت قدام مرايتها في بيتها القديم، تتفرج على عمرها اللي ضاع في لحظة غضب وجحود، وعلّمتها الحياة إن عرق الغلابة خط أحمر، وإن اللي يطمع في حق غيره يرجع بحسرة وندم طول العمر.


تعليقات
إرسال تعليق