سكريبت خلفه صبيان كامله امانى السيد
خلفه صبيان كامله امانى السيد
حماتي خلفت تلات رجالة وجوزتنا في نفس البيت، ربنا ما أرادش إنها تخلف بنات، ولكن يشاء القدر سلفتها تموت وهي بتولد، فاتبنت حماتي بنتها وربتها وسط ولادها، وبقت تعاملها أكتر من بنت ليها وكانت كل طلباتها مجابة، حتى ولادها كانوا بينفذولها أي طلب حتى لو مش منطقي.
لما اتجوزنا أنا وسلايفي، بقت توحيدة هي اللي بتتحكم فينا وتخلينا نغسلها هدومها بإيدينا، ولو حماتي اتكلمت تقول: “لازم يبقوا طوعك يا ماما، سيبيني أنا أربيهملك”.. وحماتي مكنتش تقدر تقولها على حاجة لأ. سلايفي رجالتهم كانوا كويسين معاهم عشان كده كانوا بيستحملوا، إنما أنا جوزي حامد كنت بحس إنه بيهتم بيها أكتر من أي حد، وكنت بقول بيني وبين نفسي: “هو بيعتبرها أخته وإخواته كمان بيحبوها”، ومكنتش برضى آخد في بالي.
بس بعد فترة الموضوع زاد، ولاحظت إن توحيدة عن باقي سلايفي كانت بتتعمد تديني الأعمال المتعبة؛ تخليني أنضف تحت البهايم، وأوقات تتصل بجوزي وأسمعها تقوله: “نزلي مراتك تخليها تحضرلي الفطار هي نايمة كل ده ليه؟”، وكان فعلاً يصحيني وأنزل وملاقيش حد من سلايفي صاحي. توحيدة كانت بتتعامل معايا كأني خدامة خاصة ليها، كنت بحس إني ضرتها مش أخت جوزي أو بنت عمه.
كانت تخرج وتشتري كل اللي عايزاه، وتنادي عليا عشان أخرج أجيبلها حاجتها من العربية على الرغم إنها كانت ممكن تطلب من السواق يطلعهم. كانت تتعمد تطلب من جوزي فلوس قدامي وتدلع عليه، وتمد إيدها في جيبه تفتح المحفظة وتاخد منها اللي هي عايزاه. في مرة شجرة المانجة اللي قدام البيت طرحت، خلت جوزي داخل وإحنا قاعدين في الجنينة وطلبت منه يشيلها عشان تجيب المانجاية اللي نفسها فيها، ولما اتكلمت جوزي زعقلي قدامها وحماتي فضلت تقولي: “دي أخته بلاش غيرة فاضية”. كان ممكن في وسط القعدة تطلب منه بدلع يقوم يعملها قهوة بنفسه قدام سلايفي وإخواته، ولما واحدة من سلايفي تقولها: “هعملهالك أنا”، تبصلها بقرف وتقولها: “أنا عايزاها منه هو”، وهو عشان ميزعلهاش يعملها ويجيبها لحد عندها، وكانت تبصلي بشماتة لأنها عارفة إنه عمره ما هيعمل معايا كده.
في يوم، توحيدة كان عندها فرح وعايزة تروق على نفسها، وفجأة الكوافيرة اعتذرت ومجتش. بدل ما تتصرف أو تأجل، لقيتها نادت عليا بصوت كله كبرياء وقرف وهي قاعدة على الكنبة وفاردة رجليها:
— يا نورة.. هاتي طشت ماية بملح، وتعالي انقعي رجلي واغسليهالي واعمليلي باديكير.
طريقتها مكنتش طلب مساعدة من ست لست، كانت نبرة أمر فيها إذلال يفرس الدم، كأنها بتتعمد تمرمغ كرامتي قدام حماتي وسلايفي. دمي غلي في عروقي وبصيتلها وقلت بقوة:
— لأ يا توحيدة، لحد هنا وكفاية.. أنا أطبخلك، أكنسلك ماشي، إنما أقعد على الأرض أغسل رجلك وأقص ضوافرك زي الخدم والشارع لأ، شوفي حد تاني يخدمك الخدمة دي.
سيبتها وطلعت، مفيش دقيقة ولقيت حامد داخل عليا الأوضة وعينه بتطق شرار، وتوحيدة وراه ماسكة منديل وبتمسح دموع التماسيح وصوتها طالع بالشهقة:
— شوفت يا حامد؟ شوفت مراتك بتعاملني إزاي؟ أنا كنت عايزة أتزوق عشان مشواري وهي غيرانة مني ومستكترة عليا أبان حلوة! كل ما أطلب منها حاجة تبصلي بحقد وتكسفني قدام الكل وتقولي لأ.. هي بتكرهني عشان إنت بتعزني! أنا طلبت منها تعملي باديكير في رجلي إيه المشكلة في كده؟ لقيتها شتمتني وزقتني وضربتني! إنت متخيل أنا اللي عمر ما حد رفضلي طلب نورة تزعقلي وتشتمني؟! إنت لازم تجيبلي حقي منها، أنا مقولتش لحد غيرك عشان عارفة إنك هتجيبلي حقي لحد عندي وتخليها تغسلي رجلي وتردلها القلم اللي ضربتهولي، يا حامد لو معملتش كده أنا هخاصمك!
حامد وشه اتقلب أسود وقرب مني وزعق بصوت رج البيت:
— إنتي بتستكبري على توحيدة يا نورة؟! بتغيري منها ومستكترة عليها العيشة؟! عليا النعمة لو ما نزلتي حالا قعدتي تحت رجليها عملتيلها اللي هي عايزاه ضافر ضافر، لتكوني طالق ومرمية برة البيت ده الليلة!
ولقيته كتفني بإيديه الاتنين وعصر دراعاتي ورا ضهري وقالها:
— تعالي اضربيها بدل القلم اللي ضربتهولك ده عشرة.. أنا ماسكهالك أهو!
وقفت مبرقة ومش مصدقة، حامد جوزي وسندي في الدنيا كتفني عشان يخلي الست هانم تضربني! بصيت في عينه وأنا الدموع محبوسة في عيني من القهرة، لقيته مش شايف قدامه، كأن توحيدة عامية بصيرته وسحباه وراها بحبل.
توحيدة أول ما سمعت كلامه، مسحت دموع التماسيح في ثانية وبانت على وشها ابتسامة نصر خبيثة وسم يشفي غليلها، وقربت مني بخطوات بطيئة وهي بتبصلي من فوق لتحت بقرف، وقالت بصوت واطي فحيحه زي الحية:
— عشان تعرفي مقامك يا نورة.. وتعرفي إن مفيش حد يقدر يكسرلي كلمة في البيت ده، وخصوصاً إنتي!
رفعت إيدها ونزلت بالقلم على وشي بكل قوتها، القلم رن في الأوضة ولسع روحي قبل ما يلسع خدي، وفضلت تضرب فيا قلم ورا التاني وهي بتنهج من كتر الغل، وأنا ببص لحامد وهو شادد عليا ومانعني حتى أرفع إيدي أداري وشي، حاسة بوجع في قلبي ميتوصفش، إهانة دمرت كل ذرة حب أو عشرة كانت باقية له جوايا.
لما شبعت ضرب، نفضت إيديها وكأنها وسختهم، وقالتله بتكبر:
— خلاص يا حامد، سيبها.. بس مش هسامحها ولا هرتاح غير لما تنزل تحت رجلي حالا وتعمل اللي قولت عليه، عشان ده المكان الوحيد اللي يناسبها.
حامد زقني على الأرض بكل قسوة وقال بنبرة جافة:
— سامعة؟ قومي انزلي وراها هاتي الطشت واعملي اللي قالته، وبلاش دلع وندب حريم، لو مخلصتيش قبل ما أرجع هرمي عليكي يمين الطلاق ومش هتشوفي عتبة البيت ده تاني!
خرجوا وسابوني مرمية على الأرض، وشي وارم ومحروق بالدموع، وجسمي كله بيترعش من الصدمة والقهر.. قعدت ثواني أستوعب اللي وصلناله، وبدل ما أنكسر، حسيت بنار باردة بتسري في عروقي، وعرفت إن نورة الغلبانة اللي بتوطي راسها وتعدي ماتت في اللحظة دي. قمت وقفت، مسحت دموعي بإيدي، وبصيت في المراية.. عيني كانت بتلمع بقوة عمري ما حسيتها قبل كده، وقررت إن خلاص، حبل الصبر اتقطع، والبيت ده مش هيكمل بالطريقة دي أبداً.
غسلت وشي بماية ساقعة عشان أطفي النار اللي في خدي، ونزلت على السلم بخطوات هادية وثابتة، عكس البركان اللي كان بيغلي جوايا. نزلت لقيت حماتي وسلايفي قاعدين في الصالة الكبيرة، وتوحيدة متصدرة الكنبة زي الملكة المتوجة، فاردة رجليها وحاطة رجل على رجل، وأول ما شافتني نازلة ضحكت باستهزاء وعينها بتلمع بشماتة، وقالت بصوت عالي سمّع الكل:
— أهو، شوفتوا؟ ما يجيش إلا بالعين الحمرا.. يلا يا نورة، الطشت هناك أهو، امليه ماية سخنة وحطي فيه الملح، وركزي في ضوافري عشان عايزة أخرج على سنجة عشرة.
حماتي بصتلي وسكتت ولفت وشها الناحية التانية كالعادة، وسلايفي عيونهم كانت مليانة شفقة وقهر عليا، بس مفيش واحدة فيهم قادرة تنطق عشان خايفين من بطش توحيدة وزعيق حامد.
أنا ماردتش ولا بكلمة، مشيت بهدوء ناحية المطبخ، جبت الطشت ومليته ماية مغلية من السخان.. ماية بتفور، حطيت فيه الملح والخل، وشيلته وخرجت بيه للصالة، كل خطوة كنت بخطيها كنت بدوس فيها على أي ضعف كان جوايا. حطيت الطشت قدام رجليها على الأرض، ونزلت على ركبي قدامها.
توحيدة ابتسمت بغرور ومطت شفايفها، ونزلت رجلها بتكبر عشان تحطها في الطشت، وفي اللحظة دي.. قبل ما تلمس الماية، مسكت رجلها بكل عزمي، وقومت واقفة فجأة وأنا شاداها، ورفعت الطشت بإيدي التانية ودلقته كله بالماية المغلية على رجليها وفستانها اللي كانت مجهزاه للمشوار!
الصوت اللي طلع منها هز أركان البيت، صرخة شقت السقف من الوجع والرعب، وقامت تتنطط وتصرخ وهي ماسكة رجليها المحروقة:
— يا مريييي! حرقيتنيييي المجنونة! إلحقوووني يا نااااس!
البيت كله اتقلب في ثانية، حماتي صرخت ولطمت على خدودها، وسلايفي وقفوا مبرقين ومش مصدقين إن نورة الغلبانة الهادية تعمل كده! حماتي جريت عليها وهي بتصرخ:
— يا مصيبتي السودة! البت انحرقت يا نورة، حسبي الله ونعم الوكيل فيكي، والله حامد ليدبحك لما يرجع!
في اللحظة دي، الباب الخارجي اترزع ودخل حامد وإخواته الاتنين، شافوا المنظر: الصالة غرقانة ماية بتدخن، وتوحيدة بتولول في الأرض ورجليها محمرة، وأنا واقفة في النص زي الجبل.
حامد جرى عليا وعينه بتطق شرار، ورفع إيده عشان يضربني وهو بيزعق:
— إنتي عملتي إيه يا فاجرة؟! ده أنا هقتـ..ـلك هنا الليلة!
وقفت قدامه وما رمشتش، مسكت إيده في الهوا بكل عزمي ونترتها بعيد عني، وصرخت في وشه قدام إخواته:
— إيدك متترفعش عليا تاني يا حامد!
واحد من إخواته قرب مذهول وقال:
— في إيه يا نورة؟! وإيه اللي بيحصل في البيت ده؟! ما إحنا عارفين إن توحيدة بنت عمنا وأبوها متوفي وهي صغيرة وأمي اللي ربتها، وأكيد مالهاش في ورث أبونا غير اللي عمنا سايبهولها.. في إيه بقى قالبلكم حالكم كده؟!
ضحكت بمرارة وصوتي رن في البيت كله وأنا بشاور على حماتي المنهارة:
— لا يا سيدي، ما هي دي المصيبة! توحيدة أصلاً ملهاش أي صلة دم بيكم، ولا هي بنت عمكم ولا من عيلتكم أصلاً! حماتكوا زمان بعد ما سلفتها ماتت وهي بتولد وما كانش ليها حد، خدت البت ربتها وعشان تداري الحكاية وتعمل فيها ست أصيلة نسبت البت لعمكم غصب عن الأصول والشرع.. وتوحيدة لما كبرت وعرفت الحقيقة، مسكت أمكم وحامد من إيدهم اللي بتوجعهم!
حماتي حطت إيديها على وشها وفضلت تعيط بحرقة وهي بتقول:
— استري عليا يا نورة.. استري عليا الله يسترك!
بصيت لحامد اللي كان واقف مذهول ومكتف إيديه من هول الصدمة، وكملت كلامي:
— حامد كان بيكتبلها من ورثكم ومن ماله الخاص، وكان بينزلني أخدمها تحت رجليها عشان يسكتها وماتفتحش بقها بكلمة في البلد وتفضح إنها مش بنت عمكم، وتطالب بحق السنين اللي فاتت أو تشهر بيكم! حامد باع كرامتي وخلاني خدامة لست غريبة مالهاش صفة في البيت، كل ده عشان يداري خيبة وخوف مالهومش آخر!
إخوات حامد اتصدموا وبصوا لتوحيدة اللي كانت بتنزف دموع وقهر، وبصوا لحامد والشرار بيطلع من عيونهم:
— بقى تبيع كرامة مراتك وتستغفلنا السنين دي كلها عشان تداري على سر زي ده؟! كل الدلع والتحكم والفلوس اللي كانت بتتصرف كانت من ورانا عشان كده؟!
سيبتهم والنار قايدة بينهم، البيت اتقلب جحيم من الزعيق والفضايح، ودخلت أوضتي لميت هدومي في شنطة، وخرجت من باب البيت وأنا رافعة راسي لفوق، وسبت حامد وتوحيدة يدوقوا طعم الذل اللي شربوني منه سنين.
نزلت الشارع وشنطة هدومي في إيدي، الهوا الساقع خبط في وشي حسيت إني بتنفس لأول مرة من سنين. ركبت عربية ورحت على بيت أهلي، دخلت على أمي وأبويا، وشي وارم من القهر والقلم، لكن عيني كانت شبعانة عزة نفس. حكيتلهم كل حاجة من طقطق لسلامو عليكم، وأبويا خبط كف على كف وقال بصوت يهز الحيطة:
— كتر خيرك إنك صونتي بيتك كل ده، لكن عند كرامتك وكرامة أهلك البيت ده يتهد وميلزمناش!
في بيت حامد، الدنيا كانت مقلوبة جحيم مبيهداش. إخواته مسكوا في خناقه، وطالبوا بحساب كل قرش وكل شبر أرض طلع لتوحيدة من ورث العيلة، واكتشفوا إن حامد كان كاتب ليها عقود بيع وشراء وهمية من نصيبه ونصيب إخواته بتوكيلات قديمة عشان تخرس. المحامي اللي لجأوا له أكد إن النسب مزور وإن توحيدة مالهاش أي صفة قانونية، والورق اللي كانت بتهددهم بيه انقلب عليها وبقى دليل تزوير ضدها وضد حماتي.
توحيدة اللي كانت بتطاوح في البيت زي الطاووس، لقت نفسها معزولة ومحرومة من كل قرش، رجلها المحروقة بتفكرها بذلها، وخوفها من المحاكم والنيابة خلاها تلم شنطتها في نص الليل وتهرب برة البلد كلها قبل ما الفضيحة توصل للمحاكم الرسمية.
أما حامد، فجالي بعد أسبوعين راكع على ركبه قدام بيت أبويا. وشه كان شاحب، خاسس، ومكسور كسر ميتصلحش، وفضل يبوس في إيد أبويا ويبكي زي العيال الصغيرة ويترجاني:
— سامحيني يا نورة.. كنت عامي، كنت خايف من الفضيحة وعار العيلة، بس خسرتك إنتي وخسرت شرفي وكرامتي، ارجعيلي وهحطك فوق راسي ومش هخلي الهوا يلمسك.
وقفت قدامه وبصيت في عينيه بنظرة مفيهاش حتى كره.. نظرة برود تامة، وقلتله بكلمات تقيلة زي الرصاص:
— اللي يبيع كرامة مراته عشان يداري خيبته، ميبقاش راجل يتأمن عليه يا حامد. القلم اللي أكلته وإنت مكتفني كسر بيني وبينك بحر، والبحر ده لو جف أنا مش هرجعلك.
طلبت الطلاق، والطلاق تم رسمي، وأخدت كل حقوقي مليم ينطح مليم من المحكمة. بدأت حياة جديدة وسط أهلي، وفتحت مشروع صغير خاص بيا، وسبت بيت حماتي يتآكل بالخناقات والندم، بعد ما عرفوا كلهم إن الظلم آخره وحش، وإن الست اللي تسكت على حقها سنين، لما بتقوم.. بتهد المعبد على اللي فيه.


تعليقات
إرسال تعليق