بنت جوزى كاملة حسام وشمس وشيماء
امانى السيد
بنت جوزى كاملة حسام وشمس وشيماء
امانى السيد
جوزى اتجوز عليه واحده من بلد مختلفه وعندها بنت وهجرنى انا وابنه عشانها مش دى المشكلة خالص انا اتخطيته ومبقاش عندى مشكله لكن بعد سنتين عملوا حادثه هو ومراته وماتوا وقتها انا كنت اتخطيته واتجوزت ابن عمه والبنت صعبت عليه لما راحت عند اهله ومكنش فيه حد يراعيها قررت اخدها اربيها مع ابنى لكن ابنى للاسف متخطاش اللى حصل فيه من ابوه زمان وقرر يدوق البنت من اللى أبوه عمله فيا وفيه رغم انى قولتله انى مش متاثره لانى مكنتش بحبه وحبيت البنت لانها كبرت على ايدى لكن هو كان مآثر فيه إن ابوه سابه عشانها وقرر إنه يدوقها نفس الكاس قدر يضحك عليها وخلاها تتجوزه ولما اتجوزته يوم صباحيتها
صحيت الصبح وابتسامة الفرحة مالية وشها، لسه بتفرك عينيها ومستنية تبدأ أول يوم في حياتها الجديدة معاه، لكن الباب اتفتح وفجأة اتلاشت الابتسامة لما لقيته داخل عليها يوم صباحيتها وإيده في إيد واحدة تانية، بيعرفها عليها ببرود تام إنها مراته وصاحبه البيت.
وقفت مكانها مذهولة، عينيها بتتنقل بينه وبين الست اللي ماسك إيدها، والصدمة شلت لسانها لثواني، ودموعها نزلت من غير صوت وهي بتقول بذهول وكسرة:
ـ إنت بتعمل إيه يا حسام؟! ومين دي اللي داخل بيها عليا يوم صباحيتنا؟! إحنا ملحقناش نفرح!
رد عليها بابتسامة باردة كلها قسوة وتشفي:
ـ دي مراتي.. مراتي الحقيقية اللي اختارتها بقلبي، مش زيك إنتي! إنتي فاكرة إني حبيتك بجد؟ ولا فاكرة إني نسيت إنتي مين وبنت مين؟! أمك خطافة الرجالة اللي دخلت زمان سرقت أبويا من أمي ومني، هدمت بيتنا وخلت أبويا يرمينا عشانها، وإنتي نسخة منها.. وكان لازم أكسرك وأدوقك من نفس الكاس اللي شربت منه سنين.
البنت اتراجعت لورا مش مصدقة حجم الغدر، بعد ما كانت شايفاه الأمان والحبيب اللي هيعوضها عن يتمها، صرخت فيه بانهيار:
ـ حرام عليك! أنا ذنبي إيه في كل ده؟! أنا كنت طفلة وماليش يد في اللي أمي عملته، وأمك هي اللي ربتني وكبرتني.. طلقني يا حسام، طلقني وسيبني أمشي من هنا حالاً!
قرب منها بخطوات بطيئة وعينيه بتلمع بغل وانتقام، ومسك دراعها بقوة وهو بيضحك باستهزاء:
ـ أطلقك؟! بالبساطة دي؟ لا يا حلوة، الطلاق ده تحلمي بيه وماتطوليهوش! إنتي هتعيشي هنا مكسورة العين، هتكوني خدامة لمراتي وللبيت، جوازي منك من الأول كان عشان أكسرك وأجيب لمراتي الحقيقية خدامة ببلاش، وتدفعي تمن اللي أمك عملته فينا زمان.
الست الجديدة قربت منها وهي بتتمايل ببرود وقسوة، وقفت قدامها وحطت إيدها في وسطها وقالت بصوت حاد وآمر:
ـ قومي من على الأرض بطلي قرف وصياح، إحنا مش فاضيين لدلعك ده! يلا ادخلي المطبخ اعملي لي فطار خاص.. أنا ما باكلش أي حاجة وخلاص، عاوزة بيض مقلي بالزبدة وشرايح طماطم مبهرة ، وعيش طازه انتى تعجنيه بايدك ، وكوباية قهوة مظبوطة.. ولو الحاجه ماعجبتنيش أو اتاخرتي، هخلي حسام يعلمك الأدب من اول وجديد.
البنت رفعت راسها وعينيها كلها دموع وقهر، وقالت بصوت مكسور
ـ أنا مش خدامة عند حد، واعملي فطارك لنفسك!
قبل ما تكمل جملتها، كانت الست الجديدة نزلت على وشها بقل.م هز راسها، وقالت لها بشراسة وهي بتزقها برجلها:
ـ إنتي اتجننتي ولا إيه؟! هنا ما تفتحيش بقك خالص، أنتي تنفذي الأوامر وبس! صوتك ده ما يعلاش سامعة ولا أقطع لسانك؟!
من شدة الصدمة والوجع، البنت جريت على ترابيزة الصالون وجابت موبايلها بسرعة، فتحت جهة الاتصال ودارت تدور على رقم أم حسام (اللي ربتها) عشان تستنجد بيها، ولسه هتدوس اتصال، ظهر حسام في وشها كالجحيم، خطف التليفون من إيدها بعنف ورماه على الأرض اتكسر مية حتة، وقرب منها ومسكها من شعرها هددها بصوت مرعب:
ـ إنتي لسه فاكرة ليكي ضهر تلجأي له؟! لو فكرتي بس تنطقي بحرف أو تشتكي لأمي، لأخلي حياتك جهنم حقيقية وأدفنك بالحيا! التليفون ده آخر حاجة تفكري تملكيها، امشي قدامي على المطبخ لحسن لسانك ده اقصه بإيدي!
خرجت شيماء من المطبخ بصينية الفطار وإيديها بترتعش، مش قادرة تستوعب الكابوس اللي هي فيه.. مشيت ناحية الصالة ما لقتش حد، لكن سمعت صوت الضحك والهمس طالع من أوضة نومها، الأوضة اللي كانت فاكراها عش أحلامها.
قربت من الباب ودخلت، اتسمرت مكانها والصدمة شلت حركتها.. شمس، الزوجة الجديدة، كانت ممددة على السرير ببرود ، وحسام قاعد جنبها بيطبطب عليها بحب وعشق حقيقي باين في كل نظرة ولمسة، مش مجرد تمثيل
شمس بصت لشيماء من فوق لتحت بقرف، وقالت بنبرة آمرة وهي بتشاور بإيدها:
ـ حطي الصينية هنا على السرير يا شاطرة
حطت شيماء الصينية على الكومودينو جنب السرير والدموع محبوسة في عينيها وراسها في الأرض، لسه بتلف ضهرها عشان تخرج، صوت شمس وقفها بحزم وقسوة:
ـ على فين ؟ هو أنتي صدقتي إنك صاحبة بيت خلاص؟ اطلعي على الدولاب ده حالاً.. تفضي كل هدومك وقرفك ده في شنطة وترميه بره، مكانك هيبقى المطبخ، تنامي فيه وتخدمي فيه.
فتحت شمس شنطة سفر كبيرة كانت على جنب وقالت باستحقار:
ـ والشنطة دي فيها هدومي.. هتطلعيها ترصيها في الدولاب فتحت شيماء الدولاب وبدأت تلم هدومها وهي قلبها بيتقطع على كل فستان اختارته لفرحتها، وبدأت تعلق هدوم شمس مكانها وإيديها بترجف ومش شايفة قدامها من كتر الدموع.
في وسط ارتباكها ودموعها،
ـ فستان حرير من بتوع شمس فلت من الشماعة ووقع على الأرض.. في ثانية قامت شمس من على السرير وهي بتزعق بغضب:
ـ إنتي عامية ما بتشوفيش؟! إنتي بتوقعي هدومي على الأرض بقصتك دي؟!
قربت منها وبغضب نزلت على وشها بقلم حارق خلّى وش شيماء يلف من شدة الصدمة. في اللحظة دي، حسام قام بسرعة من على السرير، وشد شيماء من شعرها بقسوة وهو بيبصلها بغيظ وعصبية، وقال بصوت حاد ومرعب:
ـ إنتي قاصدة تضايقها وتستفزيها! أي حاجة تضايق شمس أو تزعلها، وقتها ما تلوميش غير نفسك.. وافتكري كويس، عينك ما تترفعش فيها تاني أبداً
زقها حسام رماها في الأرض بعنف، ووجع القلم وشده شعرها خلوها تكتم صرختها جوه صدرها وهي بتلم جسمها على السيراميك البارد. شمس رجعت قعدت على السرير وحطت رجل على رجل بنظرة انتصار وتكبر، وبصت لحسام بدلع وقالتله:
ـ شوفت يا حسام؟ من أولها مهملة ومش عاجبها.. دي لو ما مشيتش على العجين ما تلخبطوش من هنا ورايح، مش هعرف أعيش في البيت ده يوم واحد.
حسام قعد جنب شمس ومسك إيدها باسها بحنية مفرطة، وبصلها بعيون بتفيض عشق، وقال بنبرة هادية عشان يراضيها:
ـ البيت بيتك يا روح قلبي، ومحدش يقدر يعكر مزاجك هنا.. اللي مش عاجبه لازم يتعدل ويتربى ، بس هي مش هتخرج، هي هنا علشان راحتك وبس.
بص لشيماء اللي كانت بتلم الفستان من الأرض بإيدين مرتعشة والدموع مغرقة وشها، ونتر فيها بصوت حاد:
ـ خلصي الدولاب في خمس دقايق، وتاخدي شنطة هدومك دي على المطبخ.. تفرشي ليكي هناك على الأرض، وتجهزي الغدا من دلوقتي! شمس ما بتحبش تتأخر في مواعيد أكلها، ولو لقيت تقصير، هيكون عقابك أشد من كده.
شيماء قامت بصعوبة، ركبتها كانت بتخونها من كتر الرعب والقهر، لمّت باقي هدوم شمس وعلقتها واحدة واحدة وهي حاسة إن روحها بتتسحب منها مع كل ضلفة بتقفلها. خلصت وشدت شنطتها القديمة اللي رمت فيها هدومها، وجرت على المطبخ، قفلت الباب وقعدت وراه في الأرض، وضمت ركبها لصدرها وبكت بحرقة ومرار على نصيبها وغدر الأيام.
مسحت دموعها بكم كمام فستانها وهي بتفكر في مخرج، بس كل الأبواب كانت مقفولة في وشها زي الحديد.. فكرت تهرب وتروح لحماتها؛ الست اللي ربتها واعتبرتها بنتها، بس رجعت خطوة لورا بخوف ومرارة.. هي عارفة حسام كويس وعارفة جنونه، لو راحت، حسام هيجيبها من شعرها غصب عنها ومحدش هيقدر يمنعه، ده غير إن مامته ست طيبة ومش هتقدر تقف في وش ابنها الوحيد، وكمان خافت إن حسام يقهر قلب أمه ويحاسبها هي على ذنب أمها زمان، وتطلع هي الغلطانة في نظر الكل ومحدش يصدق وجعها.
بلعت غصتها ووجعها، وقررت تكتم قهرتها جواها وتعملهم كل اللي هما عايزينه، وتعيش في هدوء واستسلام لحد ما تلاقي فرصة حقيقية للنجاة.
ومن اللحظة دي، بدأ الجحيم الحقيقي.. شمس مسكت زمام البيت وحوّلت حياة شيماء لذل يومي أسوأ من أي خادمة. مكنتش بتطلب منها طلب عادي، كانت بتتعمد الإهانة والتحكم؛ تصحيها من الفجر بصوت خبط عالي على باب المطبخ عشان تنضف الشقة كلها على إيدها، تجبرها تمسح الأرضيات بركبتها وهي واقفة فوق راسها تراقبها وتنتقدها بقرف، وتخليهت تعجن العيش بنفسها عشان تاكله طازه ولو شيماء جهزت الأكل، شمس تدوقه بملعقة وترميه في الحوض قدامها وتقولها بقسوة: “أكلك ماسخ زي وشك.. ارميه واعملي غيره!”
وشيماء كانت بتنزل راسها وتكتم دموعها، تلم الأكل المرمي وتعمل غيره من سكات، في حين إن شمس كانت بتتمادى كل يوم أكتر، ترمي هدومها في الأرض وتأمرها تغسلها على إيدها وتكويها بالساعة، وتمنعها تاكل غير بواقي أكلهم وفي زاوية ضيقة جوه المطبخ.
وحسام كان شايف كل ده بعينيه؛ راضي ومبسوط، شايف في دموع شيماء وكسرتها اليومية انتقامه اللي كان بيحلم بيه، وكل ما شمس تعاملها بقسوة أكتر، هو يزيد حبه لشمس ودلاله ليها قدام شيماء عشان يدبح كرامتها كل دقيقة.
بنت جوزى ٢
امانى السيد
في يوم من الأيام، قررت شمس تعمل عزومة كبيرة لأصحابها في الشقة، عشان تتباهى ببيتها وعيشتها الجديدة.. ومن الصبح بدري وشيماء واقفة على رجل واحدة في المطبخ، بتطبخ أصناف وأشكال وتجهز الحلويات والعصاير، وعينيها دبلانة من التعب وقلة النوم.
مع وصول أصحاب شمس، امتلأت الصالة بضحكاتهم وكلامهم.. وشمس كانت قاعدة في وسطهم زي الطاووس، لافة رجل على رجل ولابسة أشيك ما عندها. رنّت الجرس الصغير اللي حطاه جنبها عشان تنادي على شيماء، وطلعت شيماء بصينية المشروبات وراسها في الأرض، لابسة عباية قديمة ومبهدلة من شغل المطبخ.
شمس بصتلها بقرف وقالت بصوت عالي ومسموع وسط أصحابها:
ـ حطي الصينية هنا يا بت.. واتفضلي بسرعة هاتي التورتة والحلويات اللي قولتلك عليها، إياكي تتأخري على ضيوفي!
واحدة من صاحبات شمس بصت لشيماء باستغراب وقالت:
ـ ما شاء الله يا شمس، أنتي لحقتي تجيبي شغالة شاطرة كده من أول أسبوع جواز؟
شمس ضحكت بضحكة صفرا مليانة كيد واستحقار، وبصت لشيماء بنظرة قاصدة تذبح بيها كرامتها وقالت:
ـ أه طبعاً.. حسام حبيبي جابها مخصوص عشان تخدمني وماتعبش إيدي خالص، بس غبية شوية وبطيئه ، ولازم اكون مركزه معاهم طول الوقت عشان ماتفكرش تلعب على جوزى .
شيماء اتسمرت مكانها، والدموع اتحبست في عينيها وصوت الغصة كان هيخنقها.. شافت نظرات الاستعلاء والشفقة في عيون صحاب شمس، وواحدة تانية فيهم مدت رجلها وقالت ببرود:
ـ طب يا بنتي وأنتي رايحة المطبخ، هاتيلي مناديل وشيلي الشوز ده حطيه على جنب.
شيماء وطت على الأرض بكسرة وشالت الجزمة ونضفت مكانهم، وهي سامعة شمس بتكمل ضحك وتقول:
ـ حسام قالي دي مالهاش عازة غير للخدمة والبهدلة، يلا يا بت غوري جوه كملي العشا وبطلي سهتنه!
دخلت شيماء المطبخ والصينية بتترعش في إيدها، سندت ضهرها على الحيطة ونزلت على الأرض تعيط في صمت وتكتم شهقاتها بكفوف إيديها، حاسة إن كل نقطة كرامة فيها اتداست تحت رجلين الناس دي كلها، ومستنية بس أي بارقة أمل تخلصها من المستنقع ده.
عدّى أسبوع كامل على الجوازة، وقلب الأم كان واكلها على شيماء.. كانت متعودة ما يعديش يومين من غير ما تسمع صوتها أو تطمن على أحوالها، خصوصاً إنها عارفة حساسية الموقف والوجع القديم اللي حسام كان شايله جواه.
مسكت التليفون وطلبت رقم شيماء أكتر من مرة، بس في كل مرة كان يجيلها الرد الآلي: “الهاتف الذي طلبته قد يكون مغلقاً أو غير متاح”. القلق زاد في قلبها، فقررت ترن على حسام فوراً.
حسام كان قاعد في الصالة جنب شمس بيشربوا شاي، وأول ما شاف اسم أمه على الشاشة، شاور لشمس تسكت ورد بنبرة هادية مصطنعة:
ـ ألو.. إزيك يا ست الكل، وحشاني والله.
ردت أمه بنبرة كلها لهفة وقلق:
ـ الحمد لله يا حبيبي.. قولي يا حسام، شيماء فين؟ بقالي أسبوع بتصل بيها تليفونها مقفول، قلبي مش مطمن وعايزة أسمع صوتها!
حسام ابتسم بمكر وبص لشمس اللي كانت بتتابعه باهتمام، وقال بصوت واثق ومقنع:
ـ يا أمي متقلقيش خالص، مفيش حاجة والله.. شيماء بس الموبايل بتاعها وقع على البلاط والشاشة اتكسرت وباظ خالص، وأنا لسه موديه الصيانة يتصلح.
الأم ما ارتاحتش أوي وقالتله بشك خفيف:
ـ طب يا بني افتح الاسبيكر أو اديها التليفون أكلمها دقيقة واحدة من تليفونك، دي وحشتني أوي ومكلمتنيش من يوم الصباحية.
حسام جاهز بالحجة وسريع البديهة، رد بضحكة خفيفة عشان يطمنها:
ـ والله يا أمي مش جنبي، دي نزلت السوبر ماركت الكبير اللي في أول الشارع تشتري شوية طلبات ونواقص للبيت.. وبعدين متقلقيش عليها، إحنا مبسوطين جداً وعايشين في منتهى الهنا، ومفيش بيننا غير كل خير، أول ما ترجع هخليها تكلمك على طول.
الأم اتنهدت براحة نسبية بعد ما سمعت كلامه، وقالتله:
ـ يا رب دايماً يا بني متهنيين ويسعد قلوبكم، طمنتني يا حسام.. متنساش أول ما تدخل تخليها ترن عليا.
قفل حسام المكالمة، وبص لشمس والابتمامة الخبيثة على وشه وهو بيرمي الموبايل على الترابيزة، وقال بتشفي:
ـ كل حاجة تحت السيطرة.. محدش هيعرف يوصلك ولا ينجدك يا شيماء.
شمس ضحكت بدلع وهي بتعدل قعدتها جنبه، وقالت بنبرة كلها كيد:
ـ شاطر يا حبيبي.. أهو كده تريح دماغنا من وجع القلب، كفاية إن أمك طيبة وممكن لو عرفت أي حاجة تقلب الدنيا فوق دماغنا وتعملنا حكاية.
حسام رد ببرود وقسوة وهو باصص ناحية المطبخ:
ـ أمي مش هتعرف حاجة، وحتى لو حست بحاجة، دي أختيارها هي اللي جابته لنفسها زمان.. شيماء هنا هتدفع التمن في صمت ومحدش هيدري بيها.
في المطبخ، شيماء كانت سامعة كل كلمة من ورا الباب المقفول موارب.. حست بدموعها بتنزل حارقة على خدودها وهي ضاغطة على إيديها بقهر. كان عندها أمل ضعيف إن مكالمة حماتها تكون طوق نجاة، أو إن حسام يتلخبط ويفضح نفسه، لكن سمعت كذبه وبروده اللي قطع آخر خيط أمل كانت ماسكة فيه.
عرفت إن مفيش حد هينقذها غير نفسها، وإن الاستسلام مش هيجبلها غير ذل فوق ذل. مسحت دموعها بسرعة لما سمعت صوت خطوات شمس بتقرب من باب المطبخ، وبصت حواليها في المكان الضيق اللي بقت محبوسة فيه، وبدأ عقلها يدور على أي ثغرة..
رغم كلام حسام اللي كان بيحاول يطمنها بيه، إلا إن قلب الأم مكنش مرتاح.. غريزة الأمومة وخوفها على البنت اللي ربتها وكبرتها على إيدها خلوا الشك ينخر في عقلها. مر يومين بعد المكالمة وشيماء برضه مكلمتهاش، وهنا مقدرتش تصبر أكتر، جهزت نفسها وقررت تروح زيارة مفاجئة من غير ما تبلغهم، علشان تطمن بعينيها وتشوف عيشتهم عاملة إزاي.
وصلت قدام باب الشقة، دقات قلبها كانت سريعة وغريبة، رفعت إيدها ورنت جرس الباب.
جوه الشقة، كان حسام نازل مشوار سريع ومش موجود، وشمس كانت قاعدة في الصالة بتتفرج على التليفزيون، وشيماء راكعة على الأرض في الصالة بتمسح البلاط بهدوم مبهدلة ووش شاحب وخاسس بشكل يخض.
شمس سمعت الجرس، وبصت لشيماء بنفاذ صبر وقالت بحدة:
ـ قومي افتحي الباب شوفي مين بيخبط.. وبطلي برود!
قامت شيماء بصعوبة وضهرها محني، مسحت إيديها المبلولة في طرف عبايتها وفتحت الباب ببطء.. أول ما الباب اتفتح، رفعت عينيها ولقت حماتها واقفة قدامها بابتسامة ولهفة، لكن الابتسامة دي اتجمدت على وش الأم في ثانية واحدة.
الأم رجعت خطوة لورا من هول الصدمة، عينيها بتتنقل بين وش شيماء المجهد اللي باين عليه أثر الدموع والقهر، وعينيها الدبلانة، وبين لبسها المبهدل وإيديها المتشققة من المية والكلور.. وفوق كل ده، شافت شمس قاعدة وراها في الصالة بأريحية ولابسة هدوم شيماء وماسكة في إيدها مج نسكافيه.
الأم شهقت بصوت عالي وهي حاطة إيدها على صدرها:
ـ شيماء؟! إيه اللي جرى لك يا بنتي؟! إنتي مالك شكلك عامل كده ليه؟ ومين الست اللي قاعدة جوه دي؟!
شيماء أول ما شافت الست اللي كانت ليها أم وأمان سنين، مقدرتش تمسك نفسها، انفجرت في عياط هستيري وانهارت على ركبها عند عتبة الباب، من غير ما تنطق بحرف، والدموع بتنزل تحكي كل الذل والقهر اللي عاشته الأيام اللي فاتت.
ياترى رد فعل ام حسام ايه
بنت جوزى ٣
امانى السيد
الأم وطّت على الأرض في ثانية، حضنت شيماء ورفعتها من الأرض بإيديها وهي حاسة بجسم البنت كله بيرتعش.. بصت لشمس اللي قامت وقفت ببرود وتكبر، وبصت للبيت اللي مقلوب، وشافت المطبخ المفتوح اللي مفروش فيه على الأرض، وفهمت كل حاجة في لحظة واحدة؛ غدر ابنها وعقده القديمة اللي حرق بيها بنت بريئة.
شمس اتكلمت ببرود واستحقار:
ـ إيه يا طنط؟ داخلة كده من غير إحم ولا دستور ليه؟ وبعدين سايبة العروسة ورايحة تحضني الخدامة؟!
الأم عينيها طق منها الشرر، وقفت قدام شمس زي الصخرة، وصوتها طلع قوي ومزلزل هز حيطان الشقة:
ـ اخرسي خالص واقطعي لسانك! خدامة إيه يا نكرة إنتي؟! دي ست البيت وبنت الأصول اللي ربيتها على إيدي.. أنتي مين أصلاً وإزاي تدخلي بيت ابني وتتجبري على لحمي ودمي كده؟!
في اللحظة دي اتفتح باب الشقة، ودخل حسام وكان ماسك أكياس طلبات، أول ما شاف أمه واقفة وشيماء منهارة وراها، اتجمد مكانه والأكياس وقعت من إيده.. وش حسام اصفر وقال بارتباك:
ـ أمي؟! أنتي.. أنتي جيتي إزاي وإمتى؟
الأم لفت لحسام، وبكل قهر وحرقة سنين، قربت منه وضربته قلم قوي رن في أرجاء الصالة، قلم نزل على وشه خلاه يرجع خطوة لورا من الصدمة.
زعقت فيه الأم بصوت يملأه الغضب والاشمئزاز:
ـ ده عقاب قلة أصلك وندالتك يا حسام! فاكر نفسك راجل؟! فاكر إنك كده بتنتقم لأمك؟ أنا عمري ما علمتك الخسة ولا الغدر! أبوك زمان خان وسابنا براجلته الناقصة، وإنت النهاردة طلعت أضل منه وأحقر.. استقويت على يتيمة كل ذنبها إنها وثقت فيك، وعيشتها في ذل وقهر تحت رجلين واحدة غريبة علشان تشفي غلك المريض؟!
حسام حاول يبرر بصوت مهزوز:
ـ يا أمي أنا عملت كده عشانك وعشاني! أمها دمرت بيتنا و..
قاطعته بحسم وقوة خلت شمس ترجع لورا بخوف:
ـ أمها ماتت وراحت للي خلقها، والبنت دي كبرت في حضني ومأذتكش في شعرة! الانتقام ده وسواسك إنت وغلك إنت، مش عشاني.. أنا بتبرأ من اللي عملته ده ليوم الدين، ومش هسمحلك تدوس على كرامتها دقيقة واحدة تانية!
لفت الأم لشيماء، مسكت إيدها بحنان وشدتها لورا ضهرها في حمايتها، وبصت لحسام بنظرة أخيرة كلها احتقار وقالتله بلهجة قاطعة لا تقبل النقاش:
ـ ورقة طلاق شيماء توصلها النهاردة قبل بكرة بكل حقوقها.. والبيت ده ماليش خطوة فيه تاني، وإنت من اللحظة دي مش ابني ولا أعرفك لحد ما ترجع لعقلك وتعرف يعني إيه رجولة!
شدت شيماء من إيدها وخرجت بيها من الشقة، ورزعت الباب وراها بكل قوة، سايبة حسام واقف مكانه مشلول بين صدمة كلام أمه وخسارة كرامته، وشمس بتبصله بذهول وخوف من اللي جاي.
بالليل، الباب خبط خبطات ضعيفة ومكسورة.. فتحت الأم ولقت حسام واقف قدامها، وشه شاحب وعينيه حمرة من كتر الحبس في القهر. أول ما شافها، ما قدرش يصلب طوله، وقع على ركبه في الأرض ومسك إيدها وحط راسه عليها وانفجر في عياط هستيري وشهقات متقطعة، عياط طفل كان محبوس جواه سنين طويلة.
الأم كانت واقفة متجمدة، باصة له بوجع وصرامة، لكنه رفع وشه المبلول بالدموع وقال بصوت مخنوق ومكسور يقطع القلب:
ـ إنتي فاكرة إني عملت كده علشان أنا شرير يا أمي؟! والله العظيم لا.. أنا كنت بموت كل يوم ألف مرة وإنتي مش حاسة بيا! إنتي اتخطيتي وكملتي حياتك، بس أنا فضلت محبوس في اليوم اللي أبويا رمانا فيه وسابنا عشان أمها!
مسك في عبايتها برجاء وهو بيكمل كلامه بانهيار:
ـ كان نفسي في حضن أبويا يا أمي.. كان نفسي زي بقية العيال ييجي ياخدني من المدرسة، يقف في ضهري، يعلمني، يسندني لما أقع! كنت بمشي في الشارع عيني في الأرض من معايرة أصحابي.. كانوا بيضحكوا عليا في المدرسة ويقولولي: “أبوك هرب منك وسابك عشان أنت غبي ووحش، أبوك مبيحبكش ومستحملكش!”.. الكلام ده كان بيدبحني، كان بيحرق في روحي سنين ومكنتش بقدر أقولك عشان متزعليش!
نزل راسه للأرض وصوته بيعلى بالبكا:
ـ كل ما كنت ببص في وش شيماء، كنت بشوف أبويا اللي رماني عشان أمها.. كنت بشوف العيل المكسور اللي اتعاير واتهان بسببهم! الغل عماني يا أمي، كنت فاكر إني لما أكسرها هنتقم لكرامتي وأرجع حقي من الدنيا، بس لما شوفت خيبتك فيا وحسيت إني خسرتك.. حسيت إني ضعت أكتر، ومبقتش عارف أنا مين ولا عملت كده إزاي!
الأم فضلت باصة له والدموع اتجمعت في عينيها؛ شافت قدامها ابنها الوحيد اللي الوجع واليتم شوهوا روحه، ورغم بشاعة اللي عمله، كانت سامعة صرخة طفل اتظلم زمان ودفع تمن غلطة مكنش ليه فيها يد.
نزلت الأم على ركبها قدامه، وحطت إيديها الاتنين على كتافه بحنان أموي غلب قسوتها، والدموع نزلت من عينيها بغزارة وهي بتمسح وشه المبلول بالدموع.. كان صوتها هادي، بس مليان عتاب يوجع القلب:
ـ اهدا يا حسام.. اهدا يا ضنايا واسمعني كويس. أنا حاسة بوجعك وشايلة حزنك في قلبي من زمان، بس رد عليا.. شيماء ذنبها إيه في كل ده؟! إنت زعلان عشان أبوك سابك، بس على الأقل أنا كنت معاك وعمك كان في ضهرك وسندك وعوضك، كان ليك أهل وأم تحميك وتدافع عنك لما حد يضايقك.
اتنهدت بمرارة وصوتها اتهز وهي بتفكره بحال البنت:
ـ إنما هي.. هي عاشت يتيمة ابوها مات ، اتحرمت من أمها بعد كده في غمضة عين وبقت في الدنيا دي لوحدها ملهاش سند! اتبهدلت واتمرمطت بعد الحادثة، وحتى ستك وجدك شافوها غريبه عنهم وسابوها للدنيا تلطش فيها ومحدش سأل عنها.. ورغم كل اليتم والوجع اللي عاشته، البنت كانت حنينة عليا، دخلت بيتي بنية صافية وشالتني في عينيها واعتبرتني أمها الحقيقية وعوضها عن الدنيا.
قربت وشه منها وبصت في عينيه بحسرة:
ـ تقوم إنت يا ابني تاخد حقك من الغلبانة اللي ملهاش ضهر؟! تروح تدوقها المر وتجرحها وتكسر كرامتها تحت رجلين واحدة تانية؟! ليه تخذلنا يا حسام؟ ليه تدوس على تربيتي ليك وتكسر قلبي وقلب البنت اللي ملهاش بعد ربنا غيرنا؟! أبوك غلط زمان.. بس إنت بغلك ده عملت ذنب أكبر من ذنب أبوك مية مرة.
حسام خبا وشه بين كفوفه وصوت نحيبه زاد، الكلمات نزلت على قلبه زي المية المغلية تكشفله حجم الجري\مة والظلم اللي ارتكبه باسم انتقام أعمى.
كلام أمه نزل على قلبه زي الصاعقة، فاق على الحقيقة المرة وحجم الظلم اللي ارتكبه.. ساب البيت ومشي وهو مش شايف قدامه، واختفى فترة طويلة قفل فيها على نفسه تليفونه وبابه، بيراجع كل لحظة قسوة وكل دمعة نزلت من عين شيماء بسبب غله. أول قرار خده إنه طلق شمس ونهى الجوازة دي فوراً، لأنها كانت مجرد وسيلة وأداة اختارها علشان يغيظ شيماء ويكسرها، ومبقاش طايق وجودها ولا أفعالها اللي فكرته بأسوأ نسخة من نفسه.
بعد شهور من الغياب ومحاسبة النفس، رجع حسام لبيت أمه.. كان هادي ووشه باين عليه الانكسار والتوبة. قعد قدام شيماء ونكس راسه في الأرض، وقالها بصوت مليان ندم وصدق:
ـ أنا عارف إن مفيش كلام في الدنيا يقدر يمسح الوجع والمهانة اللي عيشتك فيها.. أنا طلقتك رسمي، وحقوقك كلها هتوصلك لحد عندك.. بس طالب منك تسامحيني لوجه الله، وتدعيلي ربنا يغفرلي ذنبي في حقك.
شيماء كانت واقفة بتبصله بهدوء وعينيها صافية.. كانت سامعة كل كلمة قالها لأمه يوم ما انهار، وفهمت كمية العقد والوجع اللي كانت محاوطاه من صغره، فقالتله بنبرة مسامحة طالعة من طيبة أصلها:
ـ مسامحاك يا حسام.. مسامحاك علشان خاطر أمك اللي ربتني، وعلشان إنت اتوجعت من صغرك والوجع عماك.. ربنا يسامحك ويهديلك طريقك.
سافر حسام بعدها وعمل عُمرة يغسل بيها همومه وذنوبه عند بيت ربنا، ورجع إنسان تاني، اختار يعيش لوحده في هدوء ورضا، وبدأ يبني حياته ونفسيته من جديد لحد ما ربنا رزقه بعد فترة ببنت حلال تانية مناسبة ليه واتجوزها وبدأ معاها صفحة بيضاء نظيفة.
أما شيماء، فعوض ربنا كان ليها قريب وكبير على صبر وطيبة قلبها؛ بعد مدة اتقدم لها شاب ابن حلال، محترم وبيتقي الله فيها، عرف قيمتها وشالها فوق راسه، وعاشت معاه في أمان وهناء، ووسط حضن حماتها اللي فضلت ليها الأم والسند طول العمر.


تعليقات
إرسال تعليق