القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 رواية طبخت ٧ كيلو ونص لحمة كامله وحصريه 



طبخت ٧ كيلو ونص لحمة كامله وحصريه 

#الكاتب_رومانى_مكرم

طبخت ٧ كيلو ونص لحمة بالساعات، وحماتي من غير حتى ما تسألني، حطّت ٥ كيلو منها في علب عشان تاخدهم لبنتها. ولما اعترضت، بصّتلي وقالت بكل بجاحة: — إيه يا بنتي، متبقيش بخيلة… إحنا أهل! ماجادلتهاش. رميت الباقي اللي سابته بهدوء، ومسكت موبايلي. بس لما جوزي رجع وهو متعصب، ماكانش لسه عارف إن فيه ورقة أنا لقيتها على الترابيزة هتغيّر كل حاجة…


 




الجزء الأول


— إنتِ رميتي اللحمة في الزبالة؟! إنتِ اتجننتي؟! ابني بيشتغل ويتعب عشان تيجي إنتِ تضيّعي الأكل؟!


حماتي صرخت بصوت عالي لدرجة إن بنتي الصغيرة، اللي عندها أربع سنين، خرجت من أوضتها وهي حضنة عروستها وبتبص لنا بخوف.


أنا ما رديتش.


فضلت بس أبص للحلة الحديد التقيلة وهي مرمية جوه الزبالة، وسط قشر البيض وورق الخس.


من نص ساعة بس، الحلة دي كانت مليانة أكلة تعبت فيها طول النهار.


كنت جايبة ٧ كيلو ونص لحمة بقري من سوق قريب من بيتنا في شبرا، وكنت شارية اللحمة من فلوس المكافأة اللي خدتها على شغل خلصته.


اخترت لحمة نضيفة، وتبّلتها كويس، وشوّحتها بالتوم والبهارات، وبعدها سبتها تستوي على نار هادية بالساعات.


جوزي أحمد بقاله كام أسبوع كل شوية يقولي:


— وحشتني أكلتك بتاعة يوم الجمعة يا ندى.


وبنتنا ليان كانت مستنية الغدا بفارغ الصبر.


لكن حماتي، سعاد، أول ما شمّت ريحة الأكل، دخلت المطبخ ورفعت غطا الحلة.


ابتسمت كأنها لقت كنز مش أكل أنا اللي دافعة تمنه وطابخته بإيدي.


— الله! ما شاء الله… حلو إنك عاملة كمية كبيرة. نجلاء نفسها في لحمة.


نجلاء كانت بنتها المفضلة.


ومن غير ما تستأذنني، فتحت الدولاب وطلعت علبتين كبار، وبدأت تحط فيهم أحسن قطع اللحمة، والبطاطس، وحتى الشوربة.


بصيت لها وقلت:


— يا حماتي، أحمد لسه ماجاش… وليان كمان ماكلتش.


ردت وهي بتكمل تعبئة العلب بكل برود:


— يا بنتي متبقيش بخيلة كده. أحمد راجل، ياكل أي حاجة ويشبع. إنما نجلاء عندها عيال.


“بخيلة.”


الكلمة دي كانت لازقة في لسانيها كل ما أحاول أحط حدود.


بخيلة لما كنت بسألها ليه كارت المرتب بتاع أحمد لسه معاها.


وبخيلة لما كانت تاخد هدوم جديدة لليان وتديها لبنت أختها.


وبخيلة لما كنت أقول لها:


— يا ماما، لو سمحتي بلغيني قبل ما تعزمي حد يبات عندنا.


كل مرة كانت بتقلبها عليّا وكأني أنا الغلطانة.


وفي الآخر، أخدت تقريبًا ٥ كيلو لحمة، ومعاهم خضار وشوربة، وحطتهم في شنطتها.


وقبل ما تخرج قالت وهي فرحانة:


— أنا ماشية… نجلاء هتفرح أوي. وهودي لها الأكل.


فضلت واقفة قدام الحلة.


الحلة اللي ما بقاش فيها تقريبًا غير حتتين لحمة صغيرين وجزرة.


بصيت لهم وسكت.


افتكرت الفلوس اللي دفعتها في اللحمة.


وافتكرت الأربع ساعات اللي قضيتهم واقفة قدام البوتاجاز.


وافتكرت بنتي اللي كانت مستنية طبقها.


وافتكرت أحمد وهو دايمًا بيقول نفس الجملة:


“دي أمي يا ندى… سيبيها براحتها.”


لما رجعت حماتي تاخد شنطتها، لمحت الحلة وهي جوه الزبالة.


وقفت مكانها.


— إنتِ عملتي إيه؟!




رديت بهدوء:



— عملت اللي أنا عايزاه في حاجة أنا اللي شاريّاها وطابخاها.



وشها اتقلب، ورفعت إيدها كأنها هتمدها عليّا.


مسكت إيدها قبل ما توصل لوشي.


وبصيت لها في عينيها وقلت:


— إياكي ترفعي إيدك عليّا تاني.


سحبت إيدها بعصبية وقالت:


— استني بس لما أحمد ييجي… هو هيعرف يحطك عند حدك.


هزيت راسي.


وبعدين أخدت شنطتي، وشلت ليان، وقلت:


— تمام. لحد ما ييجي، أنا هروح أجيب أمي.


ضحكت بسخرية:


— هتجيبي أمك تعمل إيه؟! هتدافع عنك الست بتاعة إمبابة دي؟


بصيت لها وقلت:


— لأ.


وسكت ثانية قبل ما أكمل:


— هتجيب حاجتها وتعيش هنا.


الابتسامة اختفت من على وشها في لحظة.


— تعيش هنا؟!


— أيوه. أمي هتنام في أوضة النوم الكبيرة. وإنتِ يا إما تروحي تقعدي عند نجلاء، يا إما تفضلي هنا وتحترمي قوانين بيتي.


شهقت وقالت:


— بيتك إنتِ؟! ده بيت ابني!


من غير ما أجادلها، طلعت موبايلي واتصلت بأحمد.


لما حكيت له اللي حصل، ما سألنيش حتى إذا كانت أمه حاولت تضربني.


أول حاجة قالها كانت:


— إنتِ رميتي اللحمة؟! يا ندى، ماكنش ينفع تسيبي أمي تاخد شوية لنجلاء؟!


سكت شوية.


وفي اللحظة دي، حسيت إن حاجة جوايا انكسرت نهائي.


قلت له بهدوء:


— أحمد… الشقة دي باسمي.


سكت.


كملت:


— أنا اللي اشتريتها قبل جوازنا، بفلوس أبويا ومدخراتي. وأنا اللي بدفع أقساطها لحد النهارده.


— يعني إيه؟


— يعني عندك ساعة واحدة تيجي تاخد والدتك من هنا.


اتعصب:


— إنتِ بتهدديني يا ندى؟!


رديت:


— لأ. أنا مش بتهددك.


وبصيت لبنتي اللي كانت واقفة جنبي:


— أنا بحط حدود.


وقلتها وقفلت المكالمة.


ليان بصتلي وهي ماسكة عروستها وقالت بصوتها الطفولي:


— ماما… هي ليه تيتة خدت اللحمة كلها؟ مش إنتِ اللي عملتيها لينا؟


بصيت لها.


وفجأة استوعبت إن بنت عندها أربع سنين قدرت تشوف حاجة أنا قضيت تلات سنين كاملة وأنا بحاول أتجاهلها.


لكن اللي حصل بعد ما رجعت البيت ومعايا أمي…


خلّى موضوع الحلة واللحمة اللي اترمت في الزبالة يبان إنه كان مجرد بداية.


لأن على ترابيزة السفرة، كانت مستنياني ورقة واحدة…


ورقة أحمد نفسه ماكانش يعرف إنها موجودة.


ولما أمي قرتها، وشها اتغيّر وقالتلي:


— ندى… إنتِ لازم تعرفي الحقيقة قبل ما أحمد يدخل من الباب.


لأني لأول مرة فهمت إن المشكلة عمرها ما كانت في اللحمة.


المشكلة كانت في سرّ حماتي وجوزي مخبّينه عني بقالهم




الجزء الثاني



مسكت أمي الورقة في إيدها وكانت إيدها بترتعش. بصيت لوشها اللي اتغيّر ألوانه، ونظراتها اللي كانت بتتعدى حدود الذهول وبتوصل للخوف، وسألتها وأنا حاسة بضربات قلبي بتسارع:



— فيه إيه يا أمي؟ ورقة إيه دي؟!


أمي بصتلي وعينيها ملانة دموع وقالت بصوت واطي:


— دي مش مجرد ورقة يا ندى… ده عقد تنازل وتوكيل رسمي!


قبل ما أستوعب الكلمة، باب الشقة اتفتح بقوة. دخل أحمد ووشه احمر من الغضب، ومعاه حماتي سعاد اللي كانت نازلة عياط وتصنّع للمظلومية. أحمد أول ما شاف أمي واقفة وفي إيدها الورقة، وشه اتقلب واصفرّ في ثانية، وحسيت إنه اتجمد مكانة.


صرخ أحمد وهو بيحاول يداري توتره:


— إيه اللمّة دي؟! وإيه اللي بيحصل هنا؟! إنتِ بجد جبتي أمك يا ندى عشان تطردي أمي من البيت؟!


رديت عليه ببرود تام وأنا باخد الورقة من إيد أمي:


— البيت بيتي يا أحمد، والقوانين هنا قوانيني. بس قبل ما نتكلم في مين يقعد ومين يمشى… قولي، إيه الورقة دي؟ وليه مستخبية جوه ملف أوراق الشقة في دولابك؟


سعاد اتدخلت فوراً وبصوت عالي عشان تشتت الانتباه:


— ورقة إيه وزفت إيه! إنتِ عاوزة تقلب الترابيزة عشان رميتي نعمة ربنا في الزبالة وكأنتِ وليّة مفترية؟! ابني هو صاحب البيت وهو اللي يقرر مين يقعد ومين يخرج!


أمي وقفت قدام سعاد وقالت لها بصوت صارم هزّ الأوضة:


— اسكتي خالص يا سعاد! ابنك مش صاحب البيت، وابنك عامل مصيبة لو عرفتها الشرطة مش هيرحموه!


السكوت ساد المطبخ والصالة في لحظة. أحمد قرب مني وبيحاول يسحب الورقة من إيدي وهو بيقول بصوت متلجلج:


— ندى… هاتي الورقة دي، دي حاجة خاصة بشغلي مالكيش دعوة بيها.


بعدت إيدي عنه وبصيت في الورقة. كانت توكيل عام رسمي باسمي، ومعه عقد بيع ابتدائي للشقة متمضي بفرز وتزوير واضح لقصة تنازل مني لأحمد عن الشقة بالكامل، ومعه إقرار بذمة مالية بمديونية وهمية عليّا لصالح أخته نجلاء!


عيني وسعت وأنا بقرا البنود. بصيت لأحمد وقلت بصوت مكتوم من الصدمة:


— إنت مزور توقيعي يا أحمد؟ إنت كنت بتخطط تاخد الشقة وتكتب عليّا ديون كمان لأختك؟!


سعاد بصت لأحمد بثقة وضحكت بقلة أدب:


— وأيوه ياختي! الشقة دي حق ابني! هو اللي اتجوزك وهو الراجل، وبدال ما الفلوس تروح لكي ولا لأهلك، نجلاء أولى بيها! إحنا بقالنا سنتين بنرتّب للأمر ده، وكان فاضل بس التوثيق الأخير في الشهر العقاري!


أحمد زعق في أمه:


— يا أمي سكتي خالص دلوقتي!


لكن الكلام كان خلاص اتقال. الحقيقة الكاملة وضحت قدامي زي الشمس. الأربع سنين اللي قضيتهم بأكل من الشغل وبدفع الأقساط وبستحمل الإهانات والبخل والتنازلات، كانوا مجرد فخ عشان يسحبوا الشقة مني ويدوها لنجلاء وأمها.


سعاد كانت بتاخد الأكل، والهدوم، وحتى اللحمة اللي تعبت فيها طول النهار، مش مجرد طمع عادي… دي كانت بتتصرف بعقلية إن البيت بيتها والأكل أكلها، وإن وجودي هنا مجرد مسألة وقت لحد ما يتمموا التزوير ويطردوني بالهدوم اللي عليّا.


مسكت موبايلي بهدوء شديد.


أحمد قرب مني بخوف وقال:


— ندى… اهدي، نتفاهم. أنا عملت كده عشان أمي وضعتني تحت ضغط، كانت عاوزة تؤمن مستحقات نجلاء بعد طلاقها، وأنا والله ما كنت هرميكي في الشارع…


بصيت له بمنتهى القرف وقلت:


— تتفاهم؟ التفاهم خلاص وقته انتهى.


ضربت رقم المحامي بتاعي على السبيكر قدامهم، وقلت له:


— أستاذ عصام… معايا عقد مزور وتوكيل رسمي مزور تم إعدادهم للاستيلاء على شقتي وإثبات ديون وهمية عليّا. المحاضر والقضايا تترفع فوراً، ومعايا شهود والأوراق الأصلية في إيدي.


وش أحمد اتقلب وسعاد صرخت:


— قضايا إيه يا مفترية؟! ده جوزك وحبيبك!


رديت عليها بصوت زي الحديد:


— جوزي اللي خان الأمانة ومسح بيا الأرض عشانك وعشان بنتك، مالوش مكان هنا.


لتفت لأحمد وقلت له:


— قدامك بالضبط عشر دقايق. تاخد أمتعتك، وتلم هدوم أمك، وتخرجوا بره الباب ده. ولو رجلكم عتبت العمارة تاني، المحضر هيكون بتهمة التزوير والشروع في النصب وهتبيتوا في النيابة النهاردة.


أحمد بص لأمه بغضب مكتوم وقال لها:


— عاجبك كده؟! أديكي ضيعتي كل حاجة!


سعاد فضلت تصرخ وتدعي عليّا وهي بتلم شنطتها بسرعة، وأحمد واقف مش قادر يبص في عيني، مكسور ومهزوم بعد ما اكتشفت السر اللي كانوا مأجلين إعلانه لحد ما يقفلوا اللعبة.


قبل ما يخرجوا من الباب، سعاد بصتلي بغل وقالت:


— فاكرة إنك كسبتي؟ نجلاء مش هتسيبك، وأحمد مش هيطلقك بسهولة، وهنشوف مين اللي يضحك في الآخر!


قفلت الباب في وشهم بالقفل والمفتاح.



أمي أخدتني في حضنها وليان بنتي جرت عليا ومسكت في رجلي. بكيّت… مش عشان أحمد ولا عشان الشقة، لكن عشان السنين اللي ضاعت وأنا فاكرة إن الخلاف كان مجرد “حلة لحمة”، في حين إن المعركة الحقيقية كانت على حياتي ومستقبلي ومستقبل بنتي.



بس الليلة دي كانت مجرد بداية الحروب… لأن نجلاء وأخوها ما كانوش ناويين يستسلموا بالسهولة دي.


الجزء الثالث


سكت الباب وراهم، ورجّت الصدمة أركان الشقة اللي بقت فجأة فاضية وساكتة بشكل يرعب. أمي أخدت ليان في حضنها وغطتها، والبنت من كتر الخوف والتوتر راحت في النوم على الكنبة وهي ماسكة عروستها.


جلسنا أنا وأمي على السفيرة، والأوراق المزورة مفروشة قدامنا تحت نور الصالة. أمي طبطبت على إيدي وقالتلي بصوت حازم:


— ندى… اللي حصل النهاردة مش نهاية المطاف، دول أفعى ومجروحين، وسعاد ونجلاء مش هيسيبوكي في حالك بعد ما خطتهم اتكشفت وسرهم بؤست.


ما كدبتش أمي خبر.


الساعة اتنين بالليل، وموبايلي ما بطلش رن. رسائل من أحمد كلها تهديد ووعيد، ورسائل تانية بيترجى ويتمسكن، وبعدها اتصالات متواصلة من أرقام غريبة. ما رديتش على ولا مكالمة، وسبت المحامي يتعامل مع كل الأوراق.


لكن المفاجأة الحقيقية بدأت تاني يوم الصبح.


صحينا على صوت خبط هيستيري على باب الشقة. خبط مش طبيعي، كأن حد بيحاول يكسر الخشب. طلعت أ جري من الأوضة وأمي ورايا. بصيت من العين السحرية، لقيت نجلاء، أخت أحمد، واقفة بره مع جوزها السابق واثنين رجالة غريبة أنا عمر ما شفتهم!


نجلاء كانت بتصرخ في الطرقة ب أعلى صوتها عشان تجرّسني قدام الجيران:


— افتحي يا حرامية! افتحي يا اللي سرقتي شقة أخويا ورميتي أمه في الشارع! يا جارة السوء يا اللي ما بترحميوش!


الجيران بدؤوا يفتحوا أبوابهم ويطلعوا يتفرجوا. نجلاء كانت مرتبة كل حاجة عشان تعمل شو إعلامي قدام المنطقة، وتضغط عليّ نفسياً عشان أتنازل أو أفتح الباب وأدخل معاهم في مشاجرة.


أمي مسكت إيدي وقالت:


— إياكي تفتحي الباب يا ندى، دي مصيدة.


أنا ما اترددتش. مسكت الموبايل وطلبت النجدة فوراً، وبلغت إن فيه محاولة اقتحام لبيتي وتهديد بالسلاح من أشخاص غريبة، وأعطيتهم العنوان بالتفصيل. وفي نفس الوقت، اتصلت بالأستاذ عصام المحامي، اللي قال لي:


— صوريهم من العين السحرية أو سجلي الصوت، وما تفتحيش شبر واحد لحد ما البوليس يوصل.


فضلت نجلاء تصرخ وتخبط وتكيل لي الاتهامات، وتقول للجيران إن الشقة دي شقة أخوها وإني كتبت عقد وهمي باسمي وأنا بستغل ظروفه! الجيران كانوا واقفين متلخبطين ومش فاهمين الحقيقة، لحد ما البوليس وصل للطرقة بعد ربع ساعة.


أول ما أمين الشرطة والظابط طلعوا، نجلاء اتغيرت في ثانية، وقعدت تعيط وتعمل دور الضحية:


— يا بيه! دي مرات أخويا، حبست أمي وأخويا بره، وطردتهم من البيت اللي هو شاريه بفلوسه، وجايبة ناس غريبة جوه!


هنا فتحت الباب بهدوء، وأنا ماسكة ملف الأوراق الأصلية للشقة، ومعايا التوكيل والعقد المزور اللي سابه أحمد.


بصيت للظابط وقلت بكرامة وثبات:


— اتفضل يا فندم. دي أوراق ملكية الشقة الرسمية باسمي من سنة التخصيص، ودي إيصالات الأقساط باسمي وبحسابي البنكي. والست دي جايبة رجالة غريبة يحاولوا يقتحموا بيتي ويهددوني أنا وبنتي الصغيرة.


الظابط بص للأوراق، وبعدها بص لنجلاء والرجالة اللي معاها وقال بصوت صارم:


— الأوراق رسمية والبيت ملك الأستاذة. إنتوا بتعملوا إيه هنا وبأي حق نازلين خبط وتهديد؟


نجلاء اتلجلجت وقالت:


— دي أوراق مزورة! أخويا أحمد معاه عقد تنازل!


رديت عليها بثقة قدام الظابط والجيران اللي واقفين يتفرجوا:


— عقد التنازل اللي بتتكلمي عنه ممتلئ بتزوير توقيعي، والمحامي بتاعي رفعه النهاردة الصبح في بلاغ رسمي للنيابة العامة بتهمة التزوير واستعمال محررات مزورة ضد أحمد وضدك يا نجلاء!


وش نجلاء اصفرّ والرجالة اللي كانوا معاها بدؤوا ينسحبوا لورا فوراً أول ما سمعوا كلمة “نيابة وتزوير”.


الظابط بص لنجلاء وقال لها:


— قدامكم دقيقة واحدة تفضّوا الطرقة وتنزلوا، ولو المحضر أترفع إنتوا اللي هتتحبسوا بتهمة التهجم والتزوير. يلا بره!


نزلت نجلاء وهي بتشتم وبتتوعد، والرجالة جرو وراها مكسورين. الجيران بدؤوا يستوعبوا الحقيقة وبصوا لي باعتذار، وأنا قفلت الباب ورايا وشارعة بانتصار صغير، بس كنت عارفة إن اللعبة كبرت.


أحمد، لما عرف إن اختو اتفضحت قدام البوليس وإن البلاغ أترفع رسمياً في النيابة، اتصل بي بعد السمعة دي بساعة. بس المرة دي ما كانش بيزعق ولا بيهدد… كان بيعيط وبيرجاني!


— ندى… أرجوكي اسحبي البلاغ! لو النيابة حققت في التزوير أنا مستقبلي هيضيع وشغلي هيروح، وأمي هتترمي في الشارع!


سكت شوية وبصيت لأمي اللي هزت رأسها بالرفض الصارم.


قلت له بهدوء وثبات:


— اللي يزوّر توقيع مراته عشان يسرق شقتها ويدينها بديون وهمية، ما يفكرش في مستقبله يا أحمد. إنت اختارت أمك وأختك وعمايلهم، وأنا اخترت بنتي وحقي.


لكن اللي ما كنتش أعمل حسابه… إن نجلاء وسعاد، بعد ما فشلوا في الشرطة والتهديد، قرروا يلعبوا كارت تاني أخبث وأقذر بكثير… كارت هيخليني أقف قدام قرار مصيري ما كنتش متوقعة إني آخده في حياتي أبداً!



طبخت ٧ كيلو ونص لحمة 2


الجزء الرابع الهدوء اللي ساد الشقة بعد ما البوليس مشّي نجلاء والرجالة اللي معاها ما كانش هدوء راحة، كان الهدوء اللي بيسبق العاصفة. الشارع تحت البيت كان لسه فيه همس وشوشة بين الجيران، وأنا كنت واقفة في نص الصالة، ماسكة الملف الأغلى في حياتي، الملف اللي فيه عقد الشقة وإيصالات الأقساط، والورقة المزوّرة اللي كانت هتكون المشنقة اللي يلفوها حوالين رقبتي.



 



أمي أخدت ليان ودخلتها الأوضة تطمنها، ورجعتلي وهي شايلة كباية مية. إيدها كانت لسه بترتعش، بس عينيها كان فيها نظرة قوة عمرها ما ظهرت قبل كده.


— ندى… إنتِ فاكرة إنهم هيسكتوا؟ سعاد ونجلاء دماغهم سم، وأحمد ذيل مالوش رأي. طالما التهديد بالبوليس والتزوير ما جابش نتيجة، هيتدوروا على الحتة اللي توجعك بجد.


بصيت لأمي وسألتها:


— هيوجعوني في إيه يا أمي؟ الشقة وبقت باسمي ومعايا أوراقها، والتزوير أترفع بيه بلاغ للنيابة، وأحمد أثبت إنه ما يتبكيش عليه. فيه إيه تاني ممكن ياخدوه مني؟


أمي بصت لي بأسى وقالت بصوت واطي:


— ليان… بنتك.


الكلمة نزل عليّا زي الصاعقة. جسمي كله اتصلّب.


— ليان؟ أحمد يقدر يعمل إيه بليان؟ ده ما بيصرفش عليها جنيه من يوم ما اتولدت! ده أمه كانت بتاخد الهدوم اللي بشتريها للبنت وتديها لعيال نجلاء!


— القانون يا ندى… القانون أوقات بيبقى سيف في إيد اللي ما يرحمش لو عرفوا يلعبوا بيه. أحمد أبوه عايش وعنده علاقات، ونجلاء جوزها القديم شغال في المحاماة وأكيد هو اللي شار عليهم بلعبة التزوير دي. هيحاولوا يلعبوا على ضم القضايا أو يرفعوا عليكِ دعوى إسقاط حضانة أو إنك غير أمينة على البنت عشان رميتي الأكل وعملتي مشكلة!


ما لحقتش أستوعب كلام أمي، لحد ما التليفون رن. المرة دي ما كانش أحمد، ولا نجلاء… كان الأستاذ عصام المحامي.


رديت بسرعة والسماعة على أذني:


— ألو… أستاذ عصام؟ فيه جديد في البلاغ؟


صوت الأستاذ عصام كان جاد جداً وفيه نبرة قلق:


— مدام ندى… للأسف أحمد ومحاميه سبقونا بخطوة خبيثة جداً. أحمد راح يعمل محضر إثبات حالة في القسم، وبيقول فيه إنك طردتيه من بيت الزوجية، وإنك غير متزنة نفسياً، وأرفق بالمحضر شهادة طبية من مستشفى خاص بتقول إنك بتعاني من نوبات غضب وحالة نفسية غير مستقرة وبتهددي حياة البنت!


الدم اتجمد في عروقي. مسكت حرف الترابيزة عشان ما أقعش.


— شهادة طبية؟! منين؟! أنا عمر رجلي ما عتبت مستشفى نفساني! ده تزوير تاني يا أستاذ عصام!


— أنا عارف إنه تزوير يا مدام ندى، بس الهدف من المحضر ده مش الشقة… الهدف منه إنهم يرفعوا دعوى رؤية مستعجلة، أو يطالبوا بحضانة مؤقتة للبنت للضغط عليكِ عشان تتنازلي عن بلاغ التزوير وعن الشقة! هم بيلعبوا على أوراق الضغط، وعارفين إن ليان هي نقطة ضعفك الوحيدة.


دموعي نزلت بغير إرادة مني، بس كانت دموع قهر وغضب مش ضعف. بصيت لأمي اللي كانت واقفة ومتابعة ملامح وشي، وبعدها بصيت لأوضة النوم اللي نايمة فيها ليان بتلعب بعروستها ومش فاهمة الحرب اللي دايرة عشانها.


قلت للمحامي بصوت محششر:


— المطلوب مني إيه دلوقتي يا أستاذ عصام؟ أنا مش هسيب بنتي… لو على جثتي مش هسيبهم ياخدوها ساعة واحدة.


— المطلوب منك دلوقتي حاجتين: أولاً، تطلعي فوراً على الطب الشرعي أو مستشفى حكومي رسمي معتمد عشان تعملي تقرير نفسي وبدني يثبت سلامتك القويمة، وده هيرد على شهادتهم المزوّرة في الشق الجنائي. ثانياً، مش عاوزك تقعدي في الشقة دي الكام يوم دول… سعاد ونجلاء ناويين يعملوا حيل تانية، وممكن يبعتوا ناس يعملوا شغب تحت العمارة عشان يثبتوا إن البيئة غير آمنة للطفلة.


قفلت مع المحامي وأنا حاسة إن الأرض بتدور بيا.


أمي مسكتني من كتفي وهزتني بقوة:


— جمدي يا ندى! دي مش وقت بكى ولا انهيار! إنتِ دافعتِ عن حقك في الشقة، ودافعتِ عن كرامتك، ودلوقتي المعركة بقت على بنتك. قومي أجمعي هدومك وهدوم البنت، هننزل فوراً ونروح بيتي في إمبابة.


— إمبابة؟ بس سعاد كانت بتتريق على بيتك وتقول “الست بتاعة إمبابة”!


أمي ابتسمت بمرارة وقالت:


— بيت إمبابة ده اللي أبوس إيد ربنا عليه، هو اللي سترنا وهو اللي هيربى فيه بنتك بعيد عن وساختهم. وخليهم هم يجوا هناك لو يجرؤوا!


في ظرف نص ساعة، كنا لمينا الشنط المهمة، الأوراق الرسمية كلها، شهادة ميلاد ليان، عقود الشقة، والشهادة المزوّرة اللي المحامي بعتلي صورتها. نزلت السلم وأنا ماسكة إيد ليان في إيد، وإيد أمي في الإيد التانية.



أول ما نزلنا الشارع، حسيت بعيون الناس بتبص علينا. العمارة كلها كانت بتتكلم عن اللي حصل الصبح. صاحب السوبر ماركت اللي تحت البيت، راجل كبير ومحترم يعرف أبويا الله يرحمه، قرب مني وقال بأسى:



— يا بنتي… أحمد جيه هنا من ساعة مع أمه، وكان بيكلم ناس في التليفون وبيقول إنه هيجيب حكم رؤية وياخد البنت بالشرطة لو ما تنازلتش. خدي بالك من نفسك ومن بنتِ، الناس دول ما عندهمش غالي.



هزيت راسي وقلت له:


— متشكرة يا عم حسنين… الحق معايا، والحي القيوم ما بينساش حد.


ركبنا تاكسي وطلعنا على إمبابة. طول الطريق، ليان كانت بتبصلي بعيونها البريئة وتسألني:


— ماما… هو إحنا رايحين عند تيتة الثانية؟


— أيوه يا قلب ماما… رايحين نقعد عندها شوية.


— وبابا مش هيجي معانا؟


— بابا مشغول يا ليان… مشغول قوي.


سكتت البنت ورجعت تتفرج على الشارع، وأنا عقلي كان بشغل مية فكرة وفكرة. أحمد اللي حبيتُه، اللي اتجوزتُه وأنا فاكرة إنه هيكون السند، طلع أضعف من إنه يقف وش أمه، وأقذر من إنه يزور توقيع مراته ويهددها ببنتها عشان شوية فلوس وشقة!


أول ما وصلنا بيت أمي في إمبابة، حسيت بريحة الأمان اللي افتقدتها من سنين. البيت القديم، الحيطان الدافية، وصورة أبويا المتعلقة في الصالة. أمي دخلت البنت الأوضة تنام، وقعدت معايا في الصالة.


— ندى… بكره الصبح الساعة تسعة، هتكوني قدام المستشفى الحكومي زي ما المحامي قال. وهنعمل التقرير النفسي. وبعدها هنطلع على النيابة عشان أستاذ عصام يقدّم البلاغ الجديد بتهمة البلاغ الكاذب والتزوير في شهادات طبية.


— وأحمد يا أمي؟


— أحمد هيحاول يوصلك بكل الطرق. هو دلوقتي في زنقة سودة… الشقة اللي كان فاكر إنه سحبها راحت منه، والبلاغ الأولاني شغال، وأمه وأخته هيولعوا فيه لأنه ما عرفش ينفذ اللي خططوا له من سنتين. هيحاول يتصل، يتملق، أو يهدد. وإنتِ مش هتردي على كلمة واحدة غير في القضاء.


وفي نفس الليلة، الساعة واحدة بعد نص الليل… التليفون رن من رقم غريب.


رديت وأنا ساكتة.


جاءني صوت أحمد… بس ما كانش الصوت المتعصب ولا الصوت المتوسل بتاعة الصبح. كان صوته مخنوق، عياط مكتوم، وصوت خبط وكركبة جنبه في الخلفية!


— ندى… الحقيني يا ندى!


سكت وما رديتش، سبته بيتكلم.


— ندى أنا بره الشقة… أمي وأختي طردوني! نجلاء جابت جوزها وأخوه وأخدوا مني المفاتيح وراموا هدومي في الشارع! قالوا لي إنت راجل خايب وما عرفتش تجيب الشقة، ونجلاء بتقول إن الفلوس اللي كانت مدياهالي عشان القسط هي بتاعة عيالها وعاوزاها فوراً يا إما هترفع عليّ وصلات أمانة!


سمعت الكلام وحسيت ببرود عجيب بيسري في جسمي. ما تحركتش فيا شعرة واحدة.


أحمد كمل بعياط هيستيري:


— ندى أرجوكي… افتحي لي الشقة أنام فيها النهاردة بس! أنا في الشارع من غير فلوس ولا مكان أروحه! أرجوكي سامحيني، أمي هي اللي زقتني، نجلاء هي اللي كتبت الورقة المزوّرة وقالت لي امضي عليها! أنا ماليش ذنب يا ندى، أنا بحبك وبحب ليان!


في اللحظة دي، افتكرت كلماته الصبح: “إنتِ رميتي اللحمة؟ ما كانش ينفع تسيبي أمي تاخد شوية لنجلاء؟”.


افتكرت استخفافه بيا، وتغاضيه عن أمه وهي بترفع إيدها عشان تضربني، وتزويره لتوقيعي، وشهادته الطبية المزوّرة اللي كان عاوز ياخد بيها بنتي مني.


مسكت الموبايل بقوة وقلت بصوت حازم، ثابت، وزي السيف:


— أحمد… الشقة دي شقتي أنا، بفلوسي وتدبيري. ومكاني هو المكان اللي بنتي تسلم فيه من قذارتكم. إنت حصاد عملك بتبلعه دلوقتي. زي ما سبت أمك تاخد أكل بنتك من الحلة، هي أختك أخدت منك هدومك ورمتك في الشارع.


— ندى أرجوكي! متعمليش فيا كده! أنا جوزك!


— كنت جوزي… لحد ما بعتني برخيص. والقضايا اللي بيننا مش هتتقفل غير في المحكمة. وأي محاولة منك للوصول ليا أو لليان، هتبقى القضية الثالثة بتهمة التعرض والتهجم.


قفلت السكة في وشه، وعملت للرقم بلوك.


بصيت للورقة اللي أمي كانت شايلاها، العقد المزور والشهادة، وحسيت إن كل خطوة كنت بمسك فيها حقي، ربنا كان بيكشف لي بيها وساخة الناس دول أكتر واكتر.


لكن الصبح لما طلع، وروحنا النيابة مع الأستاذ عصام… اكتشفنا المفاجأة الكبرى اللي سعاد ونجلاء كانوا مجهزينها، مفاجأة خلّت المحامي نفسه يقف مذهول قدام وكيل النيابة، وخلت قضية الشقة والتزوير تتصاعد لمستوى تاني خالص ما كانش يخطر على بال جن!


#الكاتب_رومانى_مكرم


الجزء الخامس


وقفت في ممر النيابة الطويل، الهوا فيه ساكن وريحة الأوراق القديمة مالي المكان. الأستاذ عصام كان واقف قدامي ماسك محفظة المستندات، وملامحه اللي كانت دايمًا هادية ومترتبة اتغيرت تمامًا أول ما خرج سكرتير الجلسة ونادى على أسمائنا.


دخلنا مكتب وكيل النيابة. راجل في الثلاثينات، نظراته حادة وبيقلب في ملف ضخم قدامه. بعد ما استمع لأقوال الأستاذ عصام وشاف أصل عقد الملكية وإيصالات السداد والتقرير الطبي الحكومي اللي أثبت سلامتي العقلية والنفسية، هز رأسه وبص للورق المزور اللي اتقبض بيه على القضية.


لكن المفاجأة ما كانتش في التزوير… المفاجأة كانت في الصدمة اللي جهزتها سعاد ونجلاء.


وكيل النيابة رفع عينيه وبصلي مباشرة وقال:


— المدعوة سعاد، والمدعوة نجلاء، أرفقوا في العريضة المضادة إقرار رسمي موثق بقيمته خمسمية ألف جنيه، ممهور بتوقيعك وبصمتك، بتاريخ يرجع لسنتين فاتوا… وبيقر فيه إن الشقة دي تم شراؤها بفلوس مشتركة بينك وبين أخت زوجك “نجلاء”، وأن الأقساط اللي كنتِ بتدفعيها هي مجرد سداد لدَين قديم عليكِ لصالحها!



الدم هرب من وشي. بصيت للأستاذ عصام وأنا مش قادرة أتنفس:


— خمسمية ألف جنيه؟! بصمتي وتوقيعي؟! أنا عمر ما كان بيني وبين نجلاء أي تعامل مالي! دي عمرها ما سانيتني بجنيه، دي كانت بتاخد هدوم بنتي وأكلي!



الأستاذ عصام طلب يطلع على الورقة فوراً. أول ما مسك الصورة الضوئية المرفقة، عينه وقفت عند البصمة. قربها من النور، وبعدين بصلي وسألني بصوت واطي ومريب:


— ندى… افتكري كويس. من سنتين فاتوا، هل امضيتي على أي ورق أبيض؟ هل أحمد طلب منك تمضي على أوراق تخليص شحنة، أو أوراق شغل، أو توكيل للمياه والكهرباء؟


غمضت عيني ورجعت بذاكرتي لسنتين ورا. افتكرت أسبوع كنت تعبانة فيه جداً بعد ولادة ليان. كنت واخدة مهدئات ومستسلمة للمرض، وأحمد دخل عليّ بحجة إنه بيخلص إجراءات توصيل عداد الكهرباء باسمي عشان الأقساط، وجابلي دفتر أوراق وقال لي: “امضي هنا وابصمي عشان الموظف يخلص الأوراق بسرعة وما تتعتليش”.


فتحت عيني والصدمة شلتني:


— بصمت على ورق فاضي… كان قايلي إنه للكهرباء والمية وأنا تعبانة بعد الولادة!


وكيل النيابة سمع الكلام وهز رأسه بأسى:


— كده القضية اتغيرت تماماً. العقد الأولاني الخاص بالتزوير إحنا محولينه للطب الشرعي لإثبات عدم صحة التوقيع. لكن الإقرار ده فيه بصمتك الحقيقية، والتوقيع سليم. نجلاء كده بتطالب بحقها في الشقة أو بحبسِك بموجب إقرار الدين ده!


سعاد ونجلاء ما كانوش بيلعبوا على الشقة بس… دول كانوا مجهزين المشنقة دي من يوم ما دخلت البيت! كانوا عارفين إن البصمة والتوقيع على الورق الفاضي هي الكارت الأخير اللي يكسروا بيه رقبتي لو فكرت أقف قدامهم في يوم من الأيام.


خرجنا من مكتب وكيل النيابة وأنا حاسة إن الرصيف بيميد بيا. الأستاذ عصام كان ماشي جنبي وبيفكر بسرعة:


— مدام ندى، البصمة الحقيقية على الورق الفاضي خيانة أمانة وتزوير صلب الموضوع. وده محتاج طعن بالجهالة والتزوير المعنوي، ولازم نثبت إن الصلب اتكتب فوق البصمة بتاريخ لاحق! وده هيحتاج خبير خطوط وطب شرعي متخصص للتدقيق في عمر الحبر مقارنة بعمر البصمة!


في اللحظة دي، وموبايل الأستاذ عصام بيرن، جالي إشعار على موبايلي.


كانت رسالة من رقم نجلاء… رسالة فيها صورة للإقرار المزور، ومكتوب تحتها بخبث ووقاحة:


“لو عاوزة بنتك تفضل في حضنك والشقة ما تروحش في المزاد العلني لتأمين الدين، قدامك 24 ساعة. تتنازلي عن البلاغ الأولاني ضد أحمد، وتكتبي الشقة باسمي، وتدفعي مية ألف جنيه كاش مقابل إننا نسحب الإقرار ده… يا إما هتدخلي السجن بتهمة خيانة الأمانة، والبنت هتربيها سعاد!”


أمي أخدت الموبايل وقرت الرسالة، وشها اسود من الغضب، بس المرة دي ما بكتش. مسكت إيدي وقالتلي بصوت هز أركان الشارع:


— الابتزاز ده هو اللي هيوديهم في داهية يا ندى! الرسالة دي دليل رسمي على المساومة والابتزاز!


الأستاذ عصام ابتسم ابتسامة عريضة وقال:


— الله ينور عليكِ يا حاجّة! نجلاء بغبائها وطمعها وقعت في شر أعمالها. الرسالة دي هتتضم فوراً للبلاغ بتهمة الابتزاز والتزوير والتلفيق!


لكن قبل ما نتحرك من قدام مجمع المحاكم، ظهر أحمد من بعيد. كان شكله متبهدل، هدومه دبلانة، وعينيه دبلانة ومرمية في الأرض. قرب منا بخطوات مترددة، وسعاد أمه كانت ماشية وراه وبتبصلي بنظرات شفاء وتحدي.


وقف أحمد قدامي وقال بصوت متكسر:


— ندى… أختي نجلاء مش بتهزر. امضي على التنازل وخلصينا، أنا مش هقدر أحميكي أكتر من كده!


بصيت له في عينيه، ما شفتش فيهم راجل، شفت فيهم مجرد أداة في إيد أمه وأخته.


قلت له بمنتهى القوة والشموخ:


— تحميني؟ إنت اللي سلمتني ليهم يا أحمد! إنت اللي خليتني ابصم على ورق فاضي وانا نفاس ومريضة! إنت مش راجل، إنت خصمي الأول في المحكمة!


سعاد اتدخلت وزعقت:


— هتتسجني يا ندى! هتتسجني وبنتك هناخدها بالقانون!


رديت عليها وأنا بطلع موبايلي وبسجل كلامها صوت وصورة قدام الناس في الشارع:


— أعلى ما في خيلكم اركبوه… القانون اللي فاكرين إنكم بتلعبوا بيه، هو اللي هيرميكم كلكم في السجن بتهمة التزوير والابتزاز والشروع في النصب. والرسالة اللي بنتك بعتتهالي بقت في إيد النيابة دلوقتي!


وش سعاد اتقلب ونجلاء اللي كانت جاية من بعيد اتجمدت مكانها أول ما شافت الأستاذ عصام بيكتب مذكرة سريعة وبيرجع يدخل بيها لرئيس النيابة.


الحرب ما بقتش على شقة ولا على حلة لحمة… الحرب بقت قضية شرف وكشف عصابة تزوير وابتزاز، واللي جاية كانت الضرب القاضية اللي ما حدش فيهم كان متوقعها!



طبخت ٧ كيلو ونص لحمة3


الجزء السادس وقفت نجلاء مكانها ووشها اتخطف، واللون هرب من معالمها تماماً أول ما شافت الأستاذ عصام المحامي راجع بظرف أبيض مقفول وبيسلم مذكرة مستعجلة لرئيس النيابة. سعاد حاولت تتدارك الموقف وتلم الليلة قبل ما تنفجر في وشهم، فقربت مني بخطوات سريعة وحاولت تمسك إيدي وهي بتمثل الحنية والشفقة:


 



— يا ندى يا بنتي… استهدي بالله، إحنا أهل وأنا زي أمك! نجلاء كانت زعلانة بس على أخوها، والورقة دي كنا بنأمن بيها حق أحمد ومش ناويين نعمل بيها حاجة وحشة! تعالي نقعد في بيتنا ونحل كل حاجة ودي بعيد عن النيابات والمحاكم!


سحبت إيدي من إيدها بقوة وقرف، وبصيت لها بصلابة هددت كل محاولاتها الخبيثة:


— أمي واقفة جنبي يا سعاد… إنما إنتِ كنتِ العقرب اللي بتبخ سمها في بيتي طوال أربع سنين! بقى الورق الفاضي اللي خليتي ابنك يبصمني عليه وأنا تعبانة ومريضة نفاس كان عشان “تأمنوا حق أحمد”؟! ده إنتوا عصابة ومترتبين لكل حاجة من قبل ما أروّح بيتي بابنتي!


أحمد كان واقف يتنفّس بصعوبة، حاسس بالورطة اللي أمه وأخته جابوه فيها. قرب مني وهو بينهج وشهادة الزور والتزوير محوطاه من كل جانب:


— ندى… أرجوكي اسمعيني، أنا ما كنتش اعرف إن نجلاء هتكتب نص مليون جنيه وتعمل الإقرار ده! هي قالت لي هكتب حاجة بسيطة نأمن بيها العمارة لو حصلت بينا مشاكل!


صرخت أخته نجلاء فيه وهي بتدفعه في صدره بغل:


— اسكت يا خايب! أنت هتبصم وتلبسنا كلنا عشان خايف على نفسك؟! ما هي اللي رفضت تديك الشقة ورمت نعمة ربنا في الزبالة وكأنت هانم زمانها!


في اللحظة دي خرج سكرتير وكيل النيابة من المكتب، وبص للجميع بنظرة جادة وقام بنطق القرار فوراً:


— استدعاء المشكو في حقها نجلاء، والمدعو أحمد، لسماع أقوالهم فوراً في البلاغ المقدم برقم حصر ابتزاز وتزوير معنوي، مع تحويل أصل إقرار الدين المزعوم إلى الطب الشرعي لإجراء أبحاث التزييف والتزوير وتحديد عمر الحبر مقارنة بالبصمة!


القرار نزل على رؤوسهم زي الصاعقة. نجلاء صرخت وسعاد قعدت على أرض الممر في المحكمة وهي بتدعي وتصوّت، وأحمد اتسمر مكانة زي التمثال.


الأستاذ عصام التفت لي وابتسم ابتسامة ثقة وقال بصوت واطي:


— كده اللعبة اتقلبت تماماً يا مدام ندى. تحويل الورقة للطب الشرعي لإثبات “تزوير الصلب على البصمة” مع وجود رسالة الابتزاز، معناه إن نجلاء وأحمد داخلين في قضية جنائية عقوبتها السجن المشدد.


أنا ما انتظرتش أسمع باقي التحقيقات داخل المكتب. أخدت أمي من إيدها ونزلنا سلم المحكمة بخطوات ثابتة وواثقة. كنت حاسة إن كل خطوة بنزلها هي خطوة ببعد بيها عن القهر والظلم اللي عشته سنين.


رجعت لبيت إمبابة مع أمي وبنتي ليان. وفي نفس اليوم بالليل، العمارة في شبرا كانت بتغلي. عم حسنين صاحب السوبر ماركت اتصل بيا وقال لي:


— يا ندى يا بنتي… البوليس جيه العمارة مع أحمد وفتشوا شقته، ونجلاء محجوزة في القسم لحد ما يتعرضوا على النيابة الصبح! وسعاد قاعدة تحت السلم بتعيط وتترجى الجيران يتوسطوا عندك!


سمعت كلامه وهزيت راسي، بس المرة دي ما حسيتش بأي شفقة. اللي يزرع الشوك ما يجنيش غير الجراح.


لكن الأحداث ما وقفتش عند حد المحاكم والقضايا…


بعد يومين بالضبط، وأنا قاعدة في بيت أمي وبجهز أوراق ليان عشان أدخلها الحضانه بعيد عن دوشتهم، جرس الباب رن.


فتحت أمي الباب، ولقينا شخص ما كناش نتوقع وجوده أبدًا…


كان طليق نجلاء! الراجل اللي سعاد ونجلاء كانوا دايمًا بيستشيروه في التزوير والمشاكل. دخل وشه شاحب وفي إيده شنطة أوراق ثقيلة، وبص لأمي وليا وقال بصوت واطي ومتردد:


— مدام ندى… أنا جاي أقدم لك الخدمة اللي هتخلصك منهم للأبد، ومعايا أوراق أخت نجلاء وسعاد مخبينها عنك وعن أحمد نفسه… سر لو اتعرف، أحمد مش بس هيطلقك، ده هيتبرأ من أمه وأخته طول العمر!


#الكاتب_رومانى_مكرم


الجزء السابع


وقفت أنا وأمي ومستغربين. طليق نجلاء—اللي كنا فاكرينه العقل المدبر ليهم—واقف في نص الصالة، وشاحب وبيتنفّس بصعوبة، وشايل في إيده شنطة أوراق ثقيلة كأنها شايلة مستقبلهم كلهم.


أمي بصت له بحذر وقالت له وهي واقفة قدام الباب:


— إيه اللي جابك هنا يا طاهر؟ مش أنت اللي كنت بتشور عليهم باللعب في القانون والأوراق المزورة؟


طاهر هز رأسه بأسى وكسرة وقال بصوت واطي:


— أنا طليق نجلاء يا حاجّة، وعارف قذارتهم أكتر من أي حد. لما كنت جوزها، سعاد ونجلاء حاولوا يلعبوا معايا نفس اللعبة ويزوروا إيصالات أمانة باسمي عشان ياخدوا مؤخري وشقتي. أنا نفذت بجلدي وطلقت نجلاء بعد ما عرفت إنهم عصابة مش أهل بيت! ولما عرفت إنهم بيحاولوا يلبّسوا ندى قضية نص مليون جنيه ويسرقوا شقتها، عرفت إن لازم أتكلم قبل ما الدور ييجي على حد تاني.


قعد طاهر على الكرسي وفتح الشنطة، وطلع منها ملف أسود قديم. بصلي وقال:


— مدام ندى… أنتِ فاكرة إن المشكلة بدأت من يوم “حلة اللحمة” أو يوم عقد الشقة؟ لا… المشكلة بدأت من أربع سنين، من قبل ما تتجوزي أحمد أصلاً!


مسكت حرف الكرسي وسألته وأنا حاسة برعشة في جسمي:


— قصدك إيه؟ أوراق إيه دي يا طاهر؟



طاهر سحب ورقة رسمية مختومة بختم نسر قديم وشيكات بنكية مسحوبة، وحطهم قدامي على الترابيزة:


— أحمد ما كانش مديون لنجلاء ولا حاجة… سعاد هي اللي كانت مديونة بمبالغ ضخمة لتاجر قماش في إمبابة، ومكسورة بشيكات وأحكام حبس غيابية! وسعاد ونجلاء استخدموا أحمد عشان يدوروا على عروسة عندها شقة ملك ومدخرات عشان يبيعوا الشقة بطريقة أو بأخرى ويسددوا ديون سعاد! أحمد كان مجرد “واجهة” غبية بيستخدموها وهم بيحرّكوه زي العروسة الماريتوند!



عيني وسعت وأنا بقرا الأحكام والشيكات. كان فيه أحكام حبس نهائية ضد سعاد من تلات سنين، وديون تتجاوز ستمية ألف جنيه!


طاهر كمل كلامه ونظراته جادة:


— الورقة المزورة اللي بتبصمتِ عليها وأنتِ نفاس، سعاد هي اللي أخدتها من أحمد وادتها لنجلاء عشان يكتبوا فيها مبلغ النص مليون جنيه، ويرفعوا بيها قضية عشان يضغطوا عليكِ تبيعي الشقة وتديهم الفلوس يسددوا بيها ديون سعاد قبل ما تتسجن! وأحمد الهبل ده ما كانش فاهم إن أمه بتلعب بيه وبمستقبله!


في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط هيستيري على باب الشقة تاني. بس المرة دي ما كانش خبط تهديد… كان خبط ترجي وعياط!


أمي فتحت الباب بحذر، ولقينا أحمد واقف بره. كان شكله يرثى له، هدومه متبهدلة، وشعره منكوش، وعينيه جاحظة من التعب والسهر في القسم والنيابة. ولما شاف طاهر قاعد جوه ومفرش الأوراق، اتجمد مكانة وشهقه خرجت منه كأنه شاف شبح!


أحمد بص لطاهر وبعدين بصلي وصوته بيترعش:


— طاهر؟! أنت بتعمل إيه هنا؟! وأيه الورق ده؟!


طاهر وقف وبص لأحمد بقرف وقال له:


— جاي أصلح غلطة سكتّ عنها زمان يا أحمد… جاي أورّي ندى الملف الأسود بتاع أمك وأختك اللي أنت كنت مغمّض عينك عنه وراكع تحت رجليها!


أحمد قرب من الترابيزة ومسك الشيكات والأحكام الصادرة ضد أمه. أول ما قرا الأسماء والمبالغ والتواريخ، وشه اصفرّ والأوراق وقعت من إيده على الأرض.


— أمي… أمي عليها أحكام حبس؟ الشيكات دي حقيقية؟!


بصيت لأحمد بمنتهى البرود وقلت له:


— أمك اللي كنت بتقولي عليها “دي أمي يا ندى سيبيها براحتها”… أمك اللي كانت بتاخد أكل بنتك وهدومها وبتناديني بالبخيلة، كانت بتستخدمك أداة عشان تسرقني وتدفع ديونها! وأختك نجلاء كانت بتساعدها عشان تضمن إن الفلوس ما تروحش للتاجر وتفضل الشقة في جيبهم!


أحمد وقع على أركبه في نص الصالة وبدأ يعيط برداءة وصوت هيستيري:


— أنا ما كنتش اعرف… والله العظيم ما كنت اعرف إن الشيكات دي موجودة! هي قالت لي إن الورق ده عشان نأمن حق نجلاء بعد طلاقها! أنا ضعت يا ندى… نجلاء دلوقتي محبوسة في القسم، وأمي أغمى عليها ونقلوها المستشفى لما عرفت إن تقرير الطب الشرعي الصبح هيطلع بتزوير الصلب على البصمة!


أمي وقفت قدامه وبصت له بصرامة وقالت:


— أنت اللي ضيعت نفسك يا أحمد… لما سمحت لأمك ترفع إيدها على مراتك، ولما سكت لما أخدت أكل بنتك، ولما جوّزت نفسك بقلة رجولة وبصمت مرتك على ورق فاضي! 0اللي بيبيع كرامة بيته عشان يرضي باطل، ربنا بيكشفه في الآخر.


أحمد رفعت عينيه المليانة دموع ورجاني:


— ندى… أرجوكي، تنازلي عن المحضر بتاع نجلاء، وأنا أوعدك أنفصل عنهم تماماً! هكتبلك كل حاجة، وهبقى خدام تحت رجليكي أنتِ وليان! أمي هتضيع ونجلاء هتدخل السجن!


وقفت قدامه بمنتهى الصلابة والشموخ، وأنا ماسكة إيد بنتي ليان اللي خرجت من الأوضة وبصت لأبوها وهي مش فاهمة حاجة.


قلت له بصوت زي الحديد:


— التنازل ده حلم مش هتشوفوه… الحقوق اللي اتسرقت بالباطل والكرامة اللي اتداس عليها أربع سنين مش هترجع غير بالقانون. نجلاء وأمك هيتحاسبوا على التزوير والابتزاز، وأنت… أنت مالكش مكان في حياتنا تاني.


مسكت الموبايل واتصلت بالأستاذ عصام المحامي، وأديته رقم الملف والأوراق اللي جابها طاهر عشان يضمها فوراً لملف القضية في النيابة الصبح… ضربة قاضية أخيره هتنهي أسطورة سعاد ونجلاء للأبد!


أحمد بصلي بكسرة وذهول، وعرف إن الست اللي كان فاكرها ضعيفة وبخيلة، بقت الجدار الصلب اللي هيهدم كل مخططاتهم.


#الكاتب_رومانى_مكرم


الجزء الثامن والأخير


سكت أحمد تماماً، وما أخدش في إيده ثانية واحدة عشان يستوعب إن كل حاجة انتهت. الخيط اللي كانوا ماسكينه وبيهددوني بيه اتعقد حولين رقبتهم هما. طلع من بيت أمي في إمبابة يجر رجليه، مكسور ومهزوم، مش قادر يبص في عين حد ولا يواجه الحقيقة اللي كشفها طاهر.


ثاني يوم الصبح، كانت الشمس طالعة صافية فوق مجمع المحاكم. مشيت أنا وأمي والأستاذ عصام في الممرات الطويلة، بس المرة دي ما كانش فيه أي خوف أو تردد في خطواتي.


دخلنا مكتب وكيل النيابة، وكان الأستاذ عصام مجهز الملف الجديد بالكامل: أصل الشيكات والأحكام الغيابية الصادرة ضد سعاد، ورسالة الابتزاز المباشرة من نجلاء، وتقرير الخبير المبدئي من الطب الشرعي اللي أثبت إن صلب الإقرار اتكتب بحبر جديد فوق البصمة القديمة بفرق سنين!




وكيل النيابة قلب الورق بهدوء، ومشي صباعه على التواريخ والفروق بين عمر الحبر والبصمة، وبعدها بص للشاويش وقمر بإحضار المتهمين.


أول ما دخلت نجلاء من باب المحبوسين، كانت كأنها كبرت عشر سنين في يومين. شعرها متبهدل، عينيها ورمانة من العياط، وإيدها في الكلبش. ووراها دخلت سعاد وهي مسنودة على عكاز وبتبكي بصوت خافت، ومفيش في وشها غير الذل والكسرة بعد ما المستشفى حوّلتها للنيابة فور تحسن حالتها.



أول ما سعاد شافتني، حاولت ترمي نفسها عند رجلي وهي بتصرخ:


— سامحيني يا ندى! يا بنتي أرجوكي ارحمي شيبتي! نجلاء ملهاش ذنب، أنا اللي زقيتها، أنا اللي كنت خايفة من السجن والديون! أرجوكي اسحبي البلاغ ومش عاوزين الشقة ولا عاوزين أي حاجة!


أما نجلاء، فكانت بتبصلي بعيون مليانة التوسل والرجاء، الكبرياء والبجاحة اللي كانت بتواجهني بيهم طارت في الهواء، وقالت بصوت متقطع:


— يا ندى… عشان خاطر ليان بنتك، بلاش تخربي بيتي وتسجنيني! أنا عندي عيال!


بصيت ليهم الاتنين بثبات وصمت تام. افتكرت قسوتهم لما دخلوا المطبخ وياخدوا أكل بنتي، افتكرت بجاحة سعاد وهي بتقولي “يا بخيلة”، وافتكرت نجلاء وهي واقفة قدام الجيران بتتهمني في شرفي ومالي وبتحاول تسرق شقتي وتسلبني حضانة بنتي.


رديت عليهم بصوت هادي وواثق هز جدران المكتب:


— اللي ما رحمش طفلة عندها أربع سنين وجرّدها من أبسط حقوقها، واللي حفر فخ عشان يرمي ست مظلومة في السجن ويستولى على شقا عمرها… ما يطلبش الرحمة لما يقع في شر أعماله. القانون هو اللي بيننا.


وكيل النيابة ضرب بيديه على الترابيزة وقرأ القرار النهائي:


“إحالة المتهمة نجلاء والمتهمة سعاد إلى محكمة الجنايات بتهم التزوير في محررات رسمية، وخيانة الأمانة، والابتزاز والشروع في النصب. مع استمرار حبس المتهمة الأولى، وتحديد جلسة عاجلة للحبس الصارم.”


في نفس اليوم، رفع الأستاذ عصام دعوى طلاق للضرر ضد أحمد، مرفقة بجميع الأحكام والتهم الموجهة لأهله وتزويره للتوقيع والبلاغات الكاذبة. أحمد ما قدرش يقف قدام القاضي أو ينكر كلمة واحدة، وتم الطلاق بحكم محكمة نهائي، مع إلزامه بكافة نفقات ليان والتمكين الكامل للشقة باسمي وبحضانتي التامة.


بعد مرور ستة أشهر…


كنت واقفة في مطبخ شقتي في شبرا، نفس المطبخ اللي شهد بداية الكابوس يوم حلة اللحمة. الريحة الحلوة كانت مالي المكان، وأمي كانت قاعدة في الصالة بتتفرج على التلفزيون، وليان بتجري حواليها بتضحك وبصحة وعافية.


الشقة كانت هادية، مليانة دفء وأمان. سعاد ونجلاء أخدوا أحكام بالسجن المشدد والتنفيذ الفعلي، وأحمد ساب المنطقة كلها وسافر يشتغل في مكان بعيد وهو شايل خيبته وذنبه طول العمر.


مسكت موبايلي، وبصيت لبنتي اللي جرت عليّ ومسكت في فستاني وهي بتقول:


— ماما… الأكل ريحته حلوة أوي، هنعمل أكل لمين النهاردة؟


وطيت مستوى طولها، ونزلت لمستها وأنا ببتسم من كل قلبي وبمسح على شعرها:


— هنعمل الأكل لينا إحنا وبس يا قلب ماما… لينا إحنا وبس.


اتعلمت إن الحدود مش بخل، وإن السكوت عن الحق مش صبر، لكن القوة الحقيقية هي إنك تقفي في وجه الظلم مهما كان قريباً، وتدوسي على قلبك عشان تحمي بيتك وبنتك وكرامتك.


#الكاتب_رومانى_مكرم


“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”







تعليقات

التنقل السريع
    close