سكريبت المستشفى كامله حكايات رومانى مكرم

سكريبت المستشفى كامله حكايات رومانى مكرم
رحت أشتري قهوة من المستشفى الى دخلت حماتى فيها تتعالج وانا بجيب القهوه شفت جوزي داخل قسم الولادة مع واحدة حامل، وأنا اللي كنت محبوسة جنب أمه وبخدمها. وساعتها سمعته بيقول: “أمي مخلصاني منها، ما هي نجلاء في الآخر بتسمع الكلام وبتمشي ورايا زي العمياء”. ما عملتش هيصة ولا فضيحة: علطول كلمت المحامية، أمنت الـ 7 مليون بتوعي، وبعت الشقة. وثاني يوم الصبح، توقيع باسمي كشف إن العشيقة دي ما كانتش إلا مجرد بداية!
الجزأ الأول
اكتشفت نجلاء اللعبة كلها وعرفت إن حماتها بتتمارض وبتستغلها في المستشفى في نفس اليوم اللي شافت فيه جوزها داخل قسم الولادة مع واحدة تانية على وش ولادة.
كان عندها 41 سنة، ومتجوزة من سيد العريان بقالها 16 سنة، وعايشين في شقة واسعة في حي شبرا، هي وبنتها جودي اللي عندها 15 سنة، وحماتها الحجة فاطمة.
لسنين طويلة كانت نجلاء فاكرة إن الاستقرار محتاج تضحية، وكانت شايلة كل حاجة على كتافها. قفلت مشغل الخياطة الصغير بتاعها لما جابت جودي، وبعدها قعدت تمشي بتعب حماها الله يرحمه في مرضه الطويل، مسكت البيت ودبرت مصاريفه، وبقت هي السند اللي الكل بيجري عليه لما تقع أي مصيبة.
سيد كان ماسك “شركة العريان للتبريد والتكييف”، ورشة ومحلات تكييفات وتجهيز مطاعم كان أبه مأسسها. كان معاه 55% من الأسهم، وأخته سحر معاها الـ 45% الباقيين.
نجلاء ما كانش ليها في الشغل ده، بس كان عندها قرشين شايلينها. أهلوها سابولها الشقة من زمان، ولما جدها اتوفى ورثت ورث محترم، وزودت عليه لما باعت حتة أرض في العياط، وصفت على 7 مليون جنيه شايلينهم باسمها في البنك.
الحجة فاطمة كانت عارفة البئر وغطاه والقرشين دول بالمليم.
وكانت دايماً تعيد وتزيد في نغمة واحدة:
— العزوة محتاجة ولد يشيل اسم العيلة.
سيد كان بيعمل نفسه متضايق ويقول:
— جودي بالدنيا يا أمي، وتسوى عشر رجالة.
ونجلاء كانت بتتأثر وبتقول الحمد لله إن جوزها واقف في ظهرها وبيدافع عنها.
في نص أغسطس، الحجة فاطمة تعبت وجاتلها أزمة في المصران ودخلت المستشفى. العملية نجحت، بس كانت عاملة فيها خايفة ومرعوبة. نجلاء قضت 3 ليالي صاحية على الكرسي، تشيلها وتحطها، وتأكلها وتديها الدواء في ميعاده.
سيد كان بيلف ويرجع، يطل طلات خفيفة ويقول:
— السوق نايم وعليا شيكات للموردين هتقطم رقبتي.
في الليلة التالتة، نجلاء تعبت وقالت:
— سحر جاية الصبح، أروح أنا أخدلي دش وأريحلي ساعتين.
الحجة فاطمة مسكت في إيدها بمسكنة:
— لا يا نجلاء ما تسيبنيش، قلبي مقبوض وخايفة ومحتاجاكي جمبي.
نجلاء صعبت عليها وقعدت.
تاني يوم الصبح، نزلت تجيب كوباية قهوة، وهي راجعة دخلت من الممر اللي بيوصل لمبنى الولادة الخاص.
وهناك شافت عربية سيد واقفة.
نزل منها بسرعة، وفتح الباب اللي جنبه، ونزّل واحدة حامل بالراحة. نجلاء عرفتها علطول: شيرين، اللي كانت شغالة معاهم ماسكة المبيعات في الشركة.
سيد كان شايل شنطة بيبي جديدة في إيده وميل بملف المستشفى.
نجلاء مشيت وراهم من غير ما تحسسهم.
شيرين وقفت قبل ما تركب الأسانسير وقالت:
— فرضاً نجلاء نزلت ولا شافتنا هنا؟
سيد بص حواليه وقال بصوت واطي:
— أمي ملاخياها ومكتفاها عندها؛ نجلاء طول عمرها طيبة وبتسمع الكلام.
شيرين حطت إيدها على بطنها وقالت:
— والحجة فاطمة مبسوطة بجد من الموضوع ده؟
سيد ضحك وقال:
— أول ما عرفت إنه ولد، نسيت كل حاجة وقالتلي إجري كمل.
#الكاتب_رومانى_مكرم_
نجلاء حسيت بالقهوة السخنة بتلذع إيديها، بس ما قدرتش تسيب الكوباية.
الموضوع ما كانش مجرد خيانة…
حماتها كانت بتمثل وتكتفها جنب سريرها، عشان جوزها يروح يقف مع واحدة تانية وهي بتخلف الولد اللي العيلة كلها كانت بتموت عليه.
وما كانش فاضل غير إنها تعرف هم ليه كانوا محتاجين يشغلوها وتبعد عن المشهد للدرجة دي.
الجزأ الثاني
وقفت نجلاء في الممر الضيق، القهوة السخنة بتنزل على إيديها بتلذعها، بس وجع نار الغدر في قلبها كان أقوى بمراحل. أخدت نفس عميق، ورجعت بضهرها لورا واستخبت ورا العمود الرخامي الكبير لما الأسانسير اتفتح وسيد وشيرين دخلوا جواه. الموقف كان واضح ومكتمل الأركان: صدمة العمر ما جتش من الخيانة بس، الخديعة كانت متخططة بذكاء خبيث وبتشارك فيه الست اللي نجلاء قضت معاها تلت أيام سهرانة بتخدمها وتحت رجليها، فاكرة إنها بتتألم بجد، وتاريها كانت بتلعب دور الضحية عشان تعطلها وتعميها عن اللي بيحصل في نفس المستشفى!
مسحت نجلاء إيدها بمنديل بسرعة، ونزلت على مبنى العيادات الخارجية من غير ما ترجع لأوضة الحجة فاطمة. قعدت على كرسي في الجنينة واستجمعت ثباتها الإنفعالي. 16 سنة جواز، ضحت فيهم بمشغل الخياطة بتاعها، بعمرها وصحتها، وبكل خطوة كانت بتدعم فيها سيد عشان يعمل اسم وكيان. ودلوقتي، حلم “الولد” خلّاهم يبيعوها في ثانية، ويستغلوها كإنها خادمة مجانية بتمشي وراهم وهي عمياء.
طلعت تليفونها وهزت راسها بنفاذ صبر. كلمت الأستاذة ماجدة، محاميتها وصديقة عمرها اللي كانت دايماً بتحذرها من طيبتها الزايدة.
— “أستاذة ماجدة.. أنا محتاجاكي في مكتبك بعد ساعة. الحسابات لازم تتقفل، والورق كله يتراجع النهاردة قبل بكرة.”
ردت ماجدة بقلق: “نجلاء؟ صوتك فيه حاجة.. سيد جرى له حاجة؟”
— “سيد زي الفل.. بيستقبل ولده الجديد في قسم الولادة. أنا اللي فقت يا ماجدة.”
طلعت نجلاء من المستشفى من غير ما تودع الحجة فاطمة، وركبت عربيتها وطلعت على شبرا. دخلت الشقة اللي عاشت فيها أجمل وأصعب سنين عمرها، الشقة اللي كانت مكتوبة باسمها وباسم سيد مناصفة من أيام الجواز، والورق أصلًا بتاع ملكيتها معاها هي. جودي بنتها كانت في درس، فاستغلت نجلاء الفرصة. فتحت الخزنة، سحبت كل عقود الملكية، أوراق الـ 7 مليون جنيه اللي مسجلين باسمها في بنك مصر، والشهادات الأسبوعية اللي كانت عاملاها من ورث العياط وميراث أبوه.
بعد أقل من ساعة، كانت قاعد في مكتب ماجدة في وسط البلد.
أول حاجة عملتها ماجدة إنها استخرجت أوراق التحويل، وطلبت من نجلاء إن الـ 7 مليون يتم نقلهم فوريًا لحساب استثماري مغلق باسم جودي بنتها، مع وجود وصاية كاملة لنجلاء فقط، عشان سيد ما يقدرش يلمس مليم واحد لو فكر يرفع قضايا أو يطالب بحاجة بعد الطلاق.
وقبل ما تخلص الجلسة، نجلاء بصت لماجدة وقالت بثبات يراعب:
— “الشقة يا ماجدة.. الشقة نصها باسمي، والنص التاني سيد كان كاتبه لي بيع وشراء من ست سنين لما خد مني نص مليون عشان يدفع شيكات الورشة.. العقد معايا ومسجل في الشهر العقاري بس ما كناش نقلنا الملكية النهائية.. العقد ده يتفعل النهاردة. الشقة هتباع.”
ماجدة بصت لها بذهول: “هتبيعي شقة شبرا؟ الشقة دي تسوى لها النهاردة مش أقل من 4 مليون جنيه!”
نجلاء ردت بابتسامة باردة: “تبيع بـ 3 ونص للبيع السريع.. المهم المششتري يستلم مفتاحها بكرة الصبح، والفلوس تخش حسابي.”
وبالفعل، اتصلت ماجدة بمستثمر عقاري زبون عندها بيشتري اللقطات. في خلال تلت ساعات، كان الراجل جاب المعاينة، وتكتب العقد ابتدائيًا وتم كاش، واستلم المفاتيح وأوراق نقل الملكية، على إن التسليم الفعلي ورفع العفش يخلص خلال 24 ساعة.
رجعت نجلاء على البيت، جابت شركة نقل عفش خاصة، وفي ظرف ساعتين كانت لمّت كل هدومها، هدوم جودي، أوراقها، وحاجاتها الشخصية، وحطت عفش أوضة نومها ومقتنياتها الخاصة في مخزن أجرته في ضواحي القاهرة، وسابت الشقة فاضية ملط، ما فيهاش غير السجاد القديم بتاع الحجة فاطمة وأوضة الصالون اللي كانت حماتها متمسكة بيها.
سيد في الوقت ده كان طاير من الفرحة في قسم الولادة، شيرين جابت له “عمر”، الولد اللي كان بيحلم بيه. كان رايح جاي في الممرات، بيتصل بأمه في الأوضة يطمنها، والحجة فاطمة على السرير بتقول له بضحكة مكتومة:
— “مبروك يا حبيبي.. نجلاء راحت تجيب قهوة ومرجعتش، باين عليها تعبت ورجعت البيت تنام.. سيبها نايمة ومش فاهمة حاجة، لما تخلص مع شيرين ارجع خدني من هنا.”
لكن على الساعة 8 بالليل، تليفون سيد رن. كان البواب بتاع العمارة في شبرا:
— “الحق يا سيد بيه! في عربيات نقل عفش نازلة بحاجة المدام نجلاء، وفي ناس غريبة طالعين الشقة ومعاهم أقفال جديدة!”
سيد اتجمد أرضه: “أنت بتقول إيه يا مجنون أنت؟ نجلاء في البيت نايمة!”
البواب: “والله يا بيه المدام لمّت حاجتها وحاجة الأنسة جودي ومشت من ساعتين، والراجل اللي اشترى الشقة واقف فوق وبيغير كوالين الباب!”
سيد ساب المستشفى وشيرين والولد، وطار على شبرا كالمجنون. وصل العمارة، طلع الجري على السلم، لقي باب الشقة مفتوح، وراجل بيزنط بالبدلة واقف بيدي أوامر للعمال يغيروا الأقفال.
سيد صرخ فيه: “أنت مين يا جدع أنت؟ ودخلت هنا إزاي؟”
الراجل طلع عقد البيع النهائي المسجل ورخصة نقل الملكية وقال ببرود:
— “أنا الأستاذ توفيق الشربيني، اشتريت الشقة دي النهاردة رسمي فهمي صبحي من المدام نجلاء، ومعايا توكيل رسمي ومبيعات مسجلة في الشهر العقاري من ست سنين ببيع نصك ليها. الشقة بقت ملكي، والمدام استلمت الفلوس وكتر خيرها سابتلك الصالون القديم بتاع والدتك في البلكونة!”
سيد مسك راسه ومش مصدق، التليفون في إيده كان بيرن، كانت نجلاء.
رد وهو بيصرخ وبيرتعش من الغضب: “أنتِ أجننتِ يا نجلاء؟ عملتِ إيه في الشقة؟ وأنتِ فين وحاجتك فين؟”
صوت نجلاء جاء من التليفون هادي جدًا، أهدى من الموت نفسه:
— “أنا في مكان آمن أنا وجودي يا سيد.. الشقة ائتباعت، والـ 7 مليون بتوعي اتربطوا باسم بنتك اللي أنت نسيتها عشان تجيب ولد.. والقهوة اللي كنت بشتريها الصبح كانت طعمها مر أوي.. مرارة خيانتك أنت وأمك.”
سيد اتصدم، لسانه اتعقد: “أنتِ.. أنتِ شفتينا؟”
نجلاء ردت بثقة: “شفتك وأنت شايل شنطة البيبي، وسمعتك وأنت بتقول لشيرين إن أمك مخلصاك مني وإن نجلاء بتسمع الكلام وزي العمياء.. العمياء فتحت يا سيد، وبكرة الصبح المحامية هتسلمك ورقة طلاقك، وغير القضايا اللي هترفع على الشركة.”
سقف التليفون في وشه قبل ما ينطق بكلمة.
سيد قعد على السلم مصدوم، الدينا بتلف بيه. أمه المحبوسة في المستشفى، شيرين اللي ولدت ومحتاجة مصاريف وتجهيزات، الشقة اللي راحت، والـ 7 مليون اللي كان حاطط أمله ياخد منهم قرض بضمانهم عشان ينقذ شركة التبريد والتكييف اللي كانت بتغرق في الديون وشيكاتها هتروح للمحكمة!
تاني يوم الصبح، الساعة 9 صباحًا..
سيد كان قاعد في مكتبه في الشركة بالدقي، وجهه شاحب وعيونه حمرا من كتر التفكير وعدم النوم. دخلت عليه أخته سحر وهي بتصرخ ومسكة ملفات في إيدها:
— “سيد! الحقنا! البنك حجز على حسابات الشركة! والموردين رافعين قضايا بشيكات بدون رصيد قيمتها 3 مليون جنيه!”
سيد قام وقف بذهول: “إزاي؟ أنا مأجل الشيكات دي لشهر 10!”
سحر رمت الملفات على المكتب: “نجلاء! نجلاء كانت شريكة معنا بالوصاية الضمنية من أيام ما دفعت سداد التوريدات السنة اللي فاتت، والنهاردة المحامية بتاعتها قدمت توقيع رسمي باسم نجلاء للمحكمة وللبنك بيثبت إن نجلاء لها حصة حقيقية 30% من أرباح وأصول الشركة مقابل الفلوس اللي كانت بتدفعها طول السنين اللي فاتت بعقود عرفية مستترة أنت ما كنتش فاكر إنها مسجلاها!”
سيد فتح عينيه على وسعهم، مسك الورق بإيدين ترتعش. التوقيع كان باسم نجلاء فعليًا، بس المفاجأة الكبرى ما كانتش في الحصة ولا في الحجز..
المفاجأة كانت في الوثائق المرفقة مع الملف!
وثائق رسمية مسحوبة من سجلات الشركة ومن المصلحة العامة، بتثبت إن شيرين — العشيقة والزوجة التانية اللي سيد اتجوزها في السر وولدت له الولد — ما كانتش مجرد موظفة مبيعات بسيطة ولا غلبانة زي ما توهم!
التوقيع والأوراق كشفوا إن شيرين كانت على صلة بقضايا اختلاس قديمة، وإنها أخت شريك منافس لشركة العريان للتبريد، وكانت شغالة بعقد استشاري سرّي مع الشركة المنافسة لتسريب عقود المناقصات وتكشيف حسابات سيد وسحر عشان تفلسهم وتخليهم يبيعوا الورش والمحلات بأبخس الأثمان!
سيد طاح على الكرسي، انفاسه متقطعة وهو بيقرا التقرير اللي نجلاء كشفت النقاب عنه بالتوقيع ده:
شيرين ما حبتوش، ولا كانت فارقة معاها العزوة والولد.. شيرين والحجة فاطمة كانوا بيتحركوا في المخطط، بس شيرين كانت بتستغل نقطة ضعف سيد وأمه في حلم “الولد” عشان تمسك عليه ورق، وتخليه يكتب لها شقة تانية باسمها وتخليه يمضي على تنازلت عن بضاعة من المخازن لصالح أخوها المنافس!
الضربة جاءت من حيث لا يحتسب: العشيقة اللي كان فاكر إنه بيخدع بيها نجلاء عشان يجيب الولد، كانت هي اللي بتخدعه وبتسحبه للخراب الكامل، ونجلاء ما كانتش مجرد زوجة مظلومة مشيت.. نجلاء سابت القنبلة تنفجر في وشه وخرجت وهي مأمنة كل مليم وممتلكاتها، وسايباه يواجه السجن، الإفلاس، والمؤامرة اللي دخل فيها برجليه!
المستشفى حكايات رومانى مكرم 2
الجزء الثالث
سقط سيد على كرسيه وكأن الجدران تهاوت فوق رأسه. الأوراق في يده كانت تتراقص، وعيناه تنقلتا بين توقيع نجلاء الحاد وبين التقارير المالية والوثائق التي كشفت حقيقة شيرين. سحر، أخته، كانت تطوف في المكتب كالمجنونة، تلطم خدودها وتصرخ:
— “ضيّعتنا يا سيد! ضيّعت شقى أبونا عشان حتة ولد! البنك هيحجز على المحلات والورش خلال أسبوع، والشيكات اللي باسمك هتدخلك السجن، وشيرين اللي جابتهالك أخت المنافس الرئيسي لينا في السوق!”
في تلك اللحظة، رن هاتف سيد. كان المتصل هو طبيب المستشفى حيث ترقد أمه الحجة فاطمة.
رد سيد بصوت خافت ومكسور: “أيوه يا دكتور…”
جاءه صوت الدكتور مستغربًا: “أستاذ سيد، والدتك محتاجة تخرج النهاردة، ومصاريف العملية والمستشفى لحد دلوقتي محدش دفعها.. المدام نجلاء كانت هي اللي متكفلة بكل الحسابات والفيزا بتاعتها هي اللي كانت مسجلة في الاستقبال، لكن الصبح جاء إخطار من البنك برفض أي تعامل على الفيزا دي، ومطلوب تدفع 85 ألف جنيه كاش فورًا عشان نكتب لوالدتك خروج!”
سيد أغمض عينيه بألم شديد. نجلاء لم تكتفِ بالخروج من حياته، بل رفعت يدها تمامًا عن كل مصاريف العائلة التي كانت هي العمود الفقري لها. أين يجد 85 ألف جنيه كاش الآن وحسابات الشركة مقفولة وحسابه الشخصي لا يحتوي إلا على بضعة آلاف؟
قال لل doctor بصوت مبحوح: “ساعة وأكون عندك يا دكتور…”
أغلق الخط وبص لأخته سحر: “هاتي أي سيولة معاكي يا سحر.. أمي محبوسة في المستشفى ومش عارفين نخرجها.”
سحر بصت له بغضب وقسوة: “أنا مش حيلتي جنيه يا سيد! فلوسي كلها كانت محطوطة في بضاعة المخزن اللي حضرتك تفرّجت عليه لشيرين وأخوها! روح للست شيرين تجيبلك من أرباح المناقصات اللي سرقتها مننا!”
خرج سيد من الشركة يجر قدميه جراً. توجه أولاً إلى الشقة التي أجرها لشيرين في منطقة التجمع الخامس، الشقة التي اشترها لها بأقساط مؤخرًا ليضمن بقاءها بجانبه حتى تنجب الولد.
فتح الباب بالمفتاح، ودخل يبتغي مواجهتها بالأوراق التي كشفتها نجلاء.
كانت شيرين تجلس على الأريكة تحمل الطفل “عمر”، وبجوارها والدتها وأخوها “مدحت” — الشريك المنافس في شركة التبريد!
عندما دخل سيد، لم يجد في عيونهم أي مظاهر للمفاجأة أو الخوف، بل كانت هناك برود تام وابتسامة ثقة خبيثة.
سيد رمى الأوراق على الطاولة وصرخ بصوت زلزل المكان:
— “إيه ده يا شيرين؟ إيه الورق ده يا مدحت؟ أنتم كنتم بتسرقوا الشركة من ورايا؟ العقد الاستشاري السرّي ده يعمل إيه مع المنافس بتعي؟”
مدحت قام بكل هدوء، وضع يده في جيبه وقال بنبرة ساخرة:
— “اهدى بس يا سيد بيه عشان صحتك.. وما ترفضش صوتك في بيت أختي. سرقة إيه وكلام فاضي إيه؟ العقد ده استشارات مبيعات تسويقية رسمية، والشيكات اللي أختي خدتها منك كانت مقابل مؤخر صداقها وفواتير تجهيز الشقة.. كل حاجة بالقانون وبإمضاء إيدك الكريمة.”
سيد التفت لشيرين والدموع تتجمع في عينيه من هول الصدمة:
— “شيرين.. أنتِ كنتِ متفقة معاهم عليا؟ أنا اللي جوزتك وكتبتلك الشقة دي وعملتلك كل اللي طلبتيه عشان تجيبلي الولد؟”
شيرين حطت البيبي في سريره وقامت ببرود شديد، وبصت له من فوق لتحت:
— “ولد؟ هو أنت فاكر إن في زمننا ده في ست بتبيع نفسها وكرامتها عشان تتجوز راجل أكبر منها بـ 15 سنة وتتحمل قرف أمه وتديه ولد لوجه الله؟ أنت كنت بالنسبة لي صيد سهل يا سيد.. راجل موهوم بحلم ‘الولد’، وعنده عقود ومناقصات يسوى ملايين، وأمه كانت السلم اللي دخلتلك منه! أُمك هي اللي جابتك لحد عندي لما كانت بتتحايل عليا أقبل بيك عشان ألم الشمل وأجيب الولد العريان!”
الكلمات كانت كالسياط على وجه سيد. اكتشف أن أمه لم تكن مجرد شريكة في خداع نجلاء، بل كانت الفريسة السهلة التي استخدمها مدحت وشيرين للوصول إلى ثروة الشركة وممتلكاتها!
قال سيد وهو يرتجف: “الشقة دي باسمي.. هبيعها وأسدد ديوني!”
ابتسم مدحت وقال بثقة: “تبيع إيه يا شاطر؟ الشقة دي مكتوب فيها شرط جزائي ومسجلة باسم شيرين كمنزل زوجية ومؤخر، ولو فكرت تقرب منها أو ترفع قضية، الشيكات المفتوحة اللي معاها بإمضاءك هتوصل النيابة بكرة الصبح.. وتفضل من غير مطرود عشان المدام محتاجة ترتاح.”
خرج سيد من الشقة كالمجنون، يشعر بالدوار والضياع. الشارع كان مظلمًا في عينيه. رجل كان يملك كل شيء: زوجة صالحة، بنتاً كالقمر، 7 ملايين جنيه، شركة ناجحة، وشقة واسعة في شبرا.. وفي ظرف 48 ساعة، أصبح بلا بيت، بلا شركة، مهدداً بالسجن، وعشيقته التي تحدا من أجلها العالم ألقته في الشارع بعد أن أخذت كل ما يملك!
تلقى اتصالاً آخر من أمه:
— “الحقني يا سيد! المستشفى حاطة أمن على الباب ومش راضيين يخرجوني! فين نجلاء؟ كلم نجلاء تخلي الفيزا تشتغل!”
صرخ سيد في الهاتف بأعلى صوته وبكاء هستيري:
— “نجلاء مش هنا يا أمي! نجلاء باعت الشقة وأخدت الـ 7 مليون وقَفلت الشركة! نجلاء اللي كنتِ بتقولي عليها عمياء وبتسمع الكلام طلعت أذكى مننا كلنا! شيرين وأخوها سرقونا ورموني في الشارع يا أمي!”
على الجانب الآخر، وفي إحدى المناطق الهادئة في التجمع الخامس، كانت نجلاء تجلس في فيلا صغيرة مستأجرة بعناية. الشرفة تطل على حديقة غناء، وجودي بنتها تجلس بجوارها تدرس على جهاز اللابتوب براحة بال لم تشهدها منذ سنوات.
دخلت الأستاذة ماجدة المحامية وهي تحمل ملفاً أسود كبيراً.
ابتسمت نجلاء وقدمت لها فنجان القهوة الساخن.
ماجدة قعدت وقالت: “سيد أكل القلم المظبوط يا نجلاء.. شيرين ومدحت جردوه من كل حاجة، والبنك أعلن التحفظ على حصته في الشركة، وأمه محبوسة في المستشفى بسبب المصاريف.”
نجلاء رشفت من القهوة بهدوء، ولم تظهر على وجهها أي علامة من علامات الشماتة، بل كان وجهها يعكس راحة بال من استرد حقه كاملاً غير ناقص.
قالت نجلاء: “أنا مش شمتانة يا ماجدة.. أنا بس عملت اللي كان المفروض أعمله من 10 سنين. حمايتي لنفسي ولبنتي كان لازم تكون هي الأولوية، مش التضحية للي ما يستاهلش.”
ماجدة فتحت الملف الأسود وقالت بنبرة جدية:
— “تمام.. خطوتنا الجاية جاهزة. المحلات والورش بتاعة شركة العريان هتنزل في المزاد العلني الأسبوع الجاي بمرسوم قضائي لتسديد ديون الموردين. الـ 7 مليون بتوعك مأمنين في حساب جودي، بس إحنا نقدر نستخدم السيولة اللي أخدتيها من بيع شقة شبرا (الـ 3.5 مليون) عشان ندخل المزاد ده ونشتري الأصول دي باسمك أنتِ وباسم جودي وبأقل من نص تمنها الحقيقي!”
نجلاء ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: “يعني الشركة اللي سيد وأبوه بنوها، واللي سيد ضيعها عشان شيرين.. هتتحول لشركة ‘نجلاء للتبريد والتكييف’؟”
ماجدة ردت: “بالظبط كده.. وسيد مش هيكون حيله أي حاجة يدافع بيها عن نفسه. بس في حاجة واحدة أستاذة نجلاء لازم تعرفيها الأول قبل ما ندخل المزاد بكرة…”
نجلاء بصلتها باستغراب: “حاجة إيه؟”
ماجدة طلعت ورقة ثانية مطوية من الملف، ونزلت نظارتها وقالت بصوت واطي:
— “وأنا براجع السجل العقاري والمستندات القديمة بتاعة جَدِك اللي ورثتي منه أرض العياط عشان أأمن موقفنا القانوني في المزاد.. اكتشفت حاجة غريبة جداً يا نجلاء. أبا سيد — الحاج العريان الله يرحمه — كان كاتب أرض المخازن الرئيسية بتاعة الشركة باسم جَدِك أنتِ من 25 سنة كرهن سري مقابل دين قديم، والدين ده اتسدد بس الرهن ما اتفكش رسمي في الشهر العقاري! وده معناه إن سيد وأمه طول الـ 16 سنة اللي فاتوا كانوا فاكرين إنهم يملكوا المخازن، في حين إن الملكية القانونية المطلقة للمخازن دي.. ترجع ليكي أنتِ لوحدك من غير مزاد ومن غير ما تدفعي مليم واحد!”
نجلاء اتسمرت في مكانها، والفنجان كاد يقع من يدها!
المفاجأة لم تكن فقط في خيانة سيد، بل في أن الثروة الحقيقية للشركة كانت طوال هذه السنين تحت يد نجلاء وهي لا تعلم، وأن ضربتها القادمة لن تكتفي بإنقاذ نفسها، بل ستجعل سيد يكتشف أنه كان يعيش في ملكها هي طوال 16 سنة!
الجزء الرابع قبل الأخير
وقفت نجلاء أمام نافذة الفيلا تتأمل الأوراق التي وضعتها الأستاذة ماجدة على الطاولة. الورقة لم تكن مجرد سند عقاري قديم، بل كانت بمثابة مفتاح العدالة الإلهية الذي رُدّ إليها في الوقت المناسب تمامًا. عقد الرهن الخاص بمخازن شركة العريان—وهي القطعة الأكبر والأعلى قيمة في أصول الشركة بالكامل، والواقعة على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي—كان مسجلاً باسم جدها الراحل، وبسبب عدم فك الرهن رسميًا ومضي عقود طويلة، انتقلت الملكية القانونية والرقابة الكاملة إليها هي بحكم الإرث الشرعي المسجل.
التفتت نجلاء نحو ماجدة وقالت بنبرة حاسمة يملؤها الثبات:
— “يعني المخازن دي ملكي أنا بالقانون يا ماجدة؟ وسيد وشيرين وأخوها بيبتزوا بعض على شوية بضاعة متخزنة في ملكيتي أنا؟”
ردت ماجدة وهي تبتسم بإعجاب:
— “بالظبط كده يا نجلاء. سيد كان فاكر إنه بيلعب شطرنج معكِ، وتاريكي أنتِ اللي ملكة الرقعة من البداية من غير ما تدري. مدحت وشيرين كانوا حاطين عينهم على المخازن دي بالذات لأنها الملاذ الأخير للشركة، وخدوا من سيد تنازلات عرفية عنها.. والتنازلات دي بلّيها وشربي ميتها، لأن سيد أصلًا ما كانش يملك حق البيع أو التنازل عن أرض المخازن!”
في هذه الأثناء، كان سيد يمر بليلة هي الأكثر سوادًا في حياته.
جلس على رصيف الشارع أمام المستشفى بعد أن رفضت الإدارة خروج أمه إلا بعد سداد المبلغ أو تقديم ضمانات مالية. التليفون لم يتوقف عن الرنين: الموردون يطالبون بديونهم، شيرين أغلقت هاتفها في وجهه بعد أن وضعت مولودها في شقتها الجديدة، والبنك أرسل مندوبًا لمقر الشركة لاستكمال إجراءات التحفظ.
اضطر سيد للتنازل عن كبريائه، ورهن سيارته الشخصية لتاجر سيارات مستعملة بنصف ثمنها، ليوفر مبلغ الـ 85 ألف جنيه كاش. أسرع إلى المستشفى وسدد الحساب، ودخل غرفة أمه الحجة فاطمة وهو يجر قدميه ومحاطًا بهالة من الانكسار والانهيار.
كانت الحجة فاطمة تجلس على السرير، وجهها شاحب ولكن نبرة الأنانية لم تفارقها.
أول ما رأته صرخت:
— “تأخرت ليه يا سيد؟ وين نجلاء؟ خليها تجي تاخدني بالسيارة وتسويلي اللقمة، أنا جائعة وتعبانة من أكل المستشفى!”
سيد ألقى بنفسه على الكرسي المائل بجوار السرير، وبكى بحرقة لم تشهدها أمه منه طوال عمره:
— “نجلاء مش جاية يا أمي.. نجلاء باعت الشقة، وأخدت الـ 7 مليون، وقَفلت حساباتنا، وطلبت الطلاق رسمياً! نجلاء عرفت كل حاجة.. شفتها وهي واقفة في ممر الولادة وسمعتك وأنتِ بتقوليلي إجري كمل مع شيرين!”
اتسعت عينا الحجة فاطمة بصدمة، وتلعثمت:
— “شـ.. شفتنا؟ والـ 7 مليون بتوعها؟ والشقة؟ أنت بتقول إيه يا سيد؟ إحنا هنروح فين؟”
سيد رفع رأسه وعيونه حمراء كالجمر:
— “هنروح الشارع يا أمي! شيرين وأخوها سرقوا البضاعة والمناقصات، ورفعوا عليا شيكات، والشركة محجوز عليها، وشقة شبرا ائتباعت للغير! الولد اللي كنتِ بموتِ عليه جاب أهله وجردوني من كل حاجة ورموني!”
سقطت الحجة فاطمة على الوسادة وهي تصرخ وتلطم خدودها، تستوعب لأول مرة حجم الكارثة التي تسببت فيها بطمعها ورغبتها في السيطرة. الست التي كانت تستغلها وتعتبرها مجرد خادمة “عمياء بتسمع الكلام”، كانت هي الأمان والغطاء والسند الحقيقي الذي يستر عورات هذه العائلة.
في صباح اليوم التالي، وتحديدًا في تمام الساعة العاشرة صباحًا، كان الجمع يحتشد أمام المقر الرئيسي لمخازن شركة العريان.
حضر مدحت شقيق شيرين ومعه شاحنات كبيرة مصحوبة ببدلاء وعمال لنقل البضاعة الموجودة داخل المخازن لحسابه الخاص، مستندًا إلى التنازلات العرفية التي أخذها من سيد. وفي المقابل، كان سيد وأخته سحر يقفون على بوابة المخزن يحاولون منعهم بالقوة، والتلاسن كاد يتحول إلى مشاجرة بالأيدي.
مدحت لوّح بالأوراق في وجه سيد وصرخ:
— “زحّف أنت وهي من السكة! معايا تنازل رسمي ببضاعة المخزن، ولو فتحت بقك هطلبلك الشرطة بالشيكات اللي معاها أختي!”
سيد صرخ بعجز: “المخزن ده أصول الشركة يا حرامي! مش هتمس حبة صاج واحدة!”
وفجأة، توقفت ثلاث سيارات سوداء فارهة أمام بوابة المخزن.
نزل من السيارة الأولى لواء شرطة متقاعد يعمل كحارس أمن تنفيذي، ومعه قوة تنفيذ أحكام وقضائية ورسمية، ومن السيارة الثانية خرجت الأستاذة ماجدة المحامية وهي تحمل ملفًا أزرق ختم بختم الدولة والجمعية العقارية.
وأخيرًا.. فتح باب السيارة الثالثة، ونزلت نجلاء.
كانت ترتدي طقمًا أنيقًا باللون الأسود والرمادي، نظرتها ثاقبة، خطواتها واثقة، وعلى وجهها ابتسامة كبرياء تحكي قصة امرأة بعثت من جديد من تحت ركام التضحيات الغبية.
توقف الجميع عن الكلام. سيد جمد في أرضه، وسحر أخته شهقت بالبُكاء، ومدحت قطس حاجبه باستغراب:
— “أنتِ مين يا مدام؟ وداخلة هنا بأمارة إيه؟”
نجلاء لم تنظر حتى لمدحت، بل مرت من أمامه وكأنه هواء. وقفت أمام سيد مباشرة، بصت في عينيه المكسورتين ببرود تام.
سيد بصوت مرتعش: “نجلاء.. أنتِ.. أنتِ جيتي ليه؟ جيتي تنقذينا؟”
ابتسمت نجلاء ابتسامة هادئة ورشقت كلماتها كالمسامير:
— “أنقذكم؟ أنا جاية أستلم ملكي يا سيد.”
تدخلت المحامية ماجدة بصرامة ورفعت الصيغة التنفيذية أمام المحضر والشرطة ومدحت:
— “الأرض دي والمخازن اللي عليها بجميع محتوياتها والبضاعة اللي جواه، مسجلة ملكية حصرية ومطلقة باسم المدام نجلاء بموجب إعلام وراثة وعقد رهن وتمليك نهائي ممتد من المرحوم جدها. أي محاولة لنقل أي قطعة بضاعة من هنا تعتبر سرقة بالأكراه واعتداء على ملكية خاصة، والقوة التنفيذية معاها أمر بمنع أي شخص من دخول الموقع!”
مدحت صدم ورجع لورا خطوات وهو يبص للورق: “إيه الكلام الفارغ ده؟ سيد متنازلي عن البضاعة دي!”
ماجدة ردت بثقة وصوت مرتفع أسمع الجميع:
— “سيد كان بيبيعلك السمك في المية يا أستاذ مدحت! سيد لا يملك الشبر اللي واقف عليه، والتنازلات اللي في إيدك بلها وشرب ميتها! وأختك شيرين الشيكات اللي معاها هتترد عليها بقضية تزوير واستغلال نفوذ وإفلاس تدليسي محرر ضدها النهاردة الصبح!”
سيد وقع على ركبتيه في التراب أمام بوابة المخزن، يباعد بين أنفاسه بصعوبة. لم يستوعب حجم اللعبة؛ الزوجة التي ظن أنه استغفلها وأكل حقها، اتضح أنها المالك الحقيقي لثروته بالكامل، وأن العشيقة التي حارب من أجلها خسر أمامها كل شيء وستساق معه إلى ساحات المحاكم.
نجلاء اقتربت من سيد الملقى على الأرض، أخرجت من حقيبتها مظروفًا أبيض ورمته تحت قدميه.
وقالت بصوت هادئ ومسموع للجميع:
— “دي دعوى الخلع ورسم الدخول في المزاد العلني لشراء بقية ورش الشركة المحجوز عليها. الأسبوع الجاي، شركة العريان هتبقى رسمياً شركة ‘نجلاء وشركاها للتبريد’. أنت وأمك وشيرين هتقفوا في مكانكم الصح.. المكان اللي أفعالكم وطمعكم يديكم إياه.”
التفتت نجلاء وذهبت نحو سيارتها بخطوات ثقيلة ومرفوعة الرأس، بينما كان سيد يصرخ باسمها ويبكي في التراب، وأخته سحر تصرخ على مدحت الذي بدأ بالهرب من المكان قبل وصول شرطة الأموال العامة.
ولكن الكشف الأخير والضربة القاضية لم تكن قد اكتملت بعد…
فحين وصلت نجلاء إلى مكتب المحامية ماجدة مساء ذلك اليوم لتوقيع استلام المخازن رسمياً، تلقت ماجدة مكالمة هاتفية طارئة من الطب الشرعي والسجل المدني بشأن بلاغ قديم كانت نجلاء قد تقدمت به للفحص الحيوي والوراثي بشأن شهادة ميلاد الطفل الجديد “عمر”!
ماجدة رفعت السماعة، وشحبت ملامح وجهها، ثم نظرت إلى نجلاء وقالت بصوت يرتجف من الصدمة:
— “نجلاء.. نتيجة تحليل الـ DNA بتاعة البيبي اللي ولدته شيرين وصلت…”
الجزء الخامس والأخير
وقفت نجلاء في منتصف المكتب، الشارع أسفل النافذة يعج بالحركة، لكن الصمت داخل الأوضة كان يخنق الأنفاس. نظرت للأستاذة ماجدة وهي تجلس خلف مكتبها، يداها ترتجفان وهي تمسك بتقرير الطب الشرعي الصادر رسمياً وبختم الدولة.
سألتها نجلاء بصوت هادئ، هدوء البحر الذي يسبق العاصفة:
— “في إيه يا ماجدة؟ النتيجة فيها إيه؟”
ماجدة رفعت عينيها وبصت لنجلاء بذهول واشمئزاز من بشاعة المخطط:
— “البيبي.. الولد اللي سيد دمر بيته وعيلته وباعك علشانه، وطفش الدنيا عشان يقول ‘عمر سيد العريان’.. مش ابن سيد أصلاً يا نجلاء!”
نجلاء اتسمرت مكانها، وحطت إيدها على فمها من صدمة الخبر، رغم كل اللي شافته:
— “مش ابنه؟! إزاي؟!”
ماجدة فتحت التقرير وقرأت النتيجة بالنص:
— “تحليل الـ DNA بيؤكد نفي النسبة تماماً عن سيد العريان. الطفل ده ابن ‘مدحت’.. أخو شيرين! يعني شيرين ومدحت مش إخوات من الأصل، دول كانوا شبكة نصب واستغلال! ادعت إنه أخوها عشان يدخلوا الشركة مع بعض، ولما حملت منه، استغلوا عقدة ‘الولد’ عند سيد وأمه، وألبسوه التهمة والولد، عشان يجبروه يكتب الشقة باسمها ويتنازل عن البضاعة والمناقصات لصالحهم!”
في تلك اللحظة، كان سيد يتواجد في قسم الشرطة بعد أن ألقي القبض عليه وعلى أمه الحجة فاطمة للتحقيق في الشيكات المقدمة ضد الشركة. كان سيد يجلس على الدكة الخشبية الباردة، وأمه بجواره تبكي بقلة حيلة وتتحسر على الأيام التي كانت تصول وتجول فيها في بيت نجلاء.
دخل العسكري ورمى ملف التحقيقات أمام الضابط، ودخلت شيرين ومدحت مكبلين بالكلبشات بعد أن ألقت شرطة الأموال العامة القبض عليهما أثناء محاولتهما الهرب خارج البلاد بالبضاعة المهربة.
وقف سيد وهو يرتجف، وصرخ في شيرين:
— “ليييه؟ ده أنا عملت كل حاجة علشانك وعلشان الولد!”
هنا، تقدمت الأستاذة ماجدة ودخلت سراي النيابة، وألقت بتقرير الـ DNA ورقة التحليل الفاصلة على طاولة وكيل النيابة أمام الجميع.
الضابط قرأ التقرير، ثم نظر لسيد بنظرة شفقة وازدراء وقال:
— “الولد اللي أنت جرت ورائه وبعت زوجتك وبيتك علشانه.. طلع مش ابنك. التقرير الطبي الشرعي أثبت إن الطفل ابن المدعو مدحت اللي واقفه جنبك دي، وكانوا بيلبسوك القضية والنسب عشان يستولوا على أموالك!”
سيد أخرج صيحة مكتومة، كأن خنجراً مسموماً غُرست في منتصف قلبه. بص لشيرين، التي طأطأت رأسها في الأرض ببرود دون أن تنطق بكلمة.
التفت سيد لأمه الحجة فاطمة، التي انهارت على الأرض وسقطت في نوبة بكاء هستيرية وهي تصرخ:
— “يا فضيحتك يا فاطمة! يا خسارة شقاكي يا نجلاء! يا دي النكسة والخراب!”
سيد سقط على ركبتيه في منتصف التخشيبة، يضرب رأسه في الحائط الخرساني ويبكي كالأطفال، يصرخ بصوت زلزل الممر:
— “نجلاااااء! سامحيني يا نجلاء! أنا اتعميت! أنا بعت الذهب واشتريت التراب! يا رب موتني!”
لكن الصوت لم يصل لنجلاء.. نجلاء كانت في عالم آخر تماماً.
بعد أسبوع واحد..
في قاعة المزاد العلني بمحكمة القاهرة الاقتصادية، تم إعلان بيع ورش ومحلات “شركة العريان للتبريد والتكييف” بعد إفلاس سيد وتجريده من كافة ممتلكاته.
وقفت نجلاء بثوبها الأبيض الأنيق، وبجوارها ابنتها جودي التي بلغت 15 عاماً وأصبحت شابة جميلة ومرفوعة الرأس. رفعت نجلاء التابلوه وصاحت بأعلى سعر، واشترت أصول الشركة بالكامل بمالها الخاص وحسابها المأمن، وتم تغيير الاسم التجاري رسمياً في السجل التجاري إلى:
“شركة نجلاء وجودي للتبريد والتكييف والتجهيزات”.
خرجت نجلاء من باب المحكمة، والشمس تشرق على وجهها. استنشقت الهواء بنفس عميق وشعرت ولأول مرة منذ 16 سنة أنها تتنفس الحرية، الكرامة، والاستقلال.
سيد عُقب بالسجن عامين في قضايا الشيكات والتزوير، وشيرين ومدحت صدر ضدهما حكم بالسجن المشدد في قضايا النصب والاحتيال وتزوير النسب. أما الحجة فاطمة، فقد انتهى بها المطاف في دار لرعاية المسنين، تعيش وحدها على أطياف الماضي، تأكلها الندامة كلما تذكرت كيف كانت بين يدي نعم الرفيقة والابنة “نجلاء”، وكيف رمت بنفسها وابنها في الهاوية طمعاً في ولد لم يكن سوى وهمٍ وخديعة.
وقفj نجلاء مع بنتها جودي أمام مقر الشركة الجديد، مسكت إيد بنتها وقالت لها بكل فخر:
— “يا جودي.. طول عمرهم كانوا بيقولوا العزوة ولد يشيل الاسم.. بس أنا ثبتت للعالم إن العزوة هي الكرامة، والعقل، والبنت اللي أربيها صح وتكون سندي وضهري في الدنيا.”
الحكمة من القصة:
إن الطيبين قد يصبرون طويلاً، وقد يتحملون الظلم والتضحية بدافع الأصالة والوفاء، لكن صبرهم ليس ضعفاً، وطيبتهم ليست غباءً. حين يُستغرق الخداع وتُستباح الكرامة، يتحول الصبر إلى حكمة نافذة وتخطيط هادئ يُعيد الحقوق إلى أصحابها.
الأصالة لا تُباع ولا تُشترى، ومن يفرّط فيمن صانه وحفظ غيبته من أجل الأوهام والشهوات والسيطرة الزائفة، فإن الجشع يرتد عليه خسراناً مبيناً. أما المرأة التي تعرف قدر نفسها، وتثق بشرع الله وبحقها، فإنها قادرة على أن تبني من وسط الركام إمبراطورية نجاح، وتثبت أن القوة الحقيقية ليست في العزوة بالعدد، بل في شرف النفس وكرامة العقل.

تعليقات
إرسال تعليق