طلقيتى كامله بقلم امانى سيد
طلقيتى كامله بقلم
امانى سيد
يوم طلاقى كنت مبسوط عكس مراتى كنت مبسوط انى بطلاقة منها بكسر عنيها لانى عارف ومتأكد إن محدش هيقدر يساعدها ولا يقف جمبها ولا يجبلها حقها قبل طلاقى هى كانت عارفه انى بخونها مع واحده تانيه ولما سالتنى قولتلها انى حبيت البنت التانيه دى كانت تقعد تتحايل عليه بالساعات انى اسيب البنت اللى ارتبط بيها دى وارجعلها هى لكن انا كنت برفض وبقولها انتى ليكى عندى اكلك وشربك وبس اكلم مين مكلمش مين دى حاجة ترجعلى كنت برفض اخلف منها عشان افضل معيشها فى قلق واضمن إن بعد الطلاق ماتقدرش تاخد منى جنيه يوم ما طلقتها وصيت سمسار اللى ادتها رقمه وقولتلها كلميه بدل ما نقعدى فى الشارع إنه يجبلها شقه فوق سطوح وتكون فى العماره اللى قدامى عشان افضل مراقبها وهى تشوف حياتى لما اتجوزت عليها والدلع اللى معيش فيه مراتى الجديده وتيجى زاحفه تترجانى ارجعها تانى وفعلاً، سكنت في الأوضة اللي فوق السطوح، والستارة الخفيفة اللي حطتها مكنتش بتمنعني أشوف خيالها وهي رايحة جاية مكسورة ومتبهدلة.
كنت أتعمد كل يوم أقف في بلكونتي لابس أحسن ما عندي، وأتعمد أضحك بصوت عالي وأدلع مراتي الجديدة قدام عينيها عشان الصوت يوصل لودنها ويحرق دمها في كل لحظة.بقيت أرجع من الشغل شايل أكياس الهدايا وعِلب الحلويات وأرفع إيدي بيها وأنا طالع عماراتي، عشان تتأكد من شباكها الصغير إن العز اللي كانت محرومة منه وممنوع عنها، كنت اقعد فى البلكونه زاقعد مراتى الجديده وادخل بصنيه الشار بنفسى واخليها تشزفنى عشان اغيظها اكتر واوريها عايش ازلى ومتهني من غيرها.
كنت كل ليلة أقف أراقبها من ورا الشيش؛ أشوفها وهي بتنزل في عز الفجر تروح شغل متواضع عشان تكفي يومها، هدومها بهتت وملامحها خست من قلة الأكل والتعب، وده كان بيملا قلبي بنشوة غريبة.. إحساس إني دمرت كبرياءها ومحيت شخصيتها على البطيء.كنت مستني اليوم اللي ألاقيها نازلة تدق على بابي بدموعها، تترجاني وتتحايل عليه زي زمان وتقولي "أبوس إيدك ارجعلي واقبل بيا خادمة تحت رجليك بس ارحمني من الفقر والبهدلة دي".بس اللي جنني بعد فترة، إنها لما كانت بتنزل وتطلع كانت بتمشي مطاطية راسها وساكتة، ولا عمرها حاولت ترفع عينها لبلكونتي أو ترمي كلمة لحد.
وحتى لما كنت بقابلها صدفة في مدخل الشارع وأنا راكب عربيتي مع مراتي وأزود السرعة عشان أعفر عليها، كانت تبصلي بثبات غريب مكنتش مستوعبه.. نظرة مفيهاش ذل ولا رجاء زي ما كنت متخيل، نظرة شخص بيبص لحاجة ميتة ومبقاش ليها أي قيمة في دنيته.النظرة دي ولعت في صدري نار أكتر من الأول، وخليتني أحس إن خطتي لسه مكملتش قررت اخلى مراتى تكلمها وتعرض عليها تشتغل عندها خدامه كانها متعرفهاش لكنها رفضت ، فقررت أكلم السمسار تاني وأديله قرشين عشان يخترع أي حجة ويطردها من الأوضة في عز السقعة ويقفل في وشها كل الأبواب، عشان ميبقاش قدامها ملجأ ولا مفر في الدنيا دي غير إنها تزحف لحد باب شقتي.
فضلت مكمل في خطتي بكل قسوة وغل، وكل يوم كنت بفكر إزاي أزود الوجع جواها وأحرق قلبها أكتر.في عز ليالي الشتا والبرد اللي ينخر في العضم، لما كانت المطرة بتنزل بغزارة على السطوح المكشوف اللي هي قاعدة فيه، كنت بقف في البلكونة متدفي في روبي التقيل، وأبص عليها وهي بتجري وسط المية تحط جراكن وحلل تحت السقف الخشب اللي بينقط عليها في كل حتة.. هدومها مبلولة وسنانها بتصطك من السقعة، مفيش في أوضتها حتى دفاية ولا بطانية عدلة تسترها. وفي نفس اللحظة دي، كنت أنده على مراتي الجديدة بصوت عالي وأطلب منها تشغل التكييف على السخن عشان "الجو برد عليها وخايف لتتعب"، وأخلي صوت الموسيقى والضحك يعلى لحد ما يغطي على صوت بكاها المكتوم.
حتى لقمة العيش، حرصت إنها تاكلها بمرار.. اتفقت مع صاحب السوبر ماركت وبياع الخضار اللي تحت إنهم يغلوا عليها في الحساب وميرضوش يدولها حاجة بالآجل، عشان أشوفها بعيني وهي راجعة شايلة كيس عيش ناشف وشوية طماطم دبلانة وعينها مكسورة في الأرض ومطاطية راسها من الإحراج وسط الناس اللي كانوا عارفين إنها طليقة الباشا اللي عايش في العز قصادها.
ويوم عيد ميلاد مراتي الجديدة، تعمدت أعمل حفلة كبيرة في البلكونة اللي قصاد شباكها بالظبط؛ زينت المكان بأنوار مبهرة، وجبت تورتة أد كده وهدايا ودهب ملوا الترابيزة، وشغلت أغاني رومانسية وكنت برقص مع مراتي وبأكلها بإيدي وأنا باصص لعين طليقتي اللي كانت بتبص من ورا الشيش المكسور والدموع مغرقة وشها وهي حاطة إيدها على قلبها ومخنوقة بقهرتها.. كانت شايفة نفس المعاملة والحب اللي اتحرمت منهم سنين، بيتفرقوا قدامها بتبذير لواحدة تانية.ولما كانت بتتعب وتجيلها نزلة برد من البرد وقلة التغذية، كنت أسمع صوت كحتها اللي تقطع القلب في سكون الليل.. وبدل ما أصعب عليا، كنت أنزل تاني يوم مخصوص وأركب عربيتي وأقف تحت عمارتها وأنا بضحك في الموبايل وأحكي لواحد صاحبي بصوت عالي إني حاجز لمراتي الجديدة رحلة لأحسن مكان عشان "تغير جو"، وأسيبها هي بمرضها ووجعها تصارع المو.
ت بالبطيء من غير ما تلاقي حتى تمن الدوا.والأصعب من الفقر والمرض كان كسر الخاطر اللي ملوش دوا..في ليلة من الليالي، كان الجو متلج، والساعة داخلة على اتنين بالليل، سمعت خبط واطي ومتردد على باب شقتي. فتحت الباب، لقيتها واقفة قدامي، شفايفها زرقا من السقعة، ولابسة عبايتها الخفيفة اللي دابت من كتر الغسيل، وإيديها بتترعش بشكل يوجع القلب.
بصت في الأرض ومقدرتش ترفع عينها في عيني، وقالت بصوت متبهدل ومبحوح ومخنوق بالدموع: "أبوس إيدك.. إديني أي مسكن أو تمن شريط دوا للصداع والبرد، السطوح بينقط مية على فرشتي وجسمي كله بيوجعني ومش قادرة أقف على رجلي".وقفت أتملى فيها ببرود وشماتة مفيهاش ذرة رحمة. ندهت على مراتي الجديدة، وطلبت منها تجيبلي علبة المناديل، وطلعت قدامها رزمة فلوس من جيبي، وبدل ما أديها جنيه واحد، رميت في وشها منديل ورق وقولتلها باستهزاء وابتسامة خبيثة: "امسحي دموعك دي.. أنا مش فاتح الشقة دي جمعية خيرية للشحاتين، الفلوس دي معمولة لست البيت اللي تصوني وتعيش في عز، مش لواحدة رمتها في الشارع ورضيت تقعد في عشة فراخ فوق السطوح".
قفلت الباب في وشها بكل قوتي عشان يترزع، وفضلت واقف ورا الباب أسمع صوت شهقاتها وهي بتبكي بصوت عالي ومنهار على بسطة السلم، صوت وجع واحدة حست إن الدنيا كلها داست على كرامتها ومبقاش ليها حامي ولا سند. نزلت تتسحب على السلم وهي بتسند على الحيطة من كتر الضعف والهوان، وكل خطوة كانت بتنزلها كانت بتسيب وراها حسرة تحرق الحجر.تاني يوم الصبح، نزلت مخصوص ووقفت تحت العمارة، وشوفتها نازلة رايحة شغلها بالعافية، عيونها وارمة من كتر البكا، ووشها باهت زي الأموات، وجسمها بينتفض من السخونية.
كنت بمر من جنبها بريحة عطري الغالي، وأضحك في التليفون بصوت مسموع وأنا بقول: "حبيبتي مجهزالك مفاجأة النهاردة.. هنسافر نتفسح ونغير جو، أنتي تأمري بس وأنا أنفذ".كانت بتسمع الكلام وتغمض عينها بوجع وقهر كأن سكينة بتغرس في صدرها، وتمشي مطاطية راسها تداري دموعها اللي بتنزل غصب عنها وسط الشارع، شايفة بأم عينيها إن الراجل اللي استخسر فيها شريط مسكن، بيغرق غيرها بالدهب والدلع.عدى اليوم ده، ورجعت من بره في معادي المعتاد، أول حاجة عملتها إني دخلت البلكونة عشان أستنى مشهد رجوعها المكسور زي كل يوم، وأشوفها وهي طالعة السلم بتسند على الحيطة من التعب والوجع.
الساعة دقت سبعة.. تمانية.. تسعة.. والشارع هدي خالص، وباب أوضتها اللي فوق السطوح مقفول، والشباك مضلم مفيش وراه أي حس ولا حركة.في الأول قولت لنفسي تلاقيها نايمة من التعب والسخونية جوة ومش قادرة تولع النور، بس لما جت الساعة اتنين بالليل ونزلت سألت البواب بطريقة غير مباشرة عن حركة العمارة، قال لي ببرود: "الست اللي ساكنة فوق السطوح منزلتش من بعد الضهر ومحدش شافها رجعت خالص يا بيه".الليلة دي معرفتش أنام، فضلت رايح جاي في الصالة وعيني على شباكها المضلم، إحساس غريب بدأ ينهش في صدري.
. مش خوف عليها، لأ، ده غيظ وقلق إنها تفلت من تحت إيدي ومن دايرة العذاب اللي رسمتهالها.عدى اليوم التاني.. والتالت.. ورابع يوم جه وهي فص ملح وداب.أوضة السطوح مقفولة بقفلها القديم من برة، هدومها البسيطة المغسولة متعلقة على الحبل ونشفت وسفت عليها تراب الشارع، مفيش أي أثر ليها. عقلي كان هيطير، أسئلة جهنمية عمالة تضرب في نافوخي ومبتسكتش: راحت فين؟ سابت الشغل ولا طردوها؟ طب راحت لمين وهي ملهاش حد في الدنيا يسندها ولا يقف جنبها؟
هل لقت حد يساعدها؟ هل ماتت في الشارع من التعب والمرض وأنا معرفش؟الجنون الحقيقي كان في فكرة إنها مبقتش قدام عيني.. مبقتش شايف ذلها وانكسارها، مبقتش قادر أستعرض قدامها بمراتي وفلوسي. النار اللي كنت بوجعها بيها، حسيت فجأة إنها ارتدت في صدري أنا.. بقيت واقف في بلكونتي ليل ونهار زي المجنون، باصص على شباك مقفول وضلمة، مش عارف هي فين، ولا بتعمل إيه، ولا إزاي اختفت بالشكل ده من غير ما تسيب وراها حتى دمعة واحدة أتشمت فيها.
طلقيتى ٢
أمانى السيد
مر شهر كامل.. تلاتين يوم عدوا عليا كأنهم تلاتين سنة من العذاب والحيرة اللي بتاكل في نفوخي أكل.الأوضة اللي فوق السطوح فضلت مقفولة، وتراب الشارع غطى كل حاجة فيها، ومبقاش لشيرين أي حس ولا أثر في المنطقة كلها. أنا أحمد.. اللي كنت شايف نفسي مسيطر ومالك كل خيوط اللعبة، اتحولت لإنسان تاني تماماً؛ بقيت زي المجنون، ألف بعربيتي بالساعات في الشوارع، عيني مابتنزلش من على وشوش الناس في المحطات والأسواق، وبقيت أدخل المستشفيات الحكومية والأقسام أدور في الدفاتر وأسأل بنهدة وريقي ناشف: "في حالة دخلت باسم شيرين؟ في واحدة جالها إغماء أو دــ,,ـــــادثة بالوصف ده؟".النوم طار من عيني، ومبقاش في بالي غير سؤال واحد هيمــ,,ـــــوتني: شيرين راحت فين؟
عايشة ولا ميتة؟ ذلها وانكسارها اللي كنت بتغذى عليهم مبقاش ليهم وجود، وحسيت فجأة إني خسرت الأرض اللي كنت واقف عليها بتعالي وغرور.وفي وسط الجنون ده، مراتي الجديدة اتطفت بالنسبة لي تماماً. أهملتها لدرجة إني مبقتش طايق أسمع صوتها ولا أشوف وشها في الشقة؛ هي في الأصل مكنتش تفرق معايا ولا حبيتها في يوم، كانت مجرد كارت رخيص ولعبة استعملتها عشان أحــ,,ـــــرق بيها دم شيرين وأكسر عينها وكبريائها. لما البنزين اللي كان مشغل اللعبة دي خلص باختفاء شيرين، بقيت شايف مراتي الجديدة دي حمل تقيل على قلبي، طلباتها ودلعها بقوا يخنقوني ويستفزوني، وكل ما كانت تقرب مني أو تطلب كلمة حلوة أو هدية كنت بصدها ببرود وقسوة وأسيب الشقة وأنزل في نص الليل ألف في الشوارع زي التايه أدور على خيال شيرين.
. بقيت أنا أحمد المحبوس في جحيمي وعزي المزيف، وهي اللي غيابها كواني بنــ,,ـــــار أضعاف النــ,,ـــــار اللي كنت بحاول أحــ,,ـــــرقها بيها.وفي ليلة، وأنا قاعد في البلكونة اللي كانت زمان مسرح استعراضي، ماسك فنجان القهوة اللي برد من كتر السرحان، عيني كانت متبتة على باب عمارة السطوح كالعادة، مستني معجزة أو حتى خيال يلمح من بعيد.فجأة، وقفت عربية سودا فخمة جداً تحت العمارة، نزل منها شاب لابس بدلة شيك وفتح الباب اللي ورا بهيبة.. ونزلت شيرين.رجليا اتسمرت في الأرض وفنجان القهوة وقع من إيدي اتدشمل على البلاط ومحستش بيه.شيرين مكنتش البنت المكسورة اللي رميتها في الشارع.. كانت لابسة فستان راقي جداً محتشم وأنيق، وشها اللي كان باهت ومطفي بقى ينور بجمال طبيعي وراحة بال عمري ما شفتها عليها طول سنين جوازنا، خطوتها على الأرض واثقة وثابتة، رافعة راسها للسما ومفيش في عيونها ذرة خوف أو انكسار.
نزلت معاها ست كبيرة شكلها هانم من بتوع العائلات العريقة، كانت ماسكة إيد شيرين بحنية وبتبتسملها كأنها بنتها. وقفوا دقيقة يتكلموا، وبعدها طلع البواب ومعاه راجل تاني جابوا الشنطة الصغيرة والكرتونة اللي كانت شيرين سايباهم في أوضة السطوح، وحطوهم في شنطة العربية.أول ما شفتها بتمشي في اتجاه باب العربية، عقلي طار تماماً.. كل كبريائي وغروري اتبخروا في لحظة، ومحستش بنفسي غير وأنا بفتح باب الشقة وبرزعوا ورايا وبنزل السلم جري ثلاث درجات في خطوة واحدة كالمجنون.خرجت من مدخل العمارة بنهج وريقي ناشف، ووقفت قدامها فجأة قبل ما تفتح باب العربية، قطعت عليها الطريق وأنا باصص في وشها بصدمة وذهول مش قادر أداريهم.
الست الكبيرة والشاب اللي معاها بصوا باستغراب واستنكار، لكن أنا مكنتش شايف حد غيرها.. قربت منها خطوة وصوتي بيترج بالغيظ والحيرة: "شيرين!.. كنتي فين الشهر ده كله؟ ومين دول؟ والعربية دي بتاعة مين ورايحة فين بالظبط؟".كنت متوقع تترعب، تتهته، أو حتى تبص في الأرض زي ما كانت متعودة تعمل معايا.. بس اللي حصل جمد الدم في عروقي.شيرين بصتلي ببرود وثبات عمري ما شفتهم في عينها قبل كده، مفيهاش أي ملمح من ملامح الخوف أو الانكسار، وقالت بصوت هادي ورزين يرن في الشارع كله: "أظن ملكش أي صفة تسألني رايحة فين ولا جاية منين.
. علاقتي بيك انتهت يوم ما طلقتني ورميتني للشارع يا أحمد، وسّع من طريقي عشان مأخرش الناس المحترمة اللي واقفين معايا".الكلام نزل عليا زي الكرباج.. جيت أمد إيدي وأمسك دراعها بعصبية وأقولها: "أنا مبسبش حاجة تخصني تمشي كده من غير ما أفهم!"، وقبل ما صوابعي تلمس قماش فستانها، لقيت الشاب اللي معاها بيتدخل بحزم وقوة ويزق إيدي بعيد وهو بيقول بنبرة تحذير صارمة: "إيدك متتمدش عليها يا أستاذ، ولو فاكرها ملهاش حد يسأل عنها تبقى غلطان.. شيرين هانم دلوقتي في حمايتنا، وأي حركة زيادة منك هتعرف قيمتها كويس الست الكبيرة حطت إيدها على كتف شيرين بكل حنية وقالتلها: "يلا يا بنتي، بلاش نقف نضيع وقتنا مع ناس متستاهلش".
ركبت شيرين العربية بهدوء وهي باصة قدامها ومفكرتش حتى ترميلي نظرة تانية، وقفلوا الباب وتحركت العربية وسابتني واقف في نص الشارع.. مذهول، مكسور، ومهان قدام عيون أهل الحتة كلهم، بعد ما كنت فاكر إني أنا اللي كاسر عينها للأبد.وقفت في نص الشارع والتراب بيعفر على وشي، والناس بتبص عليا وبتتهامس.. أحمد الباشا اللي كان ماشي يتبغدد ومفيش حد مالي عينه، بقى أضحوكة ومتهزق قدام الحتة كلها.
طلعت شقتي ورزعت الباب، النــ,,ـــــار اللي في صدـ,,ـــري كانت هتحــ,,ـــــرقني.. مراتي الجديدة أول ما شافتني متبهدل كده جاية بدلعها الماصخ تسألني: "مالك يا أحمد في إيه؟"، زعقت فيها بصوت زلزل البيت وقولتلها تغور من وشي ومسمعش صوتها، حسيت بقرف منها ومن نفسي ومن كل خطة غبية عملتها.من الليلة دي، اتقلب السحر على الساحر.. وبقيت أنا السجين، وأنا اللي بزحف وأجري ورا خيالها.دخلت الاوضه وجبت ورقه وكتبت رقم العربيه ومن خلال معارفى عرفت اوصل للعنوان بتاعهاعرفت عنوان الفيلا، وبقيت أروح أركن عربيتي بعيد بالساعات تحت الشمس وفي عز البرد، زي الشحاتين.
. أستنى بس تلمح عيني طيفها وهي خارجة. أشوفها راكبة مع الهانم، لابسة أحسن لبس، وشها منور، بتضحك من قلبها، والسواق بيفتحلها الباب باحترام.. كل ما أشوف عزها ده، سكــ,,ـــــينة تتقطع في قلبي.بقيت أبعتلها رسايل من أرقام غريبة، أترجاها: "شيرين ردي عليا.. أنا ندمان.. أنا مستعد أطلق مراتي وأكتبلك الشقة باسمك وكل اللي تطلبيه.
. بس اديني فرصة واحدة أسمع صوتك".بس ولا رد، ولا حتى رنة، كل رقم أبعت منه يتعملي عليه بلوك في ثانية.فضلت مستني اللحظة اللي تخرج فيها لوحدها من غير حراسة ولا عربية بسواق.. وفي يوم شفتها طالعة من بوابة الفيلا رايحة لسوبر ماركت كبير على أول الشارع الراقي اللي هي ساكنة فيه، ماشية بخطوات هادية ومفيش حد معاها.نزلت من عربيتي زي الملسوع، وجريت وراها لحد ما دخلت شارع جانبي هادي، وقطعت عليها الطريق ووقفت قدامها فجأة وأنا بنهج وشكلي متبهدل، عيوني غايرة من قلة النوم وشعري منكوش وهدومي مبهدلة بعد ما كنت مبنزلش إلا على سنجة عشرة.
شيرين اتخضت في الأول، بس في ثانية ملامح وشها رجعت لنفس البرود والجمود اللي بي.ني. جيت أمد إيدي برجاء، ورجعت خطوة لورا وهي بتبصلي باشمئزاز ورافعة حاجبها.بلعت ريقي بصعوبة وصوتي كان بيترج بالغيظ والحسرة وعيني تايهة في تفاصيلها: "شيرين.. فهميني بس وارحميني من النــ,,ـــــار اللي بتاكل في نفوخي.. وصلتي لده كله إزاي؟ الهدوم دي، الفيلا، العربيات، والخدم اللي بيجروا وراكي.. إزاي الست اللي رميتها فوق السطوح وملقتش تمن شريط مسكن، تطلع فجأة وتبقى عايشة في العز ده كله في شهر واحد؟ عملتي إيه ومين دول؟!".بصتلي بنظرة كلها ثقة وسخرية، وابتسمت ابتسامة هادية حــ,,ـــــرقت دمي، وقالت بنبرة تقطع زي السيف: "عملت إني وكلت أمري لربنا يا أحمد.. الليلة اللي قفلت فيها بابك في وشي ورميتلي منديل وقوتك عامياك وفاكر إن رزقي في إيدك، وقعت مغمى عليا من السخونية في مدخل المستشفى الحكومى
طلقتى ٣
أمانى السيد
وهناك قابلت الست الهانم دي بالصدفة وهي كانت محتاجة حد أمين يراعي بنتها التعبانة ويدير حساباتها.. ولما شافت أصلي وشغلي القديم وشهاداتي اللي أنت كنت دافنها ومقعدني في البيت خادمة تحت رجليك، عوضتني عن كل يوم ذل وإهانة شفتهم معاك".سكتت ثانية، وقربت مني خطوة وعينيها بتبص في عيني مباشرة بقوة: "أنت كنت فاكر نفسك إله بترزق وتمنع، ونسيت إن العز والذل بإيد ربنا مش بإيد واحد ناقص زيك.. اللي أنت شايفه ده مش سحر، ده كرم ربنا لما بينجد المظلوم من تحت رجلين الظالم".وقبل ما أرد أو أنطق بحرف، شاورت بإيدها لأمن الكمبوند اللي كان مقرب من بعيد، ولفت ضهرها ومشيت وسابتني واقف مكاني زي الصنم، مصدوم ومكسور، وسامع صوت كلماتها بتتردد في وداني وبتدبح اللي فاضل من كبريائي.
رجعت البيت وأنا مش شايف قدامي.. الدم كان بيغلي في نافوخي كأنه زيت محروق، وعيني زغللت من كتر القهر. كل خطوة كنت بطلعها على السلم كانت بتفكرني بنظرة شيرين وبكلامها اللي نزل على كرامتي قطعها حتت. دخلت الشقة ورزعت الباب ورايا بكل غيظي، كنت كاره الحيطان، كاره العفش المدهب، وكاره نفسي قبل أي حاجة.. حسيت بمرارة الهزيمة، وإن كل لعبة رخيصة خططت ليها انقلبت فوق دماغي، والست اللي كنت دايس عليها بجزمتي طارت في السما وبقيت أنا اللي مرمي في قاع الأرض.في اللحظة دي، خرجت مراتي الجديدة من الأوضة، لابسة ومتمكيجة، وبتمشي بدلعها المايص اللي بقى يقلب بطني، قربت مني وحطت إيدها على كتفي وهي بتتمايل وبتقول بصوت ناعم ومستفز: "اتأخرت ليه يا بيبي؟
وحشتني.. سايبني طول النهار لوحدي ومبتسألش، وجيبتلي معاك إيه وأنت راجع؟".الكلمة مع الحركة دي فجرت بركان الغل اللي كان محبوس جوايا..زقيت إيدها بعنــ,,ـــــف خلى جسمها يترج، ومن غير أي مقدمات ولا تفكير، رفعت إيدي ونزلت على وشها بقلم طرقع في الصالة كلها. البنت صرخت ووقعت على الأرض وهي ماسكة خدها ومبرقة بعينيها من الصدمة والرعب، وبدأت تعيط وتقول بصوت بيترعش: "أنت اتجننت يا أحمد؟! بتضــ,,ـــــربني ليه أنا عملتلك إيه؟!".نزلت لمستواها ومسكتها من شعرها بكل قسوتي، وطلعت فيها كل نــ,,ـــــار شيرين، كل عجزي، وكل الهوان اللي شربته في الشارع، وزعقت في وشها بصوت مفزوع ومبحوح: "أنتي ولا حاجة!
فاهمة يعني إيه ولا حاجة؟! أنتي كنتي مجرد كارت رخيص بلعب بيه ورميته خلاص! لا حبيتك ولا عمري هحبك، وكل دلعك وقرفك ده ميسواش عندي مليم!".قومت وقفت وسبت شعرها، وبصيتلها باحتقار واشمئزاز ونطقت الكلمة اللي كانت بتغلي في زوري: "أنتي طالق بالتلاتة.. تلمي هدومك دي وقرفك وتغوري في ستين داهية من هنا قبل ما أعمل فيكي جناية!".سيبتها مرمية على الأرض بتصرخ وتولول من الصدمة، ودخلت البلكونة أتنفس بالعافية، بس حتى الهوا كان خانقني.. أدركت في اللحظة دي إني خسرت كل حاجة؛
طلقت مراتي التانية، والبيت بقى مقبــ,,ـــــرة ضلمة وباردة، وشيرين بقت في مكان عمري ما هعرف أطوله ولا حتى ألمس ترابه.مرت الأيام بعد الليلة دي، والشقة اللي كانت مليانة حس وزينة اتحولت لقبــ,,ـــــر موحش ومضلم.قعدت وسط الصالة الفاضية، الستايل المدهب والعفش الفخم اللي كنت بتباهى بيهم بقوا زي الخوازيق اللي بتفكرني بخيبتي. حتى شغلي أهملته، والمصايب بدأت تنزل فوق دماغي ورا بعض، والفلوس اللي كنت فاكر إنها مش هتخلص بدأت تتسحب من إيدي زي الرملة الناعمة.
وفي يوم، سمعت خبط على الباب.. قلبي دق للحظة بغباء، قولت يمكن شيرين حست بيا أو جاية تشمت فيا بنفسها، فتحت الباب بلهفة، لقيت محضر ومعاه إنذارات وإعلانات قضايا.شيرين مسبتش مليم من حقوقها.. رفعت قضايا بالمؤخر كله، ونفقة المتعة والعدة، وقائمة المنقولات بكل تفصيلة فيها، وتعويض محترم عن كل ضرر سببتهولها، وكل مليم استخسرته فيها زمان، القانون نزل يجرده مني بالحرف الواحد.اضطررت أبيع عربيتي عشان أسدد المبالغ اللي انحكم بيها عليها، والشركة اللي كنت شريك فيها خسرت نصيبي فيها بعد ما سمعتي بقت في الأرض ومراتي التانية رفعت هي كمان قضايا نفقة ومؤخر عشان تنهش اللي باقي مني.في يوم، كنت واقف في ممر المحكمة بعد جلسة تسوية، متبهدل، بهدومي البسيطة اللي انطفت، وشيرين خارجة من قاعة المحكمة زي الملكة.
. رافعة راسها، لابسة أشيك حاجة، ومحامي كبير ماشي جنبها بيناولها أوراق مستحقاتها اللي اتدفعت بالكامل.حاولت أمد إيدي وأقرب منها وأنا بهمس بصوت واطي ومكسور: "شيرين.. سامحيني، أنا خربت بيتي بإيدي وضيعت كل حاجة.. جردتيني من كل اللي حيلتي.. متقسيش عليا كده".وقفت شيرين وبصتلي في عيني بثبات مفيش فيه حتى ذرة غضب ولا حقد، وقالت بصوت هادي القاعة كلها سمعته: "الرحمة دي كانت في إيدك يوم ما جيتلك بترجاك على شريط مسكن وقفلت بابك في وشي ورميتلي منديل ورق.
. أنا مباخدش منك انتقام، أنا باخد حقي وحق شقايا اللي استكترته عليا بالقانون بس، وباقي حسابك عند اللي مبيغفلش".لفت ضهرها ومشيت بخطوات واثقة ونزلت لعربيتها الفخمة، وسابتني واقف في الممر.. مفلس، مكسور، ووحيد.. بعد ما كنت فاكر إني أملك الدنيا بالفلوس والمنظرة، بقيت قاعد في شقتي الفاضية على البلاط، بتمنى لو يرجع بيا الزمن وأبوس تراب رجليها قبل ما أضيعها بغبائي وظلــ,,ـــــمي. مرت سنتين كاملين، والحياة دارت دورتها وجابت عاليها واطيها..شيرين مخدتش فلوس القضايا وتصرفها على المظاهر، لأ.. الست الهانم اللي احتضنتها، وقفت جنبها بجد وفتحتلها الأبواب اللي كانت مقفولة في وشها، وبخبرة شيرين القديمة اللي أنا كنت دافنها ومضيعها في خدمة البيت والتحكم، شاركت الهانم في مشروع تصميم وأزياء راقي كان حلمها من سنين.
المشروع كبر وبقى علامة تجارية معروفة ليها فروع في أرقى المولات، وشيرين اتحولت لسيدة أعمال ليها وزنها واسمها في السوق، صورتها بقت تنزل في مجلات الموضة، والناس بتتهافت عشان تشتغل معاها أو تاخد موعد في شركتها. بقت هانم بجد، هانم بأصلها، ونجاحها، وتعبها اللي ربنا كافأها عليه بعد سنين الصبر والذل.وفي يوم، كنت ماشي في الشارع متبهدل ورايح أدور على شغل بسيط في محل بعد ما خسرت شركتي ورأسمالي كله، وفضلت عايش في شقة إيجار على قدي بعد ما بعت شقتي الفارهة عشان أسدد ديوني ونفقاتي.فجأة، لمحت افتتاح فرع جديد لبراند أزياء كبير، زحمة، وصحفيين، وكاميرات بتصور، وناس من علية القوم واقفين يباركوا.
وقفت وسط الناس اللي بتتفرج من بعيد زي أي غريب في الشارع، وفجأة شوفت شيرين..كانت نازلة من عربيتها، بكامل أناقتها وهيبتها، فستان بسيط وراقي جداً، ومبتسمة ابتسامة نجاح وهدوء مفيهاش أي تصنع. أول ما دخلت، الناس صفقت بحرارة والكل كان بيقرب يسلم عليها باحترام ويقولها: "مبروك يا شيرين هانم، مشروعك بقى حديث البلد كلها".بصيت على نفسي في إزاز المحل اللي جنبي، لقيت وشي دبلان وهدومي مبهدلة ونفسي مكسورة.. وافتكرت اليوم اللي وقفت فيه في البلكونة أستعرض عليها بمراتي والدهب والضحك، واليوم اللي رميتلها فيه منديل ورق في وشها وقولتلها إنتي شحاتة..عرفت في اللحظة دي إن العز مش بالفلوس اللي بتتسرق والمنظرة الكدابة، العز الحقيقي لما ربنا يرفع المظلوم وينزلك أنت للتراب عشان تشوفه وهو في قمة مجده وأنت مش طايل حتى تلقي عليه السلام.


تعليقات
إرسال تعليق