مدرسة كامله حكايات رومانى مكرم
مدرسة كامله حكايات رومانى مكرم
مراتي مدرسه وبتدي دروس خصوصيه ودخلها الشهري حوالى 32الف جنيه وشايله مبلغ كبير في البنك ، وانا شغال موظف باخد 11الف امى قالت كلم مراتك تشترى لاخوك يتجوز فيها هى عارفه الظروف وانت وهى ربنا موسع عليكم قالتلها حاضر واول ما كلمت مراتى
رفضت نهائى ، وقالت دى فلوسى وفلوس اولادى امى لم سمعت زعقت فيها معها وقالت هنقعدك من الشغل ده الى مسكك فلوس
أنا عاصم، موظف غلبان في شركة حكومية، بقبض 11ألف جنيه، وبمشي بيتي بالورقة والقلم والمليم عشان نعدي الشهر من غير ما نمد إيدنا لحد. مراتي بقى، نجلاء، مدرسة لغة إنجليزية.. شاطرة، لهلوبة، وبتشتغل ليل مع نهار. دروسها الخصوصية مخلية دخلها في الشهر يلمس اتنين وتلاتين ألف جنيه، ده غير قرشين حلوين شايلاهم في البنك من وتعبها طول السنين اللي فاتت. عمري ما غرت منها ولا بصيت في جيبها، بالعكس، كنت طول عمر بتباهى بيها وبأدبها، لحد ما أمي حشرت نفسها في النص.
من يومين، أمي جات زارتنا، قعدت تشرب الشاي وعينيها بتلف في أركان ، وفجأة بصت لي وقالت بنبرة أمر مافيهاش مراجعة: “بقولك إيه يا عاصم.. أخوك مازن قفل الثلاثين سنة ومش عارف يتجوز، والأسعار برة نار بتكوي. كلم مراتك تشتري له فيها.. هي عارفة البير وغطاه وظروفنا على القد، وإنت وهي ربنا موسعها عليكم والحمد لله، والقرشين اللي في البنك مش هيجرى لهم حاجة لو سترتوا بيهم أخوك”.
الكلام نزل عليا زي الدش الساقع. اتحرجت ودمي هرب من وشي، بس قدام زَنّ أمي وهيبتها اللي مقدرش أكسرها، قلت لها بحرج: “حاضر يا أمي.. هكلمها وشوف”.
بالليل، دخلت أوضة النوم لقيت نجلاء قاعدة بتصحح كشكول التحضير بتاعها. قعدت جمبها وبلعت ريقي وبدأت أفتح معاها السيرة على استحياء. نجلاء سابت القلم من إيدها براحة، وملامحها اتغيرت مية وثمانين درجة. بصت لي بنظرة حامية وقالت بصوت واطي بس حاد زي الموس:
حاولت أهديها وأقول لها طب وفكري، بس كانت زي الصخر. وتاني يوم الصبح، أمي جات عشان تاخد الرد. مقعدناش دقيقتين، ونجلاء واجهتها بالرفض عيني عينك وبكل وضوح.
هنا بقى، الدنيا ولعت نار. أمي وقفت في وسط الصالة وصوتها جاب آخر الشارع، وعينيها بتطق شرار وبقت تصرخ في نجلاء: “بقى بتكسري كلمتي؟ الفلوس عمت عينيكي ونستك أصلك وفصلك! لولا ابني اللي مأمنك ومقعدك في بيته ما كنتِ عملتي القرشين دول ولا شفتيهم.. قسمًا بالله لنقعدك من الشغل ده خالص، الشغل اللي خلاكي تشوفي نفسك علينا وتمسكي فلوس وتتحكمي فينا وفي عيالنا!”
نجلاء مقفتش ساكتة، ردت بقوة عمري ما شفتها فيها قبل كده: “الشغل ده تعبي وعرقي ومحدش له جميل عليا فيه غير ربنا.. ومش هسيبه لو حصل إيه!”
الخناقة خلصت على إن أمي سابت البيت وخرجت وهي بتدعي وتتحسبن ، وسابت وراها شرخ كبير في البيت. طول الليل، الصمت كان تلوت في ، صمت تقيل يخوف، زي الهدوء اللي بيجي قبل الإعصار ما يطير السقوف.
وفي الصباح، وأنا بلبس قميصي عشان أنزل الشغل، لقيت نجلاء واقفة عند الباب، ملامحها هادية هدوء يقلق، وقالت لي: “عاصم.. أنا فكرت في الحوار ده تاني، وعندي حل وسط عشان المركب تمشي وعشان مامتك متبقاش شايلا منا”.
لفيت ليها بلهفة وفرحة وقلت: “بجد يا نجلاء؟ إيه هو؟ ريحي قلبي”.
مبقتش عارف أقول إيه. الكلام ريحته تجارة وفلوس، بس قلت مخرج ذكي يرضي كل الأطراف. أخدت نفسي وطلعت التليفون وكلمت أمي عل طول، وفهمتها الطرح اللي قالته نجلاء، وأنا فاكر إن الأزمة خلاص بتتحل.
بس الرد جالي قنبلة فجرت ودني. أمي صرخت في التليفون بصوت زلزل كياني:
“إيه؟! تسكّن ابني إيجار في تمليك لأخوك وتتكتب باسمه، يا إما الست دي متقعدش في بيتك ليلة واحدة، وبيني وبينها الأيام!”
#الكاتب_رومانى_مكرم_
أمي رزعت السكة في وشي. لفيت ورايا، لقيت نجلاء واقفة في ضهري بالملي، وسامعة كل كلمة اتقالت من سماعة التليفون. ابتسمت ابتسامة باردة كلها تحدي، وقالت كلمتين اتنين بس: “تمام.. كده اللعب بقى على المكشوف”.
هل عاصم هيقدر يقف قدام أمه ويحمي بيته ومراته؟ ولا ضغط أمه هخليه يضعف بيته بإيده؟ ونجلاء.. بعد ما قالت “اللعب بقى على المكشوف”، يا ترى ناوية على إيه عشان تحمي شقا عمرها وفلوس عيالها؟
الحرب لسه في أولها، واللي جاي هيقلب كل الموازين
وقف عاصم في منتصف الصالة كالمشلول، الهاتف في يده يصدر صوت صفير الانقطاع التقيل، والسكوت خيم على كأنه كفن. نجلاء كانت واقفة على بعد خطوات، نظراتها الثابتة وابتسامتها الباردة تحولت لدرع فولاذي. لم تعد تلك الزوجة الهادئة التي تصحح كشاكيل طلابها برقة، بل تحولت لامرأة تدافع عن كيانها وشقا عمرها بضروسها.
“تمام.. كده اللعب بقى على المكشوف.”
قالتهما وانسحبت بمنتهى الهدوء إلى غرفة النوم، أغلقت الباب خلفها بصوت تكّته كانت بمثابة إعلان حظر تجول داخل البيت. عاصم فضل واقف مكانه، عرق بارد ينزل من جبهته، صدمته في موقف أمه وأسلوبها تتصارع مع حيرته وخوفه من خراب بيته. 11 ألف جنيه مرتبه الحكومي كانوا يكفون بالعافية لإطعام أفواه، لكنهم أبداً لا يبنون حائطاً يحميه لو انهار هذا الزواج.
خرج عاصم من المنزل يجر قدميه جراً نحو عمله، لكن عقله لم يكن في مكتبه ولا بين أوراق الشركة. التليفون لم يتوقف عن الرنين؛ أمه كانت تتصل كل نصف ساعة لتزيد حطب النار، وعماته دخلن على الخط بناءً على استدعاء عاجل من الأم لتمثيل جبهة “كرامة العائلة”.
في المساء، عاد عاصم وهو يحمل ثقل الجبال على كتفيه. أول ما فتح باب ، وجد الهدوء يخيم على المكان، لكنه هدوء محمل برائحة الحسم. نجلاء كانت تجلس في الصالة، وأمامها جدول مواعيد دروسها، وعلى الطاولة ملف أزرق بلاستيكي.
جلس عاصم أمامهما وقال بنبرة مكسورة:
“نجلاء.. كفاية بقى، خلينا نلاقي حل. أمي غاضبة والبيت هيتخرب.”
رفعت نجلاء رأسها، وبنبرة خالية تماماً من العاطفة قائلة:
“عاصم، بيتك مش هيتخرب بسببي، بيتك بيتخرب عشان فيه حد فاكر إن ومستقبل عيالي مشاع ومستباح. أنا عرضت حل يستر أخوك ويوفر له سكن بحق الله وبما يرضي الله، وأمك رفضته عشان هي مش دورها تستر ابنها، هي عاوزة تكسرني وتثبت سيطرتها. ومن لحظة ما قالت ‘اللعب بقى على المكشوف’.. يبقى لازم تعرف قواعد اللعبة الجديدة.”
فتحت الملف الأزرق وسحبت منه ورقة، ثم وضعتها أمامه:
“دي كشوفات الحسابات البنكية الخاصة بيا، وشهادات الاستثمار. ومن بكرة الصبح، أنا هسحب نصف المبلغ ده وأحوله لحساب باسم ولادي بشرط عدم التصرف فيه إلا بعد بلوغ سن الرشد. والنص التاني، أنا بدأت فعلياً أفرضه في إجراءات شراء قطعة أرض صغيرة في نطاق المدينة للتعمير لحسابي الخاص. يعني مفيش ولا جنيه هيفضل سايب في البنك عشان حد يطمع فيه أو يضغط عليك بسببه.”
اصفر وجه عاصم وقال بذهول:
“أنا عمري ما طمعت في فلوسك يا نجلاء! ليه بتعملي معايا كدة؟”
ردت بقوة وهي تنظر في عينيه مباشرة:
“عارفة يا عاصم إنك مش طماع، بس أنت ضعيف. وضُعفك ده هو الشباك اللي أمك بتدخل منه عشان تنهبني. ولما أنت تكون ضعيف ومش قادر تحميني، أنا اللي لازم أحمي نفسي وعيالي. ومن بكرة، مصروف البيت هيرجع كاملاً عليك أنت من مرتبك الـ 11 ألف جنيه. أنا مش هدفع مليم واحد في أكل وشرب وصيانة بيتك، عشان تعرف إن الفلوس اللي كنت بساعدك بيها وبشيل بيها عنك، كانت فضل مني وتكرّم.. مش فرض عليّ!”
سقطت الكلمات كالصاعقة على عاصم. المصروف الشامل للبيت، والدروس الخصوصية للأولاد، والرفاهيات التي كانوا يعيشون فيها، كانت تدعمها نجلاء بصمت. إعادة تحكيم المصاريف لتعتمد على مرتبه فقط يعني أنه سينكشف تماماً ولن يتبقى من مرتبه جنيه واحد في منتصف الشهر.
في اليوم التالي، بدأت الحرب الفعلية. أمه لم تنتظر، بل جمعت كبار العائلة؛ عمه الحج متولي، وعمته أميرة، وجاءوا جميعاً في زيارة غير متوقعة للمنزل في السابعة مساءً.
دخل الجميع وجلسوا في الصالة بنظرات متجهمة. أم عاصم كانت تجلس في الصدارة، عيناها تطقان كبراً، ومازن أخوه يقعد في الزاوية مظلوماً ومكسور الخاطر كما صور نفسه للجميع.
قال العم متولي بصوت فخم محاولاً فرض الهيبة:
“يا نجلاء يا بنتي.. عاصم ابننا وأنتِ مراته وواحدة مننا. العيلة ملهاش إلا بعضها، ولما ربنا يوسع على حد في البيت، المفروض يشيل الباقين. أخو جوزك محتاج يقف على رجليه، والقرشين اللي معاكي كتر خيرك لو سترتيه بيهم، وده أصل المودة بين الأسر.”
خرجت نجلاء من المطبخ وهي تحمل صينية الشاي، وضعتها على الطاولة ببرود، وجلست بكل ثبات، ولم تظهر أي ارتباك أمام الهجوم الجماعي.
قالت بثبات شديد:
“أهلاً بيكم يا حج متولي. بس معلش، المودة غير الاستغلال. الأصول بتقول إن الراجل هو اللي يتعب ويشتغل ويجهز نفسه، مش ييجي ياخد تمليك لمازن؟ بصفة إيه؟ وبأي حق؟”
انفجرت العمة أميرة قائلة:
“بصفة إنك مرات أخوه! والفلوس دي لميتيها من بلدنا ومن عيالنا اللي بيدوا عندك دروس! لولا اسم عاصم ورضاه عن نزولك للشغل، ما كنتِ عملتي قرش!”
ابتسمت نجلاء ابتسامة ساخرة وقالت:
“اسم عاصم على رأسي، بس اسمي وعرقي وشغلي هما اللي نجحوني. أنا مدرسة أولى لغة إنجليزية، والناس بتجيلي عشان بتعلم، مش عشان أنا مدام عاصم. وبعدين يا عمتي، لما الحج متولي جوزك اشترى العمارة الأخيرة، كتب منها لأخوه؟ ولا أختك لما ورثت كتبتها لولاد جوزها؟ اشمعنى لما تيجي عندي أنا تبقى ‘أصول ومودة’، ولما تروح عندكم تبقى ‘حق حلال عمر’؟”
“يا أمي حرام عليكي! ليه تحطيني في الخيار ده؟ نجلاء مراتي وأم ولادي، وعمرها ما قصرت معايا، والفلوس دي فلوسها بجد، محدش يقدر يجبرها على حاجة.”
صرخت الأم:
“يعني اختارتها هي وبعت أمك؟ ماشي يا عاصم.. طالما بعتني عشان فلوسها، يبقى إنت مش ابني، ومازن مالوش أخ!”
قامت الأم متجهة نحو الباب، وتبعها العم والعمة ومازن الذي ينظر إلى عاصم بنظرات احتقار وتشفى. عاصم حاول إمساك يد أمه ليستسمحها، لكنها دفعتها بقوة وخرجت وهي تصرخ في الممر: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا بنت فلان، خربتي البيت وعقيتي الابن!”
أُغلق الباب بصوت مدوٍّ. سقط عاصم على أقرب كرسي وهو يضع وجهه بين يديه، يبكي بحرقة وسكت تام.
أما نجلاء، فلم تتقدم لتربيطه أو تطيب خاطره؛ بل وقفت على بُعد خطوات، وقالت بنبرة شديدة الجدية والوضوح:
“عاصم.. أنا مقدرة موقفك والضغط اللي اتعرضت له، بس لازم تفهم حاجة واحدة. لو كنت اتراجعت النهارده ووافقت تضغط عليّ عشان ترضي أمك، كنت هتخسرني وتخسر بيتك للأبد. أمك مش زعلانة عشان أخوك محتاج .. أمك زعلانة لأنها اكتشفت إنها مش قادرة تحركك بالريموت كنترول وتتحكم في مالي وفي حياتنا.”
رفع عاصم رأسه وعيناه ممتلئتان بالدموع وقال بصوت خافت:
ردت نجلاء بكل حسم:
“أنت مش عاق يا عاصم. أنت راجل بتصون بيتك وحق مراتك ولادك. البر مش معناه إنك عشان ترضي أوهام السيطرة عند أهلك. البر إنك تصالح أمك بالكلمة الطيبة والواجب، بس بحدود خط أحمر ميتخطاهوش حد.. والخط الأحمر ده هو بيتي، وفلوسي، وكرامتي.”
مرت الأيام القادمة ثقيلة كالرصاص. شائعات وافتراءات بدأت تنتشر في العائلة وفي المنطقة. أم عاصم لم تسكت، بل بدأت تشيع بين الجيران والأقارب أن نجلاء استغلت ابنها الموظف الغلبان، وسرقت فلوسه، وركبته، وحرمته من بر أهله.
بدأ بعض زملائه في الشركة ينظرون إليه بنظرات مريبة، وبعضهم يلمح بكلمات سخيفة عن “الراجل اللي مراته مشياه”. كان عاصم يتحرق إحراجاً وألماً، لكنه حين يعود للبيت يجد نجلاء مستمرة في خطتها الصارمة.
قامت نجلاء بتطبيق قرارها المالي فوراً:
تركت لعاصم إدارة مصروف البيت بالكامل من مرتبه الـ 11 ألف جنيه. في نهاية الأسبوع الأول، وجد عاصم نفسه عاجزاً عن شراء الفواكه المعتادة، وشراء المستلزمات اليومية التي كانت نجلاء تتكفل بها بغير حساب. شعر لأول مرة بالفرق الشاسع بين الحياة التي كانت توفرها له بمالها، وبين الواقع المتردي لمرتبه وحدوه
لكن المفاجأة الكبرى التي لم يحسب لها أحد حساباً، جاءت من اتجاه آخر لم يخطر ببال عاصم ولا أمه.
في أحد أيام الثلاثاء، وبينما نجلاء في المدرسة، تلقت اتصالاً هاتفياً من المحامي الخاص بها.
أخبر المحامي نجلاء أن أم عاصم، وبتحريض من الحج متولي، ذهبت إلى الإدارة التعليمية وقدمت شكوى رسمية وشكوى للنيابة الإدارية ضد نجلاء، تتهمها فيها بإعطاء دروس خصوصية غير قانونية داخل ، واستغلال وظيفتها الحكومية لجمع
لم تكتفِ الأم بقطع الرحم، بل أرادت تدمير نجلاء قال عاصم وهو يرتجف:
“نجلاء! أنتِ عرفتي اللي أمي عملته؟ أنا آسف.. أنا مش قادر أصدق إن أمي توصل للدرجة دي! أنا هروح لها حالا وأصرخ في وشها، دي عاوزة تخرب بيتنا وتقطع عيشك!”
قامت نجلاء ببطء، ورفعت يدها لتوقفه:
“اقعد يا عاصم.. واهدا خالص. صراخك مش هيعمل حاجة، ومحاولات الاستعطاف انتهت خلاص. أمك فاكرة إنها بالشكوى دي هتلوي دراعي وتهددني بلقمة عيشي عشان أستسلم وأسيب الفلوس.. بس هي ما تعرفش إن أنا مش عبيطة، ومش شغال بأسلوب عشوائي.”
“أنا من سنتين مقننة أوضاعي تماماً، ومؤسسة سنتر تعليمي خاص مرخص رسمياً باسمي وببطاقة ضريبية وسجل تجاري، ودفاتري المنتظمة بتسدد الضرائب أولاً بأول، والدروس اللي بديها أوراقها سليمة 100%. الشكوى دي مش هتأذيني في فتلة.. بس الشكوى دي ادتني الحق القانوني والشرعي إني أرد، وبكل قوة.”
سأل عاصم وهو يبتلع ريقه الخائف:
“تردي إزاي يا نجلاء؟ ناوبة تعملي إيه؟”
فتحت نجلاء الدرج وسحبت حافظة أوراق رسمية، وقالت بصوت كالصلب:
“أخوك مازن اللي عاوز يتجوز فيها شغال في شركة مقاولات بدون عقد رسمي وبيدخل له مبالغ كبيرة من ورا تحت البلاطة، وعمك متولي بانى الدورين الأخيرين في عمارته بدون ترخيص ومخالف للقانون ومتهرب من الضرائب العقارية.. وأمك نفسها كاتبة المحل اللي ورثته عن أبوك باسم مازن حرماناً لك أنت ولأختك من حقكم في الإرث الشرعي، وده ورق مثبت وموجود معايا من زمان بس كنت ساكتة عشان خاطرك.”
ارتعد عاصم وقال:
“نجلاء.. أنتِ هتبلغي عنهم؟”
ردت نجلاء وهي تنظر في عينيه بصلابة لم يرها من قبل:
وقف عاصم مذهولاً بين نارين: أمه التي تسعى لتدمير زوجته بجهل وغل، وزوجته التي تملك والمستندات لتدمير عائلته بالقانون.
أصبح عاصم يعلم أن اللحظة الحاسمة قد اتت، وأن الحصار قد اكتمل، وأي خطوة خاطئة منه الآن لن تؤدي فقط إلى الطلاق، بل إلى دمار شامل يلعف بالعائلة كلها.
مدرسة 2 حكايات رومانى مكرم
مرت تلك الليلة على عاصم كأنها مقيم. لم يستطع غمض عينيه لدقيقة واحدة، كان يتقلب في فراشه بينما نجلاء تنام بجواره بثبات عجيب، ثبات الثقة والقدرة على المواجهة. وفي الصباح الباكر، وقبل أن تشرق الشمس، حسم عاصم أمره؛ لم يعد هناك مجال للوقوف في المنطقة الرمادية، فإما أن يتحرك لإيقاف هذه فوراً، أو يستيقظ على شامل يلتهم الجميع.
خرج عاصم من البيت دون أن ينبس ببنت شفة، وتوجه مباشرة إلى منزل أمه. كان قلبه يدق وهو يصعد . فتحت له أمه الباب، وكانت ملامحها تشع بالنصر والتشفي، ظناً منها أن الشكوى التي قدمتها في الإدارة التعليمية قد آتت أكلها، وأن ابنها جاء ليستسلم ويجبر زوجته على شروطها.
قالت الأم بنبرة شمتانة:
دخل عاصم بخطوات ثقيلة وسريعة، وأغلق الباب خلفه بقوة جعلت الأم تفزع، وجلس على أول كرسي وهو ، ثم أخرج من جيبه أوراقاً كانت نجلاء قد تركتها على المكتب، وقال بصوت لم تعهده أمه منه طوال حياته:
“أمي.. أنتي فتحتي على نفسك وعلى العيلة كلها أبواب ! أنتي فاكرة إنك بالشكوى دي نجلاء؟ نجلاء أوراقها سليمة مية في المية، سنترها مرخص، .. الشكوى دي مش هتأذيها في فتلة، بس هي ناوية تعمل إيه؟”
تغيرت ملامح الأم من التشفى إلى التوجس، ودخل مازن من مستغرباً من صوت أخيه العالي:
“في إيه يا عاصم؟ مالك داخل تعمل زيطة ليه؟”
وقف عاصم ووجه كلامه لمازن ولأمه بصرامة:
“الزيطة دي يا مازن هتدخلك السجن أنت وعمي متولي! نجلاء معاها ملف كامل عن شغل بتاعك اللي شغال فيه بدون عقود ومتهرب من ضرائبه، ومعاها ملف بالمخالفات والبناء بدون ترخيص في عمارة عمي متولي.. ده غير أوراق المحل اللي أمي كتبته باسمك وحرمتني أنا وأختي منه! بكرا الصبح الأوراق دي كلها هتكون قدام النائب العام وهيئة النيابة الإدارية والضرائب العقارية، لو الشكوى اللي ما اتسحبتش فوراً!”
شحب وجه مازن، وسقطت الأم على الكنبة بذهول، وقالت وهي :
“أنت.. أنت جاي تهدد أمك وأخوك عشان خاطر الست دي؟ معقولة الفلوس عملت فيكم كدة؟”
رد عاصم بدموع الحزن والغضب:
“أنتي اللي عملتي كدة يا أمي! أنتي اللي ما اكتفيتيش إنك تطلبي حاجة مش من حقك، أنتي أردتي تخربي بيتي وتقطعي عيش مراتي اللي صايصاني وصايصة ولادي! نجلاء عرضت تجوز مازن وتوفر له سكن محترم وبإيجار رمزي، وأنتي رفضتي عشان أوهام السيطرة! دلوقتي قدامكم حل واحد مالوش تاني.. تروحوا بكرة الصبح الإدارة التعليمية وتعملوا تنازل رسمي عن الشكوى، وتتعهدي يا أمي إنك ما تتكلميش في موضوع بالقانون وأنا مش هقف في طريقها!”
عادت نجلاء من عملها في المساء، وعلى وجهها ابتسامة نصر هادئة. دخلت الصالة ووجدت عاصم يجلس منتظراً. وضعت حقيبتها وقالت:
“أنا عرفت إن الشكوى اتسحبت يا عاصم.. ومحامي عمك كلم المحامي بتاعي وبيستسمحه.”
نظر إليها عاصم بتعب وقال:
“أنا عملت اللي عليّ يا نجلاء.. حفظت كرامتك وحميت بيتنا، وأمي عرفت حدودها كويس ومش هتقرب منك تاني. أظن كدة اللعب المقفول يرجع تاني، ونرجع نعيش في سلام؟”
ردت نجلاء وهي تقترب منه وتضع يدها على كتفه بجدية:
“السلام مش هيتحقق لمجرد إننا خمدنا الحريقة يا عاصم.. السلام هيتحقق لما القواعد تتغير بجد. أنت أثبت النهارده إنك راجل وقدرت تقف في الوش، وده خلاني أحترمك أكتر.. بس أنا مش هنسى إننا وصلنا للمرحلة دي بسبب ضعف موقفك في البداية.”
سألها بوجل:
“يعني إيه يا نجلاء؟ ناوبة على إيه تظني؟”
قالت بثبات:
تنفس عاصم الصعداء، وشعر كأن جابلاً أزيح عن صدره. رغم الأذى والشرخ الذي حدث في علاقته بأمه، إلا أنه علم أن بيته وكرامته وحق زوجته قد تم صونهم بحزم.
مرت الأسابيع، وعاد الهدوء التدريجي إلى ، ولكن هدوءاً مختلفاً؛ هدوءاً يقف على أرض صلبة من الحدود المتبادل. ومازن للبحث عن عمل إضافي على نفسه لشراء ، بينما تعلمت الأم بأن لا تُبنى بكسر إرادة النساء، وأن ابنها رغم بره بها، لن يسمح بخراب بيته.
جلس عاصم في المساء يشرب الشاي بجوار نجلاء وهي تصحح كراسات ، فنظر إليها وقال ابتسامة خفيفة:
“تعرفي يا نجلاء.. أنا اتعلمت الدرس كويس.”
ردت دون أن ترفع عينها عن الكراسة:
“درس إيه يا عاصم؟”
قال بصدق:
“إن الست لما تصون شقاها وتدافع عن بيتها بعقل وقوة، راجل بيعرف يحميها.. والبيت اللي يتأسس على الأصول والحدود، ما أي عاصفة.”
عادت الحياة إلى مجراها الظاهري في عاصم ونجلاء، لكن الشروخ التي أحدثتها العاصفة لم ، بل غاصت تحت السطح لتتحول إلى جمر يتأكل تحت الرماد. استقر النظام المالي الجديد في البيت، وصار عاصم يتعلم كيف يدير نفقاته دقيقة، وعادت نجلاء لتواصل عملها في سنترها التعليمي بثقة أعمق ووجود أقوى، بعدما أثبتت للجميع أنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه أو .
لكن التهدئة لم تكن تعني الاستسلام بالنسبة لأم عاصم. التي اعتادت طوال حياتها أن تكون كلمتها هي السيف المسلط على أبنائها، لم تحتمل مرارة . سحب الشكوى من الإدارة التعليمية وخوفها من التبعات القانونية لم يزدها إلا غلاً في الانتقام، لكن هذه المرة قررت نقل من جبهة والقانون إلى جبهة النفسية .
بدأت باللعب على الوتر الأكثر لدى عاصم: صلة الرحم وإحساس الذنب. قطعت الاتصال به تماماً، وامتنعت عن الرد على مكالماته الهاتفية. وحينما كان يذهب إلى بيتها محاولاً التودد واستسماحها، كانت تترك الجيران له الباب ليخبروه بأنها “وطريحة بسبب حزنها على ابنها”.
انتشرت الأخبار في العائلة كالنار في الهشيم. بدأت الاتصالات تترادف على عاصم من في الصعيد وفي القاهرة؛ اتصالات توبخه وتصفه بـ “فضل مال زوجته على رضا أمه جبهتها. كان الموقف يضغط على عاصم بشكل يومي، ويجعله يعيش من النفسي .
في إحدى الليالي، عاد عاصم إلى البيت وجهه شاحب وعيناه محاطتان بهالات سوداء. جلس على الأريكة دون أن يخلع حذاءه، وغطى وجهه بيديه. اقتربت منه نجلاء وهي تحمل كوباً من الماء، وقفت أمامه وقالت بنبرة هادئة لكنها فاحصة:
“وبعدين يا عاصم؟ هفضل شايفاك بتموت كل يوم بالبطيء عشان تمثيلية أمك؟”
رفع عاصم رأسه، وكانت نظراته مزيجاً من العتاب والعجز:
“دي مش تمثيلية يا نجلاء.. أمي فعلاً تعبانة، الضغط عندها مش مستقر، والناس كلها بتاكل في وشي. أنتِ مش حاسة بالحمل اللي عليا، أنا حاسس إني مقسوم نصين، نص مع بيتي وعيالي، ونص تحت رجلين أمي اللي خايف وهي غضبانة عليا.”
جلس نجلاء أمامه ورتبت على ركبتيه بصلابة:
“أنا حاسة بيك أكتر من أي حد يا عاصم، بس لازم تفهم الفرق بين الفعلي، وبين استغلال المرض عشان تتلوى إيدك. أمك مش عيانة من الحزن، أمك عيانة لأنها مش قادرة تتقبل إن فشلت، وإنك بقيت راجل ليك كلمة وبيتك له حرمة. لو ضعفت دلوقتي، كل اللي عملناه يتهد، وهنرجع لنقطة الصفر، بس المرة دي هتكون النتيجة البيت بجد.”
لكن القشة التي قصمت ظهر البعير جاءت بعد أسبوع واحد. استغل مازن حالة التوتر، وبدعم من أمه وبتحريض من العم متولي، قرر اتخاذ خطوة لإحراج عاصم ونجلاء فرضاً للأمر الواقع.
في يوم الجمعة، وبينما كانت نجلاء تجهز الغداء وأبناؤها يدرسون في غرفهم، رن جرس الباب بقوة واستمرار. فتح عاصم الباب ليفاجأ بمازن يقف في الممر ومعه خطيبته ووالدها، وحقائب سفر صغيرة!
دخل مازن بدنس ورعونة وقال بصوت عالٍ ليسمع من في البيت:
“ازيك يا عاصم.. معلش جينا على . حمايا أصر ييجي يشوف اللي هنأجرها من نجلاء هانم، وعشان نكتب العقد الابتدائي ونخلص، أصلنا خلاص حددنا ميعاد الفرح البرانية غالية علينا!”
استشاط عاصم غضباً ورعشة تملكته، بينما خرجت نجلاء من المطبخ وهي تمسح يديها بفوطة صغيرة. لم ولم تتراجع، بل مشت بخطوات واثقة ونظرت إلى الضيوف بعيون باردة.
قال والد خطيبة مازن بنبرة فيها :
“أهلاً يا مدام نجلاء.. مازن حكالي عن العرض بتاعك، وإنك هتراعيه في وتعملي له خصم عشان هو أخو الأستاذ عاصم. احنا جينا نشوف الشقة ونقعد نتفق على العقد والتخفيض، ونشوف الشروط اللي تناسبنا.”
“أهلاً بيك يا فندم.. بس واضح إن الأستاذ مازن نسى ينقلكم الصورة صح، أو حب يستغل وجودكم عشان يفرض عليا أمر واقع.”
التفتت نجلاء إلى مازن وقالت بصوت صلب سمع كل من في الصالة:
وقع الكلام كالصاعقة على والد الخطيبة، الذي التفت لمازن بغضب عارم:
“إيه الكلام ده يا مازن؟ أنت جريبنا هنا عشان تتهزق؟ مش قلت لي الشقة مضمونة ومحلولة والمدام مرحبة؟”
تعلثم مازن واحمَرّ وجهه خجلاً وغيظاً، وصرخ في نجلاء:
“أنتِ كدابة! أنتِ بتعملي كدة عشان تذليني وتفضحينا قدام الناس! يا عاصم اتكلم! ساكت ليها ليه؟ شايف مراتك بتعمل إيه في أخوك؟”
هنا، ووسط هذا الموقف المخزي، حدث شيء لم تتوقعه نجلاء ولا مازن.
تقدم عاصم بخطوة ثابتة، ووقف في المنتصف بين أخيه وزوجته. خفتت نبرة العجز من صوته، وحلت محلها قوة رجل أدرك أخيرًا أن كرامته وبيته يُستباحان جهاراً نهاراً.
نظر عاصم في عين مازن وقال بصوت هادئ لكنه :
“نجلاء مش كدابة يا مازن.. أنت اللي كداب وأنا اللي سكت لك كتير. أنت جاي هنا فاكر إنك بتلوي دراعي وتستغل عشان تحرجنا؟ دي ملك مراتي وشقاها، وهي حر تصرف فيها. عليك بحسنى وزقيت أمك ترفضه ، ودلوقتي جاي تتضايف وتتباكى؟ اتفضل خذ ضيوفك واخرج برة بيتي، وما تعتبش دي تاني إلا لما تتعلم الأصول لمراتي عن كل كلمة قلتها أنت وأمك!”
ذهل مازن من رد فعل أخيه، وصدم والد الخطيبة الذي أخذ ابنته من يدها وخرج وهو يتمتم بكلمات الغضب والسيطرة، وتبعهما مازن وهو يسب ويهدد مرتفع في السلم.
أُغلق الباب. خيم السكون على .
التفتت نجلاء إلى عاصم، وكانت عيناها تتألقان بنظرة جديدة تماماً؛ نظرة لم تكن موجودة طوال أشهر الأزمة. كانت نظرة تقدير واحتزام حقيقي للرجل الذي اختار أخيراً أن يكون حائط الصد الأول لبيته، ودون أن تنتظر منه إثباتات أخرى.
سار عاصم نحو الكنبة وسقط عليها بتعب، لكن ملامحه كانت شجاعة ومستقرة. اقتربت نجلاء منه وجلست بجواره، وأمسكت بيده بقوة وقالت:
“النهارده بس يا عاصم.. أنا حسيت إن لي راجل يحميني ويحمي البيت ده من أي عاصفة. أنت كبرت في نظري أكتر من أي وقت فات.”
تنفس عاصم بعمق وقال:
“أنا خسرت أمي وأخويا يا نجلاء؟”
ردت نجلاء بثبات ودعم:
“أنت ما خسرتهمش يا عاصم.. أنت ربيتهم على الأصول. أمك وأخوك كانوا فاكرينك ملطشة، ولما يعرفوا إنك بقيت راجل ليك كلمة ومبتسمحش بحد يركبك أو يهين بيتك، هما اللي هيرجعوا يدوروا عليك ويستسمحوك، بس المرة دي بشروطك أنت.. بشروط احترام بيتك ومراتك.
لكن القصة لم تنتهِ هنا. ففي المساء ذاته، ورد اتصال هاتفي غير متوقع على تليفون عاصم. كان المتصل هذه المرة ليس مازن ولا أمه، بل عمه الأكبر “الحج رزق”، كبر العائلة المقيم في الصعيد، والذي كانت أمه تخشى كلمته وتحسب لها ألف حساب!
قال العم رزق بصوت رخيم وصارم عبر الهاتف:
“يا عاصم يا ابني.. الكلام اللي وصلني من القاهرة ده ما يسكتش عليه. أمك ومازن وعمك متولي خربوا الدنيا وعاملين زيطة في العيلة، وأنا مسافر للقاهرة بكرة الصبح مخصوص، وجايب معايا كبار العيلة عشان نلم المولد ده ونحط نقط على الحروف.. قل لمراتك نجلاء تجهز حالها، القعدة بكرة في بيتك أنت، والكل هيسمع والكل هيخضع للحق !”
أغلق عاصم الخط ونظر إلى نجلاء، التي ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:
“كويس.. كده اللعب هيتحول من الصبيانية الكبيرة.. وخلي كبار العيلة يجوا، الحق ما حد.”


تعليقات
إرسال تعليق