علشان اسدد ثمن عمليه امي حكايات نور محمد
علشان اسدد ثمن عمليه امي حكايات نور محمد
علشان أسدد ثمن عملية أمي بالكيماوي وأحميها من الموت، وافقت أتجوز ابن رجل أعمال ثري، شاب وسيم وناجح الكل بيتمنى نظرة منه.. وياريتها جات على جوازة في السر ومن غير فرح، الأبشع إن أمه أول ما خطت رجلي القصر مسكتني من دراعي بقسوة وقالتلي: «إنتي هنا مجرد خادمة بفلوسنا، مالكيش أي حق فيه كزوج!».. بس اللي شفته جوة الأوضة ليلة دخلتنا خلاني أسيب الجزاز والدهب وأجري حافية في الشارع وأنا بصرخ بعلو صوتي من هول المصيبة!!
كانت نظرات الشفقة والهمس من ورا ضهري أصعب عليا من الفقر نفسه.. عندي ٣٥ سنة، السن اللي في حيّنا الشعبي البسيط بيعتبروا صاحبتها كارت واتحرق خلاص، وشيء مالوش لازمة غير إنها تخدم في بيوت إخواتها. فضلت طول شبابي أتنقل بين شغلانة والثانية، من محل هدوم لفرن لعمارة، كل ده عشان أوفر لقمة عيش لأمي الأرملة المريضة، وأسدد ديون أخويا اللي ضيع فلوسنا كلها في السكة الشمال. مش حكاية إني مش حلوة، بس الفقر والشقاء أكلوا من نضارة وشي، والرجالة في زماننا تدور على اللي معاها قرشين أو اللي شكلها يتفاخروا بيه قدام الناس.
وفجأة.. نزل الخبر عليا زي الصاعقة؛ الدكتور قال إن أمي محتاجة عملية خطيرة بالكيماوي وتكلفتها بمئات الألوف، يا إما هتروح مني في أيام. قعدت على الرصيف أبكي بدل الدموع دم، لحد ما زارتنا في البيت دلالة المنطقة ومعاها ست شيك جداً، راكبة عربية أحدث موديل.. ست كلامها بحساب ونظراتها كأنها بتتفرج على حشرات.
من غير ما تلف ولا تدور، رمت شنطة فيها مبلغ ضخم جداً يسدد مصاريف العملية وزيادة، وقالت بصوت جاف يقطع العرق ويسيح دمه:
— «المبلغ ده ثمن جوازتك من ابني.. عريس لقطة، مهندس ووسيم وغني، بس فيه شرط واحد.. الجواز يتم في السر، من غير هيصة ولا فرح، وتيجي تعيشي معانا في القصر فوراً!»
أمي بكيت من فرحتها وشافت إن ربنا فتح لها باب الرحمة، وأخويا عينيه لمعت على الفلوس وطار من الفرحة وقالها: «موافقين يا هانم، دي تطول تسلم على أطراف عبايتك!»
وقفت قدام أخويا وبكيت بحرقة: «إنت بتبيعني؟ هو فيه جواز بالسر وبالمبلغ ده كله من غير ما نعرف السبب؟ أكيد فيه مصيبة مستخبية!»
رد عليا بقسوة وهو بياخد الشنطة من قدامي: «تتلمي يا بت وتخرسي! إنتي حيلتك إيه؟ ٣٥ سنة وقاعدالنا زي اللقمة في الزور! أحمدي ربنا إن فيه حد هيدفعلنا المبلغ ده عشان نقدر نعالج أمك اللي بتموت!»
لقيت نفسي مجبورة.. هبيع نفسي وحياتي عشان أنقذ روح أمي. وافقت والسكينة ذابحة قلبي.
وتم عقد القران في السِر وبسرعة غريبة، أخدوني بالليل على فيلا كبيرة في مكان مقطوع، زي القصر المهجور اللي بيلفه الظلام والصمت.
كنت لابسة فستان أبيض بسيط، خايفة وبترعش من المجهول. أول ما قدمي وطت الصالة الكبيرة، حماتي وقفت قصادي وبصتلي بكبرياء وغل، ومسكتني من كتفي بشدة وقالتلي بصوت واطي وزي السكينة الحامية:
— «اسمعي يا بت إنتي! الفلوس اللي أهلك خدوا ثمنها دي مش عشان تصدقي إنك بقيتي هانم أو إن ابني بجد طمعان في واحدة زيك! إنتي هنا لمهمة واحدة ومحددة.. تدخل الأوضة دي وتنفذي اللي هيتطلب منك بالحرف، مالكيش أي حق فيه كزوج، ولا ليكي حق تطالبي بأي حاجة، تخلصي شغلانتك وتغوري من هنا زي ما جيتي.. فاهمة ولا لأ؟»
أنا الدموع اتجمدت في عيني وسألتها بصوت مرعوب وشهقاتي خنقاني:
— «شغلانة إيه يا هانم؟! هو ابنك مش زوجي؟ إيه اللي بيحصل في البيت ده بالضبط؟!»
برقت عينيا وزعقت بصوت يخوف:
— «اخرسي ومسمعش صوتك! هو جوة الأوضة في انتظارك، أدخلي ونفذي الأوامر ومن غير كلام كتير لسانك ده أقطعهولك!»
ودفعتني بقسوة لداخل الأوضة وقفلت الباب من برة بالمفتاح!
دخلت الأوضة والضلمة مالية المكان غير ضوء أحمر خفيف، وقلبي بيدق زي الطبلة من كتر الخوف والكسرة.. التفت ناحية السرير عشان أشوف المهندس الوسيم اللي اتجوزته..
بس المصيبة الحقيقية.. المأساة اللي تجنن أي عقل بشر ومكانتش تخطر على بال إبليس نفسه.. كانت مستنياني جوة الأوضة أول ما الملامح وضحت قدامي!
اتجمد الدم في عروقي، وحلقي نشف، وصرختي اتخنقت في زوري.. قلعت جزمتي ورميت دهبي، وقعدت أضرب على الباب بجنون لحد ما انفتح، وجريت في الشارع الضلمة حافية وأنا بصرخ بطلب النجدة وبشد في شعري من هول اللي شفته جوة الأوضة!!!!!
#الكاتبه_نور_محمد
اللي شفته جوة الأوضة… مستحيل عقل بشري يستوعبه، ومستحيل يتخيله إنسان طبيعي. الأوضة مكانتش أوضة نوم لعريس وعروسته، ولا كان فيها أي مظهر من مظاهر الفرح أو حتى الحياة الطبيعية.
الأوضة كانت عبارة عن “غرفة عمليات” مجهزة بالكامل!
إضاءة بيضاء ثلجية بتعمي العين مسلطة على سرير طبي معدني في نص الأوضة. ريحة البنج والمطهرات القوية ضربت في مناخيري لدرجة إنها كتمت نفسي. والأسوأ، والأبشع من كل ده… كان في راجل لابس بالطو أبيض، ووشه متغطي بكمامة، واقف بيجهز حقن وأدوات جراحية بتلمع تحت النور.
وعلى السرير الطبي… كان نايم “العريس”. الشاب الوسيم اللي شفت صوره كان عبارة عن هيكل عظمي، وشه أصفر زي الليمون، متوصل بخراطيم وأجهزة تنفس، وعينيه غايبة عن الوعي تماماً.
الراجل اللي لابس بالطو أبيض لف وبصلي، ونزل الكمامة من على وشه، وقال ببرود مرعب وهو بيقرب مني:
— “أخيراً المتبرعة وصلت… كويس إنهم خلصوا إجراءات المأذون بسرعة، الورق الرسمي كان أهم حاجة عشان التقرير الطبي. اقلعي الفستان ده والبسي الروب الطبي، مفيش وقت، حالة الكبد عند الباشمهندس بتنهار، ولازم ننقل الفص فوراً.”
الكلمات نزلت على دماغي زي جبل من الطوب. متبرعة؟ كبد؟
يعني الجوازة، والفلوس، والسرية التامة، والشرط إني أعيش معاهم في القصر… كل ده مكانش عشان سواد عيوني ولا عشان أكون زوجة ولا حتى خادمة! الجواز كان مجرد “غطاء قانوني” عشان يقدروا يسرقوا أعضائي من غير ما حد يحاسبهم. القانون بيشترط إن التبرع بالأعضاء يكون من الأقارب، ولما أكون “زوجته” على الورق، يقدروا يزوروا موافقتي ويسرقوا حتة مني لإنقاذ ابنهم، وبعدها يرموني في الشارع، ده لو طلعت عايشة أصلاً من العملية اللي بتتعمل في بير السلم دي!
الرعب شل حركتي لثانية. الدكتور الممرض اللي معاه بدأوا يقربوا مني، واحد فيهم ماسك حقنة فيها سائل شفاف.
— “اهدي يا عروسة… هي شكة بسيطة ومش هتحسي بحاجة، إنتي أهلك قبضوا التمن وزيادة، فبلاش شوشرة.”
في اللحظة دي، غريزة البقاء اللي جوة أي إنسان حي انفجرت جوايا. أنا بعت نفسي عشان أعالج أمي، بس مابعتش روحي، مابعتش لحمي ودمي لعصابة بتشتري أرواح الناس بفلوسها!
قبل ما إيد الدكتور تلمسني، صرخت صرخة طلعت من أعماق روحي، صرخة هزت جدران القصر الملعون ده. مسكت صينية معدنية تقيلة مليانة أدوات جراحية كانت جنبي على طرابيزة، ورميتها بكل قوتي في وش الدكتور. الأدوات طارت والمشارط وقعت على الأرض بصوت رعب الممرض اللي رجع لورا.
استغليت الثانية دي، ولفيت بسرعة البرق ناحية الباب. حماتي كانت قافلة الباب بالمفتاح من برة، بس الدكتور كان سايب مفتاح تاني في الكالون من جوة. إيدي كانت بتترعش زي اللي ماسك سلك كهربا، لفيت المفتاح، وفتحت الباب وطلعت أجري زي المجنونة في الطرقة الضلمة.
حماتي كانت واقفة في أخر الطرقة، أول ما شافتني طالعة برقت عينيها وصرخت بصوت خشن:
— “امسكوها! البت دي لو خرجت من باب القصر هفصلكم كلكم! امسكوها!”
حراس الفيلا بدأوا يجروا ورايا. مكنتش شايفة قدامي غير باب المطبخ اللي بيطل على الجنينة الخلفية. قلعت جزمتي الكعب اللي كانت معطلاني ورميتها في وش أقرب حارس ليا، ورميت كل حتة دهب لبستهالي الست دي، كأني بتخلص من قيود شيطان.
خرجت للجنينة، الشوك والحصى كان بيقطع في رجلي الحافية، بس وجع رجلي كان ولا حاجة قد رعب إني أرجع للأوضة دي. لقيت سور صغير وراه باب حديد موارب للخدم، زقيت الباب بكل عزمي، وطلعت على الشارع الضلمة.
فضلت أجري… أجري وأنا بصرخ والدموع مغرقة وشي. الشارع كان مقطوع، برد الليل بيضرب في جسمي اللي مش متغطي غير بفستان فرح رخيص ومتقطع. الكلاب بتهوهو، وصوت عربيات الحراس بدأت تدور ورايا. رميت نفسي في خندق ضلمة جنب الطريق الزراعي، وكتمت أنفاسي وأنا شايفة كشافات العربيات بتدور عليا زي الديابة اللي بتدور على فريسة.
لما العربيات بعدت، طلعت من الخندق، وفضلت أمشي على الأسفلت البارد ورجلي بتنزف. لحد ما لمحت ضوء أزرق وأحمر بيلف من بعيد. كانت سيارة دورية شرطة واقفة في كمين ليلي.
جريت عليهم كأني شفت طاقة نور في وسط قبر. رميت نفسي قدام العربية، والظابط نزل بسرعة وهو حاطط إيده على س/لاحه مستغرب من المنظر… واحدة بفستان فرح متقطع، حافية، ومنهارة من العياط في نص الليل.
— “يا فندم الحقني! بيس/رقوني… بيق/تلوني… عاوزين يقطعوا لحمي!”
قلتها وأنا بقع على ركبي، والظابط (اللي عرفت بعدين إن اسمه الرائد طارق) نزل لمستوايا، وقلع الجاكيت الميري بتاعه وغطاني بيه، وقال بصوت حازم بس فيه حنية أب أو أخ:
— “اهدي يا بنتي، إنتي في حماية ربنا ثم في حمايتي. محدش هيقدر يمس شعرة منك. احكيلي إيه اللي حصل.”
أخدوني على القسم. وهناك، وسط الدفء وكوباية شاي سخنة، حكيت للرائد طارق كل حاجة بالتفصيل. من أول فقرنا، لمرض أمي، لبيع أخويا ليا، للست الغنية، لحد أوضة العمليات المرعبة. طارق كان بيسمع ووشه بيتحول لكتلة من الغضب.
— “الناس دي فاكرة إن بفلوسها تقدر تشتري أرواح الناس؟ الجوازة دي كانت مجرد ثغرة عشان يثبتوا صلة القرابة في أي مستشفى لو حصلت مضاعفات، وعشان يضمنوا إنك تحت سيطرتهم.” طارق قالها وهو بيضرب بإيده على المكتب.
في خلال ساعتين، كانت قوة مكبرة من المباحث والقوات الخاصة بتقتحم القصر. حاولوا ينكروا، وحاولت الست المغرورة دي تعلي صوتها وتستخدم نفوذها، بس لما طارق كسر باب الأوضة اللي هربت منها، لقوا كل حاجة زي ما هي.. أجهزة العمليات، والأدوات، والأدوية المهربة. اتقبض على حماتي، والدكتور اللي طلع أصلاً مشطوب من نقابة الأطباء بسبب قضايا إتجار بالأعضاء، واتحطوا كلهم في الحديد.
تاني يوم، الرائد طارق بعت جاب أخويا. أول ما أخويا دخل وشافني قاعدة في مكتب الظابط ووشي شاحب، قلبه وقع في رجليه. الظابط حكاله اللي كان هيحصل فيا. أخويا انهار… وقع على الأرض وبكى بدموع حقيقية لأول مرة. هو كان طماع، وكان أناني، بس مكانش يتخيل إنه بيسلم أخته لمسلخ بشري. الفلوس اللي فرح بيها كانت تمن كبدي، وتمن حياتي.
— “سامحيني يا أمل… والله العظيم ما كنت أعرف. أنا كنت فاكرها جوازة ذل وخدمة، مش موت وتقطيع! الفلوس أهي ملعونة، تروح في داهية، بس إنتي تعيشي!”
بصيت لأخويا بكسرة، وقلتله بهدوء موجع: “الفلوس دي مش هترجعلي كرامتي اللي بعتها يا حسن، بس يمكن الدرس ده يخليك تفهم إن العزوة مش بالفلوس، العزوة بالرجولة اللي ضيعتها.”
تم التحفظ على فلوس العصابة كأحراز في القضية. وهنا رجعت لنقطة الصفر… أمي! أمي اللي بتموت ومحتاجة الكيماوي. حسيت إن الدنيا اسودت تاني، وإني هربت من الموت عشان أشوف أمي بتموت قدامي ببطء.
بس ربنا، اللي نجاني من المجزرة دي، كان مرتبلي مخرج تاني أطهر وأعظم.
الرائد طارق، اللي كان بيتابع قضيتي بكل إنسانية وشهامة، رفض يسيبني في المحنة دي. أخد ورق أمي الطبي، وبنفسه راح لجمعية خيرية كبيرة ومستشفى حكومي متطور متخصص في الأورام. عرض حالة أمي كحالة إنسانية عاجلة لأسرة ضحية ج/ريمة كبرى. وفي أقل من 48 ساعة، كانت المستشفى وافقت تتكفل بعلاج أمي بالكامل على نفقة الدولة وتحت إشراف كبار الدكاترة، من غير ما أدفع جنيه واحد متلوث بالذل.
مرت الأيام، والشهور. العصابة اتحكم عليهم بأحكام مشددة في قضية الإتجار بالبشر ومحاولة إحداث عاهة مستديمة. الست اللي كانت شايفة نفسها فوق البشر، بقت مجرد رقم في سجن النسا.
وأنا؟ أنا حياتي اتغيرت 180 درجة.
لما أمي بدأت تتعافى وتاخد جلساتها بانتظام، حسيت إن روحي رجعتلي. قررت إني مش هفضل “كارت محروق” زي ما الحي بتاعنا كان بيشوفني عشان عندي 35 سنة. قدمت على شغل إداري في نفس المستشفى اللي أمي بتتعالج فيها. اشتغلت بقوة، وبقيت بساعد المرضى اللي زي أمي، بهون عليهم، وبمسك إيديهم في عز وجعهم. لقيت نفسي، ولقيت قيمتي الحقيقية في مساعدة الناس وفي اللقمة الحلال اللي بكسبها بعرقي، مش ببيعي لنفسي.
أخويا حسن اتغير تماماً. الرعب اللي عاشه خلاه يفوق لنفسه، نزل اشتغل في ورشة باليومية، وبقى يحط القرش على القرش عشان يصرف على البيت، ورجعله احترامنا ليه كراجل بجد مش مجرد ذكر في البطاقة.
وفي يوم، كنت طالعة من شيفت الشغل في المستشفى، لقيت الرائد طارق واقف بعربيته برة. كان لابس مدني، وابتسامته الهادية اللي بطمن بيها موجودة على وشه.
قرب مني وقال باحترام شديد:
— “أمل… أنا شفت فيكي جدعنة وقوة بميت راجل. شفت بنت أصول، رفضت تبيع نفسها للموت، ووقفت على رجليها وبنت حياتها من الصفر عشان أمها. أنا يشرفني، لو تقبلي، إني أطلب إيدك من والدتك ومن أخوكي.. جواز في النور، وسط الناس كلها، تكوني فيه ست بيتي وتاج راسي.”
بصيتله والدموع اتجمعت في عيني.. بس المرة دي دموع فرح، دموع انتصار.
في اللحظة دي عرفت إن ربنا لما بيقفل باب كان هيهلكنا، بيفتح بداله أبواب من النور والرحمة والعوض اللي ينسينا كل وجع. السن مجرد رقم، والفقر عمره ما كان مبرر لبيع الكرامة. أنا عندي 35 سنة، بس دي مكنتش النهاية… دي كانت البداية الحقيقية لحياتي.
#الكاتبه_نور_محمد


تعليقات
إرسال تعليق