القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 حكايات نرمين عادل كامله 



حكايات نرمين عادل كامله 


جوزي قالي عازم صحابي من الشغل وعملت عزومة تشرف.. ولما دخلت أقدم القهوة، لقيت واحدة ست قاعدة وسطهم ولابسة طقم ذهب أنا اللي مختاراه معاه.. ولما سألت مين دي، الرد كان س\كين في قلبي!


 


أنا اسمي سارة، ست بيت شاطرة وبموت في جوزي وعندي اتليه ملابس. قالي عنده عزومة مهمة لناس كبار في الشغل، وقفت في المطبخ 10 ساعات عشان أعمل أحلى أكل. العزومة بدأت وصوت الضحك كان مالي البيت.


 


لا قيت مي ال شغالة عندي في الاتليه قاعدة في نص الكنبة الرئيسية، في مكاني أنا تقريباً، ولابسة طقم شيك وغالي جداً عمري ما شفته عليها، ولابسة كعب عالي ومظبطة شعرها في كوافير راقي! نظرة عينيها كانت مختلفة تماماً عن البنت الغلبانة المكسورة اللي جاتلي الأتيليه من ست أشهر، تدمع وتتمسكن وتترجاني عشان أساعدها وأشغلها معايا في الخياطة والتطريز،


 


ووظيفة تأكل منها عيش بعد ما قاطعت أهلها وظروفها اتكسرت!


بس اللي يقطع القلب ويرج الجسم رج.. إنها كانت لابسة الكوليه الذهب الإيطالي نفسه اللي طارق حلف لي على المصحف من شهر إنه ضاع منه في زحمة الشارع وهو رايح للصائغ يغير القفل بتاعه! يومها قالي بوجه مكسور وتمثيلية مقتنة:


 


“يا سارة الطقم تقيل وقفله صغير وممكن يقع منك في أي حزّة، فقلت أروح أغير القفل وضاع مني في التاكسي!” يومها صدقته من طهارة نيّتي، وطبطبت عليه وواسيته وقُلت له: “الذهب يروح وييجي يا حبيبي، فداك ألف كوليه المهم إنك جنبي وبخير وما جرالكش حاجة.”


 


أول ما شفت الكوليه بيبرق في رقبتها وتحت إضاءة الصالة، صينية الفناجين اتزحلقت من إيدي ووقعت على السيراميك! صوت الكسر دبح السكوت ورن في أذن الصالة كلها، والقهوة المغلية اتدلقت على السجادة وعلى طرف فستاني!


الوجع ما كانش في وجود مي بس.. الوجع كان في الطريقة اللي قاعدة بيها، في لفة رجلها بثقة، في النظرة اللي بتبصلي بيها بكل حقد وغرور، وفي الثقة اللي كأنها إعلان انتصار رسمي على حطامي في بيتي قدام الناس!


طارق قطّع السكتة والذهول اللي خيم على القاعة، وقام وقف بكل جحود وبصوت هادي، بارد، وخالي من أي نبرة إنسانية أو رحمة:


– «سارة.. أحب أعرفك، دي مي مراتي التانية! والنهاردة الشباب وزمايلي جايين يباركوا بالمرة.. أصلها حامل وفي شهرها الأول.»


الكاتبة_نرمين_عادل_همام


 


والذهب ده كان أول هدية منه ليا. بس اللي هما ميعرفهوش إني في اللحظة دي كنت مجهزة مفاجأة هتقلب العزومة دي لجنازة لجوزي ومي! عايزين تعرفوا سارة عملت إيه؟ والسر اللي كشفته عن مي وخلى جوزي يطردها بالهدوم اللي عليها؟


 


وقف القهوة المغلية وهو بيدلق على رجلي ما حسيتش بيه، الصدمة كانت مخدرة كل خلية في جسمي. صوت طارق وهو بيقول «مراتي التانية وحامل» كان بيتردد في وداني زي صدى صوت في مقبرة.


الناس اللي كانوا قاعدين — زمايله في الشغل — اتخرسوا تماماً. الضحك اللي كان مالي الصالة من شوية اتقلب لذهول ورعب، عيونهم كانت بتتنقل بيني وبين طارق وبين مي اللي كانت قاعدة حاطة رجل على رجل، مبتسمة ابتسامة نصر خبيثة وهي بتمسح بصباعها على الكوليه الذهب اللي في رقبتها.. كأنها بتقولي: “أنا خدت منك كل حاجة، راجلك، وذهبك، ومكانك.”


طارق بصلي ببرود وقال:


– «اطلعي غيري هدومك يا سارة ولمي المكسور ده.. مش عاوزين ننكد على الضيوف في يوم زي ده.»


في اللحظة دي، الدموع اللي كانت محبوسة في عيني اتجمدت. الوجع كلياً اتحول لحاجة تانية.. اتحول لنار هادية، لتركيز رهيب. طارق ومي كانوا فاكرين إن سارة الست الطيبة، المضحية، اللي وقفت 10 ساعات في المطبخ عشان خاطره، هتقع على الأرض تعيط وتتوسل.. بس هما نسوا حاجة مهمة أوي: سارة مش مجرد ست بيت.. سارة صاحبة الأتيليه اللي فتحت بيتها ومكان شغلها للكل، وسارة هي اللي معاها مفاتيح كل أسرار الأتيليه!


مسحت طرف فستاني بلطف، وبصيت لطارق بثبات يرجع الرعب في قلبه، وقلت بصوت هادي جداً بس سمعه كل اللي في القاعة:


– «تغير هدومي؟ وننكد على الضيوف؟ لا يا طارق.. العزومة دي لسه بادية، والمفاجأة الحقيقية لسه ما اتفتحتش.»


مي ابتسامتها اهتزت لأول مرة، وبصت لطارق بقلق. طارق اتنحنح بجلط وقال:


– «سارة.. ادخلي أوضتك دلوقتي، الكلام ده مش وقته قدام الناس.»


– «بالعكس!» ردّيت وأنا ببتسم ابتسامة هادية جداً وبمشي بخطوات واثقة ناحية ترابيزة الصالون: «دا وقته جداً.. مش زمايلك جايين يباركوا؟ لازم يعرفوا هما بيباركوا لمين بالظبط، ويعرفوا الهدية الغالية دي راحت لمين!»


طلعت من جيبي التليفون، وفتحت كاميرا المراقبة الخاصة بالأتيليه، وركبت التليفون على شاشة التلفزيون الكبيرة اللي في الصالة بضغطة واحدة من خلال الخاصية الذكية. الشاشة السوداء اتقفلت واشتغلت كاميرا التسجيلات.


طارق صرخ وهو بيقوم من مكانه:


– «إنتي بتعملي إيه يا مجنونة؟ اقفلي الزفت ده!»


بس زمايله اتسمروا في أماكنهم، ومي وجهها اتقلب أصفر زي الليمونة.


على الشاشة، ظهر فيديو بتاريخ من أسبوعين بس.. الفيديو كان جوه الأتيليه بتاعي، في أوضة المكتب الخلفية. ظهرت مي وهي واقفة مع راجل غريب، راجل مش طارق خالص! الكاميرا كانت موضحة ملامحه بدقة عالية: راجل في الأربعينات، لابس بدلة شيك، ومي كانت واقفة بتتكلم معاه بمنتهى القرب، بتسلم له ملف أوراق ومظروف أبيض كبير!


صوت التسجيل كان واضح جداً في صالة البيت:


الراجل في الفيديو كان بيسأل مي: «تمام كده يا مي؟ الأوراق دي هي كل تصميمات الأتيليه الجديدة والعقود الخاصة بالموردين؟»


مي كانت بترد في الفيديو بصوت كله دهاء: «أيوة يا باشا.. كل شغل سارة عندك، والتصميمات دي لو نزلت السوق باسم شركتكم، الأتيليه بتاعها هيقفل في خلال شهرين وتفلس تماماً. بس المهم.. باقي فلوسي كام؟ والورقة اللي مضت عليها سارة بضمان الأتيليه عملت فيها إيه؟»


في الصالة.. السكوت كان قاتل. طارق بص للشاشة وهو مش فاهم حاجة، عينيه كانت بتتنقل بين الشاشة وبين مي اللي كانت بتترعش في مكانها.


بس المفاجأة الكبرى ما كانتش هي سرقة التصميمات..


فجأة، على الشاشة، الراجل مسك إيد مي وقرب منها وقالها: «طب وبالنسبة للولد اللي في بطنك؟ طارق فاكر إنه ابنه؟»



مي ضحكت بصوت عالٍ في الفيديو وقالت: «طارق ده مغفل ومخدوع! كتب عليا عرفي من شهور لما ضحكت عليه بالمسكنة، وفاكر إن الحمل منه عشان يتجوزني رسمي ويغيط سارة.. هو ما يعرفش إنك أنت الأب الحقيقي يا هشام، وأن السلسلة والذهب اللي أخذتهم منه دول مجرد تسلية لحد ما آخد الأتيليه والبيت منه ومن مراته!»


“بوم!”


الكلام نزل على دماغ طارق زي الصاعقة. وجه طارق اتغير ألوان.. أحمر، أصفر، وبعدين أسود تماماً. عينيه كانت تطلع شرار. بص لمي اللي كانت قاعدة على الكنبة زي الفراخ المبلولة، الضحكة اختفت، والغرور اتحول لرعب قاتل.


أنا وقفت بثبات، وحطيت إيدي في وسطي، وبصيت لطارق وقلت له ببرود:


– «الكوليه الذهب الإيطالي اللي ضاع منك في التاكسي يا طارق؟ أهو في رقبتها.. بس يا خسارة، طلع مش بس الذهب اللي ضاع منك، طلعت كرامتك ورجولتك وهيبتك كمان ضاعوا في التاكسي معاها!»


إحدى زمايل طارق في الشغل قام وقف، وبص لطارق بقرف وقال:


– «إحنا بنستأذن يا طارق.. العزومة دي شكلها مش لينا، ويا خسارة الزمولية.»


الضيوف كلهم قاموا يجروا من البيت وهم بينظروا لطارق ومي بنظرات احتقار لا توصف. الباب اتقفل وراهم، وبقينا إحنا التلاتة في الصالة: أنا، وطارق، ومي.


طارق مسك مي من شعرها بغل وجنون، وصوته هز أركان الشقة:


– «يا خائنة! يا زبالة! أنا أعمل في مراتي وأم بيتي كده عشان واحدة وسخة زيك؟ ابن مين اللي في بطنك؟ والذهب اللي حلت حيلتي وأخدتيه مني فين؟»


مي كانت بتصرخ وتستغيث:


– «والله يا طارق كدب! الفيديو ده مفبرك! سارة عملته بالذكاء الاصطناعي عشان تخرب بيتنا!»


أنا ضحكت بصوت عالٍ، وطلعت من الشنطة محضر رسمي من النيابة ومستندات:


– «مفبرك؟ هشام ده المورد اللي كان بيتعامل مع الأتيليه، وأنا بلغت النيابة عنكم أنتم الاثنين بتبديد محتويات الأتيليه والسرقة بالتلبس! والشرطة زمانها على الباب!»


في اللحظة دي، جرس الباب رن بصوت قاطع..


طارق فتح الباب وهو مسطول مش مصدق، كان واقف على الباب أمين شرطة واثنين مخبرين.


الظابط بص لمي وقال:


– «مي أحمد؟ نازل ضدك إذن ضبط وإحضار بتهمة سرقة وتزوير ومحاولة استيلاء على ممتلكات الأستاذة سارة.»


طارق ما استناش.. جاب مي من قفاها ورماها بره الشقة على السلم بالهدوم اللي عليها، وصوته كان صريح في العمارة كلها:


– «إنتي طالق! طالق بالتلاتة يا خائنة! والذهب ده يرجع لمراتي يا واطية!»


المخبرين مسكوا مي وهي بتصرخ وتستنجد، والكوليه الذهب اتقلع من رقبتها ورجع في إيدي، ومي اتسحبت على السلم قدام الجيران كلهم بالهدوم اللي عليها، زي ما جت أول مرة.. مكسورة ومفضوحة.


رجعت الصالة، لقيت طارق واقف، وشه في الأرض، عيون مليانة دموع وندم، وجاي يقرب مني، ومسك إيدي وقعد على ركبه:


– «سارة.. سامحيني! أنا اتهبلت، ضحكت عليا وعمت عيني، أنا آسف.. وحقك عليا، البيت بيتك وكل حاجة تحت رجلك..»



سحبت إيدي منه ببرود قاتل، وطلعت ورقة تانية من شنطتي وحطيتها على الترابيزة قدامه..


أنا بصيت له وقلت له:


– «سلاسل الذهب بترجع يا طارق.. بس الثقة لما تتكسر، ما بيصلحهاش ألف مصحف حلف ت عليه كدب!»


طارق بص للورقة ورجليه مش شايلاه.. الورقة كانت..


حكايات نرمين عادل 2


الورقة اللي كانت محطوطة على الترابيزة قدام عينين طارق ما كانتش مجرد ورقة عاديّة.. كانت دعوى خلع مرفوعة في المحكمة من أسبوعين، ومعاها أمر قضائي بالتحفظ على الشقة ومحتوياتها بضمان مؤخر الصداق والمستحقات اللي هو ما دفعهاش، بالإضافة لمستندات تثبت إن الأتيليه بالكامل — بالرخص والتجهيزات — ملكي أنا شخصياً ومالوش فيه أي صفة legal ولا قرش واحد!


طارق بص للورقة وهو بيمسح العرق اللي نازل من وشّه بغزارة، عينيه كانت بتتنقل بين السطور ومش قادر يستوعب:


– «دعوى خلع؟ من أسبوعين يا سارة؟ يعني إنتي كنتِ عارفة كل حاجة ومخططة لللحظة دي من زمان؟»


وقفت قدامه بمنتهى الثبات، حطيت إيدي في وسطي، ونظرت له بعينين ما فيهاش نقطة رحمة واحدة.. العينين الطيبة اللي كانت بتبص له بحب وحنان راحت بلا رجعة:


– «أنا ما خططتش يا طارق.. إنت اللي خططت لخراب بيتك بإيدك! فاكر لما جيت لي من شهر تقولي الكوليه ضاع في التاكسي؟ أنا يومها ما صدقتكش عشان أنا عبيطة.. أنا صدقتك عشان كنت فاكرة إن راجلي أصيل وما بيعرفش يكذب! بس لما لقيت السحب من الحسابات ولقيت حركاتك الغريبة، بدأت أدور وراك.. وعرفت إن البنت المكسورة اللي شغلتها عندي رحمة ورأفة بيها، كانت بتتسحب بالليل للمكتب وتفتح الخزنة بعلمك!»


طارق وقع على الكنبة، حاطت إيده على راسه وبيعيط زي الأطفال:


– «سارة.. أنا اتعميت! اتغفلت! البنت دي عملت لي عمل، ضحكت عليا وقالت لي إنك شايفاني مش راجل وإنك أنتِ اللي بتصرفي عليا بالأتليه، ولعبت في دماغي لحد ما خلاني أكتب لها عقد عرفي! والله العظيم ما كنت في وعيي.. سامحيني، أنا مستعد أعمل أي حاجة.. أعمل لك تنازل عن كل حاجة، أقبل جزمتك بس ما تسبنيش وتفضحيني قدام أهلي وناسي!»


ابتسمت بمرارة وقربت منه خطوة:


– «تقبل جزمتي؟ الست اللي تقبل إن راجلها يوطي عشان يتوسل لها تبقى مش محترمة نفسها يا طارق.. إنت سقطت من نظري مش بس لما خنتني، إنت سقطت لما وافقت تدخل واحدة زي دي بيتي، وعلى كنبني، وتلبس ذهبي، وأقف أنا 10 ساعات في المطبخ أطبخ لصحابك عشان يباركولك على قهرتي!»


في اللحظة دي، تليفون طارق رن بصوت عالي كسر هدوء الشقة الصامتة.. اسم المتصل على الشاشة كان «المدير العام».


طارق بص للتليفون بإيد بتترعش، ورد بصوت مخنوق:


– «ألو.. أهلاً يا فندم..»


صوت المدير كان طالع من السبيكر عالي وواضح، مليان غضب واحتقار:


– «طارق.. زمايلك اللي كانوا عندك بلغوني باللي حصل في بيتك النهاردة! إحنا شركة محترمة وما بنقبلش في صفوفنا ناس بالدناءة والخسة دي، غير إن المورد “هشام” اللي اتقال اسمه في الفيديو اتضح إنه هو نفسه اللي إنت كنت بتمرر له صفقات الشركة من تحت الترابيزة! الصبح تكون مكتبك ملموم، وإحالة للتحقيق في الشؤون القانونية وفصل نهائي بتهمة الإضرار بأعمال الشركة وخيانة الأمانة!»



السكة اتقفلت في وشه قبل ما ينطق بكلمة واحدة.. التليفون وقع من إيده على الأرض فاتكسرت شاشته مليون حتة، تماماً زي حياته اللي اتهدت في أقل من نص ساعة!


بص لي بذهول وهو مش مصدق إن شغله، وسمعته، وزواجه، وكرامته طاروا كلهم في هوا عزومة واحدة:


– «إنتي دمرتيني يا سارة.. ضيعتيني!»


– «لا يا طارق..» ردّيت عليه وأنا باخد شنطة إيدي وبحط فيها الكوليه الذهب اللي استرديته: «إنت اللي دمرت نفسك لما افتكرت إن الطيبة ضعف، وإن الصبر ملوش نهاية.. إنت قطعت الحبل اللي كان رابطنا، وأنا بس سبتك تقع في البير اللي حفرته بإيدك.»


مشيت ناحية الباب، وقبل ما أفتح المسكة، اتلفتّ له وقولت له بصوت حاسم يقطع أي أمل جواها:


– «الشقة دي قدامك 24 ساعة تفضي فيها حاجتك الشخصية وتطلع منها، لأن بكرة الصبح المحضر جاي يسلّمني الشقة بقرار تمكين رسمي.. واللي فاضل من هيبتك لمّه وامشي بيه بعيد عن طريقي.»


فتحت الباب وخرجت.. السلم كان فاضي، وصوت جيران العمارة كان لسه بيهمس على الجري\مة والفضاحة اللي حصلت لمي وطارق. نزل خطوات السلم وأنا حاسة بوزن ثقيل أوي انشال من على صدري.. صحيح القلب كان مكسور ومجروح من الخيانة، بس الكبرياء والكرامة كانوا مرفوعين في السماء!


ركبت عربيتي، وشغلت الموتور، وبصيت في المراية.. شفت سارة التانية، سارة القوية اللي ما بتنكسرش، اللي هتبدأ صفحة جديدة ونظيفة من غير خايئين ولا مخادعين.


بس وأنا ماشية في الطريق رايحة على الأتيليه عشان أأمن المكان وأشوف الخسائر اللي تسببت فيها مي وهشام.. تليفوني رن برقم غريب جداً!


رديت بصوت متزن: «ألو؟»


جالي صوت راجل هادي، عميق، ونبرته مليانة جدية وارتياح:


– «مساء الخير يا مدام سارة.. أنا الأستاذ فريد، المحامي الخاص بشركة (المستقبل للنسيج والتطريز).. أنا بكلمك بناءً على طلب هشام بيه المورد قبل ما يتم القبض عليه بساعة واحدة!»


قلبي دق بسرعة وقلت بوجوم: «هشام؟ وخير.. عاوز إيه تاني بعد ما سرق التصميمات ونصب عليا؟»


الراجل سكت ثانية وقال كلام نزل عليا زي مفاجأة ثانية ما كنتش متوقعة أبعادها خالص:


– «هشام بيه ما كانش بياخد التصميمات عشان يسرقها لحسابه يا مدام سارة.. الأوراق والمستندات اللي مي سلمتها له كانت فيها تفاصيل تانية خالص تخص طارق جوزك وأعمال غير قانونية هو اللي كان يديرها باسم الأتيليه بتاعك من وراكي من سنة كاملة! وهشام كان بيحاول يوصل لك الحقيقة دي قبل ما طارق يلبسك قض\ية تهرب وتزوير توديكي في داهية!»


اتسمرت بالعربية على جنب الطريق، وإيدي اتجمدت على الدركسيون.. السر الحقيقي ما كانش مجرد خيانة زوجية أو سرقة طقم ذهب.. كان في لغز أكبر بكتير طارق ومي كانوا مدبرينه لي في الخفاء، حاجة كانت هتدمر حياتي للأبد لو ما كنتش تحركت في الوقت المناسب!


السماعة كانت لسه على أذني، وصوت المحامي فريد بيرن في دماغي زي السيرين: “طارق كان بيحاول يلبسك قض\ية تهرب وتزوير توديكي في داهية!”


إيدي اتجمدت على الدركسيون، ونفسي اتقطع. كنت فاكرة إن الخيانة وقفت عند حدود طقم ذهب وجوازة عرفي مع البنت اللي شغلتها عندي رحمة، بس اتضح إن الحفرة كانت أعمق بكثير مما يتخيل عقلي!


قلت بصوت مرعوب بس حاولت أخليه متماسك:


– «أستاذ فريد.. إنت بتقول إيه؟ طارق يلبسني قض\ية؟ الأتيليه ده أنا اللي بنياه حجر حجر من عرقي وشقايا، طارق ملوش أي توقيع أو صفة رسمية فيه!»


المحامي أخد نفس طويل وقال بجدية:


– «ده اللي إنتي فاكراه يا مدام سارة.. طارق استغل ثقتك الكاملة فيه من ست شهور، لما طلبتِ منه يخلص لك أوراق التجديد الضريبي والترخيص الجديد. من خلال التوكيل العام اللي كنتِ عاملاه له للتعامل مع المصالح الحكومية، قدر يستصدر دفتر فواتير موازي باسم الأتيليه، وكان بيدخل شحنات أقمشة ومواد خام مجهولة المصدر وغير مدفوعة الجمارك، وبيبيعها للتجار لحسابه الخاص برقم الأتيليه بتاعك!»


دموعي نزلت بس المرة دي مش من الوجع.. من الصدمة والرعب. المحامي كمل كلامه:


– «مي ما كانتش مجرد شغالة غلبانة جاتلك، مي كانت السكرتيرة الميدانية للشبكة دي، وطارق هو اللي زقها عليكي والأتيليه عشان تمسك الدفاتر وتراقب تحركاتك! هشام المورد لما اكتشف اللعبة دي وعرف إن البضائع المغشوشة بتتسرب باسم شركته كمان، حاول يسحب الأوراق دي من مي قبل ما القض\ية تنفجر في وش الكل.. يعني التسجيل اللي إنتي شفتيه في الكاميرا، مي كانت بتساومه بالأوراق دي عشان تاخد منه فلوس وتهرب مع طارق بره البلد!»


قفلت السكة مع المحامي، وحسيت إن العربية بتدور بيا. طارق مش بس كان بيخونني مع مي.. طارق كان بيجهز عشان يرميني في السجن ويطير بفلوسي وبفلوس الصفقات المشبوهة مع مراته الجديدة!


دورت موتور العربية وجريت بأقصى سرعة على الأتيليه.


أول ما وصلت، لقيت الشارع هادي جداً، والأتيليه مقفول بالأنوار الخافتة. نزلت وفتحت الباب الحديد باللمس، ودخلت بخطوات سريعة للمكتب الخلفي. قعدت على كرسي المكتب وفتحت الخزنة الرئيسية اللي تحت مكتب الخياطة. طلعت الدفاتر القديمة، وبدأت أطابق الأرقام مع الأوراق اللي بعتها لي المحامي فريد على الواتساب.


كل حاجة كانت واضحة كالشمس.. ختم الأتيليه بتاعي، توقيعي المزcode المزيف على عقود استلام شحنات بملايين الجنيهات، وإيصالات أمانة باسمي أنا لصالح تجار كبار في السوق! طارق كان بيسحب القروض والشحنات باسم الأتيليه، والفلوس بتتحول للحساب الشخصي لـ «مي»!


وفجأة.. سمعت صوت حركة غريبة بره الأتيليه!


صوت خطوات رجلين حذرة بتتحرك بين المانيكانات وستائر القماش!


قلبي قفز من مكانه.. مسكت مقص التطريز الثقيل اللي على الترابيزة وقفت ورا الباب بالراحة. الأنوار كانت مطفية في الصالة الرئيسية، بس خيال راجل طويل كان بيتسحب ناحية المكتب وهو ماسك في إيده كشاف تليفون!


أول ما قرب من الباب وفتح الس\لاح اللي في إيده.. صرخت وشغلت النور الكشاف الرئيسي للمكتب!



الراجل اتخض وللمسة ثانية.. كان طارق!


وشه كان شاحب، وعينيه زي المجنون، هدومه متبهدلة، وبإيده مفتاح احتياطي للأتيليه!


طارق بصلي بذهول وهو بينهج:


– «سارة؟! إنتي بتعملي إيه هنا في الوقت ده؟»


وقفت بثبات والمقص في إيدي، وقلت بصوت حاد زي الموس:


– «أنا اللي مفروض أسألك يا طارق.. جاي الأتيليه في نص الليل ليه؟ جاي تدور على دفتر الفواتير الموازي؟ ولا جاي تمسح أدلة التزوير اللي كنت هترمني بسببها في السجن؟»


طارق اتسمر في مكانه، وشه اتقلب أسود تماماً، والكشاف وقع من إيده على السجادة:


– «إنتي.. إنتي عرفتي منين؟»


– «عرفت كل حاجة يا خائن!» صرخت في وشه والدموع بتغلي في عيني: «عرفت إنك مش بس خنتني مع واحدة من الشارع ولبستها ذهبي.. إنت كنت عاوز تدمر حياتي، وتسجنني، وتسرق شقا عمري عشان تعيش بيه مع مي! إنت إيه؟ بني آدم ولا شيطان؟»


طارق ضحك ضحكة هستيرية شريرة، وملامح الضعف والندم اللي كانت على وشّه في البيت اختفت تماماً.. ظهر الوش الحقيقي للمجرم:


– «أيوة يا سارة! عرفت خلاص؟ تمام أوي.. كنت فاكرة إني هسيبك تاخدي الشقة وتخلعيني وتطلعي منتصرة؟ الأتيليه ده والبضاعة دي هما اللي هيسددوا ديوني، والأوراق اللي جوه الخزنة دي لازم تمشي معايا دلوقتي، بالرضا أو بالعافية!»


قرب مني بخطوات تهديد وهو بيمد إيده عشان يمسك الشنطة والدفاتر اللي على الترابيزة.


أنا ما تخضتش وما رجعتش خطوة لورا.. ابتسمت له ابتسامة هادية وقاتلة، وقلت له:


– «تفتكر يا طارق.. ست عرفت تخطط وتفضحك قدام زمايلك وتجيب حظر على شقتك في نص ساعة.. هتيجي الأتيليه في نص الليل لوحدها من غير ما أمن نفسها؟»


قبل ما يستوعب جملتي.. الباب الزجاجي للأتيليه اتفتح بقوة، ودخل منه ثلاثة رجال بوليس ومعاهم المحامي فريد نفسه!


الظابط قرب بصرامة وقال:


– «طارق عبد السلام؟ إنت موقوف بتهمة التزوير في أوراق رسمية، والاستيلاء على أموال بدون وجه حق، ومحاولة الإضرار العمدي بممتلكات الغير!»


طارق بص للظابط وبصلي، وحاول يجري ناحية باب الخلفي، بس العساكر مسكوه وكتفوه في ثواني!


طارق وهو بيتكتف كان بيصرخ ويصرخ زي المجنون:


– «سارة! سارة مش هسيبك! والله ما هسيبك! الأوراق دي مش هتخرجك منها! إنتي مضيتي بتوكيلك!»


قربت منه، وبصيت في عينيه بمنتهى الاحتقار، وطلعت الورقة الأخيرة من جيبي وحطيتها قدام وشه:


– «التوكيل اللي استغليته يا طارق.. أنا الغيته رسمياً في الشهر العقاري من شهر فات، قبل ما تعمل آخر شحنة بأسبوعين! يعني كل توقيع عملته بعد التاريخ ده هو تزوير صريح يوديك السجن المشدد مش بس فصل من الشغل!»


طارق سكت.. الفك بتاعه اترعش، وعينيه انطفت تماماً. اتسحب بره الأتيليه وهو مكلبش بالإيدين، قدام عيون الناس في الشارع اللي اتجمعوا على صوت البوليس.


وقفت في نص الأتيليه، بين القماش والمانيكانات، والمحامي فريد واقف جنبي وبيقولي:



– «حمد الله على السلامة يا مدام سارة.. كده طارق ومي وهشام كلهم تحت أيد النيابة، والأتيليه وحساباتك بأمان تام.»


تنفسّت بألم وعمق.. كنت حاسة إن الكابوس انتهى، وإن حقها رجع لها كاملاً مكملًا.. بس وأنا بلم الأوراق عشان أروح، المحامي فريد بصلي بنظرة غريبة وقالي:


– «بس في حاجة واحدة يا مدام سارة لازم تعرفيها قبل ما نقفل الملف ده.. في شخص رابع كان بيمول طارق ومي من البداية، شخص كبير جداً في السوق، وهدفه ما كانش الأتيليه بس.. كان هدفه يدمر العيلة بتاعتك كلها!»


 

حكايات نرمين عادل 3


جمال الجملة اتجمد على لساني، والورقة اللي كانت في إيدي طاحت على الترابيزة.


«شخص رابع؟ بيمول طارق ومي؟ وعاوز يدمر عيلتي كلها؟»


بصيت للأستاذ فريد بذهول، كان عقلي خلاص اتزحم بالأحداث والمفاجآت، مش قادر يستوعب إن الصدمة لسه ليها أبعاد تانية أعمق وأخطر!


المحامي فريد قعد على الكرسي اللي قدام مكتبي، وطلع ملف أسود تقيل من شنطته الجلد، وحطه بيني وبينه. بصلي بجدية شديدة وقال:


– «مدام سارة.. طارق ومي وهشام مجرد أدوات، بيادق صغيرة على رقعة شطرنج أوسع بكتير. طارق صح شبكة ديون وغباء وطمع، ومي بنت مشبوهة ودورها كان واضح.. بس الفلوس اللي كانت بتتدفق في حساب مي عشان تشتري أقمشة جماركها مضروبة، والضمانات البنكية اللي كانت بتسهل لطارق التزوير من غير ما السيستم يرفض، كانت جاية من مؤسسة استثمارية كبرى اسمها “الشهابي للنسيج والتجارة”!»


أول ما سمعت اسم “الشهابي”، حسيت برعدة مشيت في جسمي كله، ودمي اتجمد في عروقي!


– «عائلة الشهابي؟! دي الشركة اللي كانت منافسة لأبويا الله يرحمه من 15 سنة! الشركة اللي حاولت تشتري المصنع بتاعه ولما رفض.. اتعرض لأزمة مالية وراء أزمة لحد ما مات بحسرته!»


– «بالظبط كده!» رد الأستاذ فريد وهو بيفتح الملف وبيشاور على توقيعات وتحويلات بنكية: «كمال الشهابي.. ابن الحسين الشهابي اللي كان منافس والدك. كمال ما نساش إن والدك رفض يبيع له اسم العيلة والماركة، ولما الأتيليه بتاعك بدأ يكبر في السوق ويرجع اسم عيلتك تاني ويمسك عقود تصميم كبيرة، كمال قرر يدمرك.. بس مش بمواجهة شريفة في السوق، اختار يهد البيت من جواه!»


مسكت طرف المكتب عشان أثبت جسمي اللي كان بيترعش من كثرة الغضب. كل نقطة صدمة ووجع حسيتها النهاردة كانت وراها خيط مربوط عند كمال الشهابي! طارق ما كانش مجرد زوج خاين، طارق كان الطعم اللي استخدمه كمال عشان يوصل لرقبتي!


– «طارق كان عارف؟» سألت المحامي بصوت واطي ومخنوق.


– «طارق غبي وطماع..» رد فريد بأسف: «كمال الشهابي استخدم واسطته ونفوذه عشان يقنع طارق بإنه هيخليه رجل أعمال كبير وشريك في مصنع جديد، مقابل إن طارق يورطك في القضايا دي ويجبرك تنازلي عن اسم الأتيليه والماركة المسجلة للتنازل عن القضايا! طارق افتكر إن كمال بيخدمه، وما كانش فاهم إنه بيبني المشنقة لنفسه وليكي معاها!»


وقف كلام الأستاذ فريد، وعقلي بدأ يشتغل بسرعة رهيبة. النار اللي كانت بتاكل في قلبي من خيانة طارق، تحولت لبركان من الإصرار. أنا سارة بنت الحاج عبد الجواد.. اللي أبويا علمني إن الشرف والكرامة خط أحمر، وإن اللي يمس عيلتنا ما يخرجش سليماً!


طلعت تليفوني، وبصيت للمحامي وقلت له بنبرة صارمة:


– «كمال الشهابي فاكر إن سارة مجرد ست كسرتها الخيانة وهتقعد تعيط على حظها.. هو ما يعرفش إن اللعبة يلا بادية بالنسبة لي.»


– «ناوية تعملي إيه يا مدام سارة؟» سألني فريد بفضول وقلق.



– «أول حاجة.. طارق ومي وهشام يفضلوا في النيابة، وأنا مش هتنازل عن محضر واحد ضد طارق لحد ما يلبس البدلة الزرقاء. وثانياً.. كمال الشهابي دخل حربي، ولازم يدفع التمن غالي أوي!»


في نفس الليلة، وبعد ما خرج الأستاذ فريد من الأتيليه، ما رجعتش البيت. ما كانش عندي قدرة أدخل البيت اللي اتدنس بوجود مي وطارق. قعدت في الأتيليه لحد الفجر، أراجع كل تصاميمي، كل عقودي، وأعيد ترتيب حساباتي.


على الساعة 8 الصبح، التليفون رن.. كان رقم النيابة العامة.


رديت، وطلبوا مني الحضور فوراً لسماع أقوالي في البلاغ المقدم مني، ولمواجهة المتهمين طارق ومي بالدفاتر والأدلة الجديدة.


لبست فستان أسود شيك، وحطيت مكياج هادي، ولبست الكوليه الذهب الإيطالي اللي طارق افتكر إنه ضاع.. ومشت بخطوات ثقيلة وواثقة لمدخل سراي النيابة.


جوه الطرقات، كانت الريحة مليانة قلق وخوف. وقفت قدام غرفه وكيل النيابة، وفجأة.. الحرس خرجوا طارق ومي وهما مكلبشين مع بعض عشان يدخلوا العرض!


شكلهم كان يرحم ويفرح في نفس الوقت!


مي كانت هدومها الشيك اتبهدلت، كحلها ساح على وشها، وشعرها اللي ظبطته في الكوافير بقى منكوش، وعينيها مليانة رعب وذل.


وطارق وشه كان شاحب كأنه ميت، دبلة الجواز اللي في إيده كانت مشروخة، وكان بيتحرك زي الخيال.


أول ما مي شافتني، اترمت على ركبي قدام العساكر في وسط الطرقات وبكت بصوت هستيري:


– «حقك عليا يا ست سارة! والله طارق هو اللي أغراني! قال لي هيسجل لي الشقة والذهب ويكتب لي ورقة العرفي عشان يقهرك! أنا غلبانة وما عنديش حد، سامحيني وما تخربيش بيتي!»


طارق بص لها بقرف وصصرخ فيها:


– «إسكتي يا واطية! إنتي اللي جيتيلي الأتيليه وكنتي بتنظفي تحت رجليها عشان تسبيني وتسرقينا! سارة.. سارة بصيلي يا سارة، أنا جوزك وحبيبك! بلاش تعملي فيا كده قدام الناس، أنا اتلعب بيا!»


أنا ما نزلتش عيني لهم، ولا حتى رمشت. وقفت زي الجبل، ورفعت راسي، وبصيت لطارق بثبات وقسوة:


– «جوزي وحبيبي ماتوا أمس لما القهوة اتدلقت على السجادة يا طارق.. اللي واقف قدامك دلوقتي هي سارة عبد الجواد، اللي هتخليك عبرة لكل واحد يفكر يبيع اللي صانته!»


دخلنا لغرفة وكيل النيابة.. وأثناء ما كان القاضي بيراجع المستندات والتوقيعات، الباب خبط ودخل راجل لابس بدلة غالية جداً ومسود العيون بنظارة شمسية.. كمال الشهابي بنفسه!


كمال دخل بثقة وغرور، وبصلي بابتسامة صفراء وقال لوكيل النيابة:


– «يا فندم، أنا جاي بصفني رئيس مجلس إدارة شركة الشهابي، ومستعد أدفع أي كفالة أو ضمان مالي للإفراج عن الأستاذ طارق.. أصل في بيننا شراكة وتعارض مصالح، وأنا يهمني إن الموضوع ده يتحل ودي بين الأزواج!»


في اللحظة دي، ابتسمت ابتسامة عريضة، وطلعت ملف جديد من شنطتي وحطيته على مكتب وكيل النيابة مباشرة!


– «وده مش موضوع ودي يا سيادة المستشار..» قلت بصوت هز الأوضة كلها: «ده بلاغ جديد ومحضر انضمامي ضد الأستاذ كمال الشهابي شخصياً بتهمة التآمر الجنائي، وغسيل الأموال، واستغلال النفوذ للإضرار بشركتي بالتعاون مع المتهمين!»


كمال الشهابي ابتسامته اختفت تماماً، والنظارة الشمسية اتخلعت من على وشه بذهول!


كمال الشهابي اتسمر في مكانه، والنظارة الشمسية اتخلعت من على وشه بذهول وهو بيحاول يستوعب المفاجأة. الابتسامة الصفراء اللي كانت على وشّه اتقلبت لملامح غضب مكتوم، وعينيه بقت تتنقل بيني وبين الملف الأسود اللي حطيته على مكتب وكيل النيابة.


وكيل النيابة رفع عينيه من على الأوراق، وبص لكمال الشهابي بنظرة حادة، وبعدها فتح الملف الجديد وبدأ يقرأ المستندات بتركيز شديد. السكوت خيم على الأوضة لعدة دقائق، ما كانش بيقطعه غير صوت تقليب الصفحات، ونفس طارق ومي اللي كان طالع بصعوبة كأنهم بيتحاكموا قدام حبل المشنقة.


طارق بص لكمال الشهابي بصدمة وقال بصوت مرعوب:


– «كمال بيه؟ هو في إيه؟ هي سارة بتقول إيه؟ مش إنت قايل لي إن الأمور كلها تحت السيطرة وإنك هتحمينا؟»


كمال ما ردش عليه، ولا حتى بص له.. تجاهله تماماً كأنه حشرة مالهاش قيمة، وبص لوكيل النيابة وقال بنبرة حاول يخليها متماسكة ومغرورة:


– «يا فندم الكلام ده كلام فارغ ولا أساس له من الصحة.. مدام سارة بتحاول تقحم اسم شركتي في خلافات زوجية وشخصية عشان تبتزني وتغطي على الأزمة المالية اللي يمر بيها الأتيليه بتاعها!»


قفزت من مكاني وقفت بثبات، وبصيت له وبصيت لوكيل النيابة وقالت بصوت واضح يرن في كل زاوية في الأوضة:


– «ابتزاز؟ يا سيادة المستشار، الملف اللي قدام حضرتك فيه كشوفات حسابية موثقة من البنك المركزي بتثبت إن الحساب الشخصي لـ (مي أحمد) استلم تحويلات مالية ضخمة من حساب شركة (الشهابي للنسيج) تحت مسمى خدمات استشارية وهمية! وفيه كمان رسائل صوتية مفرغة وموثقة بالشهر العقاري بين كمال الشهابي وطارق، بيطلب منه فيها تسريب خطوط الإنتاج الجديدة وتوريط الأتيليه في شحنات الأقمشة المغشوشة عشان الماركة تقع في السوق وتفلس!»


وكيل النيابة هز راسه بصرامة، وخبط على المكتب بإيده وقال:


– «هدوء جميعاً!»


ثم وجه كلامه لكمال الشهابي بصوت قاطع:


– «الأستاذ كمال الشهابي.. المستندات المقدمة هنا خطيرة جداً وبتدعم الشبهة الجنائية. إنت مش هتخرج من السراي هنا إلا بعد الاستماع لأقوالك رسمياً في محضر التحقيق كمتهم رابع في قض\ية التآمر والتزوير والإضرار العمدي بممتلكات الغير!»


في اللحظة دي، مي صرخت بصوت عالي، واترمت على الأرض وهي بتعيط وتلطم على وشها:


– «أنا ماليش دعوة يا بيه! والله أنا ماليش دعوة! كمال بيه هو اللي اتصل بيا من ست شهور وقال لي ادخلي الأتيليه عند سارة وعينك تبقى على كل حاجة، وهو اللي كان بيبعت لي الفلوس في البنك وكان بيعدني إنه هيجوزني طارق ويشتري لنا شقة في التجمع لو قدرنا نكسر سارة ونخليها تبيع الأتيليه بمليمين!»


طارق بص لمي وشه اتقلب أصفر زي الميتين، وقال بصوت مخنوق مليان غل:


– «إنتي بتقولي إيه يا خائنة؟ إنتي كنتِ متفقة معاه من ورايا؟ إنتي فهمتيني إنك بتحبيني وعاوزة تستريني من الفقر!»



مي بصت لطارق بقرف وقالت له وهي بتضحك بمرارة وسط دموعها:


– «أحبك إنت يا مغفل؟ أحب واحد باع مراته الأصيلة اللي عملته بني آدم عشان شوية مظاهر؟ إنت كنت بالنسبة لي مجرد سلمة هطلع عليها! كمال بيه هو اللي كان ممشي اللعبة كلها، وإنت كنت أهبل وراسم فيها البطل!»


الموقف جوه الأوضة اتقلب لساحة حرب.. طارق ومي بيقطعوا في بعض، وكمال الشهابي واقف وشه أسود وبيحاول يتصل بمحامينه وهو بيترعش، وأنا واقفة في النص زي القائد اللي شايف أعداءه بياكلوا بعض بعد ما كشف أوراقهم كلهم.


وكيل النيابة أمر الحرس فوراً:


– «خدهم كلهم على التخشيبة! وتحفظ على الأستاذ كمال الشهابي لمنعه من المغادرة لحين استكمال التحقيقات ومواجهته بالأدلة!»


العساكر مسكوا طارق ومي وكمال الشهابي، وشدوا الكلبشات في إيديهم. طارق وهو بيتسحب بره الأوضة، بصلي بعينين مليانة دموع وندم قاتل، وقالي بصوت مبحوح:


– «سارة.. أرجوكي سامحيني.. دمرت نفسي ودمرتك معايا، أرجوكي يا سارة ما تسيبنيش في السجن!»


أنا ما ردتش عليه بكلمة واحدة.. مسكت شنطة إيدي، وعدّلت الكوليه الذهب اللي في رقبتي، وبصيت له بنظرة أخيره كانت بمثابة إعلان وفاة لأي مشاعر كانت جوايا ناحيته في يوم من الأيام.


خرجت من سراي النيابة، والشمس كانت طالعة بتنور الطريق. الأستاذ فريد المحامي كان ماشي جنبي وبيبتسم بفخر:


– «مدام سارة.. إنتي النهاردة مش بس رجعتِ حقك وحق الأتيليه، إنتي أخدتِ حق والدك الله يرحمه من عيلة الشهابي اللي ظلمته زمان. كمال وطارق ومي قدامهم قضايا تزوير وتآمر هتقعدهم في السجن سنين طويلة!»


تنقست براحة عميقة، حسيت إن الهواء يدخل ريتي صافي ونظيف لأول مرة من شهور. الخيانة كانت صدمة دمرت قلبي، بس القوة والكرامة هما اللي عادوا بناء نفسي من جديد.


ركبت عربيتي، ومشيت في شوارع القاهرة رايحة على الأتيليه بتاعي.. الأتيليه اللي هيرجع يلمع وينجح ويكبر أكتر من الأول، بس المرة دي بداره المرفوعة، وبدون أي خائن أو مخادع في حياتي.


بس وأنا قادمة على باب الأتيليه، لقيت تجمع كبير من الصحفيين وكاميرات التلفزيون واقفين قدام الباب بيمسكوا المايكات وبيجروا عليا أول ما نزلت من العربية!


صحفي قرب مني وقال بصوت عالي:


– «مدام سارة! خبر القبض على رجل الأعمال كمال الشهابي وطارق عبد السلام هز السوق النهاردة! وفي معلومات جديدة بتقول إن في طرف خامس متورط في القض\ية.. طرف قريب منك جداً من داخل الأتيليه نفسه! تعليقك إيه على الكلام ده؟»


وقف شعر جسمي، وعيني وسعت من الصدمة وأنا بصلهم.. من الطرف الخامس ده اللي كان جوه الأتيليه وبيخونني من غير ما أعرف؟


وقف الدم في عروقي، وعيني اتسمرت على الصحفي والمايكات اللي انمدت في وشي. الطرف الخامس؟ طرف قريب مني جداً وجوه الأتيليه نفسه؟


كل الكوابيس اللي عشتها من لحظة القهوة المغلية لحد محبس طارق ومي وكمال الشهابي مرت في عقلي في ثانية واحدة.. مين ممكن يكون جوه المكان اللي أنا بنياه بعرقي؟ مين اللي كان بياكل من خيري وبيطعن في ضهري مع الخونة دول؟


دزّيت المصورين والصحفيين ببراعة، ودخلت الأتيليه بسرعة وقَفلت الباب الحديد ورايا بصوت هز الشارع كله. قلبي كان بيدق زي الطبلة، والأتيليه كان هادي وساكت.. بس السكوت المرة دي كان وراه سر مرعب.


مشيت بخطوات بطيئة ناحية الصالة الرئيسية للتطريز والخياطة. البنات والعمال ما كانوش موجودين لأن اليوم كان إجازة رسمية بسبب ظروف التحقيقات.. ما عدا شخص واحد بس!


شخص كان قاعد على مكنة الخياطة القديمة، المكنة اللي أبويا الله يرحمه بدأ بيها المصنع زمان.


كانت “أم هدى”.. الست الكبيرة اللي شغالّة معايا من أول يوم فتحت فيه الأتيليه، الست اللي كنت بعتبرها في مقام أمي، وبفتح لها قلبي، وبسيب لها مفاتيح الأتيليه والخير كله تحت إيدها!


أم هدى كانت قاعدة بتمسح المكنة بقماشة بيضاء، إيدها ببتترعش، ودموعها نازلة على خدها وهي مش قادرة ترفع عينها في عيني.


قربت منها بخطوات الموت، وصوتي طلع مكسور، حزين، وأقوى من الوجع نفسه:


– «أم هدى؟.. أنتي؟»


أم هدى انهارت، وقفت من على الكرسي واترمت تحت رجلي وهي بتعيط بصوت يقطع القلب:


– «سامحيني يا سارة يا بنتي! والله العظيم كنت مجبورة! والله العظيم كمال الشهابي مسك عليا ذلة تهد بيتي وتضيع ابني الوحيد!»


قعدت على ركبتي قدامها، ومسكت كتفها بقسوة وقلت لها والدموع بتغلي في عيني:


– «ذلة إيه يا أم هدى؟ أنتي اللي مربياني! أنتي اللي كنت بعتبرك ضهري وأمي بعد وفاة أبويا! عملتي فيا كده ليه؟ أدخلتِ مي هنا ليه؟ واديتِ لطارق التوكيلات والدفاتر إزاي؟»


أم هدى بدأت تتكلم وهي بتبكي وتترعش:


– «ابني هدى.. كان شغال محاسب في شركة الشهابي من سنتين، وكمال الشهابي عمل له قض\ية اختلاس مزورة برقم ضخم، وهدده بقطع رقبته والسجن المشدد لو ما طاوعتوش! كمال هو اللي جاب مي، وقال لي أدخلها عندك في الأتيليه وأعمل نفسي مخدوعة فيها وأخليكِ ترحميها وتشغليها.. وأنا اللي كنت بفتح الأتيليه لطارق ومي في نص الليل عشان ياخدوا التصاميم والأوراق ويحطوا الفواتير المطبوعة باسمك!»


غمضت عيني بعنف.. الحقيقة كانت زي المطرقة اللي بتكسر آخر زجاج فاضل في قلبي. الخيانة ما كانتش زوجية بس، كانت شبكة من أقرب الناس ليا!


بس في اللحظة دي.. سارة القديمة، الست اللي بتسامح وتعدي، كانت ماتت خلاص واندفنت مع القهوة المغلية اللي اتدلقت في بيتي.


وقفت ورفعت راسي، وبصيت لأم هدى بمنتهى الجمود:


– «أنا كنت ممكن أسامحك يا أم هدى لو جيتِ لي وقلتِ لي ابني في خطر، كنت هقف جنبك وأجيب له أكبر محامين وأحميه بفلوسي وعمري.. بس أنتي اخترتِ تبيعيني وتدمريني وتدخلي الشياطين بيتي وأتيليه أبويا مقابل خوفك.. والست اللي تبيع اللي صانتها ما ليهاش مكان في حياتي!»


مسكت تليفوني، وطلبت الأستاذ فريد المحامي:


– «يا أستاذ فريد.. أم هدى هي الطرف الخامس، تعالي الأتيليه فوراً ومعاك رجال البوليس.. البلاغ الأخير لازم يكتمل عشان كل واحد أكل في قصعتي وطلع خاين ياخد جزاءه بالعدل!»



أم هدى صرخت وقعدت تتوسل، بس أنا مشيت وسبتها في المكتب، وقعدت على كرسي الإدارة الرئيسي.. وقعدت أستنى العدالة تطبق على الجميع.


مرت ستة أشهر كاملة.. شهور كانت عبارة عن إعادة بناء شاملة لحياتي ونفسيتي وشغلي.


في جلسة النطق بالحكم بالمحكمة الكبرى.. الصالة كانت مليانة صحفيين وتجار وناس من كل مكان. أنا كنت قاعدة في الصف الأول، لابسة بدلة بيضاء شيك، ومبتسمة ابتسامة هادية وواثقة، والكوليه الذهب الإيطالي بيبرق في رقبتي تحت أضواء القاعة.


وفي قفص الاتهام.. كان المشهد يثلج الصدر ويشفي غليل كل مظلوم!


* **طارق عبد السلام:** المحكمة حكمت عليه بالسجن المشدد 7 سنوات بتهم التزوير في أوراق رسمية، وخيانة الأمانة، والاستيلاء على أموال بدون وجه حق.


* **كمال الشهابي:** اتصدم بحكم السجن المشدد 10 سنوات مع مصادرة الأموال والممتلكات المشبوهة لشركته بتهم التآمر الجنائي، وغسيل الأموال، والرشوة.


* **مي أحمد:** أخدت سجن مشدد 5 سنوات بتهم السرقة بالتلبس والتزوير والشراكة الجنائية، والتحاليل الطبية أثبتت إن الحمل اللي كانت بتبتز بيه طارق سقط في التخشيبة، وإن طارق ما كانش الأب أساساً زي ما كشفت التسجيلات!


* **أم هدى:** المحكمة راعت سنها ورغبتها في الاعتراف بس أخدت سنة مع الشغل بتهمة التستر والتسهيل في جري\مة التزوير.


لما القاضي ضرب بالشاكوش على الترابيزة وقال: «رفعت الجلسة!».. طارق بصلي من ورا حديد القفص، كان لابس البدلة الزرقاء، وشه شاحب وعينيه ميتة من البكاء والندم، وحاول يمد إيده من بين الحديد وبيصرخ بصوت مكتوم:


– «سارة! سارة سامحيني! دمرت نفسي وضيعت كل حاجة عشان سراب! أرجوكي زوريني مرة واحدة بس في السجن!»


أنا ما حركتش رمش، وبصيت له بثبات، وعدّلت الكوليه الإيطالي بإيدي، ولفيت ضهري ومشيت بخطوات ثقيلة وواثقة بره القاعة، وصوت كعبي العالي يرن في الطرقات.. صوت انتصار الحق على الباطل.


بعد سنتين من المحاكمة..


النهار ده هو يوم افتتاح الفرع الجديد الأكبر لأتيليه «سارة عبد الجواد» في أكبر مجمع تجاري في القاهرة.


الأنوار كانت مبهجة، الصحفيين والإعلاميين مالين المكان، وأرقى مصممي الأزياء في الشرق الأوسط واقفين يباركوا لي على المجموعة الجديدة اللي حطمت أرقام المبيعات في السوق.


وقفت قدام الكاميرات، والمايكات اتوجهت لي من كل مكان. صحفية سألتني بابتسامة:


– «مدام سارة.. قصتك ونجاحك بعد الأزمة الصعبة اللي مريتِ بيها أصبحت ملهمة لكل الستات.. إيه السر اللي خلى سارة تقف على رجلها تاني وتبني الإمبراطورية دي بعد ما بيتها وشغلها كانوا على وشك الخراب؟»


ابتسمت من قلبي، وبصيت للكاميرا بثبات، وقبلت الكوليه الذهب اللي في رقبتي وقلت بصوت واثق تسمعه كل ست:


– «السر بسيط جداً.. لما الصدمة تجيلك في بيتك ومن أقرب الناس ليك، إياكِ تقعي أو تعيطي على السيراميك والمكسور!



الوجع ممكن يكسر القلب، بس الكرامة هي اللي بتبني الست من جديد. الذهب يروح وييجي، والرجالة الخاينة تتعوض بألف راجل أصيل، بس الكرامة والشرف لو راحوا ما بيرجعوش.. وأنا اخترت كرامتي، وعشان كده ربنا رجّع لي حقي تالت ومتلت!»


التصفيق حاد في الصالة كلها، والأضواء أتلقت على تصاميمي الجديدة، وأنا وقفت ورفعت راسي للسماء.. تنفست براحة ونقاء، وعرفت إن القصة انتهت.. بس حياتي الحقيقية القوية يلا بدأت!


 





 


تعليقات

التنقل السريع
    close