القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 فرحي بعد شهر كاملة بقلم روماني مكرم



فرحي بعد شهر كاملة بقلم روماني مكرم


انا فرحي بعد شهر ومكتوب كتابنا كنا بنشتري شوية حاجات وأطقم تقيلة في الوزن جدا فقالي بدل ما نفضل شايلينها نوديها  على طول قريبه من المعرض روحنا فعلًا عشان نحط الحاجات ونمشي. لقيت خطيبى بيقولى انا مش قادر اصبر تانى ومد ايده البدايه


كان يوم إرهاق طويل، بس الفرحة كانت مخلية كل حاجة تهون. لمسنا كل حتة في السوق وأحنا بننقي أطقم الصيني والجهاز، الشنط كان وزنها تقيل جداً واللف هد حيلنا. وأحنا طالعين من المعرض، حسام بص للشنط التقيلة في إيدي وإيده وقال بابتسامة وهدية: “المعرض قريب من يا ندى.. إيه رأيك نطلع نحط الحجة دي هناك بدل ما نفضل شايلين التقيل ده كله ونلف بيه؟ وننزل فوراً نكمل باقي المشاوير.”



كنا كاتبين الكتاب من أسبوعين، وفرحنا فاضل عليه شهر بالتمام والكمال. الفكرة كانت منطقية جداً وعملية، والبيت خلاص بيت فرحنا المترتب اللي فاضل فيه تكات بسيطة. وافقت بسرعة من غير ما ييجي في بالي أي تفكير ثاني، وطلعت معاه.


دخلنا الشقة، ريحة الدهان الجديد مع خشب العفش كانت ماليّة المكان. شيلنا الشنط وحطيناها في الممر اللي قدام المطبخ، ووقفت ألم شعري وأخد نفسي من اللف. حسام قفل الباب بالمفتاح، وحركته دي لفتت نظري بس قلت عادي ده الطبيعي عشان محدش يدخل.


لما التفت عشان أقوله يلا بينا ننزل عشان الوقت متأخر، لقيت نظراته مختلفة تماماً.. فيها استعجال وغرابة ما شفتهاش فيه طوال فترة الخطوبة. قرب مني فجأة، مسك إيدي بنبرة صوت ومش طبيعية وقال: “أنا مش قادر أصبر تاني يا ندى.. إحنا خلاص كاتبين كتابنا وما فيش داعي للانتظار ده كله.”


دفعتها في صدره بكل قوتي ورجعت خطوتين لورا،: “حسام! أنت بتعمل إيه؟ أنت اتجننت؟”


رد وهو بيحاول يقرب تاني بنفس الاندفاع: “إيه يا بنتي! أنتِ مراتي على سنة الله ورسوله، هو إحنا بنعمل حاجة حرام؟ فاضل شهر، مش هتفرق الأيام دي!”


“تفرق معايا أنا!” فيها بصوت بس حاسم. “اتفقنا كان واضح، وفرحنا قدام الناس كلها بعد شهر. مش بالطريقة دي ولا بأسلوبك ده!”


حاول يمسك إيدي تاني ويقلل من رد فعلي وهو بيتحرك ناحيتي: “بلاش كبر يا ندى، إحنا لوحدنا وما حدش شايفنا، الموضوع أبسط من كل التهويل ده.”


نظرت في عينيه ولقيت شخص تاني خالص، شخص مش مقدر مشاعري ولا الخوف اللي أنا فيه، وشايف إن حقي وبنيتي شيء ممكن يتعداه بمجرد إننا لوحدنا وقفلنا باب واحد. في اللحظة دي بالذات، الخوف تحول لغضب عارم ووضوح شديد.


“افتح الباب يا حسام.” قلتها بصوت هادي جداً بس.


“ندى استني بس، أنتِ مكبرة الموضوع..”


“بقولك افتح الباب فوراً، يا إما صوتي هيجيب العمارة كلها هنا حالا.”


شاف الجدية اللي في عيني، وربما خاف من الفضيحة، فرد إيده وجاب المفتاح وفتح الباب وهو بيتمتم بكلام مش مفهوم وعامل نفسه زعلان.


نزلت السلم بجري، مش شايفة قدامي من اللي حبستها بالعافية طوال الثواني اللي فاتت. كل خطوة كانت بتأكد لي إن في حاجة ومش هينفع تتصلح. ، عدم احترام رغبتي، والتصرف اللي غاب عنه كل نبلاء وشرف الخطوبة، كل ده كان جرس إنذار أعلى من أي صوت.


وصلت البيت، دخلت وقفلت على نفسي. مسكت التليفون وإيدي بتتكتك من قاطعته بنبرة صلبة ومفيش فيها أي مجال للمناقشة:


#الكاتب_رومانى_مكرم_


“سمعني كويس يا حسام.. اللي حصل النهارده عرفني كل حاجة. بكرة الصبح، أهلك أو أنت تبعتوا عربية ونزلوا كل حاجة تخصني من شقتك وترجعوها بيتنا. جهاز حاجتي ترجع كلها فوراً، وما فيش فرح هيتم.”


قفلت السكة في وشه قبل ما ينطق بكلمة واحدة، وحطيت التليفون جنبي وأنا مستنية نشوف بكرة هيشيل إيه.


حين أغلقت ندى الهاتف في وجه حسام، لم تكن الشقة الصامتة سوى الساحة الأولى لمعركة أقسى بكثير. استندت بظهرها إلى باب المغلق، والمكان من حولها يضج بآثار الشهور الماضية؛ الفستان الأبيض المعلق في زاويتها، الصناديق الملفوفة بشرائط ستان براقة، وبطاقات الدعوة التي كانت تجهزها لتوزيعها مع نهاية الأسبوع. كانت الليلة تبدو أطول من أن تُقضى في البكاء، لكنها لم تبكِ. تحول الذهول الأوليّ إلى يقين بارد، يقين بأن ما حدث لم يكن مجرد اندفاع أو غلطة لحظية، بل تكشيفاً عن كيفية تفكير حسام حين يُغلق عليهما باب واحد.


لم يمضِ أكثر من ساعة حتى بدأت الاتصالات. أولاً من حسام، الذي حاول الاتصال أكثر من عشرين مرة، متدرجاً في رسائله النصية من العتاب والرجاء، إلى الغضب والاتهام بالمبالغة والتهويل. حين رأى أن ندى لا تجيب، تحول إلى خطته التالية: والدته.


في تمام الحادية عشرة مساءً، رن هاتف والدة ندى. استمعت الأم للحديث بنبرة تتراوح بين المفاجأة والارتباك، قبل أن تنظر إلى باب غرفة ابنتها بوجل. دخلت  بهدوء، ورأت ندى تجلس على طرف ، بكامل ثباتها، وعيناها مثبتتان على نقطة وهمية في الأرض.


“ندى يا بنتي.. أم حسام بتكلمني وهي هتتجنن. بتقول إن حسام جه البيت منهدم، وبيقول إنك زعلتي عشان حاول يحضنك أو يقرب منك وأنك كبرتي الموضوع وطلبتي تنهوا كل حاجة؟ فيه إيه يا ندى؟ ده جوزك رسمياً كاتبي كتابكم، والفرح فاضل عليه أيام!”




رفعت ندى رأسها، ونظرت لعينَي والدتها مباشرة. كان الصوت الذي خرج منها هادئاً إلى حد يبعث على القشعريرة: “يا أمي، اللي حصل مش مجرد محاولة قُرب. حسام استدرجني بحجة الشناط التقيلة، قفل الباب بالمفتاح، ولما رفضت ، ما احترمش رغبتي ولا خوفي. قالي ‘إحنا لوحدنا وما حدش شايفنا حسام شايف إن كتاب الكاتب يديله الحق إنه يأخد اللي عايزه بالدراع وبدون موافقتي، وشايف إن مالهمش قيمة قصاد رغبته هو. الشخص ده لو دخلت بيته وقفلنا علينا باب حقيقي، مش هعرف آخد حق ولا باطل معاه.”



سادت لحظة صمت ثقيلة في . كانت الأم تتنقل بعينيها بين نظرات ابنتها الصلبة وبين الفستان الأبيض المعلق. الموروث الثقافي الضخم كان يضغط على رأس الأم: كلام الناس، الجهاز، ، والمأذون الذي كتب الكتاب منذ أسبوعين فقط.



“بس يا بنتي.. الناس هتسأل، وكتابكم مكتوب! لو دلوقتي هتتقال عليكِ مطلقة قبل الفرح بشهر! غير كده، هو فعلاً جوزك  اللهفة؟”


ردت ندى بصوت نزل كالصخرة: “شرعاً وقانوناً، الزواج استئناس واحترام ورضا، مش غصب واستغلال فرصة. لو الناس جسمي ونفسيتي لما جوة بيته، يبقى أهتم بكلامهم. لو مش ، يبقى رأيهم مالوش قيمة. أنا مش هكمل يا أمي، ومفيش حاجة هتنزل من بكرة غير وأنا مستلمة حاجتي كامة.”




جلس والد ندى، الرجل الذي أفنى عمره في تجهيز ابنتها، قبالة والد حسام. كانت أجواء الصالون محتقنة، وأطقم الصيني والجهاز التي دُفعت فيها مبالغ طائلة تقف صامت على المحنة.



هنا، خرجت ندى من . كانت  الخروج، وفي يدها المفاتيح ودفتر صغير سجلت فيه كل قطعة جهاز تم نقلها حسام خلال الأشهر الماضية.



وقفت ندى وسط الصالون، واستدارت نحو حسام ، تجاهلت محاولاته للتملص ونظرت في عينيه بثبات: “حسام.. أنت عارف كويس إيه اللي حصل، وعارف إني ما . أنت ما احترمتش كلمة ‘لا’ لما طلعت من لساني. أنت افتكرت إن المفتاح لما يلف في الباب يبقى أنا بقيت ملكك تتصرف معايا زي ما أنت عايز. اللي يتعامل معايا كأني فرصة أو صيد مستني يقفل عليه الباب، ما ينفعش يكون أمني ولا سندي.”




تدخل حسام بصوت مرتفع وحشرجة غضب: “أنتِ بتكبري الموضوع ليه؟ هو أنا غريب؟ أنا جوزك! كل الناس بتعدي اللحظات دي، أنتِ اللي عندك فوبيا ومعقدة!”



“أنا مش معقدة،” ردت ندى وهي تضع دفتر الحصر على الطاولة بثبات. “أنا واحدة عارفة قيمة نفسها. الشجاعة مش إنك تحاول تفرض نفسك، الشجاعة إنك تحترم الحدود. القصة مش قصة شهر فاضل على الفرح، القصة قصة بكرة وبعد بكرة وسنين جاية مع بني آدم مش شايف رغبتي.”



التفتت ندى إلى والدها، وقالت بصوت ناعم ولكن صارم: “يا بابا، السيارات دلوقتي ترجع كل حاجة. لو حسام أو أهله رفضوا يفتحوا أو يسلموا الحجة، أنا هطلع على النيابة وأعمل محضر إثبات حالة باللي حصل وبامتناعهم عن تسليم الجهاز.”


ساد الصمت الصالون. كانت نبرة ندى خالية من أي تردد، ولم تترك أي  أو الوساطة. رأى والد حسام في عينها حزماً جعل أي محاولة للتغطية على تصرف ابنه تصبح بلا فائدة، بل قد تجلب لهم فضيحة أكبر أمام المنطقة والعائلة.


نهض والد حسام، ونظر لابنه بنظرة خيبة أمل، ثم وجه كلامه لوالد ندى: “السيارات تنزل الحجة يا حاج.. وكل واحد يروح لحاله. المأذون يجي ينهي الورق زي ما بدأه.”


في ظهر ذلك اليوم، كانت ندى تقف في الشارع أمام العمارة التي كان مفترضاً أن تكون بيتها المستقبلي. كانت ترقب العمال وهم ينزلون الأطقم الثقيلة، الصناديق، والأثاث الذي اشترته بجهدها وعرقها. كان حسام يقف على الرصيف ، ينظر إليها بغضب مكتوم وخيبة أمل، محاولاً العثور في عينيها على أي أثر للندم أو التراجع، لكنه لم يجد سوى جدار صلب من اللابالي.


حين حُملت آخر كرتونة في السيارة، رفعت ندى رأسها ونظرت إلى الشباك الكبير في الدور الثالث. لم تره بيتاً ضائعاً، بل رأت سجناً كادت أن تُغلق أقفاله عليها للأبد. ركبت السيارة بجانب والدها، ووضعت يدها على يده التي كانت حزناً عليها.


“زعلان يا بابا؟” سألته بهدوء.


تنهد والدها وهو ينظر للشارع وأمسك يدها بضغط قوي: “كنت خايف عليكِ من كلام الناس يا ندى.. بس لما شفتك واقفة بتدافعي عن نفسك وشرفك وكرامتك بالطريقة دي، عرفت إني ربيت ست بجد. اللي ما يحمكيش قبل الباب، مش هيحميكي بعده.”


أغلقت ندى عينيك وأسندت رأسها على زجاج السيارة. كان الفرح المقرّر بعد شهر قد انتهى قبل أن يبدأ، وكانت الخسائر المادية والاجتماعية تحيط بها من كل جانب، لكن داخل صدرها، كان هناك شعور واحد يطغى على كل شيء: حرية ناتجة عن موقف واحد، رفضت فيه أن تكون مجرد ضحية لقفلة باب.


فرحي بعد شهر ج 2


مر أسبوعان على ذلك اليوم الذي عادت فيه السيارات محملة بـ “الجهاز”. كانت قد عادت كما كانت قبل الخطوبة، لكن البيت لم يعد كما كان. كانت الأجواء محتقنة بالترقب والهمس؛ أمهات أقاربها يتناوبن على زيارة منزلها، يحملن نظرات تتراوح بين المشوب بالفضول، واللوم المبطن على “قرار متسرع” قبل الفرح بأيام معدودة.



كانت ندى تجلس في صمت، تصغى إلى الهمسات التي كانت تصلها من وراء الأبواب المغلقة: “عروسة ترجع حاجتها قبل فرحها بشهر؟”، “كانت تصبر والموضوع كان يعدي!”، “مين هيتقدم لوحدة كتبت كتابها واطلقت قبل الزفة؟”. لكن كل تلك الأسماك الميتة التي سبحت في بحر كلام الناس لم تكن لتهز اليقين الذي استقر في قلبها.



في صباح يوم الثلاثاء، كان الموعد المحدد عند المأذون لإنهاء إجراءات  الرسمي. جلست ندى في مكتب المأذون الصغير بملابسها السوداء الهادئة، يرافقها والدها وعمها. وبعد دقائق، دخل حسام برفقة والده. كان يبدو عليه ، لكن عينيه كانتا تشعان بنوع من التحدي الرخيص؛ رغبة في إثبات أنه هو من “يستغني”، وليس هو من أُقصي بسبب سوء تصرفه.


حاول المأذون، بحكم وظيفته وطبيعته، أن دور : “يا جماعة، ده أبكار وكتب كتاب، شاطر.. الفرح كان فاضل عليه أيام، ما تدوا فرصة ثانية؟”


قبل أن يتكلم والدها، نظرت ندى للمأذون بثبات وقالت: “يا شيخنا، الفرصة بتُعطى للي يغلط في حق أو ، مش للي ينتهك حرمة وحق غيره ويشوف إن الاستقواء فرض واقع. أرجوك كمل الإجراءات.”


نزل كلامها كالصاعقة في الغرفة الصغيرة. نظر إليها حسام بنظرة حادة، ثم قال وهو يوقع على الأوراق بحدة: “أنتِ فاكرة إنك كده كسبتي؟ أنتِ خرجتي من التجربة دي بلقب مطلقة، وشوفي مين هيقبل بيكِ بعد كده دي والتفكير ده!”


رفعت ندى رأسها، ونظرت في عينيه دون أن يطرف لها جفن، وبنبرة خالية تماماً من الانفعال ردت: “لقب مطلقة بشرف وكرامة أحسن ألف مرة من لقب زوجة مكسورة ومستباحة جوة باب مقفول. أنا ما خسرتش يا حسام.. أنا أنقذت نفسي منك، وده أكبر مكسب طلعت بيه.”


وقّع الجميع، وأمسكت ندى بورقة طلاقها. لم تشعر بالانكسار وهي تمسك بتلك الورقة ذات الإطار الأسود، بل شعرت وكأنها شهادة ميلاد جديدة تُكتب لها، قسيمة إفراج عن مستقبلي كان يتجه نحو الهاوية.


خرجت من مكتب المأذون، والشمس كانت ساطعة في منتصف النهار. تنفست الصعداء، وكأن الهواء أخيرًا يدخل رئتيها دون طعم الدهان الجديد أو خشب العفش الذي ارتبط بأبشع لحظة في حياتها.


بعد شهرين من الحادثة، وقبل أيام قليلة من الموعد الذي كان مفترضاً أن يكون “يوم زفافها القديم”، تلقت ندى إشعارات على هاتفها من أصدقاء مشتركين. كانت الصور تنتشر لحسام وهو يحتفل بفرط استعراض ببدء خطوبة جديدة من فتاة أخرى من معارف عائلته البعيدين، وكأنه يحاول إثبات أن حياته لم تتوقف، وأن المشكلة كانت كلياً في “ندى”.


أتت والدتها إليها بالهاتف وهي تبكي بحرقة: “شفتي؟ خطب غيرك في شهرين! الناس هتقول إن العيب كان فيكِ أنتِ عشان كده سابك وخطب فوراً!”


ابتسمت ندى ابتسامة هادئة، وأمسكت يد والدتها وجلست بجوارها: “بالعكس يا أمي.. الصور دي أكدت لي إني صح. اللي يغير مشاعره ويتجاوز أزمة كادت تهد حياة بني آدمين في شهرين، ده شخص بيلبس أقنعة، وما يفرقش معاه غير ذكورته ورغباته. الفتاة الجديدة دي هي اللي محتاجة الدُعاء، لأنها رايحة لنفس الفخ اللي أنا خرجت منه بصعوبة.”


في تلك الليلة، قامت ندى بخطوة جادة؛ جمعت كل بطاقات الدعوة القديمة، والفستان الأبيض الذي كان معلقاً كشبح في زاويتها، وقررت التبرع بالفستان لجمعية خيرية تزف به عروساً أخرى قد تجد فيه سعادتها، وقامت بحرق بطاقات الدعوة واحدة تلو الأخرى في صحن معدني صغير ببالكونة غرفتها.


مع كل ورقة تتآكلها النار، كانت ندى تشعر بأن جزءاً من الثقل المادي والنفسي يتبخر في الهواء. لم تكن تبكي على ما فات، بل كانت تخطط لما هو قادم. فتحت حاسوبها المحمول، وبدأت في التقديم على منحة دراسية في إدارة الأعمال كانت قد أجلتها في السابق من أجل التفرغ لترتيبات الزواج وإرضاء حسام.


وفي الوقت الذي كان البعض يظن أن ندى قد انكسرت وانزوت في غرفتها تندب حظها، كانت هي تبني النسخة الأقوى من نفسها؛ النسخة التي تعلمت أن “الباب المغلق” لا يجب أن يخفي وراءه الخوف، وأن حدود كرامتها خط أحمر لا يمكن مساومته، مهما كان الثمن الاجتماعي باهظاً.


لكن الأيام كانت تخبئ مفاجأة لم تكن في الحسبان، حين بدأ هاتف ندى يرن مجدداً بعد ثلاثة أشهر من ، وهذه المرة لم يكن المتصل حسام ولا والده، بل رقم غريب سيغير مسار الأحداث تماماً.




كان الرقم الغريب يرتجف على شاشة الهاتف، ينبض بين أرقام خضراء متتالية، وكأنه نداء من مجهول يحمل في طياته بقايا حكايات لم تُغلق بعد. نظرت ندى إلى الشاشة لثوانٍ، أخذت نفساً عميقاً، ثم فتحت الخط بصوت هادئ ومستقر: “ألو؟”



جاءها من الطرف الآخر صوت أنثوي يرتجف، صوت يحمل نبرة رعب تعرفها ندى جيداً؛ نبرة الخوف المكتوم، والخديعة التي تُكتشف في لحظة خاطفة: “ندى؟ أنا.. أنا هدى. خطيبة حسام الجديدة.”



ساد الصمت لثوانٍ. لم تندهش ندى، بل شعرت ببرودة تحل في المكان. ردت بنبرة متزنة: “أهلاً يا هدى.. خير؟ في حاجة حصلت؟”


جهشت هدى بالبكاء على الطرف الآخر، بكاء مرير كسر كل حواجز الغرابة بينهما. بين الشهقات، كانت الكلمات تخرج مبعثرة: “أنا آسفة إني بكلمك.. بس أنا غرقانة ومش عارفة أروح لمين. حسام كان بيصوّرك قدامنا كلنا إنك معقدة ومجنونة ومبتفهمش في الأصول، وإنك تبلّيتي عليه وفتعتي مشكلة من ولا حاجة عشان تنهي الجوازة.. بس اللي حصل معايا النهاردة خلاني أفهم كل كلمة كانت بتتقال عنك، وخلاني أعرف إني كنت أعمى.”


استندت ندى بظهرها على المقعد، وقالت بصوت هادئ يحمل كل الدعم: “هدى.. اتنفّسي واهدي، وقوليلي إيه اللي حصل بالضبط؟”


بدأت هدى تحكي بصوت يتملكه الذعر. السيناريو كان صورة طبق الأصل، وكأن حسام يتبع كتالوجاً لا يتغير: “كنا بننقي السجاد، وقالي الشقة قريبة، تعالى نحط السجاد وننزل فوراً.. طلعت معاه بصنية، وقفل الباب بالمفتاح. لما طلب حاجات مش وقتها وقلتله لأ، اتغير.. نظراته اتغيرت، وقالي ‘إحنا كاتبين كتابنا وما فيش داعي نضيع وقت، والناس كدة كدة فاكرة إننا اتجوزنا’.. ولما حاولت أبعد ونهرته، مسكني بعنف وقالي ‘أومال فاكرة نفسك مين؟ مش هتعملي عليا شريفة زي اللي قبلك!’.. أنا اترعبت يا ندى، هددته بإني أصرخ وأفضحه، ولما شافني وبصرح فتح الباب وجريت!”


أغلقت ندى عينيها برهة، حسّت بغصة في حلقها ليس حزناً على ما فات، بل غضباً على تكرار ، ورحمة بهذه الفتاة التي كادت أن تكون ضحية ثانية لنفس النفسي الذي يختبئ خلف ورقة كتب الكتاب.


“أنا خايفة يا ندى.. خايفة من كلام الناس، وخايفة من أهلي! أهلي شايفين إنه عريس ما يتعوضش، وهو نازل كلام فيا وفي أهلي وبيقول إننا بنكبر الموضوع وإن دي حاجات طبيعية بين أي اتنين متجوزين!”


ردت ندى بقوة: “الخوف هو السلاح الوحيد اللي بيعيش عليه حسام وأمثاله. كلام الناس هينتهي بعد أسبوعين، بس الكسرة والنقص اللي هتعيشيهم جوة بيته لو كملتي هيفضلوا معاكي طول عمرك. ارجعي لأهلك، احكيلهم الحقيقة كاملة بدون خوف ولا خجل. أنتِ ما عملتيش حاجة غلط.. الغلط هو اللي استغل ثقتك وقفل الباب بالمفتاح.”


في صباح اليوم التالي، لم تكتفِ ندى بالدعم الهاتفي. توجهت بنفسها لمقابلة هدى ووالدتها في أحد الكافيهات الهادئة. كانت والدة هدى تبكي وتنصف ابنتا، لكنها كانت محتارة بين كلام الناس وخوفها على مستقبل ابنتها.


جلست ندى أمامهما، وبكل شجاعة ووضوح، حكت للأم التفاصيل الكاملة لما حدث معها قبل أشهر، بنفس الأسلوب، ونفس الحيل، ونفس ردود الفعل عندما قوبل بالرفض.


قالت ندى للأم بصوت يبعث على الأمان: “يا طنط، حسام مش بينسى، ومش بيتغير. هو بيقيس البنت بمدى استسلامها لخوفها. يوم ما رفضت، قال عليا معقدة ورمى عليا الكلام. ولما هدى رفضت، كرّر نفس الشماعة. لو بنتك كملت معاه، مش هتكون زوجة.. هتكون أسيرة لشخص شايف إن الحقوق بتتأخد بالعافية والتهديد.”


كانت شهادة ندى هي طوق النجاة التي احتاجتها هدى وعائلتها. في نفس اليوم، اتخذت عائلة هدى قراراً حاسماً بفسخ الخطوبة وإنهاء كتب الكتاب، ورد كل مستحقات حسام إليه مع إرسال رسالة شديدة اللهجة له ولعائلته بعدم المحاولة للتواصل مجدداً.


لكن حسام، الذي وجد نفسه للمرة الثانية مطروداً ومكشوفاً أمام الجميع، . لم يحتمل أن تحطم “ندى” صورته للمرة الثانية، وأن تكون هي السبب في كشف حقيقته أمام العائلة والمحيطين.


في ليلة ممطرة، وبينما كانت ندى عائدة من دورة تدريبية في إدارة الأعمال التي بها مؤخراً، تفاجأت حسام ينتظرها عند مدخل العمارة. كان شكله متغيراً؛ شعره معثور، وعيناه تشتعلان بغضب أعمى.


اعترض طريقها فجأة وهو يصيح بصوت خفيض : “أنتِ فاكرة نفسك مين؟ فاكرة إنك هتفضلي تلاحقيني وتخربي عليا حياتي؟ أنتِ اللي رحتي لهدى وشحنتيها ضدي! أنتِ واحدة ومش عايزة تشوفيني مبسوط مع غيرك!”


اقترب منها خطوة بصورة تهديدية ورفع إصبعه في وجهها: “أنا ممكن أدمّرك يا ندى! ممكن أطلع أقول كلام عن الفترة اللي كنا فيها مع بعض يخليكِ ما تعرفيش ترفعي رأسك في الشارع ده تاني!”


وهنا، انطلقت ضحكة هادئة وساخرة من حنجرة ندى. ضحكة جعلت حسام بذهول.


سحبت ندى هاتفها المحمول من حقيبتها، وأرتهم الشاشة. كانت المكالمة جارية، وصوت والدها وعمها يخرج من مكبر الصوت فوراً: “سمعنا كل كلمة يا حسام.. وأنت واقف تحت عمارتنا بنتنا.”


في نفس اللحظة، خرج والد ندى وعمها من باب العمارة بسرعة وحزم، ومعهما اثنان من رجال الشارع الذين سمعوا الصوت المرتفع. تحول في عيني حسام فوراً إلى رعب وخزي.


وقف والد ندى أمامه بكل كبرياء وقوة: “لو شفت خيالك بس في الشارع ده تاني، أو فكرت تنطق اسم بنتي بكلمة، مش بس هنعمل فيك محضر عدم تعرض وابتزاز، ده الشارع كله هيعرف حقيقتك وحقيقة الشقة والمفتاح اللي بتستغلهم على بنات الناس! امشي من هنا فوراً قبل ما أطلبلك !”


نظر حسام حوله، فرأى نظرات الازدراء تعتليه من كل جانب؛ من والد ندى، وعمها، وأهل الشارع، وحتى من ندى نفسها التي كانت تنظر إليه ليس بخوف ولا بحقد، بل بفقر وشفقة على ضآلته ونقص رجولته.


عادت ندى إلى شقتها مع والدها وعمها. أغلقت الباب خلفهم، لكن هذه المرة كان إغلاق الباب يبعث على الأمان والسكينة. أخذت نفساً عميقاً، وشعرت بأن الحساب القديم قد أُغلق بالكامل، وأن الخوف الذي طاردها لأشهر قد تحول إلى قوة لا تُقهر.


جلست على حاسوبها، وفي تلك الليلة بالذات، وصلتها رسالة القبول النهائية في المنحة الدراسية التي طالما حلمت بها. ابتسمت لنفسها في المرآة، ورأت امرأة جديدة؛ امرأة لم تسمح لقفلة باب أن حياتها، بل جعلت منها نقطة انطلاق لنهاية تستحقها.. نهاية كانت على وشك أن تُكتب بكلماتها هي فقط في الجزء الأخير.


بعد مرور عامين على تلك الليلة المطيرة، كانت ندى تقف في قاعة المؤتمرات الكبرى بمدينة القاهرة، ترتدي بذلة رسمية أنيقة وتستعد لإلقاء كلمتها بعد حصولها على درجة الماجستير في إدارة الأعمال بتفوق، وتأسيسها لجمعيّتها الأهلية الخاصة بدعم وتوعية الفتيات المقبلات على الزواج قانونياً ونفسياً.



لم تكن القاعة مجرد مكان لتكريم نجاح أكاديمي، بل كانت شهادة ميلاد لامرأة أعادت تعريف حياتها بالكامل. في الصفوف الأولى، كان يجلس والدها وأمها، وعيونهما تفيض الفخر والاعتنان. كان الوالد ينظر إليها وكأنه يرى الشجرة الطيبة التي غرسها، وثبتت جذورها في الأرض رغم أعتى العواصف.



صعدت ندى إلى المنصة، استقرت أمام الميكروفون، ونظرت إلى الحضور الغفير من الشباب، والفتيات، والأهالي. لم تبدأ كلمتها بالنظريات الاقتصادية ولا بالأرقام الجافة، بل بدأت بحكاية.



“قبل سنتين..” بدأت ندى بصوت ناعم، لكنه يحمل صدى واثقاً ترقّبت له القاعة بأكملها، “كان من المفترض أن أكون في مكان آخر تماماً. كان مفترضاً أن أكون زوجة تعيش خلف باب مغلق، ربما مكسورة، أو مطأطأة الرأس، أو متقبلة لاستباحة كرامتها لمجرد الخوف من كلام الناس، أو الخوف من لقب ‘مطلقة’. في تلك الليلة، حين أُغلق الباب بالمفتاح وسُلبت إرادتي، كان أمامي خياران: إما أن أستسلم لرهبة اللحظة وخوف المستقبل وأقبل بهوان البدايات، أو أن أرفع رأسي وأقول ‘لا’ مدوية، حتى لو كلفني ذلك فرحتي، وجهازي، وكلام المجتمع كله.”


ساد الصمت القاعة، أعين الفتيات الحاضرات بكلماتها وهي تواصل:


“الخوف هو الخدعة الأكبر التي  أو  أن ‘الباب المقفول’ يلغي حقكِ في الرفض، وأن الورقة الرسمية تمنحه سلطة امتلاك جسدكِ وروحكِ دون رضاكِ. لكن الحقيقة أن كرامة المرأة وسلامها النفسي هما الخط الأحمر الوحيد الذي لا يجوز المساومة عليه تحت أي مسمى؛ لا باسم الحب، ولا باسم عقد القران، ولا باسم خوف العائلات من .”


التفتت ندى بنظرها نحو والديها، وابتسمت ابتسامة امتنان دافئة: “أنا لم أقف هنا اليوم لأني كنت شجاعة بمفردي فحسب، بل لأنني وجدت أباً لم يفضّل كلام الناس على ابنتها، وعائلة فهمت أن شرف الفتاة في عفتها وكرامتها  أمام الجميع، أدركت أن الله لم يبعدني عن ذلك البيت ليحرمني، بل ليحمي مستقبل كامل كان سيضيع.”


ضجت القاعة بالتصفيق . وفي تلك اللحظة بالذات، بين زحام التهاني والورود، لمحت ندى عند طرف القاعة شخصاً يراقبها بوقار وإعجاب شديد؛ كان ‘أحمد’، زميلها واستشاري التنمية الذي شاركها العمل على مشروع الجمعية خلال الأشهر الماضية، والذي كان ينتظر بنبل وصدق أن تنتهي هذه اللحظة ليتقدم رسمياً لوالدها، مظهراً كيف تكون الرجولة الحقيقية التي تحترم، وتصون، وتستأذن، وتنتظر الشريك بحب وإجلال من الباب الكبير.


ابتسمت ندى بثبات، وأغلقت دفتر كلمتها، ملخصة تجربتها كاملة في حكمة أصبحت دستوراً لحياتها ولكل فتاة تصغي إليها:


الحكمة:


> “الباب الذي يُغلق كرامتكِ، اغلقيه أنتِ للأبد وبلا ندم.. فالرجل الحقيقي هو من يحميكِ من خوفكِ لا من يستغله، والوقوف في مهب الريح وأنتِ مرفوعة الرأس، خيرٌ ألف مرة من العيش تحت سقفٍ يُسلب فيه حقكِ في القبول والرفض. لا تخافي من لقب ‘مطلقة’ أو كلام الناس، فكلامهم يموت بعد أسبوعين، أما النفس فتعيش معكِ طوال العمر.”




تعليقات

التنقل السريع
    close