القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت كنت بنت ١٨ سنه كامله حكايات اسما السيد

 سكريبت كنت بنت ١٨ سنه كامله حكايات اسما السيد 




سكريبت كنت بنت ١٨ سنه كامله حكايات اسما السيد 

كنت بنت ١٨ سنه لما أمي جبتني من شعري واجبرتني اتجوز ابن اختها مراد واسيب ابن عمي اللي روحي فيه.. ومفيش علي لسانها غير ” انتي عاوزه تفضحينا يابن المركوب” ” ملقتيش غير ابن دلال السحاره.. بكيت واتوسلت ليها وفي الاخر رضيت بمراد اللي عنده ٤٠ سنه ومسافر الخليج.. وكسرت قلبي وقلب ابن عمي وكان عزائي في الدنيا أن هتجوز وهخرج من الارياف وقرفها..


وقد كان ليلة دخلتي مكنتش عاديه..اتصدمت بإنسان همجي ومش همه غير نفسه وملذاته إنما أنا كنت آله بيحركها ابن خالتي



لا راعي سني ولا حرمة جسـ مي وهو مطلع امه واخته يشوفوا ويطمنوا علي شرفي ومرت الايام عذاب في عذاب واخدني معاه الخليج.. عشت معاه أمر ايام حياتي.. ورغم كل ده كان قدامي هدف واحد اكمل تعليمي واخلي بالي من ابني اللي حملت فيه غصب عني رغم كل الاحتياطات .. وبين تريقته وتحطيمه ليا.. حققت ذاتي وبقيت الدكتوره أزل .. شخصيتي اتغيرت، حياتي ، تفكيري، كل حاجه فيا اتغيرت الا عشق شاهين ابن عمي.. مرت ١٥ سنه كنت في شغلي لما تليفوني رن وكان رقم جوزي واول ما قولت الو..سمعت خبر اللي غير حياتي.. دكتوره أزل بشمهندس مراد مات فجاه كنت زي المخبوطه علي دماغي بين دفن مراد وأوراق ادم ووجعي ووحدتي .. كل حاجه كانت ملخبطه بس حسيت باني اخيرا اتحررت من سجـ ن مراد وبقيت حره .. قررت ارجع بلدي واربي ابني وخلاص .. وفعلا رجعت بيت امي كبرت … وبان عليها الكبر .. بحكم السن.. بس قلبها لسه جامد زي الحجر


أول كلمه قالتها بعد ما ارتحت: شوفتي انا كنت علي حق اهو مراد مات وسابلك بيت وابن اللهم بارك وفلوس بالكوم في البنك.. لا وبفلوسه علمك احلي علام وبقيتي دكتوره أزل.. كان شاهين الكحيان هيأكلك ايه؟


قلبي وجعني علي ذكر اسمه بس مبينتش.. ساعات كنت اقول لنفسي يمكن هي علي حق ولو اتجوزت شاهين يمكن كرهته..اكيد ربنا ليه حكمه في كده..وساعات اقول لنفسي اكره ايه وانا بتنفس اسمه وهواه… مرت الايام وانا بين دوامه الاوراق والمصالح الحكوميه.. لحد ما اخيرا رجعت شغلي في الوحده الصحيه اللي بقت حاجه ولا المستشفي الخاص بالبلد..


وأول يوم ليها وقفت أزل في الممر تتكلم مع مدير الوحدة.


— الجناح الجديد لسه ناقص شوية تجهيزات، بس إن شاء الله خلال شهر يبقى شغال.


= دا تمويل حكومي؟


هز رأسه : جزء منه حكومي، والباقي تبرعات.


— مين المتبرع؟


فتح الرجل ملفًا: شركة الشاهين للمقاولات والتنمية.


لم تتحرك ملامحها…لكن شيئًا صغيرًا انقبض داخلها.


: الشاهين؟


— أيوه. شركة كبيرة جدًا دلوقتي.


ثم ابتسم: صاحبها من بلدنا أصلًا.


تظاهرت بعدم المعرفة: مين؟


: المهندس شاهين عبد الرحيم.


توقفت أنفاسها للحظة.


: الراجل ده عامل شغل كبير. بدأ من الصفر تقريبًا. شغال في القاهرة والصعيد وكمان ليه مشاريع بره مصر.


— كويس.


— وهو جاي النهارده أصلًا.


رفعت راسها : هنا؟


— آه. فيه اجتماع بعد الضهر بخصوص جناح الأطفال.


مرت ساعتين القدر مش مدهاش فرص للهروب..


فحصت مرضى…كتبت تقارير.. اتكلمت مع الممرضات.


قالت لنفسها بعصبية: فوقي يا أزل.


لحد ما اخترق سمعها صوت رجل بيتكلم مع مدير الوحدة في الخارج.


صوت أعمق مما تتذكر.


أهدأ…. اقسى…لكنها عرفته.


جسمه كله عرفه قبل ما تشوفه…بقيت جالسة خلف مكتبها.


دق الباب: اتفضل.دخل مدير الوحدة أولًا.


— دكتورة أزل، أحب أعرفك بالمهندس…


ثم دخل هو… ووقف الزمن.


مكنش شاهين اللي سابته.


كان اللي الراجل اللي عليه دلوقتي ..طويل اطول مما تتذكر…أعرض لكنه وسيم…لسه بيخطف كل الحواس معاه


ملامحه حادة، ناضجة، بس رسم الزمن خطين صغيرين قرب عينيه.


كان لابس قميص أبيض بأكمام مرفوعة ، وبنطلون داكنً وساعة سودا بسيطة…مكنش فيه حاجه استعراضيه لكن حضوره كان ليه هيبه


شافها… عينه وقفت عليها ..مكنش مستغرب.. ودا اللي ضايقها كانها عادي.. ساعتها قال مدير الوحدة:


— المهندس شاهين عبد الرحيم.


ثم ابتسم.


— والدكتورة أزل الشافعي، الاستشارية الجديدة عندنا.


امتدت ثوانٍ طويلة.


ثم قال شاهين:…


… أهلاً دكتورة أزل.


نطقها بنبرة هادئة كسطح بحر غدار، خالية تماماً من أي ارتباك، وكأن اسمها لم يكن يوماً هو القيد والحرية لخمسة عشر عاماً مضت. كانت نبرته تحمل صرامة رجل الأعمال الذي يعلم تماماً أين يضع قدمه، وكأنه يعرف مسبقاً بوجودها في هذا المكان، ولم يكن اللقاء بالنسبة له سوى خطوة مجدولة في جدول أسبوعه المزدحم.


مدّ يده بثبات، ويده الكبيرة العريضة كانت تحمل بعض الندوب الخفيفة—آثار سنوات الكفاح والشقاء التي بناها حجراً بحجر بعدما تخلت عنه الدنيا—وكانت ساعته السوداء البسيطة تلمع تحت إضاءة الممر النيون.


شعرت أزل بغصة تخنق ألمها المتجدد. نظرت إلى يده الممتدة، ثم رفعت عينيها لتلتقي بعينيه الحادتين. لم تكن هناك الشعلة القديمة، ولا العتاب الفاضح، بل كان هناك جدار سميك من البرود الجليدي، يخفي خلفه خبايا رجل أتقن اللعبة وقرر أن يلعبها بشروطه الخاصة.


مدت يدها بخطوة ثابتة حاولت ألا ترتجف فيها، ولمست أناملها كفه. كانت لمسة سريعة، كشرارة كهربائية خاطفة، لكنها أعادت لجسدها ذكريات عصور من الشوق والوجع.


— أهلاً بحضرتك يا بشمهندس.. نورت الوحدة.


قالها صوتها بثبات أذهلها هي شخصياً، الثبات الذي اكتسبته في أروقة المستشفيات وبين أجهزة الإنعاش وهي تصارع الموت وتكتسب لقب “الدكتورة أزل”.


ابتسم مدير الوحدة بقلة حلاوة وهو ينظر بينهما، غير مدرك لحجم الركام الذي يقفان عليه:


— المهندس شاهين هو الداعم الأول للجناح الجديد يا دكتورة، والحقيقة لما عرف إننا بنتوسع في خدمات الأطفال والأورام، ما ترددش لحظة إنه يمول الجزء الأكبر من المشروع.


تحرك شاهين بخطوات واثقة ونزل بنظره إلى المكتب، جائلا بعينيه في أرجاء الغرفة البسيطة، ثم وضع يديه في جيبي بنطاله ومال برأسه قليلاً:


— المستشفى دي بتخدم البلد كلها، وأنا يهمني إن أهل بلدنا يلاقوا خدمة تليق بيهم.. مش كده ولا إيه يا دكتورة؟


كانت كلماته تحمل بطنها معنى قاطعا؛ “أهل بلدنا” لم تعد تشملها هي، وكأنه يشير إلى أنه يعمل للعامة، وأن وجودها هنا مجرد تفصيل عابر لا يغير من معادلاته شيئاً.


ردت أزل وهي تجلس خلف مكتبها وتحاول استعادة شتات نفسها، مشيرة له وللمدير بالمقاعد:


— أيد واحدة ما بتسقفش يا بشمهندس. التبرعات مهمة، بس الإدارة والتنظيم وتوفير الرعاية الطبية الحقيقية هي الأساس.. ونحن هنا علشان نقدم ده.


جلس شاهين على الكرسي المقابل لها تماماً. وضع ساقاً فوق الأخرى، وانثنت أكمام قميصه الأبيض لتبين سواعده المفتولة. نظر إليها بتمعن لم يخفه، يستكشف التغيرات التي طرأت على الفتاة التي يبكي قلبه لأجلها يوماً. لم تعد تلك الصبية الخائفة ذات الأرجل المرتجفة والأحلام المكسورة؛ أمامه الآن امرأة ناضجة، بثوب طبي أبيض ناصع، ووجه يضج بالهيبة والذكاء، وعينين تغطيهما كبرياء سنوات العذاب.


— الإدارة المظبوطة هي اللي بتعرف تختار أولوياتها يا دكتورة.. قالها شاهين وهو يسند ذقنه بسبابته، ونبرته تحمل تهكماً خفياً لم يفهمه غيرها. — في ناس بتختار الطرق السهلة، وفي ناس بتحب تبني من الصفر وتستحمل وجع السكة.. والأهم، إن الصبر في الآخر بيكسب.


أحست أزل وكأن حساماً قد غُرس في صدرها. كان يعيرها باختيارها القديم، أو ما ظنه هو “اختياراً”. لم يكن يعلم كيف سُحبت من شعرها، ولا كيف دُعست طفولتها تحت جزمة المادة ورغبة أمها القاسية. بالنسبة لشاهين، أزل هي الفتاة التي باعت حبهما ورضيت برجل أربعيني ميسور لتخرج من “قرف الارياف”، وتركته هو يصارع الفقر والخذلان في أزقة القرية.


قبل أن تنطق بكلمة تدافع بها عن كرامتها المنتهكة، فتح باب العيادة فجأة دون استئذان.


— ماما! أوراق التحويل اللي طلبتيها من السكرتارية اهي..


كان هذا صوت “آدم”. دخل الولد ذو الأربعة عشر عاماً، بطوله الفارع الذي يشبه أباه مراد، لكن بملامح حادة تشبه أمه كثيراً. كان يحمل ملفاً أزرق، ويتحدث بثقة وجرأة ابن الخليج الذي عاش في رغد وتدليل.


توقفت ألسنة الجميع في الغرفة.


تسمرت عينا شاهين على الفتى. انقبض فكه فجأة، وظهت عروق رقبته جلياً وهو يتأمل الطفل—ابن مراد.. الرجل الذي أخذ منه حبيبته، الرجل الذي ملك جسدها ولها منه ولد يناديه “ماما” أمام عينيه. كان هذا المشهد هو الاختبار الأصعب لشاهين؛ القسوة التي ارتدى قناعها كادت أن تتهاوى أمام تجسد الخيانة في صورة هذا الطفل.


وقف آدم محتاراً من الصمت السائد والنظرة الصارمة التي رمقه بها الرجل الغريب الجالس أمامه.


— مين ده يا ماما؟ استفسر آدم بنبرة طفولية بها لمحة من الاستكبار.


أخذت أزل أنفاساً متقطعة، ومسكت يد ابنها بقوة كأنها تستمد منه الحماية، أو ربما تعلن للعالم ولشاهين أن هذا هو درعها الحقيقي.


— ده البشمهندس شاهين يا آدم.. صاحب الشركة اللي بتصمم الجناح الجديد في المستشفى. وده آدم ابني يا بشمهندس.. في أولى ثانوي.


قام شاهين من مقعده ببطء. كان أطول من آدم بكثير، وحضوره طغى على الغرفة بأكملها. نظر إلى الفتى من الأعلى إلى الأسفل، ثم انحنى قليلاً ومد يده لآدم:


— أهلاً يا آدم.. أهلاً بيك في بلدك.


تصافح الاثنان. كان آدم ينظر لشاهين بإعجاب فطري لرجل يبدو عليه النفوذ والقوة، بينما كان شاهين يقرأ في ملامح الفتى كل الأيام التي حرم منها، وكل الليالي التي قضاها يبني إمبراطوريته فقط ليمحو من رأسه صورة أزل وهي في أحضان غيره.


— ابن مراد بيه الشافعي.. الله يرحمه. قالها شاهين ببرود يذبح الحجر وهو ينظر لأزل مباشرة. — سمعت إن والدك سابلك تركة كبيرة يا آدم.. حافظ عليها، مش كل الناس بتعرف قيمة اللي في إيديها.


تغيرت ملامح أزل إلى الغضب الساطع. قامت هي الأخرى ووقفت أمام مكتبها، تجابهه بثبات:


— آدم يتعلم يحافظ على نفسه وعقله وتفكيره الأول يا بشمهندس.. الفلوس بتروح وتيجي، إنما النخوة والأصل والقدرة على الفهم.. دي الحاجات اللي بتبني البني آدم حقيقي، ومش أي حد بيمتلكها.


صمت شاهين، وارتفعت زاوية شفته بابتسامة قاسية، كأنه يستمتع برؤية نارها وهي تشتعل.


— مظبوط يا دكتورة.. النخوة والأصل. للأسف، الحاجات دي مبقتش قريبة من كل الناس، وفي ناس بتكتشف إنها ضيعتها بعد فوات الأوان.


دخل مدير الوحدة ليقطع هذا التوتر المكتوم الذي كان يوشك على انفجار الممر:


— طيب يا بشمهندس، المكاتب الهندسية بره مستنية حضرك علشان نعاين موقع البناء للجناح الجديد.. تتفضل معانا؟


رمق شاهين أزل بنظرة أخيرة، نظرة عميقة، حادة، وكأنه يقول لها: “اللعبة ياللا بدأت”، ثم التفت وقال بنبرة صلبة:


— ياللا بينا يا دكتور.. ورانا شغل كتير، وأنا ما بحبش أضيع وقتي في كلام ملوش لازمة.


خرج شاهين ومدير الوحدة، وتركا خلفهما صمتاً أثقل من الجبال. سقطت أزل على كرسيها كأنما قُطعت حبالها. وضع آدم يده على كتفها بحيرة:


— مالك يا ماما؟ الراجل ده شكله يخوف.. وطريقته غريبة قوي.


مسحت أزل وجهها بكفيها المرتجفتين، ورفعت رأسها لابنها، محاولة أن تبتسم ابتسامة باهتة:


— مفيش يا حبيبي.. الإرهاق بس بتاع أول يوم شغل.. روح أنت للبيت، وتأكد إن تيتة أكلت علاجها، وأنا ساعة وهحصلك.


خرج آدم، وبقيت أزل وحدها في المكتب.


أرجعت رأسها إلى الخلف وإغماض عينيها. كانت أصداء صوته تدوي في أذنيها: “أهلاً دكتورة أزل”. لم يكن شاهين هو ذلك الشاب الفقير الذي يكتب لها القصائد تحت شجرة التوت في غيط عمها. شاهين اليوم وحش جريح، بنى قصر نجاحه على ركام حبه القديم، وعاد ليثبت لنفسه وللبلد كلها أنه أوفى وأقدر وأعلى شأناً من الجميع.


لكن الألم الأكبر لم يكن بروده ولا تهكمه.. الألم الحقيقي كان في أن أزل تنفست هواه مجدداً. رغم كل شيء، رغم الخمسة عشر عاماً، ورغم قسوة مراد، ورغم كبرياء شاهين القاتل، كان قلبها يطرق ضلوعها بشدة لم تشعر بها منذ كان عمرها ثمانية عشر عاماً.


مرت ساعات العمل كأنها دهر. في مسائها، أغلقت أزل مكتبها وخرجت متجهة إلى بيتها في أطراف القرية—البيت الكبير الذي بناه مراد قبل وفاته ورثته أزل وابنها.


كان الليل قد ألقى بسدوله على الأرياف، ورائحة الطمي والزرع تملأ الجو. نسيم داكن يعيد لها الذكريات. كانت تسير ببطء نحو سيارتها في الموقف الخاص بالمستشفى، حين لاحظت سيارة سوداء ضخمة من طراز أحدث الموديلات تتوقف على جانب الطريق الترابي المقفر المعتم.


كانت السيارة معتمة الزجاج، لكن الباب الخلفي انفتح ببطء، ونزل منه شاهين.


لم يكن هناك مدير وحدة، ولا ممرضات، ولا آدم. كانا وحدهما تماماً تحت ضوء عمود إنارة يتأرجح بفعل الهواء.


توقفت أزل في مكانها، وانقادت مشاعرها بين الخوف والكبرياء.


ارتقى شاهين نحوها بخطوات هادئة حتى صار على بعد خطوات قليلة منها. لم يكن يحمل أوراقاً ولا ملفات. وضعت أزل يدها في جيب معطفها الأبيض واعتدلت في وقفتها:


— خير يا بشمهندس؟ في حاجة تخص الشغل نسينا نناقشها؟


وقف شاهين، ونظر إلى وجهها تحت ضوء الشارع الأصفر الباهت. غابت عن عينيه تلك الابتسامة التهكمية، وحلت مكانها نظرة معتمة، شديدة الغموض والحرارة في آن واحد.


— الشغل خلص من ساعة ما خرجت من عندك يا أزل.. قالها بصوت خفيض، صوت عاد فيه النطق القديم لاسمه بدون ألقاب، صوت شاهين الذي كان يهمس به في أذنها قديماً.


ارتجف فك أزل، لكنها تماسك بصعوبة:


— يبقى مفيش داعي للوقفة دي.. أظن حضرتك عارف إن البلد صغيرة، والكلام بيطير.


ضحك شاهين ضحكة مكتومة، خالية من الفرح:


— البلد؟ خايفة من كلام البلد؟ أنتي من إمتى بتهتمي بكلام البلد؟ مش أنتي اللي سبتي البلد وقرفها وطلعتي على الخليج علشان تعيشي في العز؟


كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر بعير صبرها. تقربت منه خطوة، وصاح صوتها المكتوم بالوجع:


— أنت ما تعرفش حاجة يا شاهين! ما تعرفش إيه اللي حصل! أنت شفت الظاهر.. شفت الواجهة اللي رسمتها علشان أعيش وأحمي نفسي وابني!


اقترب شاهين منها أكثر حتى صار يفصلهما إنشات قليلة. كانت رائحة عطره الخشبي الفاخر تختلط برائحة هواء الأرياف، تحيط بها كالقيد.


— ما أعرفش؟ سأل بنبرة همس حاد كالموس. — أنا أعرف إنك مشيتي معاه.. أعرف إنك سيبتيني أصارع الفقر والذل، وأمي كانت بتموت ومش لاقي حق دواها لأن عمك طردني لما جيت أطلب إيدك! أعرف إنك رضيتي بيه وبفلوسه.. وجايه النهاردة ترجعي بصفتك “الدكتورة الناجحة” اللي جايه تتصدق على أهالي البلد!


انهمرت دمعة واحدة قسراً من عين أزل، مسحتها بسرعة قبل أن يراها في الظلام، وقال بصوت يرتجف من الكتمان:


— أمي جابتني من شعري يا شاهين..!! أمي غصبتني، وقفت قدامي وقالتلي هتفضحينا مع ابن دلال السحارة! بعتتني لمراد وهو عنده أربعين سنة.. اشتريت حريتي وتعليمي بدمي ودموعي في كل ليلة! أنت فاكر إن العز ده كان ببلاش؟ ده كان بسجن.. سجن أشد من سجن الفقر اللي أنت كنت فيه!


ساد الصمت بينهما.


تصنمت حدقتا شاهين. انقبضت ملامحه، وكأن الكلمات نزلتا عليه كالصاعقة، لكن جرح كبريائه الممتد لخمسة عشر عاماً لم يكن ليرممه تصريح واحد في ظلام الليل. كان قد درّب نفسه على كرهها، على جعلها الوقود الذي يدفعه للقمة، وسماع حقيقتها الآن كان يهدد بانهيار كل السدود التي بناها حول قلبه.


تراجع شاهين خطوة إلى الخلف، واستعاد بروده المصنوع بصعوبة، بالرغم من أن عينيه كانتا ترتجفان بذهول مكتوم:


— حكايات المظلومية دي متأخرة قوي يا دكتورة.. خمسة عشر سنة كفيلة إنها تمحي أي عذر. اللي اتكسر ما بيتصلحش بكلام في الشارع.


أدار ظهره متجهاً نحو سيارته، وقبل أن يفتح الباب، التفت إليها بملامح حجرية وقال:


— أنا هنا علشان عندي مشروع لازم يكمل.. والوحدة الصحية دي هتبقى من أكبر المراكز في المحافظة. احتفظي بمشاعر مجروحة وحكايات القديمة لنفسك.. عشان الشغل بينا هيبقى طويل.. وطويل قوي يا أزل.


ركب سيارته وانطلقت فيتم تحريك الغبار في الهواء، متجهة إلى عمق القرية، بينما ظلت أزل واقفة في منتصف الطريق الترابي، وقلبها يخفق بقوة ووجع، تدرك أن عودتها للبلد لم تكن نهاية المطاف.. بل كانت بداية حرب جديدة مع الرجل الذي لم تتوقف يوماً عن حبه، والذي يبدو أنه عاد فقط ليقتص لنفسه منها.


 

١٨ سنه حكايات اسما السيد 2


مرت ليلة أزل الأولى بعد ذلك اللقاء ككابوس طال أمره؛ لم تذق فيها طعم النوم. كانت أطياف شاهين تحاصرها في كل زاوية من زوايا البيت الكبير الذي بناه زوجها الراحل. ذلك البيت الذي طالما بدا لها كقصر عاجي بارد في الغربة، صار اليوم مجرد سجن جدرانه متخمة بالذكريات الأليمة.



مع بزوغ الفجر، جلست أزل في شرفة غرفتها تتأمل حقول القرية الممتدة. تحولت الفتاة الخائفة ذات الـ18 عاماً إلى استشارية يشار إليها بالبنان، لكنها في حضرة شاهين عادت تشعر بقلة الحيلة ذاتها. غير أن هذه المرة كان هناك شيء مختلف؛ لم تعد استسلامها السابق ممكناً، فلديها ولد يتوجب عليها حمايته، وكرامة طبية وإنسانية شيدتها بدموعها عبر خمسة عشر عاماً.


في الصباح الباكر، ارتدت أزل ملابسها العملية بحزم، وانطلقت إلى الوحدة الصحية قبل الجميع. كانت تريد أن تغرق نفسها في العمل كي لا تترك لعقلها مساحة للتحليل والأسى. دخلت مكتبها، وبدأت مراجعة الملفات المكدسة بكثافة، لكن الهدوء لم يدُم طويلاً.


في تمام التاسعة صباحاً، اقتحم صوت سيارات ضخمة باحة الوحدة الصحية. نظرت أزل من النافذة لتجد سيارة شاهين السوداء تقف في منتصف الساحة، يرافقها عدد من المهندسين والمشرفين المحملين بخرائط وأجهزة قياس مساحية.


لم يمضِ سوى درجات معدودة على السلم حتى سمعت وقع خطواته الثقيلة المعتادة في الممر. دخل شاهين رفقة مدير الوحدة، وكان يتحدث بصوت نافر يأمر ويوجه:


— الممر ده لازم يتوسع نص متر كمان.. المستشفى دي مش شغالين فيها للهواية، ده جناح أورام وأطفال، الدخول والخروج لازم يكون بمرونة كاملة.


توقف شاهين عند باب مكتب أزل، ونظر إليها وهي تجلس خلف مكتبها تحاول تجاهل وجوده.


ابتسم مدير الوحدة بقلة حيلة وقال:


— صباح الخير يا دكتورة أزل.. البشمهندس شاهين حب يبدأ المعاينة الميدانية من أول الساعات عشان يتفادى تعطيل الشغل.


رفعت أزل رأسها بثبات، ونظرت لعينيه الحادتين اللتين تحصنان نفسيهما ببرود مصنع:


— صباح النور. بس يا بشمهندس شاهين، التوسع في الممر ده هيجي على حساب غرفة الكشف الخارجي الخاصة بقطاع الأطفال، وده مرفوض طبياً.


توقف المهندسون عن الحركة، وساد صمت مشحون في الممر. خطى شاهين خطوات داخل المكتب، ووضع كفيه على طرف المكتب العريض ومال بجسده نحوها:


— مرفوض؟ كلمة مرفوض دي تقوليه في العيادة لمريض، لكن هنا فيه مهندسين ومخططين فاهمين يعني إيه مسارات حركة ورعاية مركزة. الجناح الجديد مش لعبة يا دكتورة.


ردت أزل بنبرة حازمة دون أن تتراجع إنشاً واحداً:


— والطب مش رسم هندسي على ورق يا بشمهندس! الراحة النفسية والمساحة المخصصة للأطفال وذويهم جزء من العلاج. لو التعديل هيأثر على جودة الرعاية الطبية، يبقى المعمار كله محتاج يتراجع.


تأملها شاهين لثوانٍ؛ كان واضحاً أن صلابتها ومواجهته بهذا الشكل تثير في داخله مزيجاً من الغيظ والإعجاب المكتوم. لم تكن هذه أزل التي تدعس على مشاعرها وتبكي في الزاوية؛ بل امرأة تقف أمامه كشريك وخصم في آن واحد.


اقترب منها أكثر، ونزل بصوته إلى نبرة خفيضة لا يطالها أذان المهندسين الواقفين بالخارج:


— أنتي فاكرة إنك لما تقفي قدامي وتحاولي تعطل الشغل، هتبيني إنك قوية؟ القوة مش في الكلام، القوة في إنك تحافظي على مكانيتك وتعرفي حدودك.


ردت أزل بهمس أشد قسوة:


— حدودي هي مصلحة المريض يا شاهين.. وأنا هنا مش عشان أثبتلك حاجة، ولا عشان أدخل معاك في تصفية حسابات قديمة. لو جاي تخدم البلد، أهلاً بيك، لكن لو جاي تتأنق بنفوذك وتكسرني.. فده مش هيحصل.


قبل أن يجيب شاهين، ارتفع صوت حركة غير طبيعية في الساحة الخارجية، وتبعه صوت صراخ نسائي يعلو بالدعاء والاستغاثة:


— الحقوني يا دكاترة!! الولد بيموت مني!!


ركضت أزل فوراً متجاوزة شاهين والمهندسين دون اهتمام. خرجت إلى الباحة لتجد امرأة قروية تبكي بحرقة وهي تحمل طفلاً لم يتجاوز السادسة من عمره، كان وجهه شاحباً كالأوراق الميتة، وجسده يرتجف بشدة وسط صعوبة بالغة في التنفس.


— ماله الولد؟ سألت أزل وهي تجثو على ركبتيها فوراً في التراب بجانب الأم، غير أبهة بثوبها الأبيض الذي اتسخ بالطين.


— أكل حتة أكل وسد نفسه يا دكتورة.. مش قادر يتنفس وشفايفه ازرقت!!


تجمهر الموظفون والمهندسون، وخرج شاهين إلى الباحة ليشاهد الموقف. انقلبت ملامح أزل في لحظة من المرأة المشدودة عاطفياً إلى الدكتورة المحترفة السريعة البديهة. لم تتردد؛ حملت الطفل ببراعة وسرعة وخبرة سنين طويلة في الطوارئ، وضعته على زاوية كرسي خشبي في الساحة، وبدأت تجري له مسعفات الانسداد الرغامي (مناورة هيمليك) بكل قوتها.


كانت تضغط على بطن الطفل وتصرخ للممرضة:


— هاتوا انبوبة أكسجين فوراً! وجهاز الشفط!!


كان شاهين يراقب المشهد بذهول مكتوم. رأى فيها نبل المهنة وإنسانيتها الفائقة؛ لم تفكر في هيئتها ولا في وجود الناس، كانت تقاتل لأجل روح ذلك الطفل وكأنها تدافع عن روح ابنها آدم. رأى تعرق جبهتها وشدة تركيزها وعينيها اللتين تلمعان بالخوف والإصرار.


وفجأة، سعال الطفل بقوة، وخرجت قطعة الطعام العالقة، وأخذ نَفَساً عميقاً متقطعاً وهو يبكي بصوت عالٍ.


تنفست أزل الصعداء، واحتضنت الطفل لرأسها بلطف وهي تهدئه:


— الحمد لله.. الحمد لله يا حبيبي، أنت كويس دلوقتي..


انهالت الأم على يدي أزل تقبلهما بالدموع، بينما رفعت أزل رأسها وهي تمسح جبهتها بكفها الاتسخ بالطين، لتلتقي بعيني شاهين الواقف على بعد أمتار.


كانت نظرة شاهين في تلك اللحظة مختلفة تماماً؛ خلت من البرود، وخلت من القسوة التهكمية. كانت نظرة تفيض بذهول وحنين قديم، وكأن الجدار الجليدي الذي بناه حِقداً طوال سنوات الفراق قد بدأ يتشقق أمام نبل هذه المرأة وصمودها.


أمرت أزل الممرضات بنقل الطفل للداخل لنقله على الأكسجين وتدفيئه، ثم وقفت ونسقت ثوبها.


اقترب شاهين منها ببطء، ومد يده بطريقة عفشية ليناولها منديل ورقي من جيبه:


— مسحي وجهك.. فيه طين.


نظرت أزل للمنديل ثم لعينيه، وأخذت المنديل بثبات دون أن تتلامس أيديهما:


— شكراً.


قال شاهين بصوت خفيض، خالي من أي تصنع:


— شغل عالي يا دكتورة.. الموقف كان محتاج جراءة وسرعة.


ردت أزل بنبرة هادئة تعلوها كبرياء جريح:


— ده واجبي يا بشمهندس.. أنا اتعلمت في الغربة إن الحياة غالية، وإن إنقاذ بني آدم يسوى كل فلوس الدنيا.. اللي تقدر تشتري كل حاجة إلا الروح والنخوة.


شعر شاهين بطعنة كلماتها الخفية، لكنه لم يرد بأسلوب هجومي هذه المرة. اكتفى بالنظر إليها وقال:


— الخطة الهندسية لممر الأطفال.. هتقعدي معايا ونراجعها سوا، عشان نضمن إن صحة الأطفال ما تتأثرش.


سرت موجة غريبة في ممرات الوحدة؛ لقد التقت القوتان، وبدأ الصراع يتحول من انتقام شخصي إلى مواجهة بين كبرياء رجل أثرى من العدم، وامرأة بنت نفسها من القاع.


في ظهر اليوم نفسه، استُدعيت أزل لمكتب مدير الوحدة لمراجعة تعديلات الخرائط. عندما دخلت، كان شاهين يجلس وحده يراجع المخططات. لم يكن المدير موجوداً.


توقفت عند الباب:


— فين دكتور سامح؟


— طلبته حالة طارئة في المجمع الطبي المالي، وقالنا نبدأ نراجع التفاصيل. قالها شاهين وهو يشير للكرسي المقابل له.


ترددت أزل، ثم تقدمت وجلست على طرف الكرسي. فتح شاهين الخريطة الكبيرة وأشار بسبابته:


— هنا.. لو حركنا القاطع ده مترين للورا، هنديكي المساحة اللي أنتي عاوزاها لعيادة الأطفال، وفي نفس الوقت هنحافظ على عرض الممر. إيه رأيك؟


مالت أزل فوق الخريطة لتدرس المخطط. كان قربها الجسدي منه يثير في الهواء توتراً لا يطاق. تنفست رائحة عطره الخشبي، وكان هو يراقب حركة عينيها وشعرها المربوط للورا بانتظام.


فجأة، نطق شاهين بغير مقدمات دون أن يرفع عينيه عن الخريطة:


— أمك.. لسه قاسية زي زمان؟


توقفت أزل عن النظر للخريطة، ورفعت عينيها إليه بذهول.


أكمل شاهين بنبرة شابة تعود لسنوات الخوالي:


— أصلها لما كانت بتشوفني معدي جنب بيتكم، كانت بترميني بأبشع الكلام.. كانت شايفاني نكرة. لما عرفت إنها هي اللي غصبتكي.. حسيت إن الدنيا اتكررت معايا تاني.


تجمعت الدموع في عيني أزل، لكنها حبستها بقوة:


— أمي اختارت اللي هي شايفاه صح يا شاهين.. كانت شايفه إن الفلوس والستر بييجوا من الراجل الغني المقتدر، وأن الحب كلام فارغ بيموت مع أول أزمة. وهي دلوقتي عيانة، كبرت وكرسيها المتحرك هو كل دنيتها.. والفلوس اللي مراد سابها ما جابتلهاش الصحة ولا رجعتلي سنين شبابي اللي ضاعت.


ساد صمت ثقيل بينهما. وضع شاهين القلم من يده، واستند بظهره للمقعد:


— أنتي فاكرة إن أنا عشت سديد ومبسوط؟ أنتي فاكرة إن الشركات والملايين دي جت بس هدايا؟ أنا اشتغلت في الفاعل.. شلت أسمنت على كتفي لحد ما ضهري اتكسر.. سافرت وعشت في حسرة، وكل ما كنت بطلع درجة في النجاح، كنت بقول لنفسي: “أزل باعتك عشان الفلوس.. لازم تبقى أغنى منه ومن بلدها كلها”.


صدمت كلماته الصريحة أزل. كانت هذه أول مرة يعترف فيها شاهين بالدافع الحقيقي وراء صعوده الصاروخي؛ لم يكن مجرد طموح، بل كان جرحاً ينزف يغذيه حب لم يمت ورغبة في إثبات الذات أمام امرأة ظن أنها خذلته.


قالت أزل بصوت مبحوح:


— أنا مابعتكش يا شاهين.. أنا اتكسرت. الفرق بيني وبينك، إنك طلعت من الكسرة دي ومعاك حرية تبني نفسك.. لكن أنا اتقفلت عليا أبواب وسلاسل، وكان مفروض عليا أكون زوجة لرجل أكبر مني بضعف عمري، وأم لطفل وأنا لسه طفلة. لو كنت تعرف النقطة دي.. كنت رحمتني شوية.


نهض شاهين من مقعده وفجأة، واقترب من النافذة يطل منها على الساحة، وظهر الشد الواضح في كتفيه العريضين. كان خوضه في هذا الماضي يفتت كل الدفاعات التي بناها.


وقبل أن تستطرد أزل، دخل آدم ابنهما فجأة إلى المكتب يحمل حقيبته المدرسية:


— ماما! أنتي لسه مخلصتيش؟ أنا مستنيكي بره من بدري عشان نروح نشتري مستلزمات المدرسة.


توقفت أزمة الحديث فوراً. التفت شاهين ليرى آدم يقف عند الباب، ينظر إليه بفضول واستغراب.


نظر شاهين إلى الولد، ثم التفت لأزل وقدم خطوة نحوها:


— نكتفي بكتة النهاردة يا دكتورة.. التعديلات دي هتنزل للموقع بكرة الصبح.


ثم التفت لآدم وناداه بصوت هادئ، محاولاً السيطرة على انفعالاته:


— تعال يا آدم.. تعال يا حبيبي.


تقدم آدم خطوات بحذر. وضع شاهين يده على كتف الفتى، وكانت يده عريضة ودافئة:


— أمك دكتورة عظيمة يا آدم.. حافظ عليها، واعرف إنك شايل اسم عيلة، بس لازم تطلع راجل بجد.. يعتمد عليه، وما يظلمش حد.


نظر آدم لشاهين بإعجاب شديد وقال:


— أنا باطلع الأول دايماً في المدرسة يا بشمهندس، وعاوز أطلع مهندس زيك عشان أبني شركات كبيرة!


ابتسم شاهين ابتسامة صادقة نادرة ظهرت على شفتيه، وانحنت الخطوط قرب عينيه:


— إن شاء الله هتطلع أحسن مني.. بس أتعلم الأول إن المباني العالية بتبدأ من أصل متين.. وأصلك هنا في البلد دي.


خرج شاهين من المكتب بخطوات ثقيلة، مفسحاً المجال لأزل وابنها.


ظلت أزل تنظر في أثره. لم يعد اللقاء بينهما مجرد مواجهة بين الماضي والحاضر، بل صار صراعاً بين حقائق غائبة وكبرياء متجذر. عرف شاهين الآن الحقيقة، لكن هل تتغلب الحقيقة على سنين الجفاء؟ وهل يستطيع قلب أزل المجروح أن يسامح قسوة شاهين الابتدائية، أم أن القدر يخبئ لهما مواجهة أشد وقسوة أعظم في قادم الأيام؟


خرج شاهين من الوحدة الصحية وترك خلفه جمرًا يتأكل تحت الرماد. بالنسبة لأزل، لم تكن حقيقة كشفها لسر مجيئها مجبورَة سوى خطوة أولى في طريق شائك؛ فشاهين الذي ظن لعقد ونصف أنها باعت حبه بالمال، أصبح يتأرجح الآن بين بقايا كبرياء مكسور وشكوك قاتلة حول قسوة الظروف التي مرت بها.


مرت الأيام التالية محملة بتوتر مكتوم. شاهين لم يبتعد، بل كثف وجوده في موقع بناء الجناح الجديد. كان يتردد يوميًا، يتابع أعمال الخرسانة والتجهيزات الفنية بنفسه، يوجه العمال بنبرة صارمة، لكن عينيه كانت تسرقان النظر باستمرار نحو شباك مكتب أزل في الدور الأول.


أما أزل، فقد انغمست في عملها بالوحدة بين رعاية المرضى ومتابعة حالات الأطفال، تحاول قدر الإمكان أن تبقي المسافة الرسمية بينها وبين هذا الرجل الذي يقلب كيانها برؤيته فقط.


في صباح يوم خريفي غائم، ورد بلاغ عاجل للوحدة الصحية عن وقوع حادث سير مروع على الطريق الزراعي السريع المتاخم للقرية. سيارة نقل اصطدمت بحافلة صغيرة تنقل عمالاً وأطفالاً متوجهين لمدارسهم.


انقلبت حالة الهدوء في الوحدة إلى استنفار تام. تعالت أصوات سيارات الإسعاف، وبدأت الحالات الوافدة تتدفق على أروقة المستشفى. خرجت أزل مسرعة بثوبها الطبي، تقود الطاقم الطبي بكفاءة عالية، تصنف الإصابات، وتوزع المهام بين غرف الطوارئ والعمليات الصغرى.


في غضون دقائق، امتص الممر والباحة الخارجية أعدادًا كبيرة من المصابين وأهاليهم الثائرين.


كان شاهين في موقع البناء القريب عندما سمع الفوضى وصراخ الأهالي. ترك خرائط الهندسية وركض فورًا نحو ساحة الوحدة. عندما دخل الممر الرئيسي، رأى أزل في منتصف الملحمة؛ شعرها الذي تحرر بعضه من العقدة، ووجهها المغطى بقطرات العرق، وثوبها الأبيض الذي تخضب بدماء المصابين وهي تجثو على الأرض لتنقذ مصابًا تلو الآخر.


لم يتردد شاهين لحظة. أشار لعماله ومشرفيه بالتدخول فوراً:


— ينزل كل العمال يساعدوا التمريض! شيلوا الأسرة الفاضية وجهزوا الممر الخلفي لاستقبال الحالات البسيطة!


تحول المهندس ورجل الأعمال المليونير إلى مسعف ومتطوع في ثوانٍ. شمر عن ساعديه، وبدأ يحمل المصابين بجسده القوي، يفسح الطرقات، ويوجه الأهالي الغاضبين بصوته الجهوري للابتعاد لفسح المجال أمام الأطباء.


في خضم تلك المعمعة، أُحضر طفل في الثامنة من عمره كان ينزف بشدة من شريان في قدمه، وكانت أمه تصرخ بهستيرية. جثت أزل إلى جواره وضغطت على موضع النزيف بكل قوتها، لكن الطفل كان يرتجف ويدخل في شوك إصابي (صدمة نزفية).


— محتاجة أربط الشريان هنا فورًا!! صرخت أزل للممرضة التي كانت مشغولة بحالة أخرى. — مسك معايا يا دكتور سامح!


لكن مدير الوحدة كان يصارع لإيقاف نزيف مصاب آخر في غرفة الملاحظة.


في تلك اللحظة، ظهر شاهين فجأة بجانبها، وجثى على ركبتيه في الدم والطين بجوارها دون أن يرف له جفن:


— أعمل إيه يا أزل؟ قوليلي أساعدك إزاي!


نظرت إليه أزل بذهول خاطف، لكن الموقف لم يكن يحتمل التردد:


— اضغط بكل قوتك على النقطة دي فوق الركبة يا شاهين! أوعى تسيبي إيدك مهما حصل لحد ما أجهز الخيط والأدوات!


وضع شاهين كفيه القويتين على ساق الطفل وضغط بصلابة، عينوه ثابته على يدي أزل التي تتحركان بسرعة فائقة ومهارة جراحية مذهلة. كانت تعمل تحت ضغط رهيب، وصوت صراخ الأهالي يملأ المكان، لكنها كانت كالمنارة في وسط العاصفة.


بعد دقائق من التوتر العالي، استطاعت أزل ربط الوعاء الدموي النازف وتثبيت حالة الطفل. رفعت رأسها وتنفست الصعداء، لتجد شاهين يمسك بساق الطفل بذات القوة، وعيناه لا تفارقان وجهها.


— خلاص يا شاهين.. النزيف وقف.. تقدر تخفف الضغط بالراحة. قالتها بصوت مبحوح من التعب.


أرخى شاهين يديه الملطختين بالدماء، ونظر للطفل الذي بدأ يستعيد أنفاسه الهادئة، ثم نظر إلى أزل. كانت وجهها قريبًا جدًا منه، ورائحة الدم والخوف تمتزج بعبير انفاسها المجهدة.


— أنتي بطلة يا أزل.. قالها بصوت خفيض عميق، لم يكن نابعًا من رجل أعمال يقيّم طبيبة، بل من عاشق يرى أميرته تضيء وسط ركام الحياة.


تلاقت أعينهما لثوانٍ معدودة، ذابت فيها كل حواجز السنين وقسوة الاتهامات. رأى في عينها التعب والوجع والحب المكتوم، ورأت هي في عينيه الخوف عليها والحنان القديم الذي ظنت أنه مات للأبد.


مع حلول المساء، بدأت الأوضاع تهدأ في الوحدة الصحية بعد نقل الحالات الحرجة إلى مستشفى المحافظة واستقرار باقي المصابين.


كانت أزل تجلس في مكتبها، منهكة كليًا، أطلقت شعرها للوراء وأسندت رأسها على المكتب. كانت يداها ترتجفان من أثر الإجهاد البدني والنفسي.


ُدق الباب ببطء.


— اتفضل..


دخل شاهين. كان قد غير قميصه الملطخ بالدماء وارتدى قميصًا داكنًا آخر، لكن نظرة التعب كانت واضحة على ملامحه الحادة. كان يحمل في يده كوبًا من الشاي الساخن ورغيف خبز دافئ من أحد المخابز المجاورة.


وضع الكوب والخبز على مكتبها بهدوء.


— اشربي ده.. أنتي مأكلتيش حاجة من الصبح.


نظرت أزل للكوب ثم إليه، وابتسمت ابتسامة باهتة خفيفة:


— شكراً يا شاهين.. تعبت نفسك معايا النهاردة. الوقفة اللي وقفتها في الساحة ما يعملهاش غير ابن بلد أصيل.


جلس شاهين على الكرسي المقابل، ونظر إليها بتمعن طويل، ثم قال بصوت هادئ خالي من القسوة:


— أنا شفتك النهاردة يا أزل.. شفت أزل الحقيقية. شفت إزاي بتعافري وتنقذي الناس ونانسية نفسك خالص.


ساد الصمت لبرهة، قبل أن يكمل شاهين وهو ينظر ليديه:


— أنا طول الـ15 سنة اللي فاتوا، كنت كل ما بنجح أو أعمل قرش، أقول لنفسي: أزل مشيت عشان الفلوس، أزل اختارت العز. كنت بصبر نفسي بالكره عشان أقدر أعيش وأكمل.. عشان لو ما كرهتكيش، كنت هموت من الشوق والوجع.


ترقرققت الدموع في عيني أزل، ولم تستطع هذه المرة مسحها.


أكمل شاهين ونبرته تخترق صدرها:


— بس لما شفتك بتنقذي الولد في الطين، ولما شفت القسوة اللي في عينيك لما بتفتكري اللي حصلك.. عرفت إن أنا كمان ظلمتك. أنا قسيت عليكي لما رجعتي، لأن الجرح كان لسه ينزف، وكنت فاكر إنك جاية تتكبّري عليا بدكتوريتك وفلوس مراد.


قالت أزل بصوت يخنقه البكاء:


— أنا عمري ما تكبرت عليك يا شاهين.. أنا رجعت هنا لأن دي بلدي، ولأن البيت ده هو المكان الوحيد اللي اقدر أربي فيه آدم بعيد عن طمع قرايب مراد في الخليج بعد وفاته. أنا خرجت من تجربة مراد ست مكسورة، ماليش غير شغلي وابني.. وأمي اللي راحت صحتها وما بقاش ليها غيري.


قام شاهين من مقعده وخطى خطوات هادئة حتى وقف بجانب مكتبها. مد يده ببطء شديد، ورغم كل التحفظات، وضع أنامله الخشنة على طرف يدها المرتجفة على المكتب.


شعرت أزل بكهرباء تسري في جسدها، لم تسحب يدها، بل تركتها تستكين تحت دفء كفه.


— أنا مش هقدر أغير اللي فات يا أزل.. قال شاهين بهمس موجوع. — ولا أقدر أرجع سنين شبابنا اللي ضاعت في القهر والغربة. بس أنا موجود دلوقتي.. ومش هسمح لأي حاجة تكسرك تاني.


رفعت أزل عينين مليئتين بالدموع والرجاء:


— بس فيه آدم يا شاهين.. وفيه كلام الناس، وفيه أمي اللي لسه شايفاك السبب في كل حاجة وحشة.. وفيه جدار كبير بيننا اتبنى في 15 سنة.


انحنى شاهين قليلاً، ونظر في عينها مباشرة بثبات صلب:


— الجدار ده أنا اللي بنيته يا أزل.. وأنا اللي ههدمه حجر حجر. وآدم ابنك هيبقى زي ابني، واللي يقربلك أو يمسك بكلمة، هسحقه قبل ما يوصلك.


في تلك اللحظة المشحونة بالأمل والاعترافات الدافئة، فتح باب المكتب فجأة دون أن يطرق.


كانت تسبق الدخول امرأة أربعينية بأناقة صارخة، ترتدي ثيابًا فاخرة وجواهر تلمع، وعلى وجهها علامات الغضب والتعالي. خلفها كان يسير “عدنان”، ابن عم مراد الشافعي، الرجل الذي طالما حاول السيطرة على تركة مراد في الخليج.


تجمعت أزل فوراً وسحبت يدها من تحت يد شاهين، ووقفت بصلابة:


— عدنان؟! إيه اللي جابك هنا؟


ابتسم عدنان ابتسامة خبيثة وهو ينظر لشاهين ثم لأزل:


— جيت أخد حق ابن أخويا يا دكتورة.. جيت أخد آدم وتركة مراد اللي رحتي تهرب بيها في الأرياف مع حبيبي القديم!


وقفت المرأة الأنيقة بجانب عدنان وقالت بنبرة حادة:


— ونحن مش هنسيب عيل من عيلة الشافعي يتربى في الفقر والإهمال ده، خصوصًا لما تكون أمه مش فاضية له ونازلة مع الهوانم والأفندية!


اشتعلت عينا شاهين بالنار، وتقدم خطوة واحدة حاسمة ليقف كالسد المنيع أمام أزل، وجسده الضخم يغطيها بالكامل:


— أنتي مين يا ست أنتي وهو؟ وبتتكلموا مع الدكتورة أزل بأمارة إيه وفي ملك مين؟!


رد عدنان بتحدٍ ووقاحة:


— أنا عم آدم والوصي الشرعي عليه وعلى أملاكه بعد وفاة مراد.. وأنت مين بقى عشان تدخل بيننا؟ ولا أقولك.. أنت البشمهندس شاهين اللي كانت الأخت أزل بتحب زمان وقبل ما تتجوز مراد؟


ساد صمت قاتل في الغرفة، وانقبضت يد شاهين لتتحول إلى قبضة حديدية، بينما شعرت أزل بأرض الغرفة تميد من تحت قدميها.


 

١٨ سنه حكايات اسما السيد 3


وقفت أزل خلف شاهين، وشعرت بأنفاسه المتسارعة ونبضات الغضب الهادرة التي تسري في جسده. كان موقف عدنان وابنة عم مراد -فريدة- أشبه بضربة مباغتة، محاولة قذرة لاستغلال وجودها في القرية للضغط عليها والتنازل عن وصاية آدم وحق إدارة أملاكه في الخليج.


تقدم عدنان خطوة نحو المكتب، وهو يرمق شاهين بنظرة استخفاف:



— القصة معروفة للكل يا بشمهندس.. الدكتورة أزل أخدت الولد والورث ونزلت بيه مصر، ودلوقتي بنكتشف إنها مش فاضية للتربية، ومقضياها لقاءات وحكايات قديمة في الوحدة الصحية. إحنا رفعنا قضية ضم حضانة في المحكمة، وجايين نأخد آدم بالحسنى بدل ما نجرجرك في المحاكم والفضائح يا دكتورة.


قبل أن تنطق أزل بكلمة، تحرك شاهين كالبرق.


قبض شاهين على تلابيب قميص عدنان يدًا واحدة صلبة كالفولاذ، وضغطه بقوة أرجعت الرجل إلى الخلف حتى اصطدم بجدار المكتب. صرخت فريدة برعب، وتراجع عدنان وقد انسحبت الدماء من وجهه أمام الهيبة والمرجل اللذين يفيضان من عيني شاهين.


قال شاهين بصوت خفيض كالرعد، ونبرة تهديد لا تحتمل الشك:


— أنتي ولا هو.. كلمة واحدة كمان عن الدكتورة أزل أو شرفها، مش هترجعوا بلدكم على رجليكم. أزل الشافعي خط أحمر في البلد دي، وما عاش ولا كان اللي يرفع عينه فيها وهي في حمايتي!


قالت أزل بحزم وهي تضع يدها على ذراع شاهين محاولة تهديته:


— نزل إيدك عنه يا شاهين.. المظاهر القذرة دي مش هتهزني.


نظر شاهين إليها، ولما رأى إصرارها، أطلق سراح عدنان بدفعة قوية جعلته يترنح. عدّل عدنان ياقته وهو يلهث بخوف مكتوم، محاولاً استعادة هيئته أمام فريدة.


التفتت أزل إلى عدنان وفريدة، وقالت بنبرة حادة وواثقة، تجسد فيها صمود الدكتورة التي واجهت الأيام وحدها:


— أنت جاي تطالب بآدم يا عدنان؟ فين كنت لما مراد كان بيموت في المستشفى وأنت مشغول بفرز أسهم الشركة؟ فين كنت لما أنا كنت بسهر مع الولد وهو عيان وأنت بتبحث عن الثغرات عشان تجمد حساباتنا؟ آدم ابني، وأنا الأوصياء عليه بقوة القانون الشرعي والدولي، ورجليكم مش هتوصل له طالما أنا حية!


تدخلت فريدة بنبرة مليئة بالغل:


— المحكمة هي اللي هتحكم بيننا يا دكتورة.. ونشوف إذا كان القاضي هيسيب طفل أبوه رجل أعمال كبير يتربى في وسط بيئة زي دي، ومع أم مشغولة عنه!


ابتسم شاهين ابتسامة قاسية وسخر منها وهو يخطو نحو الباب ليغلقه أمامهما، ثم وقف مستنداً عليه، واضعاً يديه في جيبي بنطاله:


— المحكمة؟ كويس إنك فتحتي السيرة دي. تعرفي يا مدام فريدة إن الشركة اللي بيملكها عدنان في القاهرة واخدة مناقصة توريدات من مجموعتي؟ وتعرفي إن بإشارة واحدة مني بكرة الصبح، البنوك هتوجه لشركته إنذارات بالتعثر وتلغي كل عقوده؟


شحب لون عدنان، ونظر لشاهين بذهول:


— أنت… أنت بشمهندس شاهين عبد الرحيم؟ صاحب مجموعة الشاهين للإنشاءات؟!


قال شاهين بنبرة هادئة تشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة:


— أيوه يا محترم.. أنا شاهين اللي تقدر كلمته تهد أي عمل بتفكرو تبنوه على حساب أزل وابنها. لو فكرتم مجرد تفكير إنكم ترفعوا قضية واحدة، أو تيجوا ناحية البيت اللي عايشة فيه، مش بس خسارة الحضانة هي اللي هتواجهوها.. أنتم هتخرجوا من السوق كله ملط، ومش هسيب في جيبكم قرش واحد.


تطلع عدنان وفريدة لبعضهما بذهول؛ لم يتوقعا أن تقف أزل خلف هذا الجدار الصامد من النفوذ والقوة. كانا يظنان أنها مجرد أرملة وحيدة في أطراف الأرياف، يسهل ابتزازها بالمال والولد.


قال عدنان وهو يحاول حفظ ما تبقى من ماء وجهه:


— الموضوع مش موضوع تحدي يا بشمهندس.. إحنا خايفين على مصلحة الولد بس.


ردت أزل بصرامة:


— مصلحة الولد أنكم تبعدوا عن حياتنا! خرجوا بره مكتب وبره المستشفى كلها، وإذا شفت حد منكم قرب من طريق مدرسته، القضية اللي رفعتموها هتبقى وبال عليكم!


لم يجد عدنان وفريدة ممراً للهرب سوى الاندحار. خرجا من المكتب بجر أذيال الخيبة والارتباك، واستدار شاهين ليغلق الباب خلفهما تماماً، وساد المكان صمت عميق.


سقطت أزل على كرسيها، وجلست تغطي وجهها بيديها. كانت الهزة النفسية أكبر من تحمُلها، وجروح الماضي فتحت دفعة واحدة؛ طمع الأقارب، قسوة الظروف، والتهديد الدائم بأخذ طفلها الوحيد.


اقترب شاهين منها ببطء شديد. وقف أمام المكتب، ونزل على ركبتيه حتى أصبح في مستوى نظرها. امتدت يده ببطء ومسكت يديها المرتجفتين وأبعدتهما عن وجهها.


— أزل.. انظري لي. قالها بنبرة تفيض بالحنان والشوق.


رفعت عينين دامعتين تلتقيان بعينيه الصلبتين اللتين تحولتا إلى ملاذ أمن.


— أنا هنا.. قالها شاهين بهمس عميق ينبض بالنخوة. — من النهاردة مش هتمشي في السكة دي لوحدك. عدنان وغيره مش هيقدروا يمسوا شعرة منك ولا من آدم. أنا بنيت الاسم ده والفلوس دي كلها عشان اللحظة دي.. عشان أكون السند اللي اتحرمتي منه زمان.


قالت أزل بصوت مبحوح:


— أنا خايفة على آدم يا شاهين.. آدم هو كل اللي طلعت بيه من الدنيا.. لو حد أخده مني أنا أموت.


ضغط شاهين على يديها بدفء حاسم:


— محدش يقدر ياخده منك طول ما أنا بتنفس. آدم ابنك، وهيفضل في حضنك، وأنا هكون له الضهر اللي يحميه.. لو قبلتي طبعاً.


نظرت أزل إليه؛ رأيت فيه الفتى القديم الذي أحبته ب روحها، ورجل الأعمال الصامد الذي جاء ليعوضها عن سنين القهر والغربة. اختفت كل مشاعر الريبة والكبرياء، ولم يتبقَ سوى الحب الصادق الذي لم تطمس الأيام أثره.


— أنت بتعمل كل ده ليه يا شاهين بعد كل السنين دي؟ سألته بصوت يرتجف.


ابتسم شاهين ابتسامة هادئة تعبر عن استسلام قلبه، وقال:


— عشان أنا ما حبتش ولا هحب غيرك يا أزل.. وعشان الـ15 سنة اللي ضاعوا بعيد عنك كانوا مجرد غياب، لكن قلبي فضل وافق عند نفس اللحظة اللي أخدوكي فيها مني. أنا جاهز أعوضك عن كل ليلة بكيتي فيها.. بس اديني الفرصة.


في هذه اللحظة، فتح باب المكتب ببطء، ودخل آدم وهو يحمل حقيبته، كان قد سمع بعض الأصوات العالية في الممر وجاء للاطمئنان على أمه.


توقف الفتى عند الباب ورأى شاهين جثواً بجانب أمه ويمسك بيديها بحماية.


— ماما.. فيه حاجة؟ مين الناس اللي كانوا طالعين يصرخوا دول؟ استفسر آدم بنظرة حائرة.


قام شاهين بثبات واستقامة، ومسح دموع أزل بنظرة خاطفة قبل أن يلتفت لآدم. خطى نحو الفتى، ووضع يده القوية على كتفه بثقة رجل يحتضن عائلته:


— مفيش حاجة يا آدم.. ناس كانوا فاكرين إن مالهمش كبير، بس عرفوا إن أُمك وراها ضهر ما يتكسرش.


نظر آدم لشاهين ثم لأمه التي ابتسمت بين دموعها ابتسامة أمل جديدة. شعر الفتى براحة غريبة ونوع من الأمان لم يعهده من قبل.


قال شاهين وهو ينظر لأزل وآدم معاً:


— ياللا بينا.. أنا هوصلكم للبيت بنفسي.. ومن بكرة، فيه صفحة جديدة هتتفتح في البلد دي.. صفحة مالهاش علاقة بالحزن ولا بالخوف.


خرج الثلاثة من الوحدة الصحية تحت أشعة الشمس الغاربة التي أضفت لوناً ذهبياً على حقول القرية. كانت الخطوات هادئة والثقة متجددة، وأزل تسير بجوار شاهين متكئة على ظله العريض، تدرك أن عاصفة الوجع قد انقضت، وأن عشق شاهين الذي قاوم السنين لم يكن مجرد ذكرى.. بل كان الوعد الذي تحقق ليرد لها روحها من جديد.


وصلت السيارة السوداء الضخمة إلى أعتاب البيت الكبير في أطراف القرية. نزل شاهين أولاً، ثم فتح الباب لأزل، بينما قفز آدم بركوض إلى الداخل ليطمئن على جيبته الكبيرة (جدته) بعد يوم طويل مليء بالأحداث.


وقفت أزل على الدرجة الأولى للمنزل، والتفتت إلى شاهين الذي كان يتأمل البيت ببناءاته العالية وجدرانه الصماء. كان هذا البيت في الماضي بالنسبة لشاهين رمزا لانتصار المال على الحب، لكنه اليوم لم يعد يرى فيه سوى المعتقل الذي زُفت إليه أزل وهي طفلة في الثامنة عشرة من عمرها.


— شكراً يا شاهين.. قالها أزل بنبرة هادئة تفيض بالامتنان، والتعب بادٍ على ملامحها الناعمة. — موقفك النهاردة قدام عدنان وفريدة مش هنساه العمر كله.


خطى شاهين نحوها خطوة واحدة، وشخصت عيناه الحادتان في عينيها بنظرة تحمل صرامة الحماية وحنان العشق القديم:


— أنا ما عملتش غير اللي كان المفروض يتعمل من ١٥ سنة يا أزل. زمان كنت عاجز ومش في إيدي حاجة أدافع بيها عنك.. لكن النهاردة، الدنيا كلها تحت رجلي، وما فيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يقرب منك أو يمس شعرة من آدم وأنا عايش.



— عدنان مش هيسكت يا شاهين.. الراجل ده طماع، وفريدة وراه بتحركه.. الفلوس والشركات في الخليج عمياهم، وهم شايفين إن آدم هو العقبة الوحيدة عشان يسيطروا على كل حاجة.


ابتسم شاهين ابتسامة ثقة صلبة، ورفع يده ليشير نحو أفق القرية:



— خليهم يجربوا.. عدنان ورقة محروقة، وأنا أمرت مكتبي القانوني في القاهرة وبيروت يفتحوا ملفات شركاته كلها. خلال ٤٨ ساعة، هيبقى مشغول يدافع عن نفسه قدام قضايا التهرب والديون اللي عليه، ومش هيفضى حتى يفكر في اسم آدم.. اطمني خالص.


في تلك اللحظة، فتح باب المنزل الرئيسي ببطء، وظهرت أم أزل جالسة على كرسيها المتحرك، تدفعها الممرضة الخاصة بها. كانت السيدة قد أخذت منها السنون أخذها؛ انحنى ظهرها وذبُلت ملامحها القاسية، لكن نظرات عينها كانت ما تزال تحمل تلك العزة والجفاف القديم.


توقفت عينا الأم على شاهين.. تمعنت فيه لثوانٍ طويلة، تقرأ ملامح الرجل الفارع، ببدلته الفاخرة وهيبته التي تملا الشارع. لم تكن بحاجة لمن يسألها؛ عرفته فوراً. إنه “ابن دلال السحارة”.. الشاب الفقير الذي طردته من بيتها كالمقعد وصاحت في وجهه يوماً: “ملقتيش غير الكحيان ده؟”.


توقفت حركة الشارع تماماً، وساد صمت ثقيل كالجبال بين الثلاثة.


تقدم شاهين ببطء نحو الكرسي المتحرك، ولم تكن خطواته تحمل تشفياً أو انتقاماً، بل كانت تمشي بهيبة رجل أثبت للزمان وللناس أنه أكبر من كل إهانة. وقف أمام العجوز ونظر إليها من الأعلى، بينما كانت هي ترفع رأسها بصعوبة لتقابل عينيه.


— مساؤك بالخير يا أم أزل.. قالها شاهين بصوت هادئ عميق نزل كالصاعقة على مسامعها.


ارتجفت شفتا الأم الباهتتان، وتحسست يدها المرتعشة طرف غطائها، ثم نطقت بصوت خفيض مبحوح:


— شاهين..؟


— أيوه.. شاهين. قالها وهو يستند بيده على سور الدرج. — البشمهندس شاهين عبد الرحيم.. اللي كنتِ بتسميه الكحيان، وبتطرُديه من غيطكم عشان ما عندوش بيت ولا قرش.


تجمعت الدموع في عيني أزل، وخافت أن تتأزم الأمور، فتقدمت مسرعة:


— شاهين.. أرجوك، أمي تعبانة وما بتحملش..


رفع شاهين يده بهدوء ليوقف أزل دون أن يرفع عينيه عن وجه العجوز:


— سيبيني أتكلم يا أزل.. ده كلام متأجل من ١٥ سنة.


نظر شاهين إلى الأم العاجزة وقال ونبرته تحمل أسى السنين:


— أنتي بعتي بنتك يا حاجّة عشان الفلوس.. كسرتي قلبها وكسرتي قلبي، وجوزتيها لرجل أدّك عشان العز و”بيت الخليج”. فاكرة إن الفلوس هي الأمان؟ أهو مراد مات وسابها، والفلوس بقت نقمة وطمع من القرايب، والصحة اللي كنتي بتتفاخري بيها راحت.. والنهارده، اللي واقف يحمي بنتك ويصون شرفها وابنها من أطماع عيلتها.. هو نفس “الكحيان” اللي رفضتيه.


طأطأت الأم رأسها في خزي عميق. كانت كلماته كسهام مسمومة تجرح كبرياءها المتبقي، ولم تجد حجة تدافع بها عن نفسها. رأت أمامها أميراً بقميصه الأبيض وساعته السوداء، بريق نفوذه يملأ المكان، بينما هي محبوسة في جسد متهالك وكرسي متحرك.


دمعت عين العجوز، ونطقت بنبرة انكسار لأول مرة في حياتها:


— أنا.. أنا كنت فاكرة إني بأمن مستقبلاها يا بني.. كنت خايفة عليها من الفقر والبهدلة..


رد شاهين بصلابة ونبرة حاسمة:


— الأمان في الراجل اللي يصون، مش في القرش اللي يباع ويشترى بيه البني آدمين.. أنتي حرمتيني منها وعشتي في وهم، بس ربنا رد الحق لأصحابه. وأنا ما رجعتش عشان أشمُت فيكي.. أنا رجعت عشان أقولك إن أزل حقتي، وهتاخد حريتها وكرامتها اللي أتعصرت تحت رجليكي زمان.


ثم التفت شاهين إلى أزل، وتبدلت ملامحه القاسية إلى حنان جارف، ومد يده يمسك أناملها أمام عين أمها:


— أنا ماشي دلوقتي يا أزل.. وبكرة عندي اجتماع في القاهرة عشان أنهي موضوع شركات عدنان نهائياً. رجوعي هيكون بليل.. واعملي حسابك، الجولة الجاية مش هتبقى في المستشفى ولا في الشارع.. الجولة الجاية هتبقى عشان نرجع اللي ضاع منا.


نظرت إليه أزل، وشعرت لأول مرة منذ أربعة عشر عاماً أن الأمان ليس مجرد كلمة في كتب النفس، بل هو رجل يقف كالجبل في ظهرها.


— توصل بالسلامة يا شاهين.. قالتها بصوت دافئ يخرج من أعماق قلبها.


ابتسم شاهين ابتسامة خفيفة، ثم التفت وركب سيارته السوداء التي انطلقت تسابق الرياح في عتمة الليل، مخلفة وراءها ضوءاً ساطعاً يضيء عتمة سنوات أزل الخالية.


دخلت أزل إلى البيت تسبق أمها، وجلست في الصالون الكبير. كان آدم يجلس يراجع دروسه، بينما اقتربت الممرضة بدفع الأم التي كانت تبكي بصوت مكتوم.


أشارت الأم لابنتها بصوت مرتعش:


— أزل.. تعالي يا بنتي..


جلست أزل بجانب كرسي أمها، ونظرت إليها بهدوء:



مسكت الأم يد أزل الملساء وقبلتها بدموع ندم طال انتظارها:


— سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا دكتورة.. أنا ظلمتك وظلمت الشاب ده.. كنت فاكرة إني صح، بس طلع هو الراجل اللي يحميكي بجد.. أنا بقيت خايفة أموت وربنا يحاسبني على كسرة قلبك.



أغمضت أزل عينيها، ونزلت دمعة دافئة على خدها. لم تكن ترغب في الانتقام من أمها المريضة، بل كانت ترغب فقط في الاستقرار والتخلص من أشباح الماضي.


— المسامح ربنا يا أمي.. المهم دلوقتي إننا نعيش في سلام، وآدم يكبر بعيد عن مشاكل عيلة أبوه.


في ظهر اليوم التالي، كان شاهين في مكتبه الفاخر بوسط القاهرة، يقود شبكة اتصالات موسعة. بحنكة رجل الأعمال المتمرس، استطاع تحريك القضايا وتجميد أصول عدنان والضغط على الشركاء للانسحاب من المناقصات.


خلال ساعات قليلة، ورد اتصال لأزل من عدنان نفسه، كان صوته يرتجف ويتوسل:


— دكتورة أزل.. أنا بعتذر عن كل اللي حصل.. أنا تنازلت رسمياً عن أي طلب حضانة أو وصاية على آدم، وكتبت تنازل في السفارة ومكتب المحاماة.. بس قولي للبشمهندس شاهين يرفع إيده عن شركتي! أنا هفلس!


أغلقت أزل الخط بابتسامة نصر هادئة. لقد انتهى كابوس عدنان للأبد، وبقوة شاهين تحطمت كل التهديدات التي كانت تقض مضجعها.


مع حلول المساء، عادت أزل إلى الوحدة الصحية لتنهي بعض التقارير الطبية قبل إغلاق الجناح. كانت السماء تمطر قطرات خفيفة، ورائحة الأرض المبتلة تعيد إليها ذكريات طفولتها.


وفجأة، سمعت صوت الخطوات المألوفة في الممر الخالي.


رفعت رأسها لتجد شاهين يقف عند الباب. كان يرتدي معطفاً داكناً، وشعره مبتل بقليل من المطر، وعيناه تبرقان برغبة حاسمة لا تحتمل التأجيل.


— خلصتي شغل؟ سألها بنبرة دافئة.


— خلصت.. ردت أزل وهي تغلق الملف الأخير وتقف من خلف مكتبها.


خطى شاهين نحوها حتى أصبح أمامها مباشرة، وأخرج من جيب معطفه علبة مخملية صغيرة سوداء، فتحها ببطء لظهر خاتم ماسي بسيط وأنيق، يلمع تحت الإضاءة.


توقفت أنفاس أزل، ونظرت للخاتم ثم لعينيه.


قال شاهين بصدق ونبرة تهز الوجدان:


— الخاتم ده كان مفروض يتلبس في إيدك من ١٥ سنة يا أزل.. اشتريته بأول قرش حقيقي كسبته من تعبي، وفضل معايا في كل بلد سافرتها وكل قصر بنيته. أنا مسحت عدنان من طريقك، وأمك اعترفت بغلطها، وآدم بقى بيشوفني ضهره.. فاضل حاجة واحدة بس عشان الدائرة تكتمل.


اقترب منها أكثر حتى شعرت بدفء أنفاسه:


— تتجوزيني يا أزل؟ تتجوزيني وتخلينا نبدأ حياتنا الحقيقية اللي اتسرقت منا؟


تجمعت الدموع في عيني أزل، لكنها هذه المرة لم تكن دموع قهر أو خوف، بل كانت دموع الفرح الذي طال انتظاره. رفعت يدها ببطء لتضعها في يده القوية، وقبل أن تنطق بالكلمة التي ستقلب حياتهما..


ارتفع صوت جرس هاتف شاهين برنين عاجل ومتواصل، يقطع سكون اللحظة المصيرية.


نظر شاهين إلى الشاشة، فانعقدت حاجبا فوراً وتغيرت ملامحه الوضاءة إلى الجدية والعدائية فجأة.


— مين بيصل دلوقتي؟ سألت أزل بقلق مفاجئ.


نظر شاهين لأزل وقال بصوت خفيض مشحون بالغموض:


— ده محامي العيلة في الخليج.. فيه خبر عاجل وصل عن وصية مراد الأخيرة.. خبر هيغير كل الترتيبات يا أزل!


صُدمت أزل وارتجفت يدها وهي تنظر إلى وجه شاهين الذي انقلبت ملامحه كلياً. انخفضت علبة الخاتم في يده ببطء، وتوقف الزمن مجدداً بينهما في ذلك الممر الخالي.


تنفّس شاهين ببطء، وفتح الخط ووضع الهاتف على أذنه دون أن يفلت عيني أزل:


— اتفضل يا متر.. خير؟


جاء صوت المحامي عبر الهاتف عبر مكبر الصوت الخفيض، واضحاً بنبرة رسمية قاطعة:


— مساؤك بالخير يا بشمهندس شاهين.. بعتذر للاتصال في الوقت ده، بس كان لازم أبلغ الدكتورة أزل فوراً. بعد التنازل اللي قدمه السيد عدنان، ظهرت الوصية الموثقة والأخيرة للمرحوم مراد الشافعي، والوصية دي كان شارتها ألا تُفتح إلا بعد تنازل أقاربه عن أي دعاوى حضانة.


ابتلعت أزل ريقها وتقدمت خطوة:


— وصية إيه يا متر؟ مراد كتب إيه؟


أكمل المحامي بثبات:


— المرحوم مراد كان عارف طمع عيلته كويس يا دكتورة. في الوصية كتب بالحرف: “كل أملاكي وشركاتي تُدار بالكامل تحت وصاية وإدارة الدكتورة أزل الشافعي لحين بلوغ ابننا آدم سن الرشد، وله مطلق الحق في إدارتها بعد ذلك.. وأُشهد الله أنني ظلمت هذه المرأة وصبرت عليّ وعلى قسوتي، ولها كامل الحرية والشرف في إدارة التركة والزواج بمن تشاء، ولا يحق لأحد من عائلتي التدخل في حياتها أو حياة ابني”.


ساد صمت عميق في الممر. كانت كلماته كأنها إبراء ذمة متأخر من رجل رحل عن الدنيا، اعتراف بالألم والظلم الذي ألحقه بها، وتأكيد على أن صبر أزل وكرامتها لم يذهبا سدى.


أغلق شاهين الخط ببطء، ونظر إلى أزل. تلاقت نظراتهما، وشعرت أزل وكأن السلسلة الأخيرة التي كانت تقيد روحها ونفسها قد تحطمت كلياً إلى غير رجعة. لم يعد هناك ذنب، ولا خوف من كلام الناس، ولا مطاردة من الماضي.


ابتسم شاهين ابتسامة دافئة عريضة تخرج من أعماق قلبه، وأخذ الخاتم الماسي من العلبة السوداء، ورفع يد أزل بثبات.


— الحقيقة وضحت يا أزل.. والعدل أخد مجراه. دلوقتي مفيش أي حاجة في الدنيا تقدر تقف بيننا.


أدخل الخاتم الماسي في إصبعها. انهمرت دموع الفرح من عيني أزل، ولم تسحب يدها هذه المرة، بل ضغطت على يده بدفء وحنان وقالت بصوت يملؤه اليقين:


— موافقة يا شاهين.. موافقة أبدأ معاك العمر اللي فاضل.


بعد مرور ستة أشهر..


كانت القرية تتزين بأبهى حلتها. أُنيرت شوارع الأرياف بالأنوار الساطعة، واحتشد أهالي البلدة جميعاً في باحة المجمع الطبي الجديد—جناح الأطفال والأورام الذي اكتمل بناؤه بأحدث الطرازات العالمية باسم “جناح الدكتورة أزل الشافعي للرعاية الطبية”.


وقف شاهين ببدلته الكحيلية الفاخرة، يمسك بيده يد أزل التي أطلت كالأميرات بثوب أبيض راقٍ وهادئ، يعكس وقار الدكتورة ونقاء عودتها. بجانبهما كان يقف “آدم”، وقد ارتدى بدلة أنيقة ويقف بثقة وافتخار بجانب أمه وشاهين الذي صار له بمثابة الأب والسند والقدوة.


وعلى كرسيها المتحرك في صدارة الحفل، كانت أم أزل تجلس وعيناها تفيضان بدموع الفرح والندم، تمسك بيد أختها (أم شاهين) وتعتذر لها وتدعو للعروسين ببركة العمر والوفاق.


قص شاهين وأزل شريط افتتاح الجناح الطبي وسط تصفيق حار ودعوات الأهالي.


التفت شاهين نحو أزل، ومال عليها بهمس دافئ في زحمة الفرح:


— فاكرة لما كنتي بتقولي إنك خرجتي من الأرياف وقرفها؟


ابتسمت أزل ورفعت عينها الجميلتين لعينيه:


— كنت فاكرة إن الفقر والقرف في المكان يا شاهين.. بس اكتشفت إن القهر كان في القلوب الهشّة. والنهاردة، أنا رجعت لأحلى مكان في الدنيا.. لأنك فيه.


مسك شاهين يدها ورفعها أمام الجميع وقبلها بكل احترام وحب:


— وأنا بنيت القصور دي كلها عشان أثبت للعالم إن عشقي ليكي ما كانش وهم.. أنتي الدكتورة أزل، وأنا شاهين اللي بيتنفّس بوجودك.


عزفت الموسيقى، وعلت الضحكات في أرجاء المكان، وضاعت سنوات الوجع والخمسة عشر عاماً من الغربة والعذاب، لتبدأ من جديد قصة حبهما الأبدي.. القصة التي صمدت في وجه القسوة والفقر والطمع، لتثبت أن الحب الصادق والنخوة لا يموتان مهما طال الزمان.


 







تعليقات

التنقل السريع
    close