القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

تحت الفراش حكايات اسما السيد كاملة 



تحت الفراش حكايات اسما السيد كاملة 


كنت برفع طرف سريرنا التقيل علشان أدور على خاتمي اللي وقع وراه. كنت متوقعة ألاقي شوية تراب، يمكن شراب ضايع أو حاجة واقعة من زمان… لكن الحاجة اللي لقيتها متثبتة بعناية تحت ناحية جوزي من السرير خلتني أنزل ببطء على الأرض ورجلي مش شايلاني. أنا وجوزي متجوزين بقالنا سبع سنين. سبع سنين هادية جدًا. كان من نوع الرجالة اللي يصحى قبلي يوم الإجازة ويجيبلي القهوة لحد السرير.


 




عمره ما نسي عيد جوازنا ولا عيد ميلادي.


وساعات كنت أدخل الحمام الصبح ألاقي ورقة صغيرة لازقها على المراية وكاتبلي فيها:


— بحبك… خلي يومك حلو.


كنت دايمًا بقول إني محظوظة.


بنينا مع بعض حياة بسيطة ومريحة.


كان جوزي بالنسبة لي مش مجرد زوج…


كان صاحبي، وسندي، وأكتر شخص في الدنيا كنت واثقة فيه.


في الليلة دي، كنا بنجهز نفسنا علشان نروح عزومة مهمة.


كنت واقفة قدام المراية بلبس الحلق، ولما جيت ألبس خاتمي الدهب المفضل، زحلق من بين صوابعي.


وقع على الأرض…


واتدحرج لحد ما اختفى ورا السرير.


جوزي كان نزل تحت يطلع العربية، فقلت ألحق أجيبه قبل ما يرجع ويستعجلني.


نزلت على ركبتي ومديت إيدي ورا السرير.


ملقتش حاجة.


جبت الموبايل، فتحت الكشاف، ووجهته تحت السرير.


كنت مستنية أشوف خاتمي وسط شوية تراب.


لكن الضوء وقع على حاجة غريبة.


كيس صغير ملفوف بالبلاستيك ومتثبت بشريط لاصق تحت خشب السرير من ناحية جوزي.


اتجمدت.


مديت إيدي وفكيته بصعوبة.


كان واضح إنه متخبي عمدًا.


بصيت ناحية باب الأوضة أتأكد إن جوزي لسه تحت.


وبعدين فتحت الكيس.


أول حاجة طلعتها كانت موبايل صغير قديم عمري ما شوفته قبل كده.


وتحته…


ظرف فيه صور.


فتحت أول صورة.


وقتها حسيت إن نفسي اتقطع.


كان جوزي واقف في الصورة جنب ست معرفهاش… وشايل طفل صغير بين إيديه.


قلبت الصورة.


كان مكتوب وراها تاريخ من سنتين.


فتحت الصورة التانية.


نفس الست.


نفس الطفل.


لكن المرة دي كانوا قاعدين قدام تورتة عيد ميلاد، وجوزي منحني بيبوس الطفل على راسه.


وبخط إيده، كان مكتوب:


“عيد ميلاد ابني التالت.”


نزلت ببطء على الأرض.


ابني؟


جوزي عنده ابن؟


فضلت سبع سنين عايشة مع راجل كنت فاكرة إني عارفة عنه كل حاجة…


وفي اللحظة دي سمعت باب البيت بيتفتح.


وصوته جاي من تحت:


— حبيبتي؟ العربية جاهزة!


ما رديتش.


لأن الموبايل القديم اللي في إيدي نور فجأة.


وصلت عليه رسالة جديدة.


فتحتها…


وكانت من نفس الست اللي في الصور:


— “لازم تقول لمراتك الحقيقة الليلة… ابنك بدأ يسأل ليه باباه عايش مع ست تانية.”


لكن قبل ما ألحق أستوعب الجملة…


سمعت خطوات جوزي طالعة على السلم.


وبعد ثواني وقف على باب الأوضة.


بصلي…


وبص للموبايل والصور اللي في إيدي.


وفجأة اختفت الابتسامة من وشه.


وقال كلمة واحدة:


— إنتِ… لقيتيهم؟ حكايات الكاتبه #اسما_السيد ممنوعه من النسخ


الفصل الأول — «ابني» مش معناها اللي فهمتيه

فضل واقف على باب الأوضة، وعينه بتنقل بيني وبين الصور والموبايل.

وأنا قاعدة على الأرض، ضامة الصور في إيدي كأني لو سبتها هكتشف إن كل اللي قدامي حقيقي.

قلت بصوت معرفتش أطلعه غير بالعافية:

— لقيتهم.

ما اتحركش.

سألته:

— مين الست دي؟

سكت.

رفعت الصورة قدامه.

— ومين الطفل اللي إنت كاتب وراه “ابني”؟

قال بسرعة:

— اسمعيني الأول.

ضحكت.

ضحكة صغيرة طالعة من الصدمة.

— سبع سنين وأنا بسمعك. أعتقد جه دورك تجاوب.

دخل الأوضة وقفّل الباب وراه.

الحركة دي خوفتني.

قمت فورًا.

— ما تقفلش الباب.

بصلي باستغراب.

— إيه؟

— افتحه.

— حبيبتي…

صرخت:

— ما تقوليش حبيبتي!

وقف مكانه.

فتحت الباب بنفسي.

وبعدين رجعت وقفت بعيد عنه.

قلت:

— اتكلم.

بص للصورة.

— الطفل اسمه سليم.

— ابنك؟

سكت.

— سألتك ابنك؟

قال:

— أيوه.

حسيت إن الأرض اتحركت تحتي.

كنت مستنية يقول سوء تفاهم.

ابن صاحبه.

ابن أخوه.

أي كذبة حتى.

لكن قالها.

أيوه.

مسكت طرف الدولاب علشان ما أقعش.

— عنده كام سنة؟

— خمس سنين.

بصيتله.

— خمس؟

بدأت أحسب.

إحنا متجوزين سبع سنين.




يعني الطفل اتولد وإحنا متجوزين.

قلت:

— يعني خنتني.

قال فورًا:

— لأ.

— عندك طفل عمره خمس سنين وإحنا متجوزين سبعة وبتقولي ما خنتنيش؟

— لأن الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.

رميت الصور على السرير.

— الجملة دي ما تقولهاش! لو سمحت ما تقوليش “مش زي ما إنتِ فاهمة”، لأن اللي أنا فاهماه واضح جدًا!

قرب خطوة.

رجعت خطوة.

وقف.

قال:

— الست اللي في الصورة اسمها داليا.

— مش مهتمة باسمها.

— لازم تعرفي مين هي.

— عشيقتك؟

— لأ.

— مراتك التانية؟

— لأ.

— أمال مين؟!

بصلي فترة.

وقال:

— أرملة أخويا.

سكت.

— أخوك؟

— أيوه.

هزيت راسي.

— إنت معندكش إخوات.

غمض عينه.

وهنا عرفت إن فيه كذبة تانية.

قلت:

— صح؟

فتح عينه.

— كان عندي.

قعدت على طرف السرير.

— كان؟

— مات من ست سنين.

رفعت عيني له.

— وإحنا كنا متجوزين وقتها.

— أيوه.

— وأخوك مات وإنت ما قلتليش إن عندك أخ أصلًا؟

ما ردش.

قلت:

— والطفل؟

قال:

— ابنه.

فضلت باصة له.

وبعدين بصيت للصورة.

— يعني سليم ابن أخوك؟

— بيولوجيًا… أيوه.

نفسي رجع شوية.

لكن السؤال الأخطر جه فورًا.

رفعت الصورة.

— أمال إنت كاتب “ابني” ليه؟

قعد على الكرسي قصادي.

— لأن سليم مايعرفش إن أبوه مات.

— نعم؟

— هو فاكرني أبوه.

سكت لحظة.

— وأنا اللي خليته يصدق كده.

ماعرفتش أقول حاجة.

هو كمل:

— أخويا مات قبل ما سليم يتولد بكام شهر.

— وإنت قررت تاخد مكانه؟

— الموضوع أعقد من كده.

قلت بسخرية:

— واضح إن حياتك كلها أعقد من الجواز اللي أنا كنت عايشاه.

نزل عينه.

قلت:

— والرسالة اللي جات من داليا؟ “ابنك بدأ يسأل ليه باباه عايش مع ست تانية.”

— علشان سليم كبر.

— يعني الطفل فاكر إن أنا الست التانية؟

سكت.

شهقت.

— يا نهار أبيض.

قمت ألف في الأوضة.

— يعني أنا في حكايتكم إيه؟ العشيقة اللي سرقت أبوه من أمه؟

— هو مايعرفش عنك غير قليل.

وقفت.

— يعرف عني؟

عرف إنه غلط أول ما قالها.

قلت:

— إنت وريته صوري؟

— مرة شاف صورة لينا على الموبايل.

— وقلتله إيه؟

سكت.

— رد!

قال:

— قلتله إنك… واحدة قريبة مني.

ضحكت.

— واحدة قريبة منك؟

مسحت دموعي بعنف.

— مراتك بقالها سبع سنين بقت “واحدة قريبة منك”؟

قال:

— كنت بحاول أحميه.

— مني؟

— من الحقيقة.

بصيتله.

— الحقيقة اللي إنت شايف إن كل الناس أطفال ومينفعش يعرفوها غيرك؟

سكت.

مسكت الموبايل القديم.

— وليه الموبايل ده؟

وشه اتغير.

— علشان أكلم داليا من غير…

وقف.

كملت أنا:

— من غير ما أعرف.

— أيوه.

— وليه الصور متخبية تحت السرير؟

— علشان ما تشوفيهاش بالصدفة.

ضحكت بمرارة.

— الخطة فشلت.

قال:

— عارف.

بصيت للموبايل.

كان عليه محادثات كتير.

سنين.

قلت:

— هقرأ.

قال بسرعة:

— لأ.

رفعت عيني له.

— ليه؟

— لأن فيه حاجات تخص أخويا وداليا مش من حقي…

قاطعته:

— الموبايل متخبي تحت سريري أنا.

سكت.

فتحت المحادثة.

آخر رسالة كانت اللي شفتها.



قبلها:

“سليم نام وهو مستني مكالمتك.”

وقبلها:

“ما تنساش حفلة المدرسة الخميس.”

وقبلها صورة لسليم ماسك شهادة.

ورد جوزي:

“فخور بيك يا بطل. بابا هيجيلك بكرة.”

إيدي بدأت ترتعش.

رجعت بالشهور.

صور.

مصاريف مدرسة.

دكتور.

عيد ميلاد.

رحلات.

مكالمات.

حياة كاملة.

قلت:

— كل مرة كنت بتقولي عندك سفرية شغل…

ما ردش.

— كنت بتروح لهم؟

— مش كل مرة.

— كام مرة؟

— كتير.

قعدت.

— وإجازة العيد اللي قولتلي فيها إنك مضطر تسافر بسبب مشكلة في الفرع؟

نزل عينه.

— كنت مع سليم.

— عيد ميلادي من سنتين؟

— رجعتلك بالليل.

افتكرت.

وصل الساعة 11 ونص ومعاه ورد.

اعتذر وقال إن الاجتماع طول.

وأنا حضنته.

وقلتله:

“ولا يهمك، المهم إنك جيت.”

غمضت عيني.

قلت:

— أنا كنت مغفلة.

قال:

— لأ.

— كنت.

— إنتِ وثقتي فيا.

بصيتله.

— وده طلع أغبى قرار عملته.

الجملة وجعته.

لكن وقتها ماكانش يهمني.

قلت:

— ليه؟

— إيه؟

— ليه ما قلتليش من البداية؟

فضل ساكت.

قلت:

— إحنا اتجوزنا قبل ما أخوك يموت. كان ممكن تيجي تقوللي: أخويا مات ومراته حامل وأنا عايز أقف جنبهم.

— ماكنتش هقدر.

— ليه؟

— لأنك كنت هتسألي أخويا مين.

— طبيعي!

— وأنا ماكنتش عايز أجاوب.

بصيتله.

— ليه؟

وشه اتغير.

ولأول مرة من ساعة ما لقيت الصور، شفت خوف حقيقي في عينه.

قلت:

— أخوك عمل إيه؟

قال:

— مش أخويا اللي عمل.

— أمال؟

سكت.

قلت:

— قول.

قام وراح ناحية الشباك.

فضل واقف بضهره ليا.

— أنا وأخويا ما اتربناش مع بعض.

— وبعدين؟

— هو كان أخويا من الأب.

— إنت قلتلي أبوك مات وإنت صغير.

— دي الحقيقة.

— يبقى؟

لف ناحيتي.

— قبل ما يموت، كان عنده بيت تاني.

سكت.

— ومرات تانية.

بدأت أفهم.

— أم أخوك؟

هز راسه.

— أيوه.

— وإنت عرفت إمتى؟

— وأنا عندي عشرين سنة.

— وفضلت علاقتكم؟

— في السر.

ضحكت من غير فرحة.

— واضح إن السرية موهبة عائلية.

اتوجع لكنه كمل:

— أخويا ماكانش ذنبه حاجة. قربنا من بعض. بقينا أصحاب أكتر من إخوات.

— وداليا؟

— مراته.

— وبعدين مات.

— أيوه.

— إزاي؟

سكت.

ثواني طويلة.

قلت:

— إزاي مات؟

رد:

— حادثة عربية.

لكن طريقة قوله للجملة خلتني أعرف إن لسه فيه حاجة.

قلت:

— وإنت كنت معاه؟

بصلي.

ما ردش.

قربت منه.

— كنت معاه؟

قال:

— أيوه.

— إنت كنت سايق؟

سكت.

وقتها قلبي دق بعنف.

قلت:

— إنت كنت سايق العربية اللي أخوك مات فيها؟

همس:

— أيوه.

رجعت خطوة.

قال بسرعة:

— بس لازم تعرفي اللي حصل.

— إنت السبب في موته؟

— لأ… يعني…

حط إيده على راسه.

— مش بالطريقة اللي إنتِ متخيلاها.

قلت:

— أمال بأي طريقة؟

قعد.

وبدأ يحكي.

— الليلة دي أخويا اتصل بيا. كان متخانق مع داليا، وشرب.

— وإنت روحتله؟

— أيوه. أخدت مفاتيح عربيته وقلت أوصله.

— والحادثة؟

— عربية طلعت قدامنا فجأة. حاولت أفاديها.

سكت.

— العربية اتقلبت.

— وهو مات؟

هز راسه.

— وأنا خرجت بإصابات بسيطة.

نزلت عيني.

بدأت أفهم ليه حس بالذنب ناحية الطفل.

قلت:

— علشان كده اعتبرت سليم ابنك؟

— جزء من السبب.

— والجزء التاني؟

سكت.

قلت:

— فيه إيه تاني؟

قال:

— قبل ما أخويا يموت…

صوته اتكسر.

— كان واعي لدقايق.

بصلي.

— مسك إيدي وقاللي: “داليا حامل… ما تسيبهمش.”

سكت.

— وأنا وعدته.

دموعي نزلت رغم غضبي.

القصة مؤلمة.

لكنها ما مسحتش سبع سنين كذب.

قلت:

— كان ممكن توفي بوعدك من غير ما تخدعني.

قال:

— عارف.

— كان ممكن تساعد الطفل كعمه.

— حاولت.

— أمال ليه فاكر إنك أبوه؟

قال:

— لما كان عنده حوالي سنتين بدأ يسأل.

سكت.

— وداليا كانت بتقوله إن باباه في السما. بس مرة شافني، وناداني “بابا”.

— وإنت صححتله؟

ما ردش.

قلت:

— ما صححتش.

— ماقدرتش.

— وبعدها؟

— الموضوع كبر.

قلت:

— الكذبة كبرت.

هز راسه.

— أيوه.

وقتها افتكرت حاجة.

حاجة صغيرة جدًا.

من حوالي خمس سنين، جوزي فجأة قال إنه مش جاهز نخلف.

قبلها كنا بنتكلم عن الأطفال بشكل طبيعي.

لكن من وقتها، كل مرة أفتح الموضوع يقول:

“لسه بدري.”



وبعدها:

“الشغل مش مستقر.”

وبعدها:

“خلينا نستمتع بحياتنا.”

بصيتله.

— إنت ماكنتش عايز تخلف مني بسبب سليم؟

وشه اتغير.

وكان ده كفاية.

قلت:

— يا نهار أبيض.

— الموضوع مش…

— ما تقولهاش!

صرخت.

— ما تقوليش “الموضوع مش كده”!

دموعي نزلت.

— أنا قعدت سنين أسأل نفسي إنت ليه كل ما أتكلم عن طفل تغير الموضوع.

سكت.

— افتكرت إن المشكلة فيا.

قال بسرعة:

— عمرها ما كانت فيكي.

— أمال؟

— كنت خايف.

— من إيه؟

— إني لو بقي عندي طفل منك…

سكت.

— أكمل.

قال:

— إني أبدأ أحب حياتي هنا أكتر.

فضلت باصة له مش فاهمة.

قال:

— وأسيب سليم.

همست:

— يعني حرمتني من فكرة الأمومة…

صوتي اتكسر.

— علشان تحافظ على كذبتك مع طفل تاني؟

— أنا ما حرمتكيش.

— إنت ضيعت سنين!

ما ردش.

الموبايل القديم رن.

داليا.

بصينا للشاشة.

قال:

— ما ترديش.

رفعت عيني له.

وبعدين ضغطت إجابة.

— ألو؟

سكتت الناحية التانية.

قلت:

— داليا؟

صوت ست جه متردد:

— مين؟

قلت:

— مراته.

صمت.

طويل جدًا.

وبعدين قالت:

— أخيرًا.

الكلمة استفزتني.

— أخيرًا إيه؟

قالت:

— أخيرًا عرفتي.

بصيت لجوزي.

هو كان واقف مكانه كأنه نفسه يختفي.

قلت:

— إنتِ عارفة عني من إمتى؟

قالت:

— من البداية.

— البداية إمتى؟

— من قبل ما سليم يتولد.

قلبي وقع.

قلت:

— يعني وإنتِ حامل كنتِ عارفة إنه متجوز؟

— طبعًا.

— ووافقتِ ابنك يفتكره أبوه؟

سكتت.

ثم قالت:

— دي مش الفكرة اللي بدأت مني.

بصيت لجوزي.

— أمال من مين؟

داليا قالت:

— اسألي جوزك عن تحليل سليم.

جوزي تحرك فجأة.

— داليا، كفاية.

أنا رفعت إيدي.

— تحليل إيه؟

داليا قالت:

— هو ما قالكيش؟

جوزي قال بعصبية:

— اقفلي يا داليا.

صرخت:

— محدش هيقفل!

وبعدين سألتها:

— تحليل إيه؟

صوتها هدي.

— تحليل النسب.

حسيت إني مش فاهمة الكلمات.

— نسب مين؟

داليا ردت:

— سليم.

بصيت لجوزي.

وشه فقد لونه.

قلت:

— إنت عملت تحليل نسب لسليم؟

ما ردش.

داليا قالت:

— من خمس سنين.

سألت:

— وليه يعمل تحليل نسب لابن أخوه؟

صمت.

ولا واحد فيهم رد.

قلت:

— ردوا عليا!

داليا بدأت تعيط.

— لأن بعد موت جوزي اكتشفت حاجة.

جوزي قال:

— داليا!

لكنها كملت:

— اكتشفت إنه كان عنده مشكلة طبية.

إيدي بردت.

— مشكلة إيه؟

قالت:

— مشكلة كانت بتخلي احتمال إنه يخلف ضعيف جدًا.

بصيت لجوزي.

قلت:

— وبعدين؟

داليا قالت:

— حصل خلاف بيني وبين جوزك بسبب سليم.

— خلاف ليه؟

— لأنه بدأ يشك.

جوزي قال:

— كفاية.

داليا صرخت فيه من الموبايل:

— لأ، مش كفاية! سبع سنين وإنت مخبي عليها!

أنا قلت:

— نتيجة التحليل كانت إيه؟

صمت.

قلت:

— داليا… سليم ابن مين؟

سمعت شهقتها.

وبعدين قالت:

— أنا ما كنتش عايزة تعرفي بالطريقة دي.

جوزي قرب مني.

— اقفلي وأنا هفهمك.

رجعت عنه.

— ما تقربش.

وسألت للمرة الأخيرة:

— سليم ابن مين؟

داليا قالت:

— التحليل أثبت إن جوزي المتوفي مش أبوه.

اتجمدت.

قلت:

— أمال مين؟

داليا ما ردتش.

لكن أنا بصيت لجوزي.

هو نزل عينه.

وفي اللحظة دي…

فهمت قبل ما حد ينطق.

قلت بصوت شبه الهمس:

— لأ.

رفع عينه ليا والدموع فيها.

رجعت خطوة.

— لأ.

قال:

— اسمعيني.

— سليم ابنك إنت؟

ما ردش.

صرخت:

— سليم ابنك؟!

وبعد ثواني من الصمت…

هز راسه.

— أيوه.

الموبايل وقع من إيدي على السرير.

كل الحكاية اتغيرت في ثانية.

مفيش أخ مات وساب طفل وهو بيرعاه وفاءً لوعد.

مفيش عم اضطر يمثل دور الأب.

كان فيه طفل…

ابن جوزي فعلًا.

وست كان يعرفها قبل ما الطفل يتولد.

وأنا كنت عايشة سبع سنين جنب السر.

لكن السؤال اللي خرج مني كان أخطر من كل اللي فات:

— لو سليم عنده خمس سنين…

بصيت لجوزي.

— وإحنا متجوزين سبع سنين…

سكت.

— يبقى إنت وداليا كنتوا مع بعض وإنت متجوزني.

غمض عينه.

قلت:

— خنتني مع مرات أخوك؟

فتح عينه وقال بسرعة:

— حصلت مرة واحدة.

ضحكت وأنا بعيط.

— مرة واحدة كفاية تعمل طفل.

سكت.

قلت:

— أخوك كان عايش؟

وشه اتغير.

وهنا…

حسيت إن لسه فيه ضربة أخيرة.

قلت ببطء:

— لما حصل اللي بينك وبين داليا…

أخوك كان عايش؟

ما ردش.

قربت منه.

— رد.

قال:

— أيوه.

اتجمدت.

ثم قال:

— والأخطر إن أخويا عرف قبل الحادثة.

رفعت عيني له.

— عرف؟

هز راسه.

— الليلة اللي مات فيها…

سكت.

— ما اتصلش بيا لأنه كان متخانق مع داليا وبس.

صوته اتهز.

— اتصل بيا لأنه كان اكتشف الحقيقة.

وساعتها فهمت إن الحادثة اللي مات فيها أخوه…

يمكن ما كانتش مجرد حادثة عادية زي ما حكالي.



تحت الفراش حكايات اسما السيد 2


 اللي حصل ليلة موت أخوه فضلت باصة له وأنا حاسة إن كل إجابة منه بتفتح باب أسوأ من اللي قبله. قلت: — أخوك عرف إنك خنته مع مراته؟ هز راسه ببطء. — أيوه. — وعرف إن سليم ممكن يكون ابنك؟ — لأ… وقتها داليا كانت لسه حامل، ومحدش كان يعرف سليم ابن مين.


— طب عرف إيه بالضبط؟

مسح وشه بإيده.

— عرف إن اللي حصل بيني وبين داليا حصل.

ضحكت بمرارة.

— “اللي حصل”؟ سمي الحاجة باسمها. خيانة.

نزل عينه.

— أيوه… خيانة.

قلت:

— وبعدين؟

قعد على طرف الكرسي.

— أخويا اتصل بيا الليلة دي وكان صوته مش طبيعي. قاللي لازم أشوفك حالًا.

— وروحت؟

— أيوه.

— فين؟

— عنده.

— وداليا كانت موجودة؟

— كانت قافلة على نفسها الأوضة وبتعيط.

بصيت للموبايل القديم على السرير.

— وهو؟

— كان شارب.

— عمل فيك إيه لما شافك؟

سكت لحظة.

— ضربني.

ما اتفاجئتش.

قال:

— وأنا ما دافعتش عن نفسي. كنت عارف إني أستاهل غضبه.

— وبعدين؟

— فضل يصرخ ويسألني من إمتى.

— وإنت قلتله؟

— قلتله إنها كانت مرة واحدة.

— وصدقك؟

هز راسه.

— لأ.

قلت:

— وأنا كمان مش عارفة أصدقك.

رفع عينه ليا.

— والله كانت مرة واحدة.

قلت:

— ما تحلفليش.

سكت.

كمل:

— بعدها أخويا خرج من البيت وهو مش شايف قدامه. حاولت أمنعه يسوق لأنه كان شارب.

— علشان كده إنت سقت؟

— أيوه.

— وهو ركب جنبك؟

هز راسه.

— قلت أوصله لأي مكان يهدى فيه.

— وفي العربية حصل إيه؟

سكت.

— اتخانقنا تاني.

— بسبب داليا؟

— وبسببك.

اتجمدت.

— أنا؟

— قاللي إني مش بس خنته هو… أنا كمان خنت مراتي.

بصيتله.

قال:

— قاللي ارجعلك وأقولك كل حاجة.

دموعي نزلت.

راجل عمري ما شفته…

كان في آخر ليلة في حياته شايف إن من حقي أعرف الحقيقة.

أما جوزي، فضل مخبيها عني خمس سنين بعدها.

قلت:

— وإنت رفضت؟

— قلتله إن اللي حصل انتهى وإن الاعتراف هيهدم بيتين.

ضحكت.

— فقررت تحمي البيوت بالكذب.

قال:

— كنت جبان.

— كمّل.

أخد نفس طويل.

— أخويا قاللي وقف العربية.

— ليه؟

— كان عايز ينزل.

— وقفت؟

— لأ.

بصيتله.

— ليه؟

— الطريق كان سريع، وهو كان متعصب وبيحاول يفتح الباب.

قلبي بدأ يدق.

قال:

— مسكت دراعه بإيد، وإيدي التانية كانت على الدريكسيون.

— وبعدين؟

— زق إيدي.

سكت.

— العربية انحرفت.

— والعربية التانية؟

وشه اتغير.

— ماكانش فيه عربية تانية.

الجملة نزلت عليا زي الحجر.

قلت:

— إنت قلتلي من شوية عربية طلعت قدامكم فجأة.

غمض عينه.

— كدبت.

رجعت خطوة.

— يعني الحادثة حصلت بسبب خناقتكم؟

— أيوه.

— وإنت كنت سايق؟

— أيوه.

— وبعدها أخوك مات؟

صوته اتكسر.

— أيوه.

قعدت على السرير.

مش قادرة أحدد أنا مصدومة من الخيانة ولا الكذب ولا إن كل الحكاية اللي سمعتها من ساعة كانت ملفقة.

سألته:

— الشرطة عرفت إنكم كنتم بتتخانقوا؟

— لأ.

— قلتلهم إيه؟

— إن عربية قطعت علينا الطريق.

بصيتله.

— يعني كدبت في التحقيق كمان؟

— كنت مرعوب.

— وداليا عرفت الحقيقة؟

— عرفت بعدين.

— وسكتت؟

هز راسه.

قلت:

— ليه؟

ما ردش.

مسكت الموبايل القديم واتصلت بداليا.

ردت بسرعة كأنها كانت مستنية.

قلت:

— هو بيقول إن أخوه مات بسبب خناقة بينهم في العربية.

سكتت.

— صحيح؟

قالت:

— أيوه.

— وإنتِ عرفتي إمتى؟

— بعد الجنازة بأيام.

— وسكتي ليه؟

صوتها اتهز.

— لأني كنت حامل.

— يعني إيه؟

— كنت لوحدي، مرعوبة، وجوزي مات وهو عارف إني خنته.

سكتت.

— وهو كان الشخص الوحيد اللي عارف الحقيقة كلها.

بصيت لجوزي.

قلت:

— فبقيتوا ماسكين على بعض أسرار؟

داليا قالت:

— تقريبًا.

قلت:

— وبعدين سليم اتولد.

— أيوه.

— إمتى عملتوا تحليل النسب؟

— لما كان عنده حوالي ست شهور.

— والنتيجة قالت إنه ابن جوزي.

— أيوه.

— ومن ساعتها قررتوا تعيشوا العيلتين بالكذبة؟

داليا سكتت.

قلت:




— ليه ما اتجوزتوش؟

السؤال خلّى الاتنين يسكتوا.

بصيت لجوزي.

— كنت بتحبها؟

قال فورًا:

— لأ.

صوت داليا جه من الموبايل:

— كداب.

لفيت ناحية الهاتف.

داليا قالت:

— هو اللي بدأ كل حاجة.

جوزي صرخ:

— داليا!

قالت:

— كفاية بقى!

قلت:

— بدأ إيه؟

سكتت لحظة.

— علاقتنا ما بدأتش الليلة اللي قالك عليها.

جوزي اندفع ناحية الموبايل.

بعدته عنه.

قلت:

— من إمتى؟

داليا ردت:

— قبل جوازكم.

اتجمدت.

— إيه؟

— كنا بنحب بعض.

بصيت لجوزي.

وشه كان كفاية.

قلت:

— وإنت اتجوزتني ليه؟

قال:

— لأن علاقتي بداليا انتهت.

داليا ضحكت بمرارة.

— انتهت لما أخوك طلب يتجوزني.

قلت:

— استني… يعني أخوه اتجوز حبيبته؟

داليا قالت:

— هو ماكانش يعرف.

جوزي قعد وحط إيده على راسه.

قال:

— أنا وداليا سيبنا بعض. وبعد شهور أخويا عرفها بالصدفة. لما قاللي إنه بيحبها…

— ما قلتلوش؟

— لأ.

— وهي ما قالتلوش؟

داليا ردت:

— خفت أخسره.

قلت:

— وبعد ما اتجوزها رجعتوا لبعض؟

قال جوزي:

— لأ.

داليا قالت في نفس اللحظة:

— مش بالضبط.

بصيت للموبايل.

— مش بالضبط يعني إيه؟

قالت:

— فضل بينا تواصل.

جوزي قال:

— كلام بس.

— لحد الليلة اللي حصل فيها…

داليا سكتت.

قلت:

— الخيانة.

— أيوه.

بصيت لجوزي.

— وإنت وقتها كنت متجوزني.

هز راسه.

قمت وفتحت الدولاب.

طلعت شنطة سفر.

قال:

— بتعملي إيه؟

— الحاجة اللي كان المفروض أعملها من ساعة ما لقيت الصور.

بدأت أحط هدومي.

قرب.

— إحنا لازم نتكلم.

قلت من غير ما أبصله:

— إحنا اتكلمنا سبع سنين. المشكلة إن نص كلامك كان كذب.

— هتروحي فين؟

— أي مكان مفيهوش إنت.

مسك طرف الشنطة.

— استني.

رفعت عيني له.

— شيل إيدك.

سابها.

قلت:

— بكرة هكلم محامي.

وشه اتغير.

— طلاق؟

— كنت متوقع إيه؟

— سبع سنين يا نور.

— بالضبط.

قفلت الشنطة.

— سبع سنين كنت متجوزة راجل عنده طفل من مرات أخوه، وموبايل سري، وحياة كاملة متخبية تحت سريري.

اتجهت للباب.

لكن داليا نادتني من الموبايل:

— استني!

وقفت.

— إيه تاني؟

قالت:

— قبل ما تمشي… فيه حاجة لازم تعرفيها.

ضحكت بمرارة.

— لسه؟

قالت:

— آه.

صوتها بقى أهدى.

— الخاتم اللي كنتِ بتدوري عليه…

بصيت ناحية السرير.

كنت نسيت أصلًا الخاتم.

قالت:

— لو لقيتيه، بصي جوه الحلقة من الداخل.

اتجمد جوزي.

لاحظت.

قلت:

— ليه؟

داليا ردت:

— لأن الخاتم ده ماكانش هدية منه ليكي زي ما إنتِ فاكرة.

بصيت لجوزي.

قال بسرعة:

— مالوش لازمة.

وقتها عرفت إن له كل اللزوم.

نزلت على الأرض.

شغلت كشاف الموبايل.

دورت تحت السرير.

وبعد ثواني لقيت الخاتم.

مسحته.

وبصيت جوه الحلقة.

كان فيه حروف صغيرة محفورة.

حرفين.

مش حروفي.

ولا حروف جوزي.

قلت:

— الحروف دي بتاعة مين؟

داليا بدأت تعيط.

وقالت:

— بتاعتي.

رفعت عيني لجوزي.

لكن داليا كملت:

— هو جاب الخاتم ده علشاني قبل ما نتفرق.

سكتت.

— ولما رفضت أخده…

صوتها اتكسر.

— اداهولك إنتِ.

بصيت للخاتم اللي كنت بعتبره أغلى هدية منه.

وفجأة بقى أتقل حاجة في إيدي.

لكن داليا قالت جملة أخيرة:

— وفيه سبب تاني خلاه يختارك إنتِ بالذات للجواز.

قلت:

— سبب إيه؟

جوزي قال:

— اقفلي يا داليا.

هي تجاهلته.

وقالت:

— لأنه أول مرة شافك…

سكتت لحظة.

— كان عارف إنتِ بنت مين.

بصيت لجوزي.

— يعني إيه؟

داليا ردت:

— اسأليه عن أبوكي.

وش جوزي فقد لونه.

وأنا فهمت إن سر سليم وخيانة أخوه…

يمكن ما يكونش أصل الحكاية أصلًا.


تحت الفراش حكايات اسما السيد 3


الليلة اللي كان المفروض أختفي فيه أول ما عادل قال: — المحامي قال إن مدام نوران مش هتبقى موجودة بكرة… حسيت إن كل الوجع اللي في بطني من العملية رجع مرة واحدة. سيلا همست: — عمي مستحيل يعمل كده. بصيتلها. — من ساعة وإنتِ جاية وأنا بسمع كلمة “مستحيل” عن ناس عملوا كل حاجة.

جوزي قرب من الباب.


— عادل، إنت بتتهم راجل بحاجة خطيرة. عندك دليل؟

عادل رد:

— عندي.

الصالة سكتت.

فتحت الباب وخليته يدخل.

كان وشه أصفر من الخوف.

طلع موبايله.

— بعد الحادثة بيوم، المحامي كلمني.

فتح تسجيل.

صوت عم سيلا ظهر واضح:

— العربية تتصلح وتتخلص من أي حاجة تخص الفرامل.

عادل في التسجيل سأله:

— ليه؟

رد:

— إنت نفذ وبس.

وبعدين قال:

— ولو حد سألك، تقول إنك فقدت السيطرة بسبب المطر.

التسجيل خلص.

سيلا قعدت على الكرسي.

— ليه يعمل كده؟

قلت:

— علشان الميراث.

جوزي قال:

— مش بالضرورة.

بصيتله.

— إنت آخر واحد يدافع عن حد.

سكت.

مسكت موبايلي.

— أنا هبلغ الشرطة.

جوزي قال بسرعة:

— استني.

ضحكت.

— طبعًا.

— نوران، التسجيل لوحده مش كفاية يثبت إنه لعب في الفرامل.

— لكن كفاية أبدأ بيه.

اتصلت.

بلغت عن التسجيل، وعن التهديد، وعن الشك في الحادثة.

وبعت نسخة من كل حاجة لأختي، ونسخة للمحامي اللي بدأت إجراءات الطلاق معاه.

وبعدين بصيت لعادل.

— وإنت هتقول الكلام ده رسمي؟

هز راسه.

— هقول.

سيلا قالت:

— وأنا عندي حاجة.

فتحنا الملف الأزرق تاني.

طلعت ورقة.

— دي نسخة من مراسلات بين عمي وجوزك.

بصيت لجوزي.

— مراسلات إيه؟

قال:

— شغل.

سيلا ردت:

— مش كلها.

قريت رسالة بتاريخ قبل الحادثة بشهر.

عمها كاتب:

“لازم توقيع نوران يتم قبل نهاية الشهر. بعدها الوضع القانوني هيتغير.”

وجوزي رد:

“أنا هتصرف.”

رفعت عيني له.

— هتتصرف إزاي؟

— كنت هقنعك تمضي.

— ولو رفضت؟

سكت.

سيلا قالت:

— فيه رسالة تانية.

قريتها.

عمها:

“لو رفضت، عندنا الخطة البديلة.”

جوزي كان رد بكلمة واحدة:

“لأ.”

بصيتله.

قال:

— شوفتِ؟ أنا رفضت.

قلت:

— إيه الخطة البديلة؟

— ماكنتش أعرف.

— وكلمة “لأ” كانت كفاية بالنسبالك؟ ما سألتش؟

نزل عينه.

— كنت عارف إنه راجل وسخ… بس ما توقعتش ده.

ضحكت بمرارة.

— وإنت كنت إيه؟

رفع عينه.

ما ردش.

لأن السؤال ماكانش محتاج إجابة.

بعد حوالي نص ساعة، الشرطة وصلت.

اتاخدت أقوالنا.

التسجيلات والرسائل اتسلمت.

وعادل وافق يروح معاهم.

وقبل ما يخرج، بصلي وقال:

— أنا آسف.

قلت:

— على إيه؟

— وافقت أخوفك وآخد الشنطة.

— ليه؟

— فلوس.

قالها بمنتهى الخجل.

— كنت محتاج فلوس.

قلت:

— كل واحد في الحكاية دي كان عنده سبب.

سكت.

— بس الأسباب ما بتمسحش الاختيارات.

نزل راسه ومشي.

فضلنا أنا وسيلا وجوزي.

قلت لجوزي:

— امشي.

— نوران…

— امشي.

— لازم نتكلم.

— إحنا اتكلمنا.

— لأ، لسه فيه حاجة إنتِ ما تعرفيهاش.

بصيتله.

— إيه تاني؟

سكت شوية.

وبعدين قال:

— جدك ما سابش الميراث ليكي لوحدك.

— عارفة.

— لأ. مش قصدي البند اللي قريتيه.

قرب من الترابيزة.

— فيه وريث تاني.

سيلا بصتله.

— مين؟

قال:

— أخو نوران.

ضحكت.

— أنا معنديش أخ.

رد:

— عندك.

وشي تجمد.

— إنت بتقول إيه؟

— جدك كان عنده ابن تاني.

— ده يبقى خالي مش أخويا.

هز راسه.

— مش ابن جدك.

سكت.

— ابن أبوكي.

ماقدرتش أفهم.

— أبويا مات وأنا صغيرة.

— وكان متجوز قبل أمك.

سيلا قالت:

— وإنت عرفت منين؟

— من الملفات.

بصلي.

— عندك أخ أكبر منك بحوالي سبع سنين.

قعدت.

— وماما كانت تعرف؟

— غالبًا.

— وهو فين؟

جوزي سكت.

قلت:

— فين؟

— ده اللي المحامي كان بيدور عليه.

سيلا قالت:

— عمي؟

— أيوه.

— ليه؟

جوزي رد:

— لأن ظهور أخو نوران يغير تقسيم جزء كبير من التركة.

قلت:

— وإنت كنت عايز تمنع ظهوره؟

قال بسرعة:

— لأ.

بصيتله بسخرية.

قال:

— كنت عايز أوصل له قبله.

— علشان إيه؟

سكت.

— علشان تشتري نصيبه؟

قال:

— أيوه.

ضحكت.

كل حاجة عنده كانت صفقة.

حتى عيلتي اللي ما أعرفهاش.

في اللحظة دي موبايل سيلا رن.

رقم عمها.

كلنا بصينا للشاشة.

قال جوزي:

— ما ترديش.

قلت:

— لأ.

شغلت التسجيل.

— ردي.

سيلا فتحت السماعة الخارجية.

— ألو؟

صوت عمها جه هادي جدًا.

— إنتِ فين؟

— عند نوران.

سكت.

— قولتلك تبعدي عنها.

— ليه؟

— لأنها بتستغلك.

سيلا بصتلي.

— الملف معاها.

صوته اتغير.

— أنهي ملف؟

— الأزرق.

ثواني صمت.

وبعدين:

— اسمعيني كويس. خديه منها واخرجي.

— ليه؟

— لأن فيه أوراق مش بتاعتها.

أنا قربت من الموبايل وقلت:

— بالعكس. تقريبًا كلها بتاعتي.

سكت.

ثم قال:

— نوران.

— أيوه.

ضحك بهدوء.



— واضح إنك بقيتي أحسن.

— للأسف ليك.

— أنا مش عدوك.

— عادل قال غير كده.

الصمت اللي حصل بعدها أكدلي إنه عرف إن اللعبة بدأت تقع.

قال:

— عادل كداب.

— والتسجيل؟

— متفبرك.

— والرسائل؟

— خارج سياقها.

ضحكت.

— كل حاجة عندكم خارج سياقها لما تتكشف.

قال:

— قابليني وأنا أشرحلك.

جوزي هز راسه بعنف: لأ.

قلت:

— فين؟

قال عنوان.

سيلا همست:

— ده مكتب عمي القديم.

قال:

— لو عايزة تعرفي أخوكي فين، تعالي لوحدك.

قلت:

— ليه لوحدي؟

— لأن أخوكي مش عايز يشوف أي حد غيرك.

المكالمة اتقفلت.

جوزي قال فورًا:

— مش هتروحي.

بصيتله.

— إنت ما بقتش تقوللي أروح فين وما أروحش فين.

— دي مش سيطرة. دي مصيبة واضحة.

سيلا قالت:

— المرة دي هو عنده حق.

بصيت للاتنين.

— وأنا ما قلتش إني هروح لوحدي.

بلغنا الشرطة بالمكالمة.

والخطة كانت بسيطة:

أدخل.

وهما قريبين.

لكن قبل ما نتحرك، سيلا قالت:

— أنا جاية.

قلت:

— لأ.

— ده عمي.

— وده سبب أكبر إنك ما تجيش.

قالت:

— نوران، أنا ساعدته من غير ما أعرف.

سكتت.

— لازم أصلح حاجة.

بصيتلها.

— لو عايزة تصلحي، قولي كل اللي تعرفيه للشرطة.

— عملت.

— يبقى كفاية.

لأول مرة، ما جادلتش.

وصلت للمكتب القديم.

دخلت.

المكان شبه فاضي.

عم سيلا كان قاعد ورا مكتب كبير.

قال:

— اتأخرتي.

قلت:

— كنت بموت من كام أسبوع. بقيت بمشي براحة.

ابتسامته اختفت.

قعدت قدامه.

— أخويا فين؟

— قبل أخوكي، لازم نفهم بعض.

— مفيش حاجة بينا تتفهم.

طلع ورقة.

— الميراث اللي فرحانة بيه عليه مشاكل أكبر مما تتخيلي.

— ما أنا عندي محامين.

— جوزك؟

ضحكت.

— قريبًا هيبقى طليقي.

قال:

— قرار متسرع.

— أنا خدت قرارات أسوأ لما وثقت فيه.

سكت.

قلت:

— أخويا.

فتح درج المكتب.

طلع صورة.

حطها قدامي.

راجل في أوائل الأربعينات.

ملامحه…

خلت قلبي يدق.

كان شبه أبويا.

نفس الحواجب.

نفس شكل الفك.

قلبت الصورة.

اسم ورقم.

قلت:

— هو عايش؟

— جدًا.

— وعارف عني؟

— من شهرين.

— ليه ما كلمنيش؟

ابتسم.

— لأنه فاكر إنك بتحاولي تسرقي حقه.

قلت:

— مين فهمه كده؟

ما ردش.

قلت:

— إنت.

ابتسم.

— أنا شرحتله الوضع.

— بطريقتك.

قمت.

— خلصنا.

قال:

— اقعدي.

— لأ.

— لو خرجتي دلوقتي، أخوكي مش هتشوفيه.

لفيتله.

— هلاقيه.

ضحك.

— بالرقم اللي على الصورة؟

بصيت للصورة.

الرقم اختفى.

كان مكتوب بحبر قابل للمسح، وبدأ يبهت.

رفعت عيني له.

قال:

— أنا الوحيد اللي يقدر يوصلك له.

قلت:

— وإنت عايز إيه؟

ابتسم.

أخيرًا وصلنا.

طلع ورقة.

— توقيع واحد.

ضحكت.

— سبحان الله. كل الرجالة في حياتي عندهم هوس بتوقيعي.

— الورقة بتديني حق إدارة الجزء المتنازع عليه لحد ما الق\ضية تتحسم.

— يعني الميراث يبقى تحت إيدك.

— مؤقتًا.

— لأ.

ابتسامته اختفت.

— فكري.

— فكرت.

قمت.

وفجأة باب المكتب اتقفل من برا.

بصيتله.

— إيه ده؟

قال بهدوء:

— مش أنا.

لكن وشه قال غير كده.

وقبل ما أتكلم، سمعنا صوت ارتطام برا.

ثم صوت راجل بيصرخ:

— افتح!

عم سيلا اتجمد.

أنا عرفت الصوت رغم إني عمري ما سمعته قبل كده.

لأن الراجل دخل بعد ثواني لما الباب اتفتح…

وكان نفس الشخص اللي في الصورة.

أخويا.

وقف قدامي.

بصلي فترة طويلة.

ثم قال:

— نوران؟

همست:

— إنت…

قال:

— أنا أخوكي.

عم سيلا قام.

— إنت بتعمل إيه هنا؟

أخويا بصله بغضب.

— جيت أعرف ليه بقالك شهرين بتكدب عليا.

ثم رمى ملف على المكتب.

— وليه قلتلي إن أختي هي اللي حاولت تقتلني.

أنا شهقت.

— إيه؟!

بصلي.

— قاللي إنك عرفتي بالميراث.

وأشار للمحامي.

— وإنك دفعتي لحد يلعب في فرامل عربيتي.

الدنيا وقفت.

قلت:

— عربيتك؟

هز راسه.

— أنا كمان عملت حادثة من شهرين.

بصيت لعم سيلا.

كل حاجة اتجمعت مرة واحدة.

حادثتي.

حادثة أخويا.

الميراث.

الفرامل.

الوصاية.

قلت:

— إنت كنت بتحاول تخلص مننا إحنا الاتنين.

المحامي رجع خطوة.

أخويا قال:

— لو إحنا الاتنين متنا قبل إنهاء إجراءات التركة…

بصله.

— مين كان هيسيطر عليها؟

أنا عرفت الإجابة.

هو.

وفجأة دوى خبط قوي على الباب.

وصوت الشرطة:

— افتح الباب!

المحامي حاول يجري ناحية باب جانبي.

لكن أخويا مسكه.

بعد ثواني، المكان اتملى برجال الشرطة.

وأنا وقفت في النص، ببص لأخو عمري ما عرفت إنه موجود…

وبفكر في شيء واحد:

أنا دخلت المستشفى وأنا فاكرة إن أكبر خيانة في حياتي إن جوزي اختار ضرتي وأنا بنزف.

لكن اتضح إن الجملة اللي قالها وقتها:

“نوران تقدر تستحمل.”

كانت بداية كشف سلسلة كاملة من الناس…

كل واحد فيهم كان مقتنع إني هستحمل سرقته، كذبه، وخيانته.

بس المرة دي…

أنا ماكنتش ناوية أستحمل.

كنت ناوية أحاسب.



تحت الفراش حكايات اسما السيد 4

اتقبض على عم سيلا في نفس الليلة. والشرطة أخدت كل الملفات اللي كانت في المكتب. أما أنا… ففضلت واقفة قدام أخويا ومش عارفة أقول إيه. أربعين سنة تقريبًا من عمره، وأنا ماكنتش أعرف إنه موجود. ولا هو كان يعرف إن عنده أخت. قاللي بهدوء: — أنا اسمي كريم. قلت: — نوران. ابتسم ابتسامة صغيرة.



— عارف.


سكتنا.


وبعدين قال:


— أبويا كان عنده صورة ليكي وإنتِ صغيرة.


اتجمدت.


— إنت شفتها؟


— بعد موته.


— ومحدش قالك أنا مين؟


— أمي قالت إنك بنت واحدة من قرايبه.


ضحكت بمرارة.


— كل واحد كان بيحكي نص الحقيقة.


كريم قال:


— شكلها عادة عائلية.


لأول مرة، ضحكت.


ضحكة صغيرة جدًا.


لكنها كانت أول حاجة دافية في يوم كله خوف.


بعدها بأيام، بدأت التحقيقات تكشف حاجات أكتر.


المحامي كان فعلًا بيحاول يسيطر على جزء كبير من التركة.


لكن المفاجأة إن جوزي ماكانش مجرد واحد خدعه المحامي.


هو كان عارف إن فيه تلاعب.


مش بكل التفاصيل…


لكن كفاية يخليه يعرف إن اللي بيعمله غلط.


المحامي وعده إنه لو ساعده في تمرير التوكيلات والتنازلات، هيسهّل له الحصول على جزء كبير من السيولة بسرعة.


وجوزي وافق.


لأنه كان غرقان في ديون شركته.


لما عرفت، ما اتفاجئتش.


يمكن لأن صورته كانت وقعت جوايا من يوم المستشفى.


لكن الحاجة اللي وجعتني فعلًا…


إنه كان مستعد يغامر بيا علشان ينقذ نفسه.


مش علشان سيلا.


ولا علشان الحب.


ولا حتى علشان الغيرة.


علشان الفلوس.


بعد أسبوع، طلب يقابلني.


وافقت.


دخل عليا المكتب اللي المحامي الجديد اختاره للاجتماع.


كان شكله مرهق.


أول ما شافني قال:


— أنا عارف إنك مش هتسامحيني.


قلت:


— صح.


اتوجع من الرد.


قال:


— بس لازم تسمعيني.


— اتفضل.


— أنا ماكنتش أعرف إن المحامي لعب في الفرامل.


— عارفة.


— وماكنتش عايزك تموتي.


بصيتله.


— لكنك كنت عايزني أمضي.


نزل عينه.


— أيوه.


— وكنت عايز فلوسي.


— كنت هرجعها.


ضحكت.


— كل واحد سرقني قال نفس الجملة.


سكت.


قلت:


— وسيلا؟


— غلطت.


— لأ.


بصلي.


قلت:


— ما تختصرهاش في كلمة غلطت.


سكت.


— إنت اتجوزت عليا، وخبيت عني ميراثي، واستغليت اسمي، وزورت توقيعي، وفي المستشفى اخترت ست تانية وأنا بنزف.


وشه اتغير.


قلت:


— دي مش غلطة.


— دي اختيارات.


سكت فترة طويلة.


وبعدين قال:


— عايزة إيه؟


قلت:


— الطلاق.


— بس…


— وكمان تنازل كامل عن أي مطالبة في الميراث.


قال بسرعة:


— أصلًا مش من حقي.


— كويس إنك عرفت.


سكت.


— وفيه حاجة تالتة.


— إيه؟


— اعتراف مكتوب بكل التوكيلات اللي اتعملت من غير علمي.


وشه شحب.


— نوران، ده ممكن يدخلني ق\ضية.


قلت:


— وأنا دخلت عملية بسبب ناس كانت شايفة إن حياتي ورقة في ملف.


قمت.


— الحساب بدأ.


وسبته.


أما سيلا…


فهي كمان طلبت تقابلني.


المرة دي، ماجتش بملف.


جت لوحدها.


وقالت:


— أنا هطلقه.


قلت:


— قرارك.


— وعندي استعداد أشهد.


بصيتلها.


— ضد مين؟


— ضده وضد عمي.


— ليه؟


قالت:


— علشان أنا شاركت في حاجات غلط، حتى لو ماكنتش أعرف كل الحقيقة.


قلت:


— كويس إنك فاهمة.


سكتت.


بعدين قالت:


— أنا عارفة إنك عمرك ما هتسامحيني.


رديت:


— ممكن.


رفعت عينيها.


قلت:


— بس المسامحة مش معناها إننا نبقى صحاب.


هزت راسها.


— فاهمة.


ولأول مرة، حسيت إني ما بكرههاش.


هي أذتني.


آه.


لكن أصل الخراب ماكانش وجودها.


كان راجل فتح لها الباب على حسابي.


بعد شهور، المحكمة حكمت في جزء من القضايا.


عم سيلا اتحبس على ذمة قضايا تزوير واحتيال ومحاولة إخفاء أدلة تخص الحادثتين.


عادل أخد حكم أخف بعد ما تعاون وكشف التفاصيل.


وجوزي السابق اتعرض للمساءلة في التزوير والاستيلاء على أموال باسمي.


أما الميراث…


فاتقسم بشكل قانوني بيني وبين كريم حسب الوصية الحقيقية.


كريم رفض في الأول ياخد أكتر من نصيبه.


وقال:



— أنا مش عايز فلوس كانت سبب في كل ده.


قلتله:




— المشكلة عمرها ما كانت في الفلوس.


قال:


— أمال؟


قلت:


— في الناس اللي قررت إن الفلوس أهم مننا.


أصعب يوم كان يوم رجوعي للمستشفى.


مش كمريضة.


روحت أشكر الدكتور اللي أصر يدخلني العمليات.


دخلت مكتبه.


أول ما شافني، ابتسم.


— الحمد لله إنك بقيتي كويسة.


قلت:


— أنا جيت أشكرك.


— ده شغلي.


هزيت راسي.


— لأ.


سكت.


— اليوم ده، كل اللي حواليَّ كانوا بيقرروا مين أهم.


صوتي اتكسر.


— حضرتك الوحيد اللي بصلي كمريضة لازم تتنقذ.


ابتسم وقال:


— لأن ده كان الصح.


خرجت من عنده وأنا فاكرة الدبلة اللي قلعتها على سرير المستشفى.


كنت فاكرة وقتها إن نهاية جوازي هي أكبر خسارة.


لكن الحقيقة؟


كانت بداية إنقاذي.


بعد سنة تقريبًا، كنت قاعدة مع كريم في كافيه.


قاللي:


— غريبة.


— إيه؟


— إن حادثتين هما اللي خلونا نعرف بعض.


قلت:


— غريبة أكتر إن ناس كتير حاولت تفرقنا قبل ما نعرف إننا أهل أصلًا.


ضحك.


وبعدين قال:


— ندمتِ؟


— على إيه؟


— إنك طلقتيه.


بصيتله.


— ولا ثانية.


قال:


— حتى بعد ما عرفتِ إن الحادثة نفسها ماكانتوش هو اللي دبرها؟


قلت:


— أنا ما طلقتوش علشان الحادثة.


سكت.


— طلقته علشان اللحظة اللي وقف فيها قدام الدكتور وقال: اهتموا بسيلا الأول… نوران تقدر تستحمل.


كريم سكت.


قلت:


— الجملة دي عرفتني مكاني عنده.


ابتسم بحزن.


— وإنت فعلًا استحملتي.


هزيت راسي.


— أيوه.


سكت لحظة.


— بس الفرق إني دلوقتي ما بقيتش أستحمل حد على حساب نفسي.


وفي أول ذكرى للحادثة، وقفت قدام المراية.


بصيت للندبة الصغيرة اللي فضلت في بطني.


زمان كنت بزعل منها.


دلوقتي…


بقت علامة.


مش على اليوم اللي كدت أموت فيه.


لكن على اليوم اللي بدأت فيه أعيش لنفسي.


مسكت الدبلة القديمة.


كانت لسه عندي في علبة صغيرة.


بصيتلها.


وبعدين حطيتها في ظرف.


كتبت عليه:


حاجة انتهت.


قفلت الظرف.


وحطيته في آخر الدرج.


مش علشان أنسى.


لكن علشان أفتكر.


أفتكر إن أقسى لحظة في حياتي…


كانت هي اللحظة اللي عرفت فيها الحقيقة الأهم:


القوة مش إنك تستحمل كل حاجة.


القوة إنك تعرف إمتى تقول:


كفاية.


الفصل السادس — سيلا رجعت تاني


عدّى سنة وشهرين.


كنت فاكرة إن كل حاجة انتهت.


الطلاق تم.


القضايا أخدت طريقها.


وكريم بقى جزء من حياتي، مش مجرد أخ ظهر فجأة بسبب ورق ميراث.


حتى الندبة اللي في بطني بدأت تخف.


وفي صباح عادي جدًا…


جرس الباب رن.


فتحت.


ولقيت سيلا.


لكن شكلها كان مختلف تمامًا.


وشها مرهق.


وعينيها حمرا.


وفي إيدها طفلة صغيرة عمرها حوالي كام شهر.


أول ما شافتني قالت:


— نوران… ممكن أدخل؟


بصيت للطفلة.


وبعدين لها.


— خير؟


سيلا بدأت تعيط.


— هو خرج.


قلبي اتقبض.


كنت عارفة تقصد مين.


جوزي السابق.


قلت:



— وبعدين؟


— جهلي امبارح.



— عايز إيه؟


حضنت الطفلة أكتر.


— عايز ياخد بنتي.


بصيتلها باستغراب.


— بنته يعني؟


سيلا ما ردتش.


ودي كانت أول حاجة خلتني أشك.


قلت:


— سيلا… البنت دي بنت مين؟


دموعها نزلت.


— أنا ماعرفش.


فضلت باصة لها.


— نعم؟


دخلت وقعدت.


وقالت:


— قبل الحادثة بأسابيع، اكتشفت حاجة وخبيتها عن الكل.


— إيه؟


طلعت ظرف من شنطتها.


— لما عرفت إني حامل، عملت تحليل.


— تحليل إيه؟


رفعت عينها ليا.


— تحليل يحدد تقريبًا فترة حدوث الحمل.


قلبي بدأ يدق.


قالت:


— الحسابات ما كانتش راكبة عليه.


— أمال على مين؟


سيلا بدأت تعيط أكتر.


— قبل جوازي منه بفترة قصيرة… كنت مرتبطة بشخص تاني.


قلت:


— وهو يعرف؟


— لأ.


— والشخص التاني؟


هزت راسها.


— اختفى.


مدتلي الظرف.


فتحت الورقة.


اسم معمل.


نتيجة فحص.


لكن في آخر الصفحة كان فيه اسم مكتوب بخط إيد.


قريته.


واتجمدت.


عادل.


رفعت عيني لها.


— السواق؟!


سيلا هزت راسها وهي بتعيط.


— كنت أعرفه قبل كل ده.


قعدت قدامها.


— استني… عادل اللي كان سايق عربية النقل يوم الحادثة؟


— أيوه.


— وعمرِك ما قلتي؟


— كنت خايفة.


ضحكت بصدمة.


— الحكاية كلها مبنية على ناس خايفة!


قالت:


— نوران، أنا محتاجة أعرف الحقيقة.


— تعملي تحليل نسب.


— عملت.


سكتت.


— والنتيجة؟


مدتلي ورقة تانية.


فتحتها.


وقريتها.


رفعت عيني لها.


— عادل هو الأب.


سيلا غطت وشها.


— أيوه.


قلت:


— يبقى جوزي السابق مالوش حق ياخد الطفلة.


قالت:


— المشكلة مش هنا.


— أمال فين؟


قالت:


— هو عرف.


اتجمدت.


— عرف إزاي؟


— حد بعتله نسخة من التحليل.


— مين؟


هزت راسها.


— معرفش.


قلت:


— وإيه اللي يخليه يطلب طفلة عارف إنها مش بنته؟


سيلا بصتلي.


وقالت الجملة اللي رجعت كل الخوف من جديد:


— لأنه مش عايز الطفلة يا نوران.


سكتت.


— هو عايز عادل.


— ليه؟


سيلا حضنت بنتها.


— لأن عادل لسه عنده نسخة من تسجيل ما سلمهاش للشرطة.


— تسجيل إيه؟


بصتلي.


— تسجيل كامل لمكالمة حصلت قبل الحادثة.


قلبي دق.


— بين مين ومين؟


قالت:


— جوزك وعمي.


— إحنا عندنا جزء منها.


— لأ.


هزت راسها.


— اللي عندكم مش أخطر جزء.


قربت منها.


— إيه أخطر جزء؟


سيلا قالت:


— الجزء اللي جوزك بيقول فيه إنه عرف إن الفرامل اتلعب فيها…


وسكتت.


— قبل ما يركبك العربية.


اتجمدت.


قلت:


— مستحيل.


قالت:


— عادل سمعه.


— يعني كان عارف إن العربية خطر؟


— أيوه.


— وركب؟


سيلا هزت راسها.


قلت:


— وركبني معاه؟


سيلا ماقدرتش تبصلي.


وفي اللحظة دي…


موبايلي رن.


رقم غريب.


رديت.


— ألو؟


صوت جوزي السابق جه هادي جدًا:


— سيلا عندك؟


بصيتلها.


قلت:


— إنت عايز إيه؟


ضحك.


— ولا حاجة تخصك.


— يبقى ما تتصلش بيا.


كنت هقفل.


قال بسرعة:


— اسأليها عن عادل.


إيدي ثبتت.


كمل:


— وبعدين اسأليها مين كان عارف موضوع الفرامل فعلًا.


قلت:


— أنا عرفت.


سكت.


لأول مرة هو اللي ما لاقاش كلام.


قلت:


— كنت عارف قبل ما نركب؟


قال:


— نوران، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.


غمضت عيني.




نفس الجملة.


دايمًا نفس الجملة.



قلت:


— جاوب.


سكت.


— كنت عارف؟


وبعد ثواني…


قال:


— أيوه.


سيلا سمعت.


حطت إيدها على بوقها.


قلت:


— ومع ذلك ركبتني العربية؟


رد بسرعة:


— كنت متأكد إنهم مش هيعملوا حاجة وإحنا جواها.


ضحكت وأنا مش مصدقة.


— راهنت بحياتي؟


— راهنت بحياتي أنا كمان.


قلت:


— حياتك ملكك تراهن بيها.


صوتي اتغير.


— إنما حياتي أنا ما كانتش ملكك.


سكت.


وبعدين قال:


— عادل عنده تسجيل لو خرج، ناس كتير هتتحبس.


قلت:


— وإنت أولهم؟


ما ردش.


ابتسمت.


— فهمت.


قفلت المكالمة.


سيلا سألت:


— هنعمل إيه؟


بصيت للطفلة اللي نايمة في حضنها.


وبعدين فتحت موبايلي.


قلت:


— المرة الأولى، كل واحد فيكم كان بيخبّي ورقة علشان يحمي نفسه.


طلبت رقم المحامي.


— المرة دي مفيش ورق هيتخبى.


سيلا قالت:


— وعادل؟


قلت:


— هنوصله قبلهم.


لأن واضح إن الحادثة اللي بدأت الحكاية…


لسه ما قالتش آخر أسرارها.


آخر سر في الحادثة

وصلنا لعادل قبل جوزي السابق بساعات.

كان عايش بعيد، وحالته مختلفة تمامًا عن آخر مرة شفته.

أول ما شاف سيلا شايلة الطفلة…

وشه اتغير.

بص للبنت فترة طويلة.

وبعدين قال:

— هي دي؟

سيلا هزت راسها.

— بنتك.

عادل قعد كأن رجليه ما بقتش شايلينه.

— متأكدة؟

طلعت نتيجة التحليل وحطتها قدامه.

قرأها.

إيده بدأت تترعش.

لكن أنا ماكنتش جاية علشان اللحظة دي.

قلت:

— التسجيل يا عادل.

رفع عينه ليا.

— عرفتي؟

— عرفت إنه كان عارف إن فيه مشكلة في الفرامل قبل ما نركب.

سكت.

قلت:

— عايزة أسمعه.

دخل أوضة ورجع بفلاشة صغيرة.

— دي النسخة الأصلية.

وصلناها باللاب توب.

الصوت بدأ.

عم سيلا كان بيقول:

— العربية النقل جاهزة. المطلوب تخويفها وأخذ الشنطة بس.

صوت جوزي:

— ماحدش يقرب منها.

المحامي ضحك.

— بقيت خايف عليها دلوقتي؟

جوزي رد:

— أنا محتاج توقيعها، مش جثتها.

قلبي اتقبض.

التسجيل كمل.

وبعدين صوت عادل:

— فيه مشكلة في فرامل العربية.

ثواني صمت.

جوزي قال:

— مشكلة إيه؟

— حاسس إنها مش طبيعية. العربية لازم تتكشف.

المحامي رد:

— مفيش وقت.

جوزي قال:

— خلاص، نلغي الموضوع.

للحظة…

افتكرت إن سيلا كانت غلط.

لكن التسجيل كمل.

المحامي قال:

— لو لغيت النهارده، نقل الملكية ممكن يضيع منك.

صمت طويل.

وبعدين جوزي قال:

— العربية اللي نوران هتركبها سليمة؟

المحامي رد:

— طبعًا.

جوزي قال:

— خلاص. نتحرك.

وقتها فهمت.

هو ماكانش يعرف إن عربيته نفسها اتلعب فيها.

لكنه كان يعرف إن فيه عربية تانية فراملها فيها مشكلة…

وسمح لعادل يطلع بيها على الطريق علشان ينفذ الخطة.

يعني ما حاولش يقتلني.

لكن كان مستعد يحط حياة إنسان تاني في خطر علشان فلوسي.

قلت لعادل:

— ليه ركبت؟

نزل عينه.

— طمع.

قالها من غير أعذار.

— وعدوني بمبلغ كبير.

سيلا بدأت تعيط.

— وإنت ليه ما سلمتش التسجيل من الأول؟

— كنت خايف يدينني أنا كمان.

قلت:

— وهو يدينك فعلًا.

هز راسه.

— عارف.

مد الفلاشة ناحيتي.

— بس خلاص.

— يعني؟

بص للطفلة.

— مش عايز بنتي تكبر وتعرف إن أبوها قضى عمره بيهرب من غلطه.

التسجيل اتسلم رسميًا.

وعادل اعترف بكل حاجة.

وسيلا شهدت.

وأنا قدمت كل المستندات اللي عندي.

المرة دي…

مفيش ملف اتخبى.

مفيش تسجيل اتقص.

ومفيش حد قدر يختار الجزء اللي يناسبه من الحقيقة.

التحقيقات أثبتت إن عم سيلا كان العقل الأساسي وراء التلاعب بالميراث ومحاولة السيطرة عليه، وإنه أخفى أدلة تخص العبث بالفرامل.

أما جوزي السابق، فثبت تورطه في التزوير والاستيلاء على جزء من أموالي، وكمان مشاركته في خطة تخويفي وسرقة الأوراق.

ماكانش هو اللي حاول يقتلني.

لكن الحقيقة ما برأتوش.

لأن الإنسان مش لازم يمسك س\لاح علشان يؤذيك.

أحيانًا يكفي إنه يعرف إن فيه خطر…

ويسكت لأن مصلحته أهم.

سيلا انفصلت عنه.

وبدأت ترتب حياتها بعيد عنه.

وعادل قرر يعترف ببنته ويتحمل مسؤوليته القانونية تجاهها.

هل سامحته سيلا؟

معرفش.

وماكانش يهمني.

دي بقت حكايتهم هما.

أما كريم…

فبقى فعلًا أخويا.

مش أخو ورق وميراث.

أخويا اللي يتصل يسألني أكلت ولا لأ.

وييجي من غير ميعاد ويخلص القهوة عندي.

وفي يوم قاللي:

— تخيلي إن كل ده بدأ بحادثة.

قلت:

— لأ.

استغرب.

قلت:

— كل ده بدأ قبل الحادثة بكتير.

— إمتى؟

ابتسمت بحزن.

— أول مرة سمحت لحد يقنعني إن استحمّالي معناه إنه من حقه يوجعني.

بعد سنة، رجعت المستشفى في ميعاد متابعة أخير.

الدكتور بص للتحاليل وقال:

— تمام. كده أقدر أقول إنك عديتي المرحلة دي بالكامل.

ابتسمت.

— الحمد لله.

وأنا خارجة، عديت من نفس الممر اللي كنت نايمة فيه يوم الحادثة.

وقفت قدام المكان.

افتكرت نفسي فوق السرير.

بنزف.

خايفة.

وجوزي واقف على بعد خطوات مني ماسك إيد سيلا.

وسمعت صوته جوا دماغي:

— اهتموا بسيلا الأول… نوران تقدر تستحمل أصلًا.

زمان الجملة دي كانت بتوجعني.

المرة دي ابتسمت.

لأنه كان عنده حق في حاجة واحدة بس.

أنا فعلًا قدرت أستحمل.

استحملت العملية.

واكتشاف خيانته.

واكتشاف سر الميراث.

وعرفت إن توقيعي اتزور.

واكتشفت أخًا ماكنتش أعرف إنه موجود.

ووقفت قدام ناس كانوا شايفين حياتي مجرد رقم في حساب.

لكن فيه حاجة هو ما فهمهاش.

إني لما أستحمل…

ده مش معناه إني هفضل.

بعد أيام، وصلني ظرف.

جوزي السابق كان باعت رسالة.

فتحتها.

كتب:

“نوران، عارف إن الاعتذار ما يصلحش حاجة. وعارف إن أسوأ حاجة عملتها مش إني اتجوزت عليكي، ولا حتى الفلوس.

أسوأ حاجة إني كنت عارف إنك قوية، فكل مرة كنت أحمّلك فوق طاقتك وأقول لنفسي: نوران هتستحمل.

ولما الدكتور قال إن حياتك في خطر، قلت نفس الجملة.

يمكن دي اللحظة اللي فهمت فيها متأخر إن قوتك خلتني أنسى إنك إنسانة بتتوجع.”

وقفت عن القراءة.

ما كملتش.

طبقت الرسالة.

وحطيتها جنب الدبلة القديمة.

لا رديت.

ولا شمت.

ولا حسيت إني محتاجة أسمع منه أكتر.

بعض الاعتذارات بتوصل بعد ما الحاجة اللي المفروض تصلحها تكون انتهت.

في ليلة هادية، كنت قاعدة في البلكونة.

كريم جوه بيعمل قهوة.

موبايلي بعيد.

مفيش محامين.

مفيش مستشفيات.

مفيش ملفات زرقا.

ومفيش حد بيقرر عني.

بصيت للندبة الصغيرة في بطني.

ولأول مرة…

ما شوفتهاش كأثر حادثة.

شوفتها كخط فاصل بين حياتين.

حياة كنت فاكرة فيها إن الزوجة الكويسة لازم تستحمل.

وحياة فهمت فيها إن الست مش مطالبة تثبت قوتها بإنها تقبل الإهانة.

يوم الحادثة، جوزي اختار سيلا وقال:

— نوران تقدر تستحمل.

وفعلًا استحملت.

لكن لما خرجت من العمليات…

ما خرجتش بنفس الست اللي دخلت.

هو اختار سيلا الأول.

وأنا لأول مرة…

اخترت نوران الأول.

ودي كانت أهم نجاة في الحكاية كلها.

تمت


“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close