القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت رجع البيت كامله حكايات روماني مكرم

 

سكريبت رجع البيت كامله حكايات روماني مكرم



سكريبت رجع البيت كامله حكايات روماني مكرم


رجع البيت بدري ولقى أوضة مراته المتوفية مقفولة بالمفتاح وسمع خبتة جوة، افتكر إن عياله التوأم اللي عندهم 5 سنين في خطر.


رمى مفاتيح العربية من إيده، وضرب الباب بكتفه وهو بيزعق:


— ¡مالك! ¡سليم!


الكالون اتكسرت والباب اتفتح.


بس المشهد اللي شافه خلاه يتسمر مكانه.


“صباح”، الشغالة الجديدة، كانت نايمة على السرير اللي كان بتاع “أمنية” مراته. “مالك” كان متكوم في حضنها، و”سليم” ماسك في طرف جلابيتها.


كان المفروض “أحمد” يتجنن ويثور.


الأوضة دي بقالها 14 شهر متقفلة ومحدش بيمهشها. محدش بينام على السرير ده، ولا حد بيفتح الأدراج، ولا حد بيلمس حاجة لـ “أمنية” من غير إذنه.


بس في حاجة جمدته مكانوش خلته ينطق.


عياله كانوا نايمين.


نايمين بجد وفي سابع نومة.


مبيصرخوش.


مبايترعشوش.


ومبيعيطوش وهم بينادوا على أمهم.


بقالهم 14 شهر، الليالي في البيت ده في منطقة شعبية كانت عبارة عن عذاب ومعركة. “مالك” يصحى مفزوع، و”سليم” يفضل يلف في الصالة يدور على “أمنية” كأنها هتطلعله من أي أوضة.


5 دادات دخلوا البيت ده وخرجوا منه.


كلهم بتوع “سيرة ذاتية وخبرة عريقة”.


واحدة كانت شغالة في حضانة أهلي كبيرة، وواحدة تانية جاية بضمان وورق مظبوط من ناس أكابر. جايبين جداول وشغل ورص كلام ونظام ونصايح قد كده.


وكلهم في الآخر طفشوا.


أما “صباح”، فما بقالهاش غير 6 أيام بس في البيت.


ومكنتش معينة عشان تخلي بالها من العيال، دي كانت بتكنس وتمسح، وتعمل لقمة خفيفة، وتغسل الهدوم.


ومع ذلك، عملت الحاجة اللي “أحمد” بفلوسه كلها معرفش يشتريها.


خلت عياله يحسوا بالأمان.


“صباح” اتقلبت خفيف وهي نايمة، ومن غير ما تصحى، سحبت اللحاف وغطت رجلين “سليم”.


“أحمد” حس بغصة وقفت في حلقه.


“أمنية” كانت بتعمل كده بالظبط.


من سنين، كان بيضحك عليها لما يشوفها داخلة أربع مرات في الليلة أوضة التوأم عشان تغطيهم.


— يا بنتي الدنيا حر، مش هيتجمدوا يعني!


“أمنية” كانت تبتسمله وتقوله:


— الواد مبيصحاش عشان بردان يا أحمد.. ساعات بيبقى محتاج يحس بس إن في حد صاحي وواخد باله منه.


“أحمد” قفل الباب بشويش خالص.


وقعد على الأرض في الصالة.


هو صاحب ورشة وتجارة قطع غيار كبيرة، كلمته بتوزن ملايين. بيعرف يقعد في وسط المعلمين ويدير صفقات بالساعات من غير ما يترمش له جفن.




بس حول وجع عياله لمشكلة تانية محتاج “حد يشيلها عنه”.


لما “أمنية” راحت في حادثة ميكروباص، “أحمد” أجر محامين، وجاب دكاترة نفسيين للأطفال، وعمل جداول جديدة للبيت.


كل ما العيال تصرخ، يدور على متخصص.


كل ما البيت يتملي عياط، ينزل يسهر في الشغل أكتر.


الحسابات والفلوس مكنتش بتسأله هي أمهم راحت فين ومجتش ليه.


والفواتير مكنتش بتعيط الساعة 3 الفجر.


ا


فضل قاعد مكانه لحد ما شمس المغربيتين دخلت من شباك الصالة.


وأخيراً، الباب اتفتح.


خرجت “صباح” وهي شايلة “سليم” وهو مدروخ، و”مالك” ماشي جنبها ماسك في طرف جلابيتها.


أول ما شافت “أحمد”، وشها جاب ألوان واصفرت.


— يا أستاذ أحمد… أنا أسفة والله!


“أحمد” قام وقف:


— في إيه اللي حصل؟


“صباح” حطت “سليم” على صدرها وأخدته في جامد.


“مالك” نزل عينه في الأرض.


#الكاتب_رومانى_مكرم_

وساعتها بس، “أحمد” فهم إن الخوف اللي في عين “صباح” مكنش عشان نامت على السرير.


كان في تانية.

— “صباح”.. انطقي في إيه؟


بصت للعيال الأول قبل ما تتكلم، وقالت بصوت واطي:


— في حاجة عيالك بقالهم كتير أوي محبوسة في قلبهم ومستنيين يقولوهالك.


“صباح” نزلت على ركبتها، وسحبت “مالك” ناحيتها، وبصت لـ “أحمد” وعينيها مليانة دمع محبوس.


— “مالك” و”سليم” مكنوش بيصرخوا كل ليلة عشان أمهم ماتت يا أستاذ أحمد… العيال دول كانوا بيصرخوا عشان فاكرين إنهم هم اللي قتلوها.


الكلمة نزلت على “أحمد” زي الصاعقة. الصالة اللي كانت دافية بشمس المغربيتين فجأة بقت أبرد من التلاجة. رجله مشيلتهوش، وسند إيده على الحيطة وعينه متسعة من الصدمة:


— قتلوها؟! انتي بتقولي إيه يا صباح؟ العيال كانوا في الحضانات وقت الحادثة! أمهم ماتت في حادثة ميكروباص على طريق السريع!


“صباح” طبطبت على ظهر “مالك” اللي بدأ جسمه يترعش ومسك في جلابيتها بأقصى قوته، ورفعت رأسها لـ “أحمد” وقالت:


— الدكاترة النفسيين بتوعك يا أستاذ كانوا بييجوا يقعدوا مع العيال بساعة بالفيزيتة، يسألوهم بتشوفوا إيه في الأحلام وينظموا لهم مواعيد النوم.. محدش فيهم نزل لمستوى قلبهم وسألهم: “أنتم خايفين من إيه؟”. الدادات اللي جاو بضمانات وورق مظبوط كانوا بيقفلوا الأوضة ويشغلوا التلفزيون عشان العيال تسكت. لكن أنا النهارة، لما سمعت عياط “مالك” المحبوس في الصالة، أخدتهم في أيدي ودخلت بيهم الأوضة المقفولة.




“أحمد” اتعصب ونبرة صوته عليت:


— ودخلتيهم أوضة “أمنية” ليه؟! أنا مش محذر ألف مرة الأوضة دي متتفتحش؟!


— عشان الأوضة دي كانت البُعبُع بتعهم! — صباح زعقت بنبرة أمومة حقيقية خلت “أحمد” يتسمر — الأوضة اللي أنت قافلها بالمفتاح وبتقول عليها ذكريات مقدسّة، العيال كانوا فاكرين إنك حابس فيها سر موت أمهم! “مالك” قال لي إن الصبح اللي أمهم ماتت فيه، هم الاتنين كسّروا برطمان المربى على السجادة وكانت “أمنية” زعلانة منهم جداً وهي نازلة، وقالت لهم وهي بتزعق: “أنا ماشية ومش راجعة تاني عشان أنتم أشراء!”.


سكتت “صباح” وبلعت ريقها، ودمعة نزلت من عينها:


— أمهم نزلت جرت على شغلها وهي متضايقة، وبعدها بساعتين الحادثة حصلت ومجتش تاني. بقالهم 14 شهر، الطفلين دول عايشين بذنبيين يهدوا جبال.. الأول: إنهم فاكرين إن زعيمهم وشقاوتهم هي اللي موتت أمهم، والثاني: إنك أنت يا أحمد بتبص لهم ومبتحضنهمش، ففاكرين إنك عارف سرهم وبترفضهم وتكرههم عشان كده!


“أحمد” حس الأرض بتلف بيه. صور الـ 14 شهر اللي فاتوا عدت قدام عينه زي الشريط السريع. افتكر كل مرة كان “سليم” بييجي يمسك في رجله وهو راجع من الورشة، فكان بيبعده بشويش ويقوله “بابا تعبان ومحتاج يرتاح”. افتكر كل مرة “مالك” كان يبص له فيها بنظرة مكسورة قبل ما يترمي في حضن أي دادة، وهو كان فاكر إن دي مجرد “عصبية أطفال” ومحتاجة دكتور شاطر.


هو اللي هرب.. الفلوس، والورشة، وقطع الغيار، والصفقات اللي بالملايين كانت مجرد شماعة استخبى وراها عشان ميمسحش دموعهم ويواجه وجعه هو الشخصي.


“أحمد” نزل على ركبتيه قدام عياله لأول مرة من يوم الحادثة. الصالة كانت ساكتة تماماً، ومش باين فيها غير صوت نفسه العالي.


مد إيده يلمس إيد “مالك”، فالولد أخد خطوة لورا وخاف، واستخبى ضهر “صباح”.


القطعة دي من قلب “أحمد” اتكسرت ميت حتة. بص لـ “صباح” بصة رجاء مفيهاش أي حاجة من كبرياء صاحب المحلات والورش:


— كملي يا صباح… عملتي إيه جوة؟ وليه ناموا في حضنك؟


“صباح” بصلت له بهدوء وقالت:


— فتحت الأوضة يا أستاذ أحمد.. مسكت إيديهم ودخلتهم، وخليتهم يلمسوا الهدوم اللي متسابة على الكرسي، وريحة البرفان اللي في الملاية. قعدت على السرير وأخدتهم في حضني وقلت لهم: “أمكم راحت الجنة عشان ربنا بيحبها، ومش زعلانة منكم، والمربى اللي اتكسرت هي كانت جابت غيرها وهي راجعة بس الطريق كان بعيد”.



مسحت “صباح” دموعها وكملت:

— العيال بكيوا في حضني بكا عمري ما شفته في حياتي.. طلعوا كل العياط اللي كان محبوس في صدرهم بقاله سنة وزيادة، لحد ما جسمهم خف وناموا من التعب. هم مكنوش محتاجين جداول ولا دكاترة بفلوس.. كانوا محتاجين يحسوا إن الأوضة دي مش مقبرة، وإن أمهم مشيت وهي بتحبهم.


“أحمد” بص لـ “سليم” اللي كان لسة مدروخ في حضن صباح، وبعدين بص لـ “مالك” اللي كان باصص للأرض ودموعه بتنزل بسكوت.

“أحمد” زحف على ركبتيه لغاية ما بقى قصاد “مالك” بالظبط. مسك إيديه الصغيرة بكل حنين الدنيا، وعينه بتخر دموع:


— مالك… بص لي يا حبيبي.


“مالك” رفع عينه ببطء، وعينيه الصغيرة كانت مليانة خوف ورعب مستني العقاب.


— أمكم بتحبكم أكتر من أي حاجة في الدنيا… وأنا… أنا اللي كنت غبي وغشيم. أنا اللي آسف يا مالك.. أنا اللي قفلت الباب وسيبتكم لوحدكم في الضلمة.


“مالك” شفايفه بدأت تترعش، وفجأة رمى نفسه في حضن “أحمد” وصرخ بأعلى صوته، صرخة طلعت كل وجع الـ 14 شهر. “أحمد” ضم الولد لقلبه جامد، وبإيده التانية شد “سليم” من حضن “صباح” وضمهم هم الاتنين في حضنه، وقعد يبكي معاهم في نص الصالة، بكي زي ما مبكاش يوم الجنازة.


“صباح” وقفت على جنب، مسحت دموعها بطرف جلابيتها، وانسحبت بشويش ناحية المطبخ عشان تسيبهم في لحظتهم.


بعد نص ساعة، كان الهدوء ساد البيت، بس المرة دي كان هدوء سكينة مش هدوء خوف. التوأم كانوا ناموا في حضن “أحمد” على كنبة الصالة من كتر العياط. “أحمد” كان قاعد ساند رأسه على الكنبة، بيملّس على شعرهم ويهديهم، وعينه مش مفارقة الباب المفتوح بتاع أوضة “أمنية”.


“صباح” خرجت من المطبخ وهي شايلة كوباية شاي سخنة، حطتها على الطاولة جنبه بصوت واطي وقالت:


— الشاي يا أستاذ أحمد… أنا خلصت مسح المطبخ وجايز أستأذن عشان الوقت تأخر.


“أحمد” رفع رأسه وبص لـ “صباح”. في لحظة، حس إن الست البسيطة دي اللي جاية بجلابية مستعملة وشنطة هدوم مقطوعة، كانت سبباً في نجاة بيته وعياله من الخراب النفسي.


— تقعدي فين يا صباح؟ — أحمد قالها بصوت بحاح من كثرة العياط.


— هروح يا أستاذ.. أنا ساكنة في الأوضة اللي فوق السطوح في الشارع اللي وراكم، وآجي بكرة الصبح بدري أكمل شغل البيت.




“أحمد” هز رأسه بالرفض وقام بشويش عشان ميعيطش العيال، ووقف قصادها:


— شغل البيت إيه يا صباح؟ انتي من النهاردة مش شغالة هنا.


“صباح” وشها اتخطف وافتكرت إنه عشان فتحت المقفولة:


— والله يا أستاذ أنا مكنش قصدي أتدخل في اللي ماليش فيه.. أنا بس صعبوا عليا العيال.. أرجوك متقطعش عيشي!


“أحمد” بص لها بهدوء ونفى برأسه:


— انتي مش شغالة في البيت ده يا صباح.. انتي من النهاردة المسؤولة عن البيت ده وعن العيال دول. الورشة والفلوس وكل اللي حيلتي ميسووش لمسة أمان واحدة من اللي إديتيها لعيالي النهاردة. المرتب اللي كنتي بتاخديه هيتضاعف خمس مرات، والأوضة اللي جنب العيال هتتفتح وتتوضب عشان تقعدي فيها بكرامتك، ومفيش خروج من البيت ده.


“صباح” كانت مبهولة ومردتش، بس “أحمد” سكت لحظة وبعدين كمل بصوت واطي ونبرة جادة:


— بس في حاجة واحدة فاضلة يا صباح.. لازم تعرفيها قبل ما تقرري تقعدي معانا.


“صباح” استغربت وقالت:


— حاجة إيه يا أستاذ أحمد؟


“أحمد” تلفّت ناحية أوضة “أمنية” اللي بابها مكسور، وقرب من “صباح” وقال بصوت واطي جداً عشان العيال متسمعش:


— السر اللي العيال قالوهولك عن برطمان المربى… مش هو السبب الوحيد اللي خلي “أمنية” تنزل زعلانة الصبح ده.


“صباح” عقدت حواجبها:


— أومال إيه؟


“أحمد” حط إيده في جيبه وطلع مفتاح قديم ونحاسي، عين “صباح” وسعت أول ما شافته.


— ده مفتاح الدرج المقفول اللي جوة التسريحة في “أمنية”… الدرج اللي محدش فتجه من 14 شهر. “أمنية” الصبح ده، قبل ما تخرج وتتحط في الحادثة، سابتلي جواب جوة الدرج ده… جواب هي كتبته لما اكتشفت سر عن شغلي وعن ناس في المنطقة الشعبية هنا.. سر لو اتعرف، مش بس حياتي أنا اللي هتبقى في خطر… دي حياة كل واحد عايش في البيت ده!



رجع البيت ج2

حكايات روماني مكرم


“صباح” برقت بذهول، وعينيها اتنقلت بين المفتاح النحاسي التقيل في إيد “أحمد” وبين باب الأوضة المقفول اللي بقاله سنة وزيادة مخبي أسراره. بلعت ريقها بالعافية وحست إن القشعريرة مشيت في جسمها كله.— سر إيه يا أستاذ أحمد؟! وناس مين دول اللي في المنطقة اللي يهددوا حياتكم؟!”أحمد” أخد نفس طويل، وبص لـ “مالك” و”سليم” التأكيد إنهم نايمين في عمق، ورجع خطوة لورا وقعد على الكرسي الخشب وقعد يفرك في إيديه بتوتر:


— أنا مش مجرد صاحب ورشة قطع غيار وخلاص يا صباح.. المنطقة الشعبية دي هنا حارتها مقفولة وكل معلّم فيها ماسك منطقة. من سنتين، دخلت مناقصة كبيرة لقطع غيار نقل ثقيل، وحوت كبار من معلمين السوق كانوا عايزين ياخدوها لحسابهم عشان يدخلوا فيها بضائع مغشوشة ومهربة. أنا رفضت أسمع كلامهم، ودخلت المناقصة وكسبتها بصنايعيتي وورشتي المعتمدة.


سكت “أحمد” وشكله كان شايل هم جبال، وكمل بصوت وطي أوي:


— من ساعتها والمعلم “بشندي” وشريكه “السمري” حاطين عيونهم عليا.. مكنتش أعرف إنهم وصلوا لبيتي. “أمنية” الله يرحمها، قبل وفاتها بيومين، كانت بتنضف في الشقة وسمعت بالصدفة كلام المعلم “بشندي” وهو واقف تحت العمارة بيتكلم مع واحد من رجالي في الورشة، كان بيدي له فلوس عشان يسرب له فواتير ومستندات تدين شغلنا وتلبسني قضية تهرب جمركي كبيرة تقفل ورشتي للأبد!


“صباح” حطت إيدها على بقها مصدومة:


— يعني أستاذة “أمنية” كانت عارفة إن في خاين في ورشتك؟!


— أكتر من كده يا صباح.. “أمنية” استدرجت الولد ده في الكلام وهو طالع يسلمني أوراق، وقدرت تحتفظ بنفسها بملف كامل فيه أوراق مبصومة وإيصالات أمانة تثبت إن المعلم “بشندي” بيجهز لي فخ يوديني في داهية. الجواب والأوراق دول، “أمنية” حطتهم في الدرج ده، وكانت ناوي تدهوملي بالليل، بس يومها اتخانقنا بسبب شقاوة العيال برطمان المربى، فنزلنا إحنا الاتنين زعلانين.. هي نزلت راحت لشغلها في المدرسة وصار الحادث، وأنا نزلت للورشة ومسكتش.


“أمنية” ماتت قبل ما تقولي هي خبت الأوراق فين بالظبط، وأنا من يومها، من وخوفي، قفلت . مكنتش قادر أدخلها.. كنت فاكر إن الدخول جوة هيفتح جرحي، ومكنتش أعرف إن الأوراق دي هي الحبل اللي ملفوف حوالين رقبتي!



“صباح” قربت منه بخطوات ثابتة رغم الخوف اللي في عينها، وقالت بصوت مليان حزم:


— المعلم “بشندي” ده هو نفسه اللي كان واقف تحت العمارة أول الأسبوع وبيسألني وأنا نازلة أنضف السلم؟!


“أحمد” اتنفض من مكانه وبص لها برعب:


— بيسألك أنتِ؟! قالك إيه يا صباح؟!


— سألني لو الأستاذ “أحمد” بيكلم حد بالليل، ولو في أوراق أو دفاتر بتسيبها في الصالة.. وكان عايز يديني فلوس عشان أعرف له مكان المفاتيح بتاعة الشقة! أنا سحبت نفسي وقاطعت الكلام وقلت له ماليش في الشغل ده، وبصراحة خفت أقولك لتقول عليا بتدخل في اللي ماليش فيه وتبطشني!


“أحمد” قبضته على إيد الكرسي بغضب:

— ابن الحرام! بيحوم حولين البيت من ساعتها عشان عارف إن “أمنية” كانت شايلة الأوراق هنا، ومستني الفرصة اللي البيت يفضي فيها عشان يدخل وياخدها!


“أمنية” كانت دايماً تقول لي: “السر اللي يحميك هو نفسه اللي ممكن يهد بيتك لو طلع في الوقت الغلط”. وأنا الـ 14 شهر اللي فاتوا كنت عامي عيني، فاكر إن الفلوس والحراسة هي اللي هتأمن عيالي، في حين إن الخطر كان واقف تحت باب العمارة!

وقف “أحمد” ومسك المفتاح النحاسي بقوة، وبص لـ “صباح” وقال:


— افتحي معايا الأوضة يا صباح.. الأوراق دي لازم تخرج النهاردة، ولازم الحق أتصرف قبل ما يوصلوا لها.


اتحركوا هم الاتنين بشويش ناحية أوضة “أمنية”. الباب كان موارب والكالون المكسور باين فيه. “أحمد” زق الباب برجفة في إيده. ريحة الورد المجفف اللي كانت أمنية بتحطه في الأوضة كانت لسة معلقة في الهواء، امتزجت بريحة التراب.


“صباح” وقفت جنب التسريحة القديمة، و”أحمد” حط المفتاح النحاسي في القفل المقفول. الصوت الكليك بتاع القفل وهو بيتفتح كان زي صدى صوت خرج من الماضي.


فتح “أحمد” الدرج.. جوة، كان في ظرف بني كبير متغطي بطبقة خفيفة من التراب، وجنبه جواب أبيض مكتوب عليه بخط “أمنية” الجميل: “إلى أحمد.. حبيب عمري”.


دمعة نزلت من عين “أحمد” سريعة ودافية، مسك الجواب وإيده بتهتز، وفتحه وقرأ السطور الأولى:


“أحمد.. لما تقرأ الجواب ده، هتعرف إن البيت ده مكنش مجرد أربع حيطان، ده كان أماننا. الأوراق اللي في الظرف ده فيها دليل برائتك من لعبة “بشندي”، بس أوعدني يا أحمد.. لما تكسب معركتك مع الأشرار دول، ترجع لعيالك.. “مالك” و”سليم” محتاجين أب مش محتاجين تاجر. وخلي بالك من السر التاني اللي جوة الظرف… سر مش عن شغل الورشة، سر عن عيلتك أنت شخصياً.”



“أحمد” وقف عينيه متسعة على الجملة الأخيرة: “سر عن عيلتك أنت شخصياً”.


بص لـ “صباح” بذهول، وفتحت أيده الظرف البني بسرعة.. خرج منه ملف الأوراق التجارية، ووقع من وسطهم دفتر صغير قديم ولونه أسود، مكتوب على غلافه بخط ممسوح: “دفتر عائلة أبو الوفا – أسيوط 1995”.


“صباح” شهقت أول ما شافت اسم العيلة مكتوب:


— أبو الوفا؟! ده نفس اسم العيلة اللي المعلم “بشندي” بيتباهى بيه في المنطقة هنا ويقول إنه كبيرهم!


“أحمد” فتح الدفتر القديم بذهول، وعينيه كانت بتقرأ الصفحات المأكولة من الأطراف، وفجأة وشها اتقلب وأصابعه اتقبضت على الدفتر بقوة تجنن:


— المعلم “بشندي”… مش مجرد منافس في السوق يا صباح… “بشندي” يبقى…


— “بشندي” يبقى أخويا في الرضاعة وعمي من أبايا!


الكلمة خرجت من بق “أحمد” زي الخنجر اللي غُرز في صدره. “صباح” لطمت على بخفة وشهقت، وسندت على وهي مش مصدقة اللي بتسمعه:


— عمك؟! المعلم “بشندي” اللي عاوزه يخرّب بيتك يبقى عمك وأخوك في الرضاعة يا أستاذ أحمد؟!


“أحمد” أيديه كانت بتبصم على أوراق الدفتر الأسود القديم، وعينيه بتقرأ الكلام المكتوب بخط والده القديم قبل ما يموت من 20 سنة. الحقيقة كانت أبشع من كل ظنونه.


— أيوة يا صباح… أبا الله يرحمه كان كاتب كل حاجة هنا. “بشندي” ابن عمي، بس أمه وهو لسة مولود، وأمي هي اللي أرضعته مع أختي الكبيرة. لما أبا كبر في السن وكتب لي الورشة والمحلات باسمي عشان كنت أنا اللي كبرت الشغل وحافظت عليه، “بشندي” اعتبر إن حق أمه وأبوه اتسرق منه. أبا كتب في الدفتر ده إنه أداه حقه وزيادة فلوس وأراضي في أسيوط، بس هو طمع، وحلف ينقم من عيلتنا كلها ويطفي ناري ونار ولادي!


“أحمد” مسح عرق بارد ينزل من جبينه، وكمل ونبرة صوته مليانة غل ووجع:


— “أمنية” الله يرحمها لما سألت وفتشت، عرفت إن الميكروباص اللي ماتت فيها مكنتش مجرد قضاء وقدر محتوم… سواق الميكروباص اللي خبطهم كان شغال عند المعلم “بشندي” في المخازن القديمة!


“صباح” رجليها مشيلتهاش، وقعدت على طرف وهي بترتعش:


— يعني… يعني أستاذة “أمنية” ؟! ممتش عادية؟!


“أحمد” طبق قبضته على الدفتر لحد ما الورق أتحسس وصوته بقى حاد زي الموس:



— “أمنية” عرفت اللعبة كلها، وكانت رايحة بالدفتر والأوراق للنيابة يوميها.. بس هو سبقها، وحاول يخلص منها ومن السر اللي معاها! والـ 14 شهر اللي فاتوا، كان مستني يعرف الأوراق دي فين، وكان حاطط عينيه على الشقة عشان يجيبها، عشان يضمن إن السِر ده يتدفن معاها للأبد وما يوصلش للنيابة!


في اللحظة دي بالظبط، وصوت السكون يخيم على الشقة، سمعوا صوت “دكّة” خفيفة جاية من باب الشقة البراني.. صوت طقطقة كالون بيتحاول يتفتح بمفتاح معوج أو آلة حادة!


“صباح” قامت وقفت مفزوعة ومسكت في إيد “أحمد”:


— يا مري! في حد بيفتح باب الشقة من برة!


“أحمد” عينيه تحولت لجمر، وشال الظرف والدفتر وسرّبهم في جيبه الجواني بسرعة. بص لـ “صباح” وقال بصوت واطي جداً ونبرة حاسمة:


— أدخلي الأوضة عند العيال وقفلي الباب عليكم بالمفتاح من جوة.. وماتفتحيش مهما سمعتي صريخ أو خبط، غير لما أقولك أنا بنفسي!


“صباح” جرت على الصالة، شالت “سليم” وذقت “مالك” بشويش وجرت بيهم على أوضة الأطفال، وقفلت الباب بالمفتاح من جوة.


“أحمد” مشى بخطوات ثابتة وساكتة لحد المطبخ، مسك شومة حديد ثقيلة من بتوع تصليح الورش كان شايلها ورا الباب، ووقف في الضلمة جنب الممر المؤدي للباب الرئيسي.


صوت الكالون اتفتح بشويش… الباب اتزق وخرج منه خيالين بطوال. الأولاني كان المعلم “بشندي” بجسمه الضخم وجلبابه البلدي، ووراه بلطجي من رجاله ماسك في إيده مطواة قرن غزال بتلمع في ضوء شمس المغربيتين الضعيف.


“بشندي” بص حوليه في الصالة الهادية، وقال بصوت واطي ومبحوح لرجاله:

— أدخل يا زفت فتش أوضة النوم بسرعة.. الجدع زمانه سهران في الورشة ومش هيجي قبل الساعة 12 بالليل.. هات الظرف النحاسي والدفتر واخرج، مش عاوز واحدة تتساب هنا!


في أسرع من اللحظة، “أحمد” خرج من الضلمة زي الأسد الجريح، بالشومة الحديد بكل قوته على إيد البلطجي اللي ماسك المطواة. المطواة وقعت تعمل رنة ثقيلة على البلاط، صرخ من الوجع قبل ما “أحمد” يديله ضربة تانية في بطنه تخليه يقع متكوم على الأرض.


“بشندي” اتنطاط لورا مصدوم، وعينيه اتسعت أول ما شاف “أحمد” واقف قدامه، والشرار بيطلع من عينيه والشومة في إيده:



— أحمد؟! أنت… أنت صاحي وموجود هنا في الوقت ده؟!


“أحمد” أخد خطوة ناحيته، وصوته كان زي الرعد يهز جدران الشقة:


— كنت مستنيك يا عمي… كنت مستنيك من 14 شهر عشان أرد لك دين “أمنية”!


“بشندي” رجع خطوة لورا، ووشه اتخطف واصفرّ كأنه شاف ملك الموت قدامه. حاول يمد إيده في جيب جلابيته ليطلع سلاح، بس “أحمد” كان أسرع منه؛ ضربه بالشومة الحديد على دراعه، فصرخ المعلم ونزل على ركبه والوجع بيأكل جسمه.


“أحمد” نزل لمستواه، ومسكه من ياقة جلابيته بكل الغل والحزن اللي اتحبسوا في قلبه سنة وأربع شهور، وصوته كان بيترعش من القهر:


— قتلها ليه يا بشندي؟! “أمنية” كانت ذنبها إيه؟! عيالي اللي اتحرموا من أمهم وكانوا هيموتوا من الخوف كل ليلة ذنبهم إيه؟! الفلوس والورش والورث يعموك للدرجادي؟!


“بشندي” كان بيلهث والعرق ينزل من وشه زي المية، وبص لـ “أحمد” بنظرة كره وغل وقال وهو بيحاول يتنفس:


— أباك ظلمني يا أحمد!.. أدالك كل حاجة ورمالي الفكة! “أمنية” عرفت أكتر من اللازم، وكانت هتوديني السجن، وكان لازم تتخرس للأبد! والنهارده اللعبة انتهت.. أنت مش هتقدر تعملي حاجة!


“أحمد” ابتسم ابتسامة مكسورة وفيها مرار، وهو بيهز رأسه:


— اللعبة فعلاً انتهت يا بشندي… بس مش بالطريقة اللي في دماغك.


في اللحظة دي، صوت صفارات أجهزة الشرطة في الشارع تحت العمارة، وأصوات خطوات جزمة ثقيلة طالعة على السلم بسرعة تجنن. “بشندي” عينيه اتسعت من الرعب، وبص للباب وهو مش مصدق.


“أحمد” وقف ورماه على الأرض بنظرة :


— أنت فاكرني عيل صغير هتغفلني في بيتي؟ من ساعة ما “صباح” قالتلي إنك بتسأل عن المفاتيح، وأنا كلمت رئيس المباحث وصاحبي في القسم. الأوراق والدفتر اللي “أمنية” سابتهم مش بس يبوّزوا مناقصتك، دول يودوك أنت وسواق اللي اعترف عليك أول ما عليه من ساعة زمن!


الباب اتكسر ودخل البوليس مع الضابط، ومسكوا “بشندي” اللي كان مرمي على الأرض، وكلبشوهم وسط صراخ المعلم وهو بيتحسر على نهاية إمبراطوريته اللي بناها بالشر والدم.


الضابط بص لـ “أحمد” وطبطب على كتفه:


— حقك وحق أستاذة “أمنية” جه يا أحمد.. القضية مقفولة بكرة بالدلايل اللي سلمتهالنا.



بعد ما النيابة والشرطة مشيوا والهدوء رجع للشقة، “أحمد” وقف في نص الصالة، حاسس إن في جبل ثقيل انشال من فوق صدره. الباب بتاع أوضة الأطفال اتفتح بشويش، وخرجت “صباح” وهي مسكة إيد “مالك” و”سليم”.


العيال جريوا على “أحمد”، وهو نزل على ركبتيه وأخدهم في حضنه جامد، ودموعه بتنزل بس المرة دي كانت دموع راحة وأمان. “مالك” بص في عين أبوه وقال بصوت طفولي نقي:


— بابا… هو الأشرار مشيوا خلاص؟ ومش هيرجعوا تاني؟


“أحمد” باس رأس “مالك” ورأس “سليم” وقال بنبرة مليانة يقين:


— مش هيرجعوا أبداً يا حبيبي.. البيت ده بقى أمان، وأمكم زمانها مرتاحة وفرحانة بينكم.


بص “أحمد” لـ “صباح” اللي كانت واقفة على جنب ودموع الفرحة في عينيها، وقالها بصوت دافي:


— الشقة دي هتنضف وترجع تتفتح كلها يا صباح.. “أمنية” هتفضل مفتوحة بالخير والريحة الطيبة، مش بالسر والضلمة. أنتِ قذتي عيلتي ورجعتيلي ولادي، ومن النهاردة أنتِ فرد من العيلة دي، وأمانك من أماننا.


“صباح” ابتسمت ابتسامة هادية وردت:


— الحمد لله اللي أظهر الحق يا أستاذ أحمد.. ربنا يجعل بيتك عامر بالخير دايماً.


وفي الليلة دي، ولأول مرة من 14 شهر، البيت في المنطقة الشعبية نام في هدوء تام. مفيش صريخ، مفيش كوابيس، ومفيش أب بيستخبى من وجعه. “أحمد” قعد جنب عياله وهم نايمين في حضن بعض، وغطاهم بشويش زي ما “أمنية” كانت بتعمل بالظبط، وهو عارف إن العدل تحقق، وإن الشمس وأخيراً طلعت على بيته من جديد.


تعليقات

التنقل السريع
    close