القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 بيت العيله كامله رومانى مكرم



بيت العيله كامله رومانى مكرم


انا ساكنه فى بيت عيله وليا سلفتى مش بتخلف وجوزها اتجوز عليها. البيت كله كان متفق عليها انا وحماتى وسلفتى التانيه واخت جوزى وعارفين انها يتيمه وملهاش حد علشان كده كنا واخدين راحتنا واحنا بنقهرها لم جوزها اتجوز عليها ضرتها الجديده حملت وجابت ولد، ومن ساعتها القهر بقى حقيقي وقاسى سلفتي كانت ساكته، ما كانتش بتتكلم بس كنت بشوف في عينيها وجع الدنيا كلها.


كانت بتخاف تزعل أو تمشي من البيت، عشان مالهاش حد، أمها وأبوها ماتو، وإخواتها كل واحد في حياته.


كانت بتخاف حتى تقعد عندهم، فكانت تسكت وتتحمل كل حاجة غصب عنها واحنا واخدينها تريقه عليها


كنا بنعمل فيها حاجات والله ما تتسكت، كانت تبعت لحماتي أكل منظره يفتح النفس بس حماتي تقول (يييع كبّوه!) وفعلاً كانوا يكبوه.مع انها اشطر واحده فينا وانضف واحده


تجيب هدية بسيط وبدل ما نشكرها كنا نضحك عليها ونتريق.


وأكتر حاجة كانت توجع إنها تسكت وتنزل شقتها وإحنا نقعد نضحك وهي تبص علينا من الشباك، وأول ما تشوفنا تقفله بسرعة.


كنا بنقهرها بابن ضرتها ولما تيجي عند حماتي نقعد نتكلم عن العيال والخلفة بالعمد عشان تتضايق وفعلاً كانت تسكت وتقوم تعيط وتنزل على شقتها


البدايه


منذ أربع سنين، دخلت شيماء البيت ده بعينين خايفين وفستان فرح بسيط. كانت يتيمة الأب والأم، جت عندنا بقلب مكسور بتدور على الأمان، بس ما كانتش تعرف إنها دخلت جحر أفاعي ما بيرحمش.


في بيت العيلة الكبير، كنا أربع ستات ممشيين كل حاجة: حماتي بكلمتها النافذة، وأنا، وسلفتي التانية، وأخت جوزي. كنا شايفين ضعف شيماء واستكانتها صيدة سهلة. ما كانش ليها سند، ولا أخ يطرق الباب ويدافع عنها، فاستغلينا طيبتها وسكوتها بأبشع طريقة.



لما جوزها اتجوز عليها واحدة تانية عشان هي مش بتخلف، ما كناش ليها عون، بالعكس، بقينا إحنا والجوز الجديد عليها. دخلت “الضرة” الجديدة البيت، وما هي إلا كم شهر لحد ما أعلنت حملها، وجابت ولد. ومن اللحظة دي، تحول الوجع في حياة شيماء من مجرد تجريح لـ قهر حقيقي وقاسي.


كانت شيماء أنضفنا وأشطرنا في كل حاجة. تقعد بالساعات في المطبخ تعمل أكل منظره يفتح النفس، وتبعث بيه لشقة حماتي. بس حماتي كانت تبص للأكل بقرف وتصرخ بعلو صوتها عشان الكل يسمع: “يييع! كبّوه في الزبالة!”، وفعلاً كنا بنرمي أكلها قدام عينها، وهي تفضل واقفة على الباب ريقها ناشف، تبص في الأرض وتنزل شقتها من غير ما تنطق بكلمة.


حتى في المناسبات، كانت تشتري من مصروفها البسيط هدايا للكل. وبدل ما تقولها كلمة شكر، كنا نستنى لما تنزل وننفجر في الضحك والتريقة على بساطة ذوقها. كانت تنزل شقتها بخطوات تقيلة، وإحنا نفضل قاعدين على السلم نضحك بأعلى صوت. وكم مرة أرفع رأسي وأشوفها بتبص علينا من شباك شقتها، ووشها مبلول بالدموع، وأول ما عينها تيجي في عيني، تقفل الشباك بسرعة عشان تداري كسرتها.


بس السلاح اللي كان بيدبحها بالبطيء هو ابن ضرتها. كنا نتعمد ننادي على ضرتها بطفلها في صالة حماتي كل ما شيماء تكون موجودة. نبدأ نتكلم عن العيال والخلفة، ونتفنن في ملاعبة الصغير ونحكي عن جماله وحظ أمه، ونوجه الكلام بطريقة غير مباشرة لشيماء عشان نلمس الجرح. كانت تبلع غصتها، ووشها يتغير، وبعدين تقوم بهدوء وتنسحب على السلم.


الأحداث ولعت يوم العقيقة الكبير. البيت كله كان مقلوب، وشيماء شغال زي شعلة النشاط من وش الفجر؛ تنظف السلم، وتعمل الشاي، وتخدم الضيوف طول النهار من غير ما تشتكي ولا تفتح بقها. ولما جه وقت الغدا، قعدت ضرتها في صدر الصالة شايلا ابنها، فقامت حماتي ومسكت ظرف فيه فلوس وذهب، وأهدته للضرة قدام الناس كلها وهي بتقول بصوت عالٍ: “دي اللي بيضت وشنا وجابت لنا السند والولد!”.



في اللحظة دي، نزلت دمعة حامية من عين شيماء، واتهزت إيدها وسقطت منها صينية الكاسات اتكسرت مليون حتة على الأرض. وبدال ما حد يحس بيها، صرخت فيها أخت جوزي: “حتى في فرحتنا منكودة ومش فال خير!”. ما دافعتش شيماء عن نفسها، نزلت على ركبها ولمت الزجاج المكسور وإيدها بترتعش، وطلعت شقتها.


في الليل، بعد ما الضيوف مشيوا، حماتي طلبت من جوز شيماء ينزل لشقتها عشان يجيب بقية الأطباق والحاجات. طلع الجوز، وطلعت أنا وراه بحجة إني أساعده في شيل الأغراض، بس وقفت ورا الباب المفتوح موارب عشان أسترق النظر.


كانت شيماء واقفة في نص الصالة، بتبص في أركان الشقة اللي شهدت على سنين سكوتها وقهرها. كان جوزها بيتكلم معاها بنشافة بيطلب منها تقوم تلم بقية أغراض العزومة عشان ينزلوها.


#الكاتب_رومانى_مكرم_


اتلفتت ليه شيماء. ما كانتش عينها خايفة زي ما الكل اتعود، كان فيها نظرة تانية خالص.. نظرة حد جاب آخره وخلاص ما بقاش فارق معاه حاجة. بلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت واطي بس هز الشقة كلها:


“أنا عايزه أطلق.. أنا تعبانه ومش قادره أتحمل أكتر من كده.”


تجمّد زوجها في مكانه لثوانٍ، واستدار لها ببطء شديد وهو مشدوه، وكأنه لم يستوعب الكلمات التي خرجت للتو من فم السيدة التي اعتادت أن تهز رأسها بالقبول وتصمت أمام أعتى الإهانات. تناثر الصمت في أرجاء الشقة الضيقة، صمت ثقيل يُسمع فيه صوت أنفاسه المتسارعة ونبضات قلبها التي كانت تخفق بقوة لكن دون خوف. كنت أقف خلف الباب الموارب، أتكئ بكتفي على الجدار البارد، أتنفس بحذر كي لا يظهر وجودي، وعيناي معلقتان بتلك اللحظة الفارقة.


قال زوجها بحدة وهو يضيّق عينيه، محاولاً استعادة فرض سيطرته التي اعتاد عليها: “أنتِ بتقولي إيه؟ طلاق إيه وزفت إيه اللي بتتكلمي عنه في ليلة زي دي؟ أنتِ اتجننتِ يا شيماء؟ بدل ما تباركي لأخويا وتفرحي بالولد، جاية تنكدي علينا وتفتحي موال جديد؟”



لم ترف لشيماء جفن، ولم تراجع خطوة واحدة إلى الخلف كما كانت تفعل دائماً. تقدمت خطوة واحدة نحو المنتصف، وقالت بصوت هادئ، هدوء ما قبل العاصفة، صوت يخلو تماماً من تلك الرعشة التي كانت تشوب كلامها في السابق: “أنا مش بنكد على حد، أنا بخلص نفسي. أربع سنين وأنا بقول بكرة هيحسوا، أربع سنين وأنا باكل اللقمة بدموعي وبشرب إهانتي على إنها مكتوبة عليا عشان يتيمة وماليش سند. بس لحد هنا وخلاص يا أحمد.. طاقتي خلصت، وقلبي مات.”


ضرب أحمد بيده على الطاولة القريبة فاهتزت المزهرية البلاستيكية الصغيرة، وقال بصوت مرتفع: “ولما تطلقي وتروحي فين؟ هتروحي لإخواتك اللي كل واحد فيهم قافل بابه على نفسه وما بيسألوش عليكِ إلا في المناسبات؟ ولا هتقعدي في الشارع؟ افتكري كويس إنك مالكيش حد يلمك، والبيت ده هو اللي ساترك!”


كانت هذه الكلمة تحديداً، “ساترك”، هي السهم الذي اعتاد الجميع رميها به كي تخضع، لكن هذه المرة، لم يصب السهم هدفه. ابتسمت شيماء ابتسامة باهتة مريرة، فيها كمية من الوجع تجعل الجبال تتفتت، وقالت: “الشارع أرحم من بيت كل زاوية فيه بتدبحني. الشارع ما فيهوش ناس بتفرح في كسرتي، ولا ناس برموا نعمة ربنا في الزبالة عشان بس يكسروا نفسي. الشارع فيه رحمة ربنا، لكن البيت ده ما فيهوش رحمة.”


مقالات ذات صلة


أول حاجة عملها جوزي 1

منذ 17 دقيقة


مراتي اختفت حكايات رومانى مكرم 2

منذ 33 دقيقة


سلفتى حكايات رومانى مكرم 2

منذ ساعتين


حكايات نورهان العشرى1

منذ 5 ساعات

في تلك اللحظة، تعالت الأصوات من الشقة، ووصل الصدى إلى الأسفل. لم تمضِ دقائق حتى سمعت خطوات ثقيلة تتصاعد على السلم الخشبي. كانت حماتي تغلي من الغضب، وتتبعها أخت زوجي وسلفتي الثانية. دخلت حماتي الشقة كالإعصار، دون أن تطرق الباب، ووقفت في الصالة وهي تضع يديها في خصرها، وتنظر لشيماء بنظرة ازدراء وتكبر.



صرخت حماتي بصوت هز الأرجاء: “جرى إيه يا سنيورة؟ صوتكم جاب آخر الشارع ليه في ليلة فرحتنا؟ جاي تطلبي الطلاق دلوقتي عشان تديري العيون عليكِ وتسرقي الفرحة مننا؟ فاكرة نفسك مين؟”


تراجعت أنا خطوة للخلف وأنا أدعي الإرتباك كأنني وصلت للتو، بينما وقفت شيماء تواجه هذا الهجوم الجمعي بثبات غريب. نظرت لحماتي مستقيمة القامة، وقالت: “أنا ما بسرقش فرحة حد يا حاجة. أنا بطلب حقي في إنه يطلقني بالإحسان، زي ما دخلنا بالإحسان. أنا خدمتكم بعيني، ونضفت تحت رجليكم، وتحملت القهر والرمي في الزبالة والتريقة، وما فتحتش بقي بكلمة. بس خلاص، ربنا ما يرضاش بالظلم ده.”


ضحكت أخت زوجي بصوت عالٍ ومستفز، وتدخلت وهي تتفحص شيماء من أعلى لأسفل: “شوف مين بتتكلم عن الظلم! اللي مش بتخلف وعايزة تاخد العاطل بالباطل! بدل ما تحمدي ربنا إن أخويا سابك على ذمته وما رمكيش في الشارع لما عرف إنك عاقر، جاية تتشرطي وتطالبي بالطلاق؟ أنتِ المفروض تبوسي إيده وش وضهر إنه مستحملك لحد النهاردة!”


لم تتأثر شيماء بكلماتها القاسية، بل نظرت إليها بنظرة رحمة وجع، وقالت: “الخلفة رزق من ربنا، مش شطارة منك ولا عيب مني. ربنا هو اللي بيدي وهو اللي بيمنع. بس الإنسانية والرحمة دي بايد البني آدم، وأنتم نسيتوا يعني إيه إنسانية من زمان.”


وهنا تدخل زوجها أحمد، الذي شعر بضغط أمه وأخته عليه كي لا يظهر بمظهر الضعيف أمام امرأة لا تتكئ على سند. أخذ نفساً عميقاً وقال بلهجة آمرة: “سمعينا بقى يا شيماء، الطلاق ده مش في قاموسي. مش هسيبك تمشي وتعملي لي وش في العيلة وفي الشارع وتقولي طلقني ورماني. أديكِ قاعدة في شقتك، تاكلي وتشربي، والبيت فيه خير، لكن دلع ومرقعة وطلبات طلاق مش عندي.”



اقتربت شيماء من دولابها القديم الخشبي، فتحته بهدوء تام وسط ذهول الجميع. كانت قد أعدت حقيبة سفر صغيرة قماشية، قديمة ومتهالكة، وضعتها على السرير وتبعتها ببعض ملابسها البسيطة. لم تكن تجادل، بل كانت تتصرف كمن اتخذت قرارها منذ زمن طويل وتنفيذه الآن مجرد مسألة وقت.


صرخت حماتي: “أنتِ بتعملي إيه يا بت أنتِ؟ أنتِ بتلمي هدومك من غير إذني؟ فاكرة البيت ده وكر ماليش فيه كلمة؟”


التفتت إليها شيماء وهي تمسك الحقيبة وتغلق سحابها بصوت ناعم، وقالت: “أنا ماشية يا حاجة. ومش راجعة تاني. لو أحمد ما طلقنيش بالذوق، أنا هرفع دعوى خلع. القانون والششرع يدوني حقي من الظلم ده.”


وقعت كلمة “خلع” كالصاعقة على مسامع الجميع. في بيتنا الكبير وفي حينا الشعبي، كانت كلمة “خلع” تُعتبر فضيحة تجر الذل والحديث بين الأهالي. انتفض أحمد وجرى نحوها، مسك ذراعها بقوة وعنف حتى اعتصر لحمها، وقال وهو يصرخ في وجهها وعيناه محمرتان من الغضب: “تخلعيني أنا؟ أنتِ تتجرئي وتقولي الكلمة دي؟ قسماً بالله ما تخرجي من الباب ده إلا وأنتِ ميّتة!”


في تلك اللحظة بالذات، حدث ما لم يكن في الحسبان. شيماء لم تبكِ، لم تصرخ، ولم تستغث بأحد. بل نظرت إلى يده الممسكة بذراعها بقوة، ثم رفعت عينها ونظرت في عينيه مباشرة بثبات مرعب، وقالت بصوت منخفض وشديد الصرامة: “سيب إيدي يا أحمد.. سيب إيدي بدل ما أخلي الشارع كله يتفرج على اللي بيحصل هنا. أنت عارف إني ما بقيتش أخاف من حاجة، واللي ما بيبقاش خايف من الموت، ما بيخافش من تهديدك.”


تراخت يد أحمد تدريجياً، وكأن نبرة صوتها أفرغت شحنته الغاضبة وحولتها إلى دهشة ومخاوف مبهمة. تراجع خطوة إلى الخلف، بينما كانت أمه وأخته تقفان مبهوتتين من ردة فعل هذه الإنسانة التي كانت بالأمس تنزل رأسها لمسح الأرض تحت أقدامهن.



حملت شيماء حقيبتها البسيطة على كتفها، ونظرت حولها في أركان الشقة. كانت تلك الشقة هي السجن الذي قضت فيه أربع سنوات من عمرها، سنوات مملوءة بالصمت والدموع والكسرة. لم تكن هناك أدوات زينة غالية، ولا أثاث فاخر، فقط ذكريات قاسية كانت تحيط بها من كل جانب.


خرجت من باب الشقة بخطوات ثابته. كنا نحن الأربع، حماتي، وأنا، وسلفتي، وأخت زوجي، نقف في الممر نراقبها. مرّت من بيننا وكأننا أشباح لا وجود لنا. لم تنظر إلى واحدة منا، لم تسب، لم تلعن، ولم تبدِ أي مشاعر كراهية. كان التجاهل التام هو أبلغ إهانة وجهتها لنا جميعاً.


عندما وصلت إلى أول درجة من السلم، خرجت ضرتها من شقة حماتي وهي تحمل طفلها الرضيع، نادية التي كانت سبب الفرحة العارمة والعقيقة التي انقلبت إلى هذا المشهد. وقفت ضرتها بقميصها الستان الجديد وزينتها البهرجة، تنظر لشيماء بنظرة تجمع بين الشماتة والاندهاش.


توقفت شيماء لثانية واحدة، نظرت إلى الطفل الرضيع في يد ضرتها. ابتسمت ابتسامة حقيقية، ابتسامة خالية من أي غل أو حسد، وقالت بنبرة دافئة صادقة: “يتربى في عزكم يا نادية.. ربنا يجعله من الصالحين وما يكتبش عليه تشوفوه مكسور ولا مظلوم في يوم من الأيام.”


ثم تابعت نزولها على السلم.


كان صمت البيت في تلك اللحظة مرعباً. صمت لا تشوبه إلا أصوات أقدام شيماء وهي تهبط الدرج الرخامي بخطوات ثقيلة ومتقاربة. نزلتحماتي خلفها خطوات قليلة، وصارخت من أعلى السلم بصوت مبحوح يحاول التغطية على الانكسار: “غوري! غوري في ستين داهية! بكرة تيجي تجري تحت رجلينا وترجينا نرجعك لما تجوعي وما تلاقيش اللقمة! الشارع هيعلمك الأدب يا يتيمة!”


لكن شيماء لم تتوقف، ولم تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة. فتحت باب البيت الكبير الشارع، وخرجت إلى ظلام الليل.



انقضت ليلة العقيقة بطريقة لم يتوقعها أحد. الضيوف كانوا قد غادروا قبل الأحداث بحديث قصير، لكن الجيران في البيوت المجاورة استشعروا أن هناك أمراً ما يحدث. التفت الحارة الشعبي حول القصة في الصباح الباكر. أين ذهبت شيماء؟ أين نائمة تلك الليلة؟


مقالات ذات صلة


أول حاجة عملها جوزي 1

منذ 17 دقيقة


مراتي اختفت حكايات رومانى مكرم 2

منذ 33 دقيقة


سلفتى حكايات رومانى مكرم 2

منذ ساعتين


حكايات نورهان العشرى1

منذ 5 ساعات

في اليوم التالي، كانت شقة حماتي تغلي. جلسنا جميعاً في الصباح نرتشف الشاي، لكن الطعم كان مختلفاً. لم يكن هناك أكل شهي نلقيه في الزبالة ونضحك، لم تكن هناك هدايا بسيطة نتطنز عليها، ولم تكن هناك “شيماء” ننادي عليها لتنظيف السلم أو إعداد الشاي للضيوف.


قالت حماتي وهي تضرب كفاً بكف: “البت دي راحت فين؟ اتصلت بإخواتها يا أحمد؟”


رد أحمد وهو يجلس على الكنبة والجمود يكسو وجهه، عيناه تحتها هالات سوداء جراء السهر: “اتصلت بـ “محمود” أخوها الكبير. أول ما سمع صوتي، قال لي بكل بورد: (شيماء عندنا في البيت، وما تتصلش تاني إلا لما تتفقوا على المأذون). ورزع الخط في وشي!”


انقبض قلبي في تلك اللحظة. أخوها الذي كنا نظن أنه بايعها ولا يسأل عنها، فتح لها بابه واستقبلها؟ كيف حدث هذا؟


قالت أخت زوجي بحدة: “أكيد هي اللي ملته وعملت له غسيل مخ! هم أصلهم عالم جحدين، بعد ما أكلت وشربت عندنا وعاشت في عزنا، طالعة تعمل علينا هانم وبتتشرط!”


لكن الحقيقة التي كنا نتهرب منها جميعاً هي أننا سلبنا من شيماء كل شيء، حتى خيل لنا أنها لم تعد تملك شيئاً تخسره. وعندما لا يملك الإنسان ما يخسره، يصبح أقوى منا جميعاً.



مرت أيام قليلة، والبيت أصبحت جوه مسموماً. الضرة الجديدة، نادية، التي كنا نرفعها فوق الرؤوس، بدأت تظهر طباعها الحقيقية. لم تكن شيماء الطيعة الهادئة. نادية كانت تطالب بالخدمة، ترفض تنظيف السلم، وتصرخ في وجه حماتي إذا انتقدت طريقة تربيتها للطفل أو طبيعة أكلها.


في أحد الأيام، بعد أسبوعين من خروج شيماء، كانت حماتي تجلس في الصالة، وأنا أعد القهوة في المطبخ. دخلت نادية وهي تحمل طفلها الذي كان يبكي بحرقة.


قالت حماتي بزجر: “ما تسكتي الولد ده يا نادية! الشقة بقت تجيب الصداع طول النهار والليل! ما تديلو اللبنة ولا اعملي له كراوية!”


ردت نادية بجفاف وهي تضع الطفل في حضن حماتي بقسوة: “أنا تعبانة طول الليل مانمتش! خذيه أنتِ سكتيه ولا اعملي له أنتِ الكراوية، أنا مش شغالة عند حد هنا! أنا المخدومة في البيت ده عشان جيبت لكم الولد اللي بيض وشكم!”


ذهلت حماتي من الوقاحة، واتسعت عيناها بغضب: “انتِ بتكلميني أنا كده؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه يا بت؟”


ردت نادية وهي تستدير ذاهبة إلى شقتها: “لا مانسيتش، بس أنا مش شيماء اللي كانت بتسكت لكم وتبلع لكم الزلط وترموا أكلها في الزبالة وتضحكوا عليها! أنا ليا ظهر ويا ويل اللي يجي عليا!”


وقعت الكلمات على رأس حماتي كالمطرقة. خرجت أنا من المطبخ وأنا أحمل القهوة، وعيناي معلقتان ببيت الحمات التي بدأت تترنح. لأول مرة، رأيت في عيني حماتي نظرة ندم خفية، أوربما خوف من المستقبل الذي أصبحت فيه نادية هي الآمرة الناهية.


في الأسبوع الثالث، وصلتنا الورقة الرسمية. لم تكن دعوى خلع كما هددت شيماء، بل كانت إنذاراً بطلب الطلاق للضرر، مرفقاً بقائمة من الادعاءات والمستندات، ومصحوبة بطلب لاسترداد كامل مؤخر صداقها وقائمة منقولاتها الزوجية بحسب القانون.



اجتمع أحمد مع إخوته وأمه في الصالة. كان وجهه أصفر كالليمون وهو يقرأ الورقة القانونية.


قال أحمد بصوت مرتعش: “شيماء رافعة قضية ضرر، ومجهزة شهود من الجيران.. الجيران يا أمي! الجيران اللي كانوا بيشوفوها بتعيط على السلم، والجيران اللي سمعوا صوتك وأنتِ بتقولي لها رمينا أكلك في الزبالة!”


صرخت حماتي: “الجيران؟ الجيران يتدخلوا في بيتنا؟ يتكلموا عن بيت الحاج العتيق؟”


رد أحمد بقلة حيلة: “الجيران شافوا وسمعوا كل حاجة، وشيماء راحت للست “أم أمل” اللي قصادنا، وأم أمل هي اللي شهدت معاها في المحضر وقالت إن شيماء كانت بتتعامل معاملة العبيد في البيت ده!”


تطلعتُ إلى سلفتي الثانية وأخت زوجي، ورأيت الخوف في عيونهن لأول مرة. الدائرة بدأت تدور علينا. الطيبة والهدوء اللذان استغللناهما في شيماء تحولا إلى حصن قانوني وأخلاقي يهدد بتهديم هيبة البيت بأكمله.


وفوق كل هذا، بدأت الإشاعات تنتشر في الشارع الشعبي كالنار في الهشيم. الناس الذين كانوا يشاركوننا الضحك ظاهرياً، بدأوا يتهامسون خلف ظهر حماتي: “بيت فلان قهروا اليتيمة لحد ما طردوها.. بيت فلان رموا نعمة ربنا عشان يكسروا بخاطر ست مالهاش حد.. ربنا مش بيسيب الظالم.”


في إحدى الليالي، بينما كنت أقف في شباك شقتي في الدور الثاني، أرقب الشارع الهادئ في وقت متأخر من الليل، رفعت رأسي ونظرت إلى شباك شقة شيماء المغلق بالأغلال. كانت أضواؤها مطفأة، والهواء يحرك الستارة البيضاء البسيطة التي تركتها خلفها.


تذكرت كم مرة رفعت رأسها من هذا الشباك وهي تبكي، وكم مرة أغلقت الشباك بسرعة كي تداري دموعها عن ضحكاتنا الخسيسة. تذكرت وجهها الباهت وهو يلم الزجاج المكسور في يوم العقيقة، وكلماتها الخالدة قبل أن ترحل: “اللي ما بيبقاش خايف من الموت، ما بيخافش من تهديدك.”



في تلك اللحظة بالذات، شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدي. علمت أن العقاب لم يبدأ بعد، وأن القهر الذي صببناه في قلب تلك المسكينة، سينهمر علينا قطرة قطرة، وأن بيتنا الكبير الذي بنيناه على أنقاض يتيمة، بدأ يتشقق من الداخل، وأن النهاية لن تكون في صالح أي أحد منا.



بيت العيله ٢

رومانى مكرم

تغير كل شيء في البيت بعد رفع قضية الطلاق للضرر. خيم على الأرجاء جو من التوتر والترقب، ولم تعد الضحكات العالية تصدر من صالتنا كما كانت من قبل. كانت “نادية”، الضرة الجديدة، قد فرضت سيطرتها الكاملة؛ لم تعد تكتفي برفض الخدمة، بل أصبحت تتصرف بصفتها سيّدة البيت الجديدة والوحيدة، مستغلة وجود طفلها الذي طالما انتظرته حماتي.


أما أحمد، فقد أصبح يتردد يومياً على المحامين والأقارب، يحاول إيجاد مخرج يحفظ له هيبته أمام الناس. كان كبرياؤه يمنعه من الاستسلام لطلبات شيماء، لكن الخوف من فضيحة الشهادات والقضايا كان يأكل قلبه.


وفي يوم الجلسة الأولى بالمحكمة، كان الموقف مهيباً وشديد القسوة على الجميع. حضرت حماتي مع أحمد لتسانده، وذهبتُ أنا وأخت زوجي بدافع الفضول والخوف مما قد يحدث. هناك، في ساحة المحكمة المزدحمة، رأينا شيماء.


لم تكن شيماء التي عرفناها. كانت ترتدي عباءة سوداء بسيطة ونظيفة، تقف بجوار أخيها “محمود” الذي كان يحيطها بذراعه بحماية واضحة. لم يكن على وجهها أي أثر للخوف أو الانكسار؛ كانت ملامحها هادئة، ونظراتها مستقيمة، وكأنها تخلصت من ثقل سنين الظلم بمجرد خروجها من باب بيت العيلة.


عندما وقعت عين حماتي عليها، حاولت الاندفاع نحوها وهي تصيح ناهرة: “يا بت أنتِ، فاكرة نفسك هتلعبي معانا في المحاكم؟ أنتِ نسيتي أصلك ولا إيه؟”


لكن أخاها محمود وقف حائلاً بينهما بصلابة، وقال بصوت حاسم أسمع الحاضرين: “الزمي حدودك يا حاجة! أختي خلاص بقت في حمايتي، والكلمة هنا للقضاء والقانون. اللي عملتوه فيها أربع سنين هتدفعوا تمنه بالقانون والشرع.”


دخل الجميع إلى قاعة المحكمة. وقف المحامي الخاص بشيماء يستعرض الأدلة وشهد الشاهدين؛ حيث حضرت الست “أم أمل” الجارة القديمة، وأدلت بشهادتها أمام القاضي بثبات، حكية عن الإهانات المستمرة، وعن طرد أكل شيماء في الزبالة علناً، وعن الصوت العالي والتريقة التي كانت تصل لإذني الجيران كل يوم.



حاول محامي أحمد الإنكار والتطاول، واصفاً الادعاءات بأحقد النساء ومشاكل الحموات العادية، لكن القاضي استمع بتمعن ونظر إلى شيماء وسألها مباشرة: “هل تطلبي الطلاق مع التنازل، أم تتمسكي بالضرر واسترداد كافة حقوقك؟”


وقفت شيماء أمام القاضي، وبلعت ريقها، ثم قالت بصوت واضح هز جنبات القاعة: “أنا يا سيادة القاضي ما ظلمتش حد، ولا اعتديت على حد. أنا دخلت البيت ده يتيمة، وأخلصت لهم وخدمتهم بعيني، بس هم استضعفوني عشان ماليش سند. أنا متمسكة بحقي كاملاً، مش عشان الفلوس، لكن عشان يعلموا إن اليتيم له رب يسند ويجيب له حقه لما البشر يظلموه.”


تأجلت النطق بالحكم للجلسة القادمة، لكن الجلسة كانت بمثابة ضربة قاضية لأحمد وحماتي. خرج أحمد من القاعة ووجهه شاحب كالموتى، بينما كانت حماتي تمتم بكلمات غير مفهومة من شدة الغيظ والذهول.


عند عودتنا إلى البيت، كانت تنتظرنا مفاجأة أخرى. كانت نادية قد استغلت غياب الجميع ونزلت إلى شقة شيماء مغلقة الأبواب، وحاولت فتحها بالقوة لضم بعض قطع الأثاث إلى شقتها، بحجة أن شيماء لن تعود وأن ابنها أولى بتلك الأغراض.


عندما علم أحمد بما فعلته نادية، اشتعلت بينهما مشادة كلامية حادة في منتصف الصالة. صرخ أحمد في وجهها: “انتِ اتجننتِ؟ القضايا شغالين علينا وأنتِ رايحة تفتحي الشقة وتعملي لنا مصيبة جديدة؟”


ردت نادية بصوت أعلى وأكثر قسوة: “أنا أعمل اللي أنا عايزاه! أنت فاكرني زي العبيطة اللي كانت هنا؟ لو مش عاجبك طلقني ووريني هتعمل إيه مع ابنك!”


وقفت حماتي تتفرج على الموقف وعيناها ممتلئتان بالندم والكسرة. لقد استبدلوا شيماء التي كانت تحمل الأذى بابتسامة وتطهو أشهى الطعام، بامرأة لا تراعي كبيراً ولا صغيراً وتستغل نقطة ضعفهم الوحيدة.



مرت الأيام ثقيلة، وبدأت الخلافات تأكل بيت العيلة من الداخل. أنا وسلفتي الثانية بدأنا نبتعد عن حماتي وأخت زوجي، خوفاً من أن يصيبنا جزء من الإهانة أو المشاكل التي أصبحت تطوق البيت. البيت الذي كان يجمعه الكبر والظلم، أصبح الآن مقسماً، يكره كل فرد فيه الآخر.


وفي صباح يوم الأحد، وردنا الاتصال المفصلي؛ أعلنت المحكمة حكمها النهائي في قضية شيماء.


وقع الخبر كالصاعقة؛ حكمت المحكمة لشيماء بالطلاق للضرر، مع إلزام أحمد بتأدية كافة حقوقها المالية من مؤخر صداق، ونفقة متعة، وتمكينها من كافة منقولاتها الزوجية المسجلة في القائمة. لم يكن الحكم مجرد قرار قانوني، بل كان شهادة رسمية أُثبت فيها أمام الجميع أن بيت العيلة الكبير كان سجنًا للظلم والقهر، وأن تلك السيدة اليتيمة خرجت منه منتصرة بالقانون والشرع.


في اليوم التالي للحكم، وصلت قوة من الشرطة برفقة محضر المحكمة لتنفيذ حكم استلام المنقولات. تجمهر أهل الحارة الشعبي أمام الباب الكبير، يقفون في صمت يتخلله الهمس والتهكم. كانت الشاحنات الكبيرة تقف بالخارج بانتظار تحميل العفش.


نزلت شيماء مع أخيها محمود وبعض أقاربها. لم تتلفظ بكلمة واحدة مستفزة، ولم تظهر أي علامات الشماتة. كانت ترتدي ثوبها الأسود البسيط، وتقف بوقار تتابع عملية نقل أثاث شقتها. وعلى الجانب الآخر، كانت حماتي تقف على الدرج تتآكل من الداخل، وعيناها تفيضان بالغل العاجز، بينما اختبأ أحمد داخل شقة أمه يرفض الخروج ومواجهة أعين الناس التي كانت تلاحقه بنظرات الخزي.


عندما بدأ العمال بنقل غرفة النوم، خرجت نادية من شقتها وهي تحمل طفلها، وصيحت بصوت مستفز: “خذي عفشك القديم وشبعي بيه! البيت ده جاله الخير الحقيقي وما أظنش القش ده كان مالي عين حد!”



توقفت شيماء عن متابعة العمال، والتفتت إلى نادية بهدوء تام. النظر إلى نادية لم يكن فيه أي غضب، بل كانت نظرة شفقة عميقة، وقالت بنبرة هادئة أسمعت كل الواقفين: “الأثاث بيمشي ويجي غيره يا نادية.. بس الكرامة وراحة البال لو راحوا ما بيرجعوش. افتكري دايماً إن الدايرة بتدور، والظلم اللي بنيتي عليه فرحتك مش هيسيبك تعيشي مرتاحة.”


سكتت نادية ولم تجد كلمة واحدة ترد بها، بينما انسحبت حماتي إلى الداخل بخطوات واهية وكأنها كبرت عشر سنوات في لحظات.


بعد إتمام نقل كل المنقولات، وقفت شيماء عند باب الشارع الكبير، نفس الباب الذي دخلت منه قبل أربع سنوات بقلب خائف وفستان عروس بسيط. رفعت رأسها ونظرت إلى الشباك الذي طالما بكت خلفه وهي ترقب ضحكاتنا. أخذت نفسًا عميقًا مطولاً، وكأنها تطرد آخر ذرة من الهواء المسموم الذي تنفسته في هذا البيت، ثم استدارت ومشت بجوار أخيها دون أن تتلفت وراءها.


لم يعد هناك عدو مشترك نصلب عليه أحقادنا، فبدأنا نأكل بعضنا البعض. نادية، التي شعرت أن الشقة المجاورة أصبحت فارغة، طالبت فورًا بنقل أثاث جديد لها وتوسيع شقتها لتشمل جزءًا من شقة شيماء السابقة. وعندما رفض أحمد بسبب ضائقته المالية الخانقة بعد تسديد حقوق شيماء والمصاريف القضائية، اندلعت بينهما حرب لا ترحم.


صرخت نادية في وجهه وسط الصالة وامتدت يدها بالإشارة المستفزة: “يعني بعت اللي حيلتك عشان تدفع للي راحت؟ وأنا وابنك نقعد في الضيق؟ لو مش قد الجواز والخلفة كنت قعدت جنب أمك!”



تدخلت حماتي لتحمي ابنها وتسترد هيبتها الضائعة، فما كان من نادية إلا أن صرخت في وجه حماتي بأبشع الألفاظ، وطردتها من الشقة وأغلقت الباب في وجهها! حماتي التي كانت تصرخ “يييع كبوه في الزبالة!” على أكل شيماء الصافي، أصبحت اليوم تُطرد من شقة ابنها وتُرمى كلماتها في سلة المهملات على يد الضرة التي فضلتها ورقصت في عقيقتها.



أما أنا وسلفتي الثانية وأخت زوجي، فقد انقلبت حياتنا إلى جحيم. أزواجنا بدأوا ينظرون إلينا بنظرات الشك والريب، وأصبح زوجي يلومني باستمرار: “أنتم اللي وشكم شؤم على البيت! أنتم اللي قهرتم البت لحد ما خربتم البيت وجبتوا لنا الكلام في الشارع!”


تحولت جلسات الشاي والمؤامرات السابقة إلى مشادات يومية بيننا. أخت زوجي أصبحت تعايرنا، وأنا وسلفتي أصبحنا نتبادل الاتهامات عن المتسبب الأول في الطريقة التي كنا نعامل بها شيماء. أصبح البيت كأنه مأهول بالأشباح واللعنات؛ لا طعام له طعم، ولا فرحة تدخل القاعة، والصوت الوحيد الذي يعلو يوميًا هو صوت صراخ نادية وبكاء طفلها وخلافات أحمد المستمرة معها.


وفي أحد الأيام، اضطر أحمد لبيع سيارته الصغيرة واقتراض مبلغ من المال ليسدد بقية الديون التي تراكمت عليه للشرطة والمحامين ومؤخر الصداق. صار يشيخ قبل الأوان، يذهب إلى عمله وجهه ملبد بالهموم، ويعود لبيت لا يجد فيه سوى النكد والطلبات المعجزة من نادية.


وفي مساء يوم جمعة، جليست حماتي في البلكونة وحدها، تنظر إلى الحارة الشعبي. مرّت “أم أمل” الجارة من تحت البلكونة وهي تتحدث مع إحدى الجارات بصوت أسمع الجميع: “سبحان مغير الأحوال.. شيماء ربنا عوضها وفتحت مشروع أكل بيتي من شقة أخوها، والناس طوابير على أكلها ونضافتها، وربنا فتحها في وشها عشان مظلومة. أما الناس اللي ظلموها، شوفوا حالهم بقى عامل إيه!”


سقطت دمعة حارقة من عين حماتي، دمعة ندم متأخرة لا تنفع صاحبها. التفتت إليّ وأنا أضع أمامه كوب الشاي، وقالت بصوت مكسور يرجف: “إحنا عملنا إيه في نفسنا يا بَنتي؟ إحنا خربنا بيتنا بأيدينا عشان نكسر واحدة مالهاش حد.. أهو ربنا جاب لها حقها وخلى الدار تسود في وشنا.”



لم أستطع الرد عليها. نظرت إلى الأرض وشعرت بخزي يأكل أعماقي. كانت تلك هي اللحظة التي أدركنا فيها جميعًا أن السحر قد سحر الساحر، وأن الحساب البشري قد انتهى، ليبدأ الحساب الإلهي الذي سيتكفل بدفع ثمن كل دمعة وكل قهر أذقناه لتلك اليتيمة.


مرت السنون، ولم تكن الأيام كفيلة برأب الصدع أو معالجة الشرخ الذي أحدثه الظلم في بيتنا. تحول “بيت العيلة” الكبير من رمز للهيبة واللمة إلى هيكل متهالك ممتلئ بالضغينة والندم.


نادية، التي ظن الجميع أنها السند والواجهة التي ستبيض الوجه، استمرت في إذاقة حماتي وأحمد ألواناً من الجحيم. لم تكتفِ بالسيطرة على الشقة، بل تحولت حياتهم معها إلى سلسلة لا تنتهي من المشاجرات اليومية والصراخ الذي يسير به القاصي والداني في الحارة. لم تراعِ كبر سن حماتي ولا مرضها، بل كانت تتعمد إهانتها أمام الجيران بالطريقة نفسها التي كنا نضحك بها قديماً على شيماء، وكأن العدالة الإلهية أبت إلا أن تجعل العقاب من جنس العمل وبنفس الأدوات.


أما أحمد، فقد انكسر ظهره تماماً؛ تراكمت عليه الديون، وفقد هيبته بين أقرانه، وأصبح يهرب من بيته ليقضي معظم وقته على القهاوي، فاراً من نكد نادية ومتطلباتها التي لا تنتهي. وفي أحد الأيام، جاءنا الخبر الذي أثلج صدور كل من عرف قصة شيماء؛ لقد تقدم لخطبتها رجل صالح، تاجر ميسور الحال ذو خلق ودين، عرف قصتها ورأى فيها الزوجة الأصيلة والمرباة، وجاء يطلب يدها من أخيها محمود مرفوع الرأس.


في يوم زفاف شيماء الجديد، كانت الحارة كلها تتحدث عن فرحها. خرجت كالأميرات من بيت أخيها، وحولها المحبون والجيران الذين شهدوا ألمها قديماً ويشهدون اليوم تكريم ربنا لها. في ذلك اليوم بالذات، كانت حماتي تجلس خلف الشباك المظلم، نفس الشباك الذي كانت شيماء تطل منه تبكي، تصب الدموع حارقة على ما اقترفته يداها، وتتمتم بصوت خافت مكسور: “سامحينا يا شيماء.. سامحينا يا ابنتي.”



وانفرط عقد البيت الكبير؛ أنا وسلفتي الثانية أصررنا على الاستقلال بشقق خارجية بعيداً عن هذا الجو المسموم بعدما أكلت الخلافات زوجينا، ورحلت أخت زوجي لبيت زوجها وهي تحمل عقدة النفسية والذنب، وبقيت حماتي وحدها مع أحمد ونادية في بيت تسكنه الأشباح والذكريات القاسية.


الحكمة والعبرة من القصة


تتجلى في هذه القصة سنة إلهية ثابتة لا تتخلف: “الظلم ظلمات يوم القيامة، والديّان لا يموت”.


* اليتيم والضعيف له رب يحميه: قد يظن الإنسان في لحظة طغيان أو غرور بالكثرة والعزوة أن استضعاف اليتيم أو سلب حقه أمر سهل لا عقاب عليه، لكن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وتأتي الإجابة ولو بعد حين.


* الجزاء من جنس العمل: كل كلمة قاسية، وكل كسرة خاطر، وكل إساءة وُجهت لشيماء ردها القدر بأضعاف مضاعفة لأصحابها، ليذوقوا من نفس الكأس التي سقوا منها غيرهم.


* الكرامة لا تُشترى: الصبر والسكوت ليس لضعف، بل كان نبلاً من شيماء؛ وعندما جاءت لحظة الاستغناء، أثبتت أن كرامة الإنسان ورحمته بنفسه أهم من البقاء في جحر يتغذى على القهر.


إن جبر الخواطر عبادة، وكسرها ذنب قد لا يُمحى إلا بعقاب عاجل في الدنيا قبل الآخرة.


“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


تعليقات

التنقل السريع
    close