القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت وقفت جنب جوزي بفلوسي ومرتبي كامله 



حكايات نرمين كاملة 


وقفت جنب جوزي بفلوسي ومرتبي، وبعت بيتي وخدت قرض عشان نبني بيت العمر… وبعد ما خلصنا، فاجأني إنه اتجوز عليّا واعتبر كل اللي عملته واجب! أنا اسمي نهاد، عندي38 سنة، وبشتغل مدرسة. متجوزة من محمود، عنده 49 سنة، وعندي منه أربع ولاد وبنت. أكبرهم في تالتة إعدادي، وأصغرهم في رابعة ابتدائي، وبنتي الصغيرة عندها خمس سنين.


محمود كان راجل متعلم، شكله حلو، شغال في وظيفة محترمة ومرتبه حوالي 18ألف جنيه. كان محبوب من أهله وأهلي، وكريم مع الناس، وبيعرف يوصل للي عايزه بسهولة.


بس كان عنده عيب ماكنتش واخدة بالي منه…

مصلحته كانت دايمًا أهم من أي حد.


من حوالي أربع سنين، قال لي:

— نهاد، إيه رأيك نبيع البيت ونشتري أرض كبيرة نبني عليها بيت، ونعمل باقي الأدوار شقق للإيجار؟


الفكرة عجبتني، خصوصًا إنه أكد لي إن ده لمصلحتنا ولمستقبل الولاد.


بعنا البيت، واشترينا الأرض، ومحمود أخد قرض، وأنا كمان أخدت قرض بحوالي 200 ألف جنيه وحطيتهم في البناء.


ومن يومها، مرتبي كله تقريبًا راح على البيت. كنت بدفع مصاريف البناء، والفواتير، ومصاريف الولاد، وحتى بنزين العربية، وهو كان كل ما أشتكي يقول:

— استحملي يا نهاد، أول ما أخلص ديوني هعوضك عن كل جنيه دفعتيه، وإيجار الشقق هيبقى ليكي.


وكنت مصدقاه.


بعد سنتين، البيت خلص، وكان كبير وفخم، وعملنا فيه شقتنا وثلاث شقق للإيجار.


فرحت وقلت لنفسي:

خلاص، تعبي هيتعوض.


لكن اللي حصل كان العكس.


بعد حوالي سنتين ونص، محمود خلص ديونه، واداني مرة 20 ألف جنيه من إيجار شقة.


فرحت وقلت:

— الحمد لله، أخيرًا هنبدأ نعوض اللي دفعناه.


لكن الإيجار اللي بعده صرفه على العربية، واللي بعده اده لأخوه عشان يتجوز، وكل شهر كان الإيجار بيروح في حاجة.


لحد ما في يوم دخلت عليه وقلت:

— محمود، إنت ليه بطلت تديني إيجار الشقق؟


بص لي ببرود وقال:

— وإنتِ ناقصك حاجة؟


— لا، بس إحنا كان بينا اتفاق. أنا مرتبي راح في البيت، وإنت وعدتني إنك هتسددني من الإيجار.


ضحك وقال:

— هو حد غصبك؟ إنتِ اللي دقيتي صدرك وقلتي هساعد.


دموعي نزلت وقلت:

— بس إحنا كنا متفقين!


رد:

— والبيت ده بتاع مين؟ بتاعنا والعيال. طبيعي تساهمي فيه.


ساعتها حسيت إني بتعامل مع شخص غريب.


دخلت إخواتي في الموضوع، وأخويا قال له:

— يا محمود، نهاد دفعت كتير من مرتبها وخدت قرض عشان البيت. أقل حاجة تضمن حقها.


محمود قال:

— طيب أكتب لها شقة باسمها.


أخويا رد:

— أيوه، يبقى حقها مضمون.


محمود اتعصب وقال:

— أكتب لها إيه؟ عشان تورثني وأنا لسه عايش؟!


أخويا اتضايق جدًا وقال:

— إنت عندك عمارة فيها شقق، مش هتخسر حاجة لما تضمن حق مراتك.


محمود قل أدبه عليه، فأخويا قام ومشي من غير حتى ما يتعشى.


بعدها بكام شهر، كنت في المدرسة، وزميلة ليا قالت لي:

— نهاد، أنا سمعت إن جوزك ناوي يتجوز.


حسيت الدنيا دارت بيا.


رجعت البيت وأنا مش مصدقة، ومستنية محمود يرجع.


ولما دخل، كالعادة قال:

— نهاد، هاتي لي كوباية مية.



بصيت له وقلت:

— تعال هنا الأول… إنت صحيح رحت خطبت؟


سكت لحظة، وبعدين قال بكل برود:

— آه.



— يعني إيه آه؟

— خطبت وكتبت كتابي كمان.


اتجمدت مكاني.


— كتبت كتابك؟!


قال:

— أيوه، والفرح الشهر الجاي.


وبكل بساطة لف ضهره ومشي.


انهرت وفضلت أعيط وأصرخ:

— بعد كل اللي عملته معاك؟ بعد ما حوشت مرتبي وخدت قرض عشان البيت ده؟ دي مكافأتي؟


الكاتبه_نرمين_عادل_همام


وقف عند الباب وقال بمنتهى البرود:

— إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟ أنا مش أول راجل يتجوز على مراته، ولا آخر واحد.


وسابني واقفة مكاني…

مكسورة، ومش عارفة أصدق إن الراجل اللي ضحيت عشانه سنين، كان شايف كل ده مجرد واجب عليّا….يتبع


دخل محمود دارته، وقفل الباب وراه بصوت قاسي ساب صداه يتردد في أركان البيت الكبير اللي بنيته بعرقي ودمي. كنت واقفة في نص الصالة، حاسة إن جدران العمارة الفخمة دي بتضغط على صدري وبتخنقتي. كل طوبة فيها افتكرت سعرها، كل دفعة من القرض افتكرت اليوم اللي كنت بخصمها فيه من مصاريف الولاد ومن صحتي ونومي عشان أفي بوعدي معاه.


الولاد كانوا قاعدين في أودتهم مرعوبين من صوت صراخي، خرجت البنت الصغيرة ذات الخمس سنين، وهي بتفرك في عينيها وبتمسك في طرف طرحتي:

— بابا زعلان ليه يا بابا؟ هو أنتم بتتخانقوا تاني؟


نزلت على ركبي، وحضنتها بقوة وأنا بحاول أداري شهقاتي، بس دموعي كانت أسبق مني. إزاي أقول لعيالي إن أبوهُم رد لي الجميل بصفعة؟ إزاي أقول لإبني الكبيرة اللي في تالتة إعدادي إن البيت اللي كنا بنحلم بيه بقى سكن لست تانية هتشاركهُم وأبوهُم مش شايف لي أي قيمة؟


في اليوم ده، ما نمتش. كنت قاعدة على أرضية الأوضة طول الليل، بفكّر في كل جنيه خرج من إيدي، في كل مرة كنت برفض فيها أشتري لنفسي طقم جديد أو أخرج مع زميلاتي في المدرسة عشان أصرف على بنزين عربية محمود أو أدفع فواتير البناء. اكتشفت إن الحب والمشاركة عنده كانوا مجرد غطاء لنرجسية ومصلحة شخصية. هو استخدم ذكائه وهدوءه، وحنيته المزيفة، عشان يوصل للي عايزه… ولما العمارة كملت وبقت باسمه، بقيت أنا ورقة واترمت.


تاني يوم الصبح، دخلت المدرسة وأنا زي الخيال. عيوني كانت متورمة ووشي أصفر. زميلتي اللي نقلت لي الخبر جت قعدت جنبي، ولما شافت حالتي مسكت إيدي وقالت:

— نهاد… أنا أسفة إني قلت لك، بس ما كانش ينفع تسكتي. محمود ناوي يجيبها في الشقة اللي في الدور التاني، الشقة اللي كنتِ بتجهزيها للإيجار!


الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. الشقة اللي دفعت آخر دفعة من المقاول عشان تخلص تشطيباتها، عايزه يأثثها ويدخل فيها واحدة تانية على قفايا!


ساعتها حسيت بحاجة اتكسرت في قلبي، وحاجة تانية لاتولد فيا… القهر لما بيزيد عن حده بيتحول للقوة.


رجعت البيت قبل ما محمود ييجي، وطلبت إخواتي يجوا فوراً. أخويا اللي كان محمود قل أدبه عليه دخل وكان واخد على خاطره مني ومنه، بس لما شاف كسرتي وانهياري، مسكني من إيدي وقال:

— حقك مش هيروح يا نهاد، بس إنتِ السبب، إنتِ اللي سلمتيه نفسك ومرتبك من غير ما تضمنسي ورقة واحدة. الراجل ده مش هيمشي بالمعروف، ده حاسبها صح من أول يوم.


قلت له وأنا بصوت مخنوق بس فيه حسم:

— أنا مش هسيب حق الولاد، ولا هسيب الشقا اللي شقيته. أنا مش هعيش في دور الضحية اللي بتقعد تعيط في الأوضة وبتتفرج على جوزها وهو بيجيب ست تانية في بيتها.


أخويا قال لي:

— القرض باسمك يا نهاد، والمرتب بيلف على بنك وراه بنك. محمود كاتب الأرض والعمارة باسمه هو بس. القانون مش بيعترف بالوعود الشفهية ولا بالحب. لو مشيتِ سكة القضا، هتحتاجي إثباتات انك حطيتي الفلوس دي في البنا.


من اللحظة دي، بدأت أفتش في كل حتة. دورت في درج مكتبي، في الشنط القديمة، في حساباتي البنكية. جمعت كل كشوف الحسابات اللي بتثبت إن مرتبي كان بيتحول، وإني سحبت قرض الـ 200 ألف جنيه بتحويلات مباشرة لحساب المقاول ولشركات مواد البناء اللي محمود كان بيتعامل معاها. جمعت كل وصل وفاتورة مكتوب فيها اسمي أو فيها تحويل من حسابي.


وبعد أسبوع، جه محمود البيت. كان داخل بنفس البرود، كأن مفيش حاجة حصلت، ومعاه شنط فيها هدايا وأقمشة جديدة.


بص لي وقال بنبرة آمرة:

— نهاد، الشقة اللي في الدور التاني محتاجة شوية تنظيف، هاتي حد ينضفها عشان العفش الجديد هيوصل الأسبوع الجاي.


وقفت قدامه بصلابة ما شافهاش فيا طول الـ 15 سنة اللي اتجوزنا فيهم، وقلت له:

— الشقة دي مش هتدخلها رجلك ولا رجل غيرك يا محمود.


ابتسم بسخرية وقال:

— إنتِ اتجننتِ ولا إيه؟ العمارة دي بتاعتي، وأنا أعمل فيها اللي أنا عايزه.


طلعت ملف الأوراق والمستندات وحطيته على الترابيزة بيني وبينه، وقلت بصوت ثابت:

— الأرض باسمك، صح… بس الفلوس اللي اتبنت بيها العمارة دي، نصها قروض ومستحقات من مرتبي، والتسليمات والتاريخ بيثبتوا إن فلوس المقاول خرجت من حسابي أنا مش من حسابك. إنت قدامك حلين لا ثالث لهما: يا إما تكتب لي شقتين من العمارة دي بأسامي ولادك وليا، كضمان لحقي وحقهم… يا إما المحامي بتاعي هيرفع عليك دعوى إثبات حق وإعادة مال، وهعمل لك قضية تمكين، وقضية نفقة وشهر إفلاس على القرض اللي مش عارف تسدده لوحدك.


ملامح محمود اتغيرت فجأة. البرود اللي كان في وش يتلاشى، والضحكة الساخرة اختفت، وبص لي بنظرة أول مرة أشوفها في عينيه… نظرة راجل اكتشف إن السجادة اتسحبت من تحت رجليه، وإن الست اللي كان فاكرها ضعيفة ومستسلمة، قررت أخيراً تشيل قناع الطيبة وترد الصفعة.


اتغيرت ملامح محمود في اللحظة دي، والنظرة اللامبالية اللي كانت على وشه تحولت لغضب مكتوم، وشفايفه بدأت تترعش وهو بيحاول يستوعب إن الست اللي كانت بتتوسل له عشان يضمن حقها بقت واقفة قدامه بأوراق ومستندات وتهديد واضح ومباشر.


قرب مني بخطوات سريعة، ووشه احمرّ من كتر الغيظ، ومسك ملف الأوراق اللي كان على الترابيزة بغشم ورماه في الأرض، وزعق بصوت هز أرجان الصالة:

— إنتِ بتهدديني يا نهاد؟ إنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟! نسيتي إني جوزك وولي أمرك وأبو عيالك؟ جاية بعد العمر ده كله تقفي قصادي بالأوراق والمحامين عشان شوية فلوس دفعتيها لبيتك وعيالك؟



وقفت مكان في ثبات، وما اتهزتش ولا خطوة لورا. بصلت له في عينيه ورفعت راسي وقلت له بنبرة أبرد من بروده اللي كان بيحرقني بيه:

— أه بتهددك يا محمود… ولما أقف قصادك بالأوراق، فده لأنك إنت اللي نسيت الأصول والعهد. إنت اللي عملت حساب لمصلحتك ونفسك ونسيت أبوة عيالك ووقفتي جنبك. والفلوس اللي بتقول عليها “شوية فلوس”، دي كانت دم قلبي ومرتبي وقرضي اللي بياكل من لحمي كل شهر، ومقابل إيه؟ مقابل إنك تروح تتجوز بيهم وتسكنها في الشقة اللي اتبنت بعرقي!


محمود حاول يلمس نقطة ضعفي كالعادة، وبص لي بنظرة إحباط وقال وهو بيحاول يهدي نبرته عشان يضحك عليا تاني:

— يا نهاد استهدي بالله… هو أنا عيل صغير هتدخلي المحاكم بيني وبينك؟ إنتِ عايزة تحرمي العيال من أبوهُم وتفضحين في شغلي وبين أهلي؟ وبعدين الجوازة دي مسألة وقت وحاجة تضمن لي مصلحة جديدة في شغلي، مش معنى كده إني نسيتك ولا نسيت ولادي. تعالي نتفاهم بعقل بعيد عن المحاكم والقضايا.



ضحكت ضحكة مكسورة فيها وجع وسخرية في نفس الوقت، وقلت له:

— تفاهم؟ الكلمة دي كانت ينفع تتقال لما دخلت عليك وطلبت منك تضمن حقي بإرادتك، لما أخويا جه ويكلمك بالمعروف وإنت قلّيت أدبك عليه وطردته! وقت التفاهم عدى يا محمود من اللحظة اللي كتبت فيها كتابك وجيت تقول لي بمنتهى البرود “الفرح الشهر الجاي”.


في اللحظة دي، دخل ابني الكبير اللي في تالتة إعدادي من أوضته، كان سامع الصوت كله ومتابع الموقف من ورا الباب. قرب مننا ووشه شاحب، وبص لأبوه وقال بصوت متلخبط بس فيه زعل حقيقي:

— بابا… هو صحيح إنت هتتجوز على ماما؟ وهي ماما دفعت معاك في البيت ده عشان تجيب حد تاني يعيش فيه؟


محمود اتفاجئ بوجود ابنه، وتحول موقفه لارتباك، محبش يبان بالصورة دي قدام أولاده، فقال له بحدة عشان يداري موقفه:

— ادخل أوضتك يا زياد! دي حاجات كبار ماليش دعوة بيها، ادخل جوة وما تتدخلش في اللي مالكش فيه!


بس زياد ما تحركش، وبص لأبوه وقال:

— لا يا بابا، ده بيتنا وماما بتتعب طول النهار في المدرسة وتيجي تدفع الفواتير والمصاريف. أنا بشوفها كل شهر وهي محتارة تكفي مصاريفنا إزاي، وحضرتك بتاخد الإيجار تصرفه!


الكلام نزل على محمود زي المطرقة. حس إن سلطته وهيبته جوة البيت بدأت تتهز مش بس قدامي، لكن قدام عياله كمان. سابنا ودخل أوضته وقفل الباب على نفسه بعنف.


وطيت على الأرض، وجمعت الأوراق ورتبتها تاني في الملف. زياد جه وساعدني، ومسك إيدي وقال لي:

— متخافيش يا ماما، أنا كبرت وهقف جنبك ومش هسيب حد يظلمك.


كلامه إداني جرعة قوة مش طبيعية. مسحت دموعي وقلت لنفسي إن الضعف خلاص ملوش مكان هنا.


تاني يوم، أخدت إجازة من المدرسة وطلعت على مكتب المحامي اللي كان مسك ملف القضايا بتاعي. قعدت معاه وشرحت له اللي حصل ورسائل التهديد أو الوعود المكتوبة اللي كانت بيني وبين محمود على الواتساب، والتحويلات البنكية. المحامي ابتسم بثقة وقال لي:

— الأوراق دي مع الرسائل اللي بيعترف فيها بإنه هياخد الفلوس يسدد لك منها كفيلة إنها تثبت الشراكة المادية بينكم في بناء العقار، ناهيكِ عن إننا نقدر نمنعه من تصرف الشقة دي بأمر قضائي تحفظي لحد ما القضايا تتحسم.


بعدها بيومين، وصل لمحمود أول إنذار على يد محضر بإثبات الحق والنزاع المالي، بالإضافة لطلب تمكين مشترَك من الشقة اللي ناوي يتجوز فيها.


محمود لما استلم الإنذار، القوة والبرود اللي كان بيتظاهر بيهم اختفوا تماماً. جه البيت في نفس اليوم، بس المرة دي ما كانش بيزعق ولا بيأمر… كان راجل وشه مسودّ من القلق والارتباك، لأن الإنذار ده كان معناه إن موضوع جوازته الجديدة بقى مهدد بالفشل قبل ما يبدأ، خصوصاً إن أهل العروسة الجديدة كانوا فاكرين إنه بيمتلك العقار بالكامل وبدون أي ديون أو نزاعات أسرية.


وقف محمود قدامي في الصالة، والملف في إيده، وقال بصوت خافت ومخنوق:

— إنتِ بجد عملتيها يا نهاد؟ بجد بعتي لي محضر على الشغل وعلى البيت؟ إنتِ عايزة تخربي بيتك وتضيعي مستقبلي؟


رديت عليه بصرامة ووداني مش سامعة غير صوت حقي وحق عيالي:

— إنت اللي خربت البيت من اليوم اللي افتكرت فيه إن تضحيتي واجب، وإن حقي مالوش قيمة. والإنذار ده مجرد بداية يا محمود… الفرح اللي بتقول عليه الشهر الجاي، مش هيتم في الشقة دي، ومافيش ست هتدخل بيت اتبنى بعرقي إلا لما أخد حقي ناشف ومكتوب وموثق في الشهر العقاري!


حكايات نرمين 2


وقفت قصاد محمود وأنا شايفه نظرته المشتتة لأول مرة من سنين. الحيلة اللي كان بيستخدمها معايا دايماً عشان يربكني ويرجعني لوار لم تعد تنفع. هو كان مراهن على إني هخاف على شكلي قدام الناس، أو هتردد عشان خاطر العيال، بس لما شاف المحضر رسمي ورأى تصميمي في عينيا، أدرك إن اللعبة اتغيرت بالكامل.


ضرب محمود جبهته بأيده وهو بيمشي في الصالة يمين وشمال زي الأسير في قفصه، وصرخ بصوت مكتوم:



— إنتِ فاهمة إنتِ بتعملي إيه؟! العروسة وأهلها لو عرفوا إن فيه نزاع قضائي وقضية تمكين على الشقة، الجوازة دي هتتفركش! إنتِ عايزة تصغريني قدام الناس؟ عايزة تقوليلهم إن محمود بعد العمر ده كله مراته رافعة عليه قضايا؟


قعدت على الكرسي بكل هدوء، وحطيت رجل على رجل، وبصيت له بثبات:


— تصغيرك لنفسك كان من اللحظة اللي بعت فيها اللي وقفت جنبك. أهل العروسة من حقهم يعرفوا إن الشقة اللي رايحة تجوز فيها بنتها، نصها محجوز بقروض ودم قلب ست تانية. أنا مش هظلمها، بس مش هسمح لك تظلمني وتستخدم شقايا ثمن لرفاهيتك وجوازتك الجديدة.


محمود أدرك إن لغة التهجم مش هتجيب نتيجة، فقعد قصادي على الكرسي والمكر باين في عينيه، وقال بنبرة هادية ومسمومة:


— ماشي يا نهاد… هسجل لك الشقة اللي في الدور التاني باسمك. بس تخلي المحامي يسحب الإنذار ده فوراً، وتكتبي لي تنازل عن أي مطالبات مالية ثانية، وتسبيني أكمل فرحي من غير مشاكل.


ابتسمت بسخرية وقالت له:


— شقة واحدة؟ شقة واحدة قصاد بيتي اللي بعته، ومرتبي اللي راح أربع سنين، والقرض اللي لسه بأسدد فيه من جيب معملي؟ إنت فاكرني لسه نهاد الهبلة اللي كانت بتصدق كلامك المعسول؟ الشقة اللي في الدور التاني دي حقي في القرض وبس… لكن الباقي حايزينه للعيال. الشقة دي تتكتب باسمي رسمياً في الشهر العقاري وبشكل نهائي مش تنازل صوري، والشقة اللي جنبها تتكتب باسم الولاد الأربعة والبنت، والإيجار بتاع الشقة التالتة يروح لحساب بنكي باسمي يصرف منه على مصاريف دراستهم وفواتيرهم. غير كده، قضايا التمكين والنفقة وإثبات الشركة هتمشي في طريقها، والإنذار اللي وصلك على شغلك هيتبعت منه صورة لأهل عروسك الجديدة الصبح.


محمود قام وقف من طوله وجسمه بيتفاض من الغضب:


— إنتِ اتجننتِ رسمي! إنتِ عايزة تجرديني من حلالي؟ العمارة دي بتاعتي وأنا اللي كتبت عقود الأرض!



— والعمارة دي ما كانتش هتطلع من الأرض لولا الفلوس اللي خرجت من ذمتي المالية! المحامي بتاعي قدم للمحكمة أوراق التحويلات المباشرة من حسابي لحساب شركات الإسمنت والحديد والمقاول، والقاضي مش أعمى عشان ما يشوفش إن تاريخ القرض بتاعي هو نفس تاريخ صب السقف الأول والتاني!


سابني محمود وخرج من البيت وهو بيهبد الباب وراه بغضب عارم، لكن المرة دي ما قعدتش أعيط ولا حسيت بكسرة. حسيت إن كل خطوة باخدها بتمحي جزء من الهوان اللي عشته السنين اللي فاتت.



بعد يومين، تليفوني رن، وكان الرقم لأخو محمود الكبير، اللي كان دايماً بيبان إنه عاقل العيلة. ردت عليه:


— أهلاً يا حمايا.


جه صوته على التليفون مشحون ومتوتر:


— إيه اللي بيحصل ده يا نهاد؟ محمود جالي وماراضيش يروح بيته، حكالي على المحاضر والقضايا اللي ركبتيها عليه. معقول يا بنتي تدخلي المحاكم بينكم؟ ده مهما كان جوزك وأبو عيالك، والراجل لما يعوز يتجوز ده شرع ربنا، ما ينفعش تخربي بيتك عشان بيتجوز!


قلت له بوضوح وقوة:


— يا عمي، شرع ربنا ما قالش إن الراجل ياخد فلوس مراته ويدعس على كرامتها ويبيع بيتها عشان يتجوز بفلوسها على قفاها! شرع ربنا قال إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ومحمود ما عملش لا دي ولا دي. أخوك استغلني وأخد عرقي ودمي، ولما طلبت حقي قل أدبه على أخويا وطرده. أنا مش معترضة على شرع ربنا، أنا بآخد حقي بالقانون اللي هو كمان من شرع ربنا. لو عايز تتدخل كبيوت أصول، هات محمود وتدبسوا في كتابة العقود وتوثيق الشقق، غير كده أنا مش هتنازل عن حرف واحد من اللي طلبته.


الراجل سكت لحظة، وحس إن الموضوع مش مجرد عصاب أخت أو غضب ست زعلانة، لكنها قضية حق ممسوكة بأوراق ومستندات. وقال لي:


— خلاص يا نهاد… هجيبه ونقعد بكرة ونشوف حل يرضي جميع الأطراف من غير محاكم، بس أهدي وما تبعتيش حاجة لأهل العروسة.


قفلت معاه وأنا عارفة إنهم بيحاولوا يكسبوا وقت عشان الفرح قرب، لكن أنا كنت مجهزة مفاجأة ثانية لمحمود ما كانتش على باله أبداً.


في صباح اليوم التالي، وأنا في المدرسة، لقيت المحامي بيتصل بيا ويقول لي خبر غير كل الحسابات:


— أستاذة نهاد… محمود بيحاول يبيع الشقة اللي في الدور التاني لمشتري غريب بعقد ابتدائي مؤرخ بتاريخ قديم عشان يهربها من قضية التمكين والتحفظ!


أول ما سمعت كلام المحامي، الدنيا اسودّت في وشي للوهلة الأولى، بس الفكرة لمسحتش صلابتي… بالعكس، الخسة اللي اتصرف بيها محمود جابت أخرها معايا، وعرفت إن الراجل ده مبقاش باقي على أي خط إحمر ولا على عياله.


رديت على المحامي وصوتي بيرتجف من الغضب بس حاسم:


— بيبيع الشقة بعقد قديم يا متر؟ يعني بيلعب في الأوراق عشان يضيع حقي ويحطني قدام الأمر الواقع؟


المحامي رد بثقة وسرعة:


— متقلقيش يا أستاذة نهاد، اللعبة دي قديمة ومفضوحة. طالما إحنا رفعنا العريضة وقدمنا التحويلات البنكية اللي بتثبت إنك الممول الرئيسي لتشطيب الشقة دي بالذات، يبقى أي عقد ابتدائي غير مسجل بتاريخ لاحق لإنذارنا يعتبر بيع صوري بقصد الإضرار بالحقوق. أنا هتحرك فوراً وهعمل “عريضة منع تصرف” وطلب عاجل للمحكمة بوقف أي تعاملات على العين لحد ما النزاع يتحسم، بالإضافة لإبلاغ المشتري رسمياً بالنصّاب القانوني عشان يتراجع لو كان حسن النية.


طلعت من المدرسة وأنا الدم بيغلي في عروقي. كلمت أخويا وحكيت له على اللعبة الجديدة اللي محمود بيلعبها، أخويا اتجنن وقال لي:


— الراجل ده اتجرّد من الإنسانية! ده مش بس عايز يتجوز، ده عايز يمسح وجودك ويضيع شقاكِ بأساليب التلصص والنصب! أنا جاي لك فوراً.


بعد ساعتين، كنت قاعدة في الصالة مع أخويا، ومحمود دخل البيت ومعاه أخوه الكبير. كان يظن إن خطته بالبيع الصوري مشيت في السليم، وكان داخل بابتسامة نصر خفيفة وشايل في إيده أوراق ومستندات.


قعد أخوه الكبير وقال بنبرة هادية بيحاول يمتص الغضب:


— يا نهاد يا بنتي، إحنا جينا عشان ننهي الموضوع ده ودياً. محمود مستعد يكتب لك تعهد بإن الإيجار يرجع لك بعد الفرح، وبلاش موضوع الشهر العقاري والتوثيق ده دلوقتي عشان الالتزامات اللي عليه.


محمود بص لي بتشفي وقال:


— وبعدين الشقة اللي في الدور التاني خلاص مفيش داعي للتنازع عليها، لأنها مقتنيات شخصية وليها ترتيبات ثانية خالص، يعني الموضوع منتهي.


وقف أخويا بحدة وضرب إيده على الترابيزة:


— منتهي إزاي يا محمود؟ فاكر إننا نايمين على أوانا ومش عارفين الحركة الوهمية اللي عملتها الصبح مع الزبون اللي جايبه يشتري بعقد مؤرخ قديم؟ فاكر إن حركات النصب دي هتدخل على المحامي بتاعنا؟


وش محمود اتخطف، والابتسامة الماكرة اختفت تماماً من وشه. بص لأخوه بارتباك، وأخوه الكبير بص له بصدمة وقال له:


— إيه الكلام ده يا محمود؟ إنت بتبث حركة زي دي من ورايا؟ إنت بتبيع شقة عليها نزاع وبتعمل عقود صورية؟


محمود حاول يبرر وهو بلع ريقه بصعوبة:


— يا جماعة أنا مزنوق في مصاريف الفرح والعروسة طالبة طلبات، وأنا كنت هـ…


قطعت كلامه وقفت قدامه والملف في إيدي، وبصيت له بنظرة استحقار عمره ما شافها مني:


— كنت هتنصب عليا وعلى المشتري وعلى أخوك اللي جاي يضمنك! إنت يا محمود بقيت شخص معندوش أي مبدأ! لكن للأسف لعبتك انكشفت… المحامي بتاعي قدم طلب منع تصرف للمحكمة الصبح، والزبون اللي كنت بتبيع له وصله إنذار رسمي إن الشقة عليها نزاع قضائي وجنائي بسبيل التزوير والصورية، وأظن زمانه بيهرب منك دلوقتي عشان ميتسحلش في المحاكم!


في نفس اللحظة، رن تليفون محمود… بص في الشاشة وكان وشه بيبص للأرض. كان المشتري اللي بيكلمه وبيقدم له كلام شديد اللهجة وبيبلغه بإلغاء البيع وبطالب بفلوسه اللي دفعها عربون!


محمود مسك التليفون وإيده بتمشي ترتعش، وقال بصوت خافت:


— يا أستاذ فاهم الموضوع غلط…


بس الخط اتأفل في وشه.


أخوه الكبير قام وقف وهو غضبان جداً من تصرفات محمود، وبص له وقال له:


— إنت سوّدت وشنا يا محمود! أنا جاي أحل بالمعروف وأصلح بينكم، تقوم تعمل حركات نصب وتصغرنا قدام الخلق؟ أنا أرفع إيدي من الموضوع ده، ونهاد ليها كل الحق في كل جنيه طلبته!


خرج أخوه الكبير من البيت وهو بيتحسبن عليه. بقيت أنا وأخويا ومحمود واقفين في الصالة.


محمود بص لي بعيون مليانة غل وخوف في نفس الوقت، وقال بنبرة صوت مكسورة ومهزومة:


— إنتِ دمرتيني يا نهاد… دمرتي سمعتي وجوازتي ومستقبلي!


رديت عليه بصلابة وراحة بال أول مرة أحس بيها من أربع سنين:


— إنت اللي دمرت نفسك يوم ما افتكرت إن صبري ضعف، وإن حقي مالوش صاحب. الفرح اللي فاضل عليه أيام، والشقة اللي كنت عايز تدنسها بكسرتي، مش هتحلم بيهم إلا لما تتنازل رسمياً وفي الشهر العقاري عن الشقتين للولاد وليا، وتدفع المبلغ المتبقي من القرض! قدامك 24 ساعة يا محمود… يا إما المحضر اللي هيوصل لك بكرة هيتوزع منه نسخة على أهل العروسة وعلى جهة شغلك بمخالفات الجمع بين المبالغ المالية والصورية!


سيبته واقف في نص الصالة مذهول ومش قادر ينطق بكلمة واحدة، ودخلت أوضتي وقفت الباب، وأنا عارفة إن الجولة الأخيرة أصبحت قريبة جداً، وإن النهاية هتتكتب بشروطي أنا فقط.


مرّت الـ 24 ساعة على محمود زي السجين اللي بيستني تنفيذ الحكم. البرود والنرجسية اللي كان بيتعامل بيهم معايا تحولوا لخوف وقلق حقيقيين، بعد ما أدرك إن العرش المزيف اللي بناه بفلوسي وعرقي بينهار حجر ورا حجر قدام عينيه.


في صباح اليوم التالي، وتحديداً الساعة عشرة الصبح، رن تليفوني. كان محمود… صوته كان متغيّر تماماً، خالي من أي نبرة استعلاء أو تكبر، وقال بصوت خافت ومكسور:


— نهاد… أنزلي، أنا مستنيكي تحت العمارة ومعايا المحامي بتاعي. نروح الشهر العقاري ونعمل كل اللي أنتِ عايزاه.


نزلت وأنا لابسة بكامل هيئتي وثقتي، معايا أخويا والمحامي بتاعي والأوراق كلها. محمود كان واقف جنب عربيته، وشاحب، عينيه مطفية، ولأول مرة من 15 سنة جواز أشوفه بالضعف ده. ما نطقش بكلمة واحدة طول السكة.


جوة الشهر العقاري، قعدنا قدام الموظف. محمود وقع على تنازل رسمي ونهائي عن الشقة الأولى في الدور التاني باسمي أنا شخصياً، وتنازل عن الشقة الثانية والأرض المتبقية باسم أولادنا الخمسة بالتساوي، مع تحرير عقد اتفاق ومحضر صلح مالي بيلزمه بسداد باقي أقساط القرض من حسابه الخاص، ودفع إيجار الشقة التالتة في حساب بنكي مغلق يصرف منه على مصاريف الولاد والدراسة.


بعد ما بصم ووقع على كل الأوراق، الموظف ختم العقود بالختم الرسمي وسلّمهالي. مسكت العقود في إيدي، وحسيت إن كل نقطة عرق، كل لحظة قهر، وكل جنيه دفعتيه من صحتي ونومي رجع لي كرامتي وهيبتي قبل ما يرجع لي حقي المادي.


بص لي محمود ونبرة الرجاء في عينيه وقال:


— كده خلاص يا نهاد؟ تنازلتِ عن القضايا وفكّيتِ التحفظ؟ أقدر أكمل ترتيبات الفرح والشقة؟


بصيت له بكل هدوء، وحطيت العقود جوة الشنطة، وقلت له كلمة واحدة هزت كيانه:


— حَق الولاد وحقي المالي أخدته ورسخت ثوابته… لكن حقي كست وكرامتي كزوجة اتداس عليها، وده مفيش عقد في الدنيا يقدر يصلحه.


محمود اتفاجئ وقال بارتباك:


— يعني إيه؟ إحنا مش اتفقنا ننهي الموضوع ونرجع نعيش مع العيال؟


رديت عليه بابتسامة ثقة وراحة بال:


— اتفقنا نضمن الحقوق… بس أنا مش هعيش ثانية واحدة مع راجل استغلني وباعني وفكر إن تضحيتي واجب عليه. الشقة اللي كتبتهالي باسمي، هي اللي هعيش فيها مع ولادي بعيد عنك وعن قسوتك. والمحامي بتاعي هيقدم بكرة طلب “طلاق للضرر” بعد ما أثبتنا كل المخالفات والنزاعات.


محمود اتجمد مكانه، ووشه اتغير لصدمة ذهول:


— طلاق؟! بعد ما كتبت لك الشقق؟!


رد عليه أخويا بكل قوة:


— العقود دي حقها اللي أكلته بالباطل يا محمود، مش ثمن لسسكوتها أو بقائها على ذمتك! الحقوق المادية رجعت، ودلوقتي جه وقت الحقوق الأدبية والإنسانية.


سيبناه واقف في نص الشهر العقاري مش قادر يستوعب إن الست اللي كان شايفها مجرد صندوق تمويل وسند مجاني، هي اللي كتبت نهاية قصته بشروطها، ورفضت تتنازل عن كرامتها مقابل أي مال.


بعد كم أسبوع، الفرح اللي كان محمود بيجهز له مع العروسة الجديدة اتفركش تماماً؛ بعد ما أهلها عرفوا النزاعات والقضايا والصلح اللي تجرد فيه من نص أملاكه، ورفضوا يزوجوا بنتهم لراجل مديون ومشاعره مالهاش أمان. محمود خسر العمارة، وخسر عروسة المستقبل، والأهم إنه خسر هيبته قدام أهله وولاده.


أما أنا… أخدت أولادي في حضني، وقعدت في شقتي المكتوبة باسمي. القرض بقى بيتسدد من حسابه، ومرتبي بقيت أصرفه على نفسي وعلى رفاهية ولادي من غير خجل أو خوف من بكرة.


علمت ولادي إن التضحية مع الشخص المناسب بتكون حُب ورصيد، لكن مع الشخص النرجسي بتكون استغلال ومهانة. ولأول مرة من سنين طويلة، نمت وأنا حاسة بالأمان، وشايفة المستقبل بابتسامة ست رفضت تكون ضحية… واختارت تكون صاحبة القرار.


 


تعليقات

التنقل السريع
    close