القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت وقت ما اتجوزت كامله  رومانى مكرم



سكريبت وقت ما اتجوزت كامله  رومانى مكرم

من وقت ما اتجوزت للمرة التانية، وانا سايبه بنتي عندها 4 سنين، عند ماما وكل مرة بتشوفني بتتعلق بيا أكتر، وبتفضل ماسكة في إيدي وتسألني:«ماما، النهارده هاتخديني معاكي انا عاوزه ابقا معاكى؟»آخر مرة روحت عند ماما فضلت طول القعدة تحكيلي عن أوضتها وإنها عايزة تيجي تنام عندي في البيت. ونفسها فى حضنى حاولت أشرح لها تفضل عند جدتها، بس هي مقتنعتش.


ولما جه وقت ما أمشي، استخبت ورا الباب، ولما لقيتها قلتلها: «هرجعلك بكرة تانى اقعد معاكى».مسكت إيدي وقالتلي:«بس أنا عايزة أكون معاكي دلوقتي، مش بكرة انا بحبك وعاوزه اكون معاكى لقيت جوزى قال خلصى انا مش ناقص نكد ووجع دماغخرجت من البيت وقلبي كان بيتقطع، اتكلمت مع جوزي أكتر من مرة، وقلتله إن البنت محتاجاني، وإن وجودي معاها مش رفاهية، لكنه دايمًا بيقولي: «هي تلزم أبوها، ومالناش علاقة بيها وبعد اسبوع بنتى دخلت فى انهيار وتعبت ودخلت المستشفى

من أول يوم كتبت فيه كتابي على «عصام» بعد طلاقي بسنتين، وأنا كنت حاسة إني بدوس على روحي بجزمة خشنة.


كان شرطه من أولها وناشف زي الحجر: «أنا واخدك إنتي، مش واخد عيلة وراكي.. بنتك عند أمك، تلزم أبوها، أنا مش هربي عيال حد، ولا هدخل بيتي وجع دماغ وعياط». وافقت، غصب عني وافقت تحت زن أهلي، وكلمة «الست مالهاش إلا راجل»، وكلام الناس اللي كان بيسلخ ضهري. سبت «نور» حتة اللحمة الحمرا اللي لسه بتتعلم تنطق الدنيا، عندها أربع سنين، سايباها عند أمي في البيت القديم.. ومن يومها وأنا متقسمة نصين: جسمي في شقة عصام، وروحي مرمية تحت رجلين بنتي على عتبة بيت أمي.


كنت كل جمعة أروح أسرق ساعتين بالعافية، أشم ريحتها، أبوس صوابعها الصغيرة، وكل مرة كانت القفلة أتقل من الجبال على صدري. البنت ماسكة في جلابيتي، تعيط، تفرك بوشها في بطني: «ماما.. النهارده هتاخديني معاكي؟ أنا عايزة أنام في حضنك.. والله مش هشخبط على الحيطة، والله هبقى شاطرة.. خديني معاكي البيت». كنت أبلع ريقي المُر، وأحس بقلبي بينعصر زي الليمونة، وأطبطب عليها بكلام كله كدب ورخيص: «بكرة يا حبيبتي.. المرة الجاية هجيبلك فستان حلو وأخدك».لحد الجمعة المشؤومة..



اليوم ده البنت كانت غير العادة، حاسة بحاجة، كل حركة أعملها تمشي ورايا زي ضلي، تحط إيدها في جيبي، تشرب من نفس الكوباية اللي شربت منها، تفضل تبص في عيني بصه كلها خوف.. ولما حست إني بقوم وبلم حاجتي وشنطتي، فص ملح وداب، جريت دورت عليها في الشقة لقيتها مستخبية ورا باب الأوضة، كاشة في نفسها ودموعها نازلة ساكتة من غير صوت. وطيت عليها، أخدتها في حضني، قولت لها بصوت بيترجف: «يا نور عيني.


. يا حبيبتي متوجعيش قلبي، هرجعلك بكرة تاني والله هقعد معاكي اليوم كله». رفعت عينيها السودة الواسعة، ومسكت في صوابعي بكل قوتها الصغيرة وقالتلي بصوت مخنوق قطع نياط قلبي: «بس أنا مش عايزة بكرة.. أنا عايزة أكون معاكي دلوقتي، أنا بحبك أوي يا ماما، متسيبينيش والنبي، متخليهمش ياخدوكي مني».فجأة، ومن على الباب، زعق عصام بصوته اللي كله قرف وضيق، وهو بيبص في ساعته وبيرزع المفاتيح في الحيطة: «خلصينا بقى إنتي وهي! إيه شغل الرخص والمناحة اللي عايشين فيه ده؟ يلا يا ولية قدامي، مش ناقص نكد ووجع دماغ، هو كل أسبوع القرف ده ملوش نهاية؟


ولا إنتي مش لاقية حد يلمك؟». خرجت وراه ورجليا مش شايلاني، سامعة صراخ نور ورا الباب وهي بتخبط عليه بكلتا إيديها وبتقول: «مامااااااا.. ماماااااا»، أمي بتحاول تمسكها، وأنا بتجر ورا الراجل زي الميتة اللي ماشية لجنازتها. طول السكة وطول الأسبوع اللي بعده، البيت كان عبارة عن جحيم.. كلمته مرة واتنين وعشرة، عيطت تحت رجله، بوست إيده: «يا عصام عشان خاطر ربنا، دي عيلة أربع سنين مش فاهمة حاجة، دي بتموت في بعادي، هاتها هنا في أوضة صغيرة وأنا أخدمك برموش عيني، والله ما هتحس بوجودها، دي حتة مني مش قادرة أتنفس وهي بعيدة عني!


».رد عليا بالبصقة والكلام اللي يهد الحيل: «هي تلزم أبوها، ومالناش دعوة بيها! إنتي متجوزاني أنا، والبيت ده بتاعي على سنجة عشرة، مش ملجأ ولا حضانة.. هاتيلي سيرة البنت دي تاني وهتلاقي نفسك في الشارع جنبها».عدى الأسبوع تقيل، أسود، زي الزفت.. لحد ما جه الفجر بتاع يوم التلات.. تليفوني رن رنة طويلة تخض. قمت مفزوعة من السرير، خطفت التليفون قبل ما عصام يصحى، لقيت صوت أمي بينهج وبيصرخ من ورا الدموع: «إلحقي يا بنتي.. إلحقي نور بنتك بتموت مني!



البنت قاطعة النفس من الصبح، وجسمها ولع نار، وبتتشنج وبتقول اسمك ومش دارية بالدنيا، احنا جرينا بيها على مستشفى الدمرداش العام، إلحقي البنت هتروح مننا يا بنتي!».الدنيا لفت بيا، حيطة الشقة مالت عليا، صرخت صرخة مكتومة ورميت التليفون وجريت على الدولاب أشد أي عباية وأي طرحة، إيدي كانت بتترعش ومش عارفة ألبس الجزيرة من الخوف، قلبي كان بيدق في وداني زي الطبول.


فجأة النور اتفتح في الصالة، وطلع عصام من الأوضة، وشه مكشر ومليان غضب وقرف:— «إيه الجنان ده على الصبح؟ في إيه يا ست هانم؟ بتنطي زي الملبوسة كدة ليه؟ هو البيت ده ملوش صاحب ولا إيه؟».رديت عليه بدموع بتغرق وشي وأنا بجري على الباب: «بنتي بتموت يا عصام! نور في المستشفى وبتتشنج، لازم أروح، لازم ألحقها، أرجوك سيبني أعدي!


».وقف قدام باب الشقة وسد السكة بجسمه الضخم، حط إيده في وسطه ونفض وشه ببرود يفرس: «مفيش خروج دلوقتي.. الساعة لسه خمسة الفجر، مفيش واحدة متجوزة تخرج في المواعيد دي لوحدها زي الهبلة».— «حرام عليك! بقولك البنت بتموت! دي حتة من كبدي، إنت إيه مبتفهمش؟ معندكش رحمة؟».زعق في وشي وزقني على الحيطة: «صوتك ميعلاش عليا! قولتلك استني لما ألبس وننزل سوا عشان محدش يشوف مراتي بتجري في الشوارع في الفجرية كأنها مقطوعة من شجرة».


اتحايلت، واترجيت، وهو بيلبس على مهله، يغسل وشه، ويسرح شعره، ويدور على مفاتيحه ببرود دمه يحرق الدم، كل ثانية بتعدي كانت بتسلخ في لحمي وأنا بتخيل نور وهي مرمية وبتنادي عليا وبتغمض عينيها. نزلنا، والشارع كان لسه مضلم، والمسافة للمستشفى حسيت إنها سنين عذاب. وصلنا المستشفى العام، الريحة من على الباب تخنق، ريحة أدوية وبنج ودبان وعياط ناس مرمية في الممرات. دخلت أجري، مكنتش شايفة قدامي، كعبي اتكسر كملت حافية، دخلت الاستقبال أدور زي المجنونة، لقيت أمي قاعدة على الأرض في الطرقة، ساندة ضهرها على الحيطة الصفرا المقشرة وبتلطم على خدودها وشالها واقع على كتافها.


جريت عليها واترميت على ركبي: «أمي! بنتي فين؟ نور فين يا أمي؟ انطقي قوليلي إنها عايشة!».أمي رفعت وشها اللي كان كله مية وعياط وشفايفها زرقا، شديتني من كتفي وقالتلي بصوت متقطع: «جوة يا بنتي.. جوة في الإنعاش.. البنت دخلت في غيبوبة سكر وانهيار عصبي من كتر العياط، كانت قالباها صريخ ومش راضية تاكل ولا تشرب من يوم ما مشيتي، وحرارتها ضربت في الأربعين وبقت تتشنج في إيدي.. الدكاترة حاطينلها خراطيم في كل حتة ومش راضيين يطمنوني، بنتك بتموت يا حسرة قلبي عليها!».



الدنيا اسودت في عيني، وقفت على حيلي بالعافية وجريت على باب الإنعاش، حاولت أزق الباب، طلعت ممرضة شخطت فيا: «ارجعي ورا يا ست إنتي! ممنوع الدخول، الدكاترة شغالين جوة!».قعدت على الأرض أترجى فيها: «أبوس إيدك بس أشوفها، دي بنتي والله ما هعمل صوت، دي أربع سنين بس، والنبي قوليلي عايشة ولا ماتت؟».الممرضة بصتلي بشفقة وقالتلي: «الحالة صعبة، السكر نزل في الأرض ودخلت في غيبوبة غير التشنجات اللي أثرت على التنفس، ادعيلها، الساعات دي فارقة في عمرها».وقفت قدام لوح الإزاز الصغير اللي في باب الرعاية، ورفعت رجلي على طراطيف صوابعي وبصيت.. المنظر هد كل حتة سليمة فيا؛


بنتي، نور عيني، حتة السكر اللي كانت بتضحك، مرمية على السرير الحديد الصغير، وشها شاحب زي الكفن، شفايفها بيضا ومتشرحة، أجهزة بتزمر حواليها، وخراطيم محشورة في مناخيرها وبقها، والكانيلولات مغروزة في عروق إيديها الصغيرة والرفيعة، وجسمها الصغير بينتفض كل شوية مع نفس صناعي بيخش بالعافية. لطمت على صدري، دموعي غسلت الإزاز وأنا بحط كف إيدي قصاد جسمها، وبهمس بصوت محروق: «سامحيني يا نور.. سامحي أمك يا ضنايا.. أنا اللي رميتك، أنا اللي فضلت كلام الناس وخفت من بيتي الجديد وسبتك تموتي يا حتة مني..


قومي يا نور، قومي وأنا والله ما هسيبك، والله هقعد تحت رجلك خدامة، متسيبيش أمك يا بنتي، أنا مليش غيرك في الدنيا».كل ده وعصام واقف بعيد، حاطط إيده في جيوب بنطلونه، بيتأفف، وبيبص في الموبايل، وعينه رايحة جاية في السقف كأنه في مشوار تقيل ومستني الدور عشان يخلص منه. بعد ساعتين مروا كأنهم قرون، خرج الدكتور، لابس البالطو بتاعه وشكله مجهد جداً، جريت عليه أنا وأمي، مسكت في البالطو بتاعه زي الغريق:— «طمني يا دكتور، والنبي قولي إنها فاقت! قولي إن بنتي هتعيش!».


الدكتور قلع النضارة ومسح وشه وقال بتنهيدة تقيلة: «الحمد لله، قدرنا نسيطر على التشنجات، والحرارة بدأت تنزل شوية، بس البنت لسه في حالة غيبوبة غير مستقرة.. التحاليل بتقول إن البنت جالها انهيار عصبي وصدمة نفسية شديدة جداً، ده أثر على مناعتها وعمل خلل مفاجئ في جسمها خلى السكر ينهار ويدخلها في الحالة دي.. الطفلة في سن خطر، ونفسيتها اتكسرت بشكل فظيع، لما تفوق محتاجة أمها تكون قاعدة في وشها، محتاجة تحس بالأمان جنبها ليل ونهار، لو بعدتي عنها تاني وهي بتفوق، ممكن ترجع التشنجات وساعتها المخ هيتأثر ومحدش هيقدر يلحقها.



. وجودك جنبها هنا مسألة حياة أو موت، مفهوم؟».كلام الدكتور نزل على قلبي زي المية الباردة وقطع شراييني في نفس الوقت، سجدت على البلاط بتاع المستشفى من الفرحة إنها عايشة، وقولت بصوت عالي: «الحمد لله يارب.. هفضل معاكي يا نور، مش هسيبك دقيقة، هنام على البلاط ده جمبك لحد ما تفتحي عينك وتضحكيلي تاني».قومت مسحت دموعي، ولفيت عشان أدخل الأوضة جنبها وأقول للممرضات يدخلوني.. لكن فجأة، لقيت إيد خشنة زي الكماشة بتمسك دراعي بقوة وجعّت عضمي، ولفتني ليها بعنف. كان عصام. عينه كانت حمرا، ملامحه ناشفة ومفيهاش ذرة دم، وبقّه مزموم بغيظ وغضب بيغلي.


شدني من دراعي وزقني ناحية السلم بعيد عن أوضة الرعاية وعن أمي، وقفت أقاومه ودموعي بتنزل:— «سيبني يا عصام! سيب دراعي الدكتور قال لازم أكون جمبها! البنت هتموت لو مفتحتش لقتني في وشها، دي مسألة حياة وموت!».ضغط على دراعي أكتر لحد ما حسيت إن عضمي هيتكسر في إيده، وقرب وشه مني، وبص في عيني بنظرة كلها جبروت وقسوة، وطلع صوته واطي بس كان بيهز المستشفى كلها زي الرعد، وقالها ببرود موت:#الكاتب_رومانى_مكرم_«دكتور مين وحياة وموت مين يا روح أمك؟ إنتي سامعة نفسك بتقولي إيه؟ اسمعي الكلمتين دول وحطيهم حلقة في ودنك عشان أنا فاض بيا الكيل.


. إنتي مش هتقعدي معاها في المستشفى دي دقيقة واحدة، هتروحي بيتك دلوقتي حالا ورجلك فوق رقبتك! هي ليها أبوها ييجي يقف جنبها ويشيل طينتها ويدفع مصاريفها، إحنا مش فاضيين للمرمطة دي، ولا البيت هيتساب عشان عيلة مفطومة.. يلا قدامي على البيت حالا، ولو رجلك خطت خطوة تانية ناحية الباب ده، متلوميش غير نفسك!». الجزء الثانيالكلمة نزلت على دماغي زي مية النار، وحسيت إن وداني بتصفر وصوت الأجهزة اللي في الرعاية اتلاشى ورا صوت فحيحه. بصيت في عينيه، مكنتش شايفة بني آدم، كنت شايفة سجان معندوش قلب، راجل شايف روحي وروح بنتي مجرد تفصيلة تافهة بتعطل راحته ومزاجه.


حاولت أشد دراعي من قبضته اللي كانت بتطحن عظمي، الوجع في جسمي مكنش يجي ذرة جمب الوجع اللي شق صدري نصين. همست بصوت بيترجف من القهر والذهول:— «إنت بتقول إيه؟ بنتي بين الحياة والموت جوة! الدكتور لسه قايل لو فاقت وملقتنيش هتموت.. إنت قلبك ده معمول من إيه؟ حجر؟ حديد؟ ده كلب الشارع بيحن على ضناه!



».زاد ضغطته على دراعي لدرجة خلتني أصرخ مكتومة، وقرب وشه أكتر وعروق رقبته ناطحة بغل:— «قولتلك رجلك على البيت! صوتك ميعلاش هنا عشان مفضحكيش وأرميكي رمية الكلاب! أبوها ييجي يغور يقعد جنبها، إنتي على ذمة راجل، وكرامتي وراحتي قبل أي حد في الدنيا.. يا تمشي قدامي بهدوء دلوقتي حالا، يا تخرجي من الباب ده بورقتك، ومفيش رجوع، واختاري بقى بيني وبين المرمطة اللي هتعيشيها طول عمرك!


».في اللحظة دي، شريط حياتي كله عدى قدام عيني: خوفي من كلام الناس، رعبي من لقب “المطلقة للمرة التانية”، زن أهلي، نظرات الشفقة والشماتة في عيون الجيران، التنازلات اللي قدمتها حتة حتة لحد ما رميت بنتي عشان أرضي راجل مبيشوفش غير نفسه. فجأة، كل الخوف ده داب، اتبخر، واتحول لنار قادت في عروقي.. بصيت على لوح الإزاز اللي وراه نور، الطفلة اللي ملهاش ذنب غير إنها وثقت في أم خذلتها، وافتكرت صوابعها الصغيرة وهي متبتة في هدومي وبتقولي: «أنا بحبك أوي يا ماما، متسيبينيش».


رفعت عيني في عينه، وشديت دراعي بكل عزمي وبقوة معرفش خرجت منين، لحد ما صوابعه فلتت من على لحمي، ورجعت خطوة لورا ووقفت في نص الطرقة بطولي، كأني أول مرة أقف على رجلي من سنين. مسحت دموعي بطرحتي المبهدلة، وبصيتله بنظرة خليته هو نفسه يبرق ويرجع خطوة لورا من المفاجأة. قولتله بصوت عالي، ثابت، رج الطرقة وخلى عمال النظافة وأهالي المرضى يبصولنا:— «ورقتي توصلني عند أمي يا عصام.


. والشارع اللي هترميني فيه أشرف وأرحم ألف مرة من بيتك اللي مفهوش ريحة الرحمة.. بنتي مش مرمطة، بنتي هي حياتي اللي أنا فرطت فيها بغبائي، ولو كان التمن إني أعيش خدامة تحت رجلين الناس عشان أربيها، أنا قابلة.. لكن مش هبيع ضنايا عشان أنام في شقة مفروشة على سنجة عشرة مع راجل ميسواش في عيني مليم!


».وشه جاب ألوان، الغضب عماه، ورفع إيده لفوق عشان ينزل بكفه على وشي ويزعق: «يا بت الـ…»، لكن قبل ما إيده تلمسني، كانت إيد تانية قوية مسكت معصمه في الهوا ولفت دراعه لورا بحركة سريعة. كانت الممرضة الكبيرة بتاعة القسم ومعاها اتنين من أمن المستشفى اللي جريوا على الصوت لما حسوا بالخناقة. زعق رئيس الأمن بصوت خشن:— «إنت فاكر نفسك فين يا جدع إنت؟ دي مستشفى حكومة مش زريبة أبوك! نزل إيدك بدل ما نطلبلك النجدة ونبيتك في الحجز بتهمة التعدي والشغب!



».عصام اتلوى من الإحراج والغيظ، وعينه كانت بتطلع شرار وهو بيبصلي وبيحاول يداري كسرته قدام الناس، نتر إيده من الأمن وبصلي بقرف وهو بيعدل جاكتته:— «بقى كدة؟ بتبيعي راجلك عشان حتة عيلة؟ ماشي يا نجوى.. اعتبري نفسك طالق بالتلاتة، وورقتك هتوصلك على جزمة أمك، ومش هتشوفي مني مليم أحمر، وهتلفي على البيوت تشحتي أنتي وبنتك دي!».لف ضهره ورزع كعبه في الأرض ومشي وهو بيسب ويلعن، وخطواته بتبعد في الممر لحد ما اختفى ورا باب الخروج. وقفت مكاني، النفس كان داخل خارج من صدري زي النار، بس لأول مرة من سنين أحس إن الهوا نظيف.


. مكنش فيه خوف، مكنش فيه ذل، كان في وجع حقيقي بس معاه راحة غريبة، كأن جبل كان كاتم على نفسي وزاح من فوقي. لفيت وشي لقيت أمي بتبصلي بذهول ودموعها بتنزل، مسكت إيدي وقالتلي بصوت مخنوق: «عملتي إيه يا بنتي؟ خربتي بيتك تاني؟ الناس هتقول عليكي إيه؟».نزلت بوست إيدها المرتعشة وقولت بحسم أول مرة أمي تسمعه مني:— «الناس مكنتش هتدخل القبر معايا يا أمي، والناس مش هي اللي كانت هتدفن بنتي لو ماتت.


. بنتي أهم من الدنيا كلها، ومن اللحظة دي مفيش راجل هيدخل حياتي ولا هيتحكم في ضنايا، بنتي هتعيش في حضني، ولقمة بملح وإحنا سوا بالدنيا وما فيها».في اللحظة دي بالظبط، اتفتح باب الرعاية المركزة فجأة، وخرجت ممرضة تانية بتجري وبتنادي بلهفة:— «مين والدة الطفلة نور؟ فينك يا مدام؟».قلبي وقع في رجلي، جريت عليها وقولت بفزع:— «أنا! أنا أمها.


. خير يا رب، في إيه؟ بنتي جرالها حاجة؟!».الممرضة ابتسمت بتعب وطبطبت على كتفي:— «اهدي يا ستي، البنت بدأت تفوق من الغيبوبة.. شفايفها بتتحرك وبتنده باسمك، والحرارة نزلت، الدكتور بيقول تدخلي لها فوراً وبلاش عياط قدامها عشان متتخضش، البنت محتاجة أمان».الدنيا لفت بيا من الفرحة، حسيت إن ربنا بيطبطب على قلبي وبيقولي إن اختياري كان صح. دخلت جري، عقمت إيدي ولبست البالطو الأزرق على الباب، ورجليا كانت بتسابق الريح لحد ما وصلت لسريرها الصغير. نور كانت هناك.. وشها لسه شاحب وعينيها نص مقفولة، بس رموشها بتتحرك بضعف، والخراطيم بدأت الممرضة تشيل منها شوية.



قربت منها براحة، مسكت إيدها الصغيرة اللي كانت متوصلة بالمحلول، وبوستها مليون بوسة، وحطيت خدي على كفها الدافي ودموعي بتنزل ساكتة:— «نور.. نور عيني، أنا هنا يا قلبي.. ماما جنبك ومش هتمشي تاني أبداً».البنت فتحت عينيها السودة الواسعة ببطء شديد، النور كان باهت في عينيها في الأول، بس أول ما ميزت وشي، ملامحها اتغيرت، صوابعها الصغيرة قفلت على صباعي بكل الضعف اللي باقي فيها، وطلعت همسة مبحوحة متقطعة زي نسيم ضعيف:— «ماما.


. إنتي.. إنتي جيتي؟ مش هتروحي عند الراجل الوحش تاني؟».ضميتها لحضني بحذر عشان الأجهزة، ودفنت وشي في رقبتها وأنا بشم ريحتها اللي ردت فيا الروح، وقولتلها بصوت طالع من قاع قلبي:— «مش هروح في حتة يا نور.. ماما خلاص رجعتلك، ومفيش حد في الدنيا هيفرقنا تاني أبداً.. أنا هنا في حضنك لحد ما تكبري وتشوفي ولادك».عدت الساعات تقيلة في المستشفى، واليومين اللي بعدهم مسبتش إيدها لحظة، كنت بنام على كرسي حديد مكسور، بس كنت بنام وأنا مرتاحة، مبقتش أسرق الساعات ولا بخاف من رنة تليفون تقولي اتأخرتي ليه.


نور بدأت تسترد عافيتها واحدة واحدة، وشها رجع فيه الدم، وبدأت تضحك ضحكتها الرقيقة اللي بتنور الدنيا لما أأكلها الزبادي أو أحكيلها حواديت، وكانت كل شوية تتأكد إني لسه ماسكة إيدها وتقولي: «إحنا هنروح بيتنا عند تيتا سوا؟» وأرد عليها بيقين مكنش عندي زمان: «سوا يا قلب ماما.. ومحدش هيقفل الباب في وشك تاني».في اليوم التالت، دخل الدكتور المتابع عشان يكتبلها إذن خروج، بص على التحاليل وابتسم:— «معجزة الطفلة دي كانت وجودك، نفسيتها لما استقرت سكرها اتظبط وأجهزتها رجعت تشتغل طبيعي.. خدي بنتك وروحي يا ست الكل، بس اوعي تزعليها تاني، البنت دي روحها معلقة في رقبتك».


شكرته وأنا حاسة إن ربنا وهبني بنتي من جديد. جهزت حاجتها، ولبستها فستانها الصغير، وخرجت شايلاها على دراعي وأمي ماشية جنبي ساندة عليا وفخورة بيا لأول مرة من سنين. وصلنا بيت أمي القديم، الحيطان اللي كنت شيفاها زمان سجن وضيقة، شوفتها النهاردة أوسع من قصر، عشان فيها أماني وأمان ضنايا. دخلت الأوضة، حطيت نور على السرير، ونامت وهي مبتسمة وضامة عروستها القديمة في حضنها.



. قعدت على طرف السرير، وبصيت لنفسي في المراية المكسورة؛ ست تعبانة، وشها مهدود، مطلقة مرتين، معندهاش قرش في جيبها، بس عينيها فيها لمعة كبرياء وشرف مكنتش موجودة زمان. قررت في اللحظة دي إني مش هستنى رحمة من حد، ولا هستنى نفقة هتذلني بيها المحاكم، هنزل من الفجر، هدور على شغل، هبيع خضار، هشتغل في مصنع، هنضف بيوت، المهم أربي بنتي بلقمة حلال وبكرامة متهدرش تاني.


لكن الهدوء ده مكنش مقدر له يطول كتير..بعد أسبوعين بالظبط من اليوم ده، وأنا راجعة من أول يوم شغل ليا في مشغل خياطة صغير في أول الشارع، وشايلة في إيدي كيس فاكهة صغير جايباه لنور من أول يومية ليا، وفرحتي مش سايعاني.. وصلت عتبة البيت، لقيت حارة مقلوبة، وناس متجمعة، وعربية سودة فخمة واقفة تحت الباب مش غريبة عليا، وعصام واقف ساند عليها ولابس نضارته وشكله شايط.. بس الصدمة الأكبر مكنتش عصام!


الصدمة كانت الراجل التاني اللي واقف جنبه، راجل مكنتش شوفته ولا سمعت صوته من أربع سنين.. راجل رمى بنته من يوم ما اتولدت ومسألش عنها بجنيه..«طارق».. طليقي الأول، وأبو نور!عصام شاور عليا أول ما شافني، وابتسم ابتسامة صفرا كلها غل وشماتة، وقال بصوت عالي سمّع الحارة كلها:— «أهي وصلت الهانم أهي.. ادخل خد بنتك يا طارق يا أخويا، ما دام أمها دايرة تشتغل في المشاغل وسايباها، القانون معاك والحضانة بقت من حقك رسمي بعد ما اتطلقت مني وطلعت مش أمينة على البنت!


وريني بقى هتربيها إزاي يا نجوى بعد ما ورقة الحضانة دي تسحبها منك النهاردة!».طارق طلع من جيبه إعلان من المحكمة ورماه في وشي بنظرة تحدي، وأنا الكيس وقع من إيدي والفاكهة اتدحرجت على الأرض، وسمعت صوت صريخ نور من بلكونة أمي وهي بتنادي عليا ومرعوبة من صوت الدوشة في الشارع.


وقت ما اتجوزت ٢

رومانى مكرم


الكلمات نزلت عليا زي صاعقة نزلتهالسماء على دماغي، حسيت إن رجليا مبقتش قادرة تشيلني، والكيس اللي فيه الفاكهة اتقطع واتدحرجت التفاحات على التراب تحت رجلين الناس اللي متجمعة. بصيت لـ «عصام» وهو واقف حاطط إيده في جيوبه، بيبصلي بابتسامة قذرة مليانة غل وشماتة، كأنه بيشفي غليله مني ومن تمركدي عليه يوم المستشفى. وبصيت لـ «طارق».. أبو نور.. الراجل اللي مكنش ليه طاري ولا حس من يوم ما اتطلقنا وسبته وهي لسه رضيعة، وجاي دلوقتي يمد إيده وياخدها مني في أكتر لحظة أنا متمسكة بيها فيها ومستعدة أمو.


ت عشانها. طرق في وشي الورقة اللي كان ماسكها، وابتسم ببرود سمّع الكل:— «إيه يا نجوى؟ ولا كأني أبوها ولا إيه؟ البنت بنتي، وورقة طلاقك التانية دي سقطت حقك في الحضانة، وأنا متجوز وعندي شقة وعيلتي تتربى في وسطهم، مش مترمية في بيت أمك وفي حضانة مشاغل ووقت ما تحبوا تفتكروها تفتكروها! المحكمة معايا، والشرطة في ضهري، ولو منعتيني هاخدها بالقانون وغصب عنك!».


صوت صريخ «نور» جه من فوق من بلكونة أمي وهي بتصرخ بصوت مقطوع:— «ماماااااا!.. ماما متخليهمش ياخدوني! ماما تعالييلي!».


الكلمة دخلت في قلبي زي السكينة. مبقتش شايفة قدامي، الكرامة والخوف والضعف كله اتهد في لحظة. جريت على طارق وشدّيت الورقة من إيده قطعتها حتات وراميتها في وشّه وأنا بصرخ بصوت عكّس كل وجع الدنيا:— «بنتي مش قطعة قماش عشان تيجوا تتخانقوا عليها! إنت كنت فين يا هوان طوال الأربع سنين اللي فاتوا؟ كنت فين وهي بتستحضر وبتـ،،مــ،ـو_ت في المستشفى؟ كنت فين وهي بتنام وهي دافنة وشها في هدومي من كتر الخوف والوجع؟ دلوقتي افتكرت إنك أبوها عشان تكسرني بيها؟! والله ما هياخدوها مني غير على جـ،،ثـــ،ـتـــ،ـي!».


الناس في الحارة بدأت تتلم وتتكلم، وأمي خرجت تجري من الباب مَلطومة على وشها وبتصرخ في طارق:— «حرام عليك يا ابني! سبها في حالها، البنت لسه خارجة من المو. ت، هتم. وتوها مرتين؟! دي حتة عيلة مالهاش ذنب!».

عصام ضحك بصوت عالي وقال لطارق بستهزاء:— «خد بالك منها دي لسانها طويل وعايزة تربية، وأنا ريحت دماغي منها.. خلص منها وخد بنتك وخليني أنضف ريحة الشقة منها!».



ركب عصام عربيته ومشي بكل برود ودوس على قلب أم مكسورة. وطارق قرّب مني وشدني من دراعي بقسوة وهو بيقول:— «قدامي على القسم.. معاية حكم مؤقت بضمها لحد ما الجلسة تتم، يالا عشان متتفضحيش أكتر من كده!».

أمي مسكت في دراعي التاني وبتعيط، ونور نزلت تجري على السلالم وهي حافية وبتزعق وتترمي في حضني وتخبي وشها في بطني وهي بتصرخ:— «ماما مش هسيبك! مش هروح مع الراجل ده! أنا عايزة ماما!».


نزلت على ركبي قدام نور، لميت وشها الصغير بين إيديا اللي كانت بتترعش، وبوّست عينيها المليانة دموع، وقلبي بينزف، بس وسط كل الدمار ده، حسيت بنار بتولع في صدري.. مفيش قوة على وجه الأرض هتقدر تبعد بنتي عني تاني.. حتى لو ههرب بيها لآخر الدنيا!

الجزء الرابع


صوت صريخ نور وهي متشعلقة في رقبتي كان بيخترق عضم جمجمتي، أظافرها الصغيرة غرزت في لحم قفايا كأنها قطة مذعورة بتتشبث بالحياة، ودموعها السخنة كانت بتنززل على صدري تكويه كوي. طارق واقف فوق راسي، عينه حمرا زي الجمر، وشايف في انهيارنا انتصار شخصي لنرجسيته المريضة، مد إيده الضخمة الخشنة وقبض على كتف نور الصغير عشان ينتزعها من حضني بالقوة:— «سيبي البت يا بت انتي! هو لعب عيال؟ ده أمر تنفيذ من النيابة يا جاهلة، هتدخلي الحبس بتهمة خـ،،طـــ،ـف قاصر ومقاومة السلطات لو ما فكيتي إيدك دي حالا!».


البنت صرخت صرخة شقت الحارة كلها: «لااااااا! يا ماما متخليهوش يمسكني! هيمو. تني يا ماماااا!».


في اللحظة دي بالظبط، اتولدت جوايا وحشية أنثى بتدافع عن وليدها، طاقة عمياء معرفش طلعت منين خلتني أزق طارق بكل قوتي في صدره، الراجل اختل توازنه ورجع خطوتين لورا وخبط في كبوت عربيته، صرخت فيه بصوت مجروح طالع من حشايا:— «إيدك دي لو اتمست على شعرية واحدة من بنتي قسماً برب العزة أكون قاطعاها ومخلصاها منك! البنت لسه خارجة من الإنعاش، سكرها بينهار من الخضة، لو جرالها حاجة دمها هيكون في رقبتك ورقبة الكلب التاني اللي مسلطك عليا!».


أمي كانت واقفة بتصرخ وتلطم وشها بإيديها الاتنين، وشالها وقع على الأرض في التراب: «يا ناس يا هوووو! الحقونا يا ولاد الحلال! الراجل عايز يقتل بنتنا! أربع سنين ميعرفش عنها لقمة ولا شربة ودلوقتي جاي يقلب عيشتنا! يا أهل النخوة فينكوا؟!».

الشارع كان بدأ يغلي، الناس في الحواري الشعبية مهما سكتت على كلام الطلاق والجواز، بيقفوا زي الحيطة لما يشوفوا طفلة بتتسلخ من حضن أمها عيني عينك.



الحاج عبد الرازق، صاحب محل البقالة اللي في وش بيتنا، راجل عجوز بضهر محني بس بكلمة تهز الحارة، خرج بعصايته الخيزران وزعق بصوت جهوري:— «جرى إيه يا جدع منك له؟ الحارة دي ليها حرمة ورجالة! إنت جاي تستعرض عضلاتك على ولية وبنتها الرضيعة في عز الضهر؟ ورقة إيه وزفت إيه اللي تخليك تشد عيلة مريضة كدة؟ ما تختشي على دمك يا أخي!».


شباب الحارة بدأوا يتجمعوا ويحاوطوا طارق وعربيته، النظرات كلها كانت بتتوعده، وطارق حس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه، بص حواليه بريبة وبلع ريقه، بس كبريائه منعه يتراجع، رفع الورقة المتقطعة اللي لمها من الأرض وزعق وهو بيبص للحاج عبد الرازق:— «دي بنتي! القانون هو اللي بيقول كده، أمها اتجوزت وسقطت حضانتها، وأنا جاي أنفذ حكم المحكمة، انتوا هتقفوا ضد الحكومة ولا إيه؟».


رد عليه الحاج عبد الرازق وهو بيقرب منه وبيشاور بعصايته في وشه:— «الحكومة ليها أقسام ومحاكم، مش بلطجة في الشوارع وخطف عيال على المسا! البنت لسه تعبانة وأهل الحارة كلهم عارفين إنها كانت في الإنعاش أولتيمبارح.. لو ليك حق، تاخده بالأصول وبالقانون من غير ما تبهدل لحمك قدام الغريب والقريب، ودلوقتي اتفضل اركب عربيتك وغور من هنا، وإلا وحياة كتاب الله ما هتعرف تخرج بالعربية دي حتة واحدة!».


الشباب بدأوا يقربوا أكتر، وصوت الهمهمات زاد، طارق بصلي بنظرة كلها غل وحقد، نظرة بتقول إن الحكاية مش حكاية حب في نور، دي حكاية كسر مناخير وتصفية حسابات قديمة وتواطؤ قذر مع عصام عشان يذلوني. ركب عربيته ورزع الباب وراه وفتح الإزاز وصرخ:— «ماشي يا نجوى! عملالي فيها بطلة ومستقوية بالشارع؟ بكرة الصبح محضر عدم تنفيذ وهيجيلك أمين شرطة يكلبشك من قفاكي وهاخد البنت بالقوة الجبرية، ومش هخليكي تشوفي ضفرها لحد ما تمو. تي!».


داس بنزين على آخره، والعربية سابت وراها سحابة دخان خانقة واختفت في أول الشارع. الناس اتنفست الصعداء، وأمي كانت بتترعش ومش قادرة تقف، وأنا كنت قاعدة في نص الشارع حاطة نور جوة هدومي، مش قادرة أفتح إيدي ولا أسيبها، كأن لو رخيت صوابعي ثانية واحدة الهوا نفسه هيخطفها مني.


الجيران قربوا يحاولوا يقوموني، وستات الحارة جابوا مية بسكر لأمي، ونور كانت بتنهنه من العياط ووشها سخن مولع نار وشفافها زرقا تاني من الخضة. دخلت شقة أمي وسحبت رجليا ورايا، قفلت الباب بالترباسين وراه، وسندت ضهري على الخشب المتهالك واتزلقت على الأرض ونور في حضني. قعدت أعيط.. أعيط عياط السنين اللي كتمته، عياط القهر اللي ملوش آخر. بصيت لأمي اللي كانت قاعدة على الكنبة بتنهج وبتبصلي بعجز:— «هنعمل إيه يا نجوى؟ الراجل مش هيسكت، وطارق طول عمره عينه فارغة ومبيسبش حقه حتى لو كان باطل، وعصام شايط من وراه وهيصرف عليه عش


وقت ما اتجوزت ٣

رومانى مكرم


الجزء الخامسالكلام نزل على دماغي زي الرصاص، حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي، والتراب اللي في حوش بيت خالتي بهية اتحول لدوامة بتسحبني لتحت. نور كانت شادة في جلبابي المقفل بزفارة السمك، بتعيط بصوت مكتوم وتدفن وشها في فخذي، دراعاتها الصغيرة كانت بتترعش كأن تيار كهربا ماشي في جسمها، وصوت المحامي لسه بيرن في ودني ببرود: «عصام جند نص قرايبكم… وطارق مستني في المديرية».صرخت بأعلى صوتي ودموعي بتطير من عيني:— «حرام عليكم! اتقوا ربنا! البنت دي هـ،،ـمـ،،ـو،،ـت لو بعدت عني، انتوا معندكوش رحمة؟


دي عيلة لسه خارجة من غيبوبة سكر، هتاخدوها تدمروا نفسيتها وتـ،،ـقـ،،ـتـ،،ـلـ،،ـوهـ،،ـا عشان تصفية حسابات ورجالة وسخة بتتسلى بقهر الستات؟!».خالتي بهية خرجت تجري من جوة البيت على الصوت، شايلة مقشة قش في إيدها، ووشها انخطف أول ما شافت البوكس والنجوم اللي على كتاف الظابط، لطمت على صدرها وزعقت:— «يا لهوي يا مفرتك! جرى إيه يا باشا؟ البيت ده حرمة وعزبة الصيادين طول عمرها في حالها، البت دي غلبانة وشقيانة على ضناها، هتاخدوها على فين بالحديد والنار ده؟!».


الظابط قرب خطوتين، ملامحه كانت جامدة وخالية من أي تعاطف، بص في الورق اللي في إيد أمين الشرطة وقال بنبرة رسمية صارمة مفيهاش تفاهم:— «يا ست انتي بطلي شوشرة ومتقاوميش تنفيذ حكم قضائي. فيه حكم صادر من محكمة الأسرة بتسليم الصغير لوالده بالقوة الجبرية، وبلاغ رسمي بـ،،ـخـ،،ـطـ،،ـف طفلة وهروب من تنفيذ أحكام، ومعانا أمر ضبط وإحضار ليكي من النيابة. هاتي البنت بهدوء واركبي البوكس من غير فضايح قدام أهل البلد، بدل ما نضطر نكلبشك قدامها ويبقى منظرها أسوأ».


المحامي بتاع طارق ابتسم بخبث وهو بيعدل نضارته الطبية، ومد إيده عشان يشد نور من ورا ضهري:— «يلا يا شاطرة، بابا مستنيكي في القاهرة في شقة نضيفة، مش المرمطة وقرف السمك ده!».أول ما إيده لمست كتف نور، البنت صرخت صرخة قطعت نياط قلبي:— «مامااااااا! متخليهمش ياخدوني يا مامااااا! بـ،،ـمـ،،ـو،،ـت يا ماما، والنبي متسيبينيش!».في اللحظة دي، طارت من عقلي آخر ذرة خوف أو تفكير في العواقب؛



وطيت بسرعة على الأرض، خطفت كزلك تنظيف السمك اللي كان واقع جنب الجردل المقلوب، ووقفت بضهري ساندة على حيطة الطين ورافعة السكينة في وش المحامي، عيني كانت بتطق شرار وصوتي طلع مجروح ومبحوح زي الذئبة اللي هـ،،ـيـ،،ـدبـ،،ـحـ،،ـوا جروها:— «قسماً بعزة جلال الله، اللي هيمد إيده على بنتي لأكون شاقة بطنه قبل ما يلمس شعرة منها!


أنا معنديش حاجة أبكي عليها خلاص.. سـ،،ـجـ،،ـنـ،،ـتـ،،ـونـ،،ـي، طـ،،ـلـ،،ـقـ،،ـتـ،،ـونـ،،ـي، شـ،،ـر،،ـد،،ـتـ،،ـونـ،،ـي، بس بنتي مش هتدخل حضن غيري إلا وأنا جثة هامدة في الكفن!وروني مين فيكم هيدخل ياخدها مني!».المحامي رجع لورا مفزوع وشه مصفر زي الليمونة، وصرخ في الظابط:— «شايف يا فندم؟! دي شاهرة سلاح أبيض وبتقاوم السلطات وشروع في قـ،،ـتـ،،ـل! اثبت الحالة دي فوراً في المحضر، دي جناية توديها ورا الشمس بعشرين سنة!».الظابط وشه احمر وغضب، وطلع إيده على جراب سلاحه:— «نزلي السكينة دي يا ولية انتي واتعقلي بدل ما تتصرف معاكي تصرف مش هيعجبك!


متفتكريش إنك هتلوي دراع الحكومة بحتة كزلك مصدي!».في اللحظة دي، دخل «حسن» ابن خالتي بهية يجري من على الترعة، لابس هدوم الصيد المبلولة ومعه شبكة صيد على كتفه، ومعه أربعة من شباب العزبة اللي سمعوا الصريخ ولمّة البوكس. حسن راجل أسمر وقوي زي الحجر، رمى الشبكة ووقف في النص بيني وبين القوة، وبص للظابط باحترام بس بعين مكسورة الغضب:— «اهدا يا باشا، اهدا وصلي على النبي في قلبك..


الست دي بتخرف من خوفها على ضناها ومش دريانة باللي بتعمله، معلش يا حضرة الظابط، إحنا ناس غلابة والحكومة فوق راسنا من فوق، بس الست دي مكسورة، والبنت دي مريضة سكر لو اتفزعت أكتر من كدة هتروح فيها بين إيديكم والمصيبة هتكبر على الكل».حسن لف وشه ليا، ومد إيده بهدوء وقال بصوت واطي حنين:— «ارمي السكينة دي من إيدك يا نجوى.. ارميها يا بت خالتي عشان خاطر نور، لو ضربتي حد ولا اتمسكتي بجناية، بنتك هتروح لطارق وعصام رسمي ومش هتعرفي حتى تبصي في وشها من ورا قفص المحكمة.. ارميها وخلينا نحل الحكاية بالعقل، ربنا مبيسبش المظلوم».


. ارميها وخلينا نحل الحكاية بالعقل، ربنا مبيسبش المظلوم».بصيت للكزلك في إيدي، وبصيت لنور اللي كانت بتنهج وشفايفها بدأت تزرق وعينها تلف لفوق من كتر الرعب.. حسيت بصوابعي بترتخي، السكينة وقعت على التراب وعملت صوت خفيف. في ثانية واحدة، كان أمين الشرطة هاجم عليا، لف دراعي لورا بعنف ووجع عظم كتفي، والتكتكة بتاعة الكلبشات الحديد وهي بتتقفل على معصمي حسستني بـ،،ـلـ،،ـعـ،،ـار والمو. ت، صرخت مش من وجع إيدي، لكن من منظر المحامي وهو بينقض على نور، شالها من وسطه وهي بتضرب برجلها في الهوا وبتصرخ وبتنادي عليا:— «مامااااااا!



مامااااا الحقيييني!».— «نور! متلمسهاش يا كلب! يا ظالمين يا خـ،،ـو،،ـنـ،،ـة، ربنا يـ،،ـنـ،،ـتـ،،ـقـ،،ـم منكم، حسبي الله ونعم الوكيل فيكم!».حسن حاول يقرب من المحامي عشان يهديه، بس العساكر زقوه لورا، والظابط شاورلهم يركبوني البوكس. اترمت في قاع البوكس الصاج، الحديد بارد وبيسلخ ركبي، ونور اتحطت في العربية الملاكي ورا، شفتها من فتحة البوكس الحديد وهي بتخبط على إزاز العربية ودموعها مغرقة وشها، لحد ما العربية دارت وطارت في السكة وطيرت وراها سحابة تراب عمّت عيني.


مرت الساعات كأنها دهر في جحيم..وصلنا مديرية الأمن في كفر الشيخ، ودخلوني مكتب المباحث وأنا مكلبشة زي تجار المـ،،ـخـ،،ـد،،ـر،،ـات، هدومي مقطعة، عيني وارمة من العياط، وروحي مش في جسمي. رموني على كرسي حديد قدام مكتب كبير، وبعد نص ساعة اتفتح الباب ودخل طارق!كان لابس قميص مكوي ومسرح شعره وريحته برفان رخيص، وشه كان مليان شماتة وغطرسة كأنه كسب معركة حربية، قعد على الكرسي اللي قصادي وحط رجل على رجل، ومسك فنجان قهوة كان على المكتب ورشف منه رشفة ببطء، وقال وهو بيبص للكلبشات اللي في إيدي:— «إيه رأيك بقى في المرمطة دي يا ست نجوى؟


مكنش العشم..هربانة زي الحرامية في عزبة سمك ومطلعة سكا. كين على الحكومة؟ أنا قولتلك من الأول: بنتي هترجعلي، وإنتي هترجعي لمطرح ما جيتي، تحت الجزم».بصيتله باحتقار وبصقت على الأرض تحت جزمته:— «إنت مش راجل.. ولا عمرك هتكون راجل. اللي يرمي بنته أربع سنين وميسألش فيها برغيف عيش، وييجي يسرقها عشان يرضي غل عصام وضلاله، ميسواش تلاتة مليم في سوق الكلاب.. بنتي فين يا طارق؟ وديت نور فين يا فاجر؟».طارق عينه برقت بغل، وقام وقف وقرب وشه مني وهمس بفحيح سام:— «نور في العربية مع المحامي ومراتي التانية مستنياها في شقة القاهرة.


. خلاص، اتعلمت، وهتنسى ريحتك.. من هنا ورايح هتناديلها هي “ماما”، وهتربيها على مزاجي، وانتي هتتحبسي هنا عشان قضية خـ،،ـطـ،،ـف القاصر والتعدي على القوة، ومش هتخرجي غير لما تكون بنتك كبرت ونسيت حتى اسمك وملامح وشك! وعصام بنفسه دافع أتعاب المحامي دي كلها، عشان بس يشوفك وإنتي في البدلة البيضا مذلولة ومكسورة الجناح!».الدنيا اسودت في عيني، والدم غلى في راسي لدرجة حسيت إن شرايين مخي هتنفجر.



وفجأة، الباب اتفتح بعنف، ودخل ظابط النبطشية ومعاه شاويش، وشه كان مخطوف وعينيه رايحة جاية بقلق:— «يا طارق بيه! الحق.. البنت الصغيرة اللي في العربية تحت.. البنت اتشنجت تاني وقطعت النفس وفقدت الوعي، وجسمها بيسقع زي التلج!».الجزء السادس (قبل الأخير)الكلمة نزلت على دماغي زي المرزبة، حسيت إن الحديد اللي في إيدي انصهر من حرارة الدم اللي فار في عروقي. طارق وشه اتقلب، الكوباية



أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close