القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت التكييف كامله حكايات رومانى مكرم 



سكريبت التكييف كامله حكايات رومانى مكرم 

انا متجوزه من ست شهور وبابا كان جايبلي تكييف في جهازي وحطيته في الصاله وحماتى كل يوم تطلع عندى وتقول التكيف بيصرف كهرباء كتير انتى مش هامك مصاريف كهرباء وله شايله هم حاجه قولتلها ياماما انا الى بدفع فاتوره الكهرباء من مرتبى انا موظفه وبقبض قالت خلاص التكييف ده ينزل شقتى انا انام عليه!!!!


ست شهور بس متجوزة “محمود”، ست شهور وأنا بحاول أعدي وأفوت عشان الحياة تمشي. التكييف اللي في الصالة ده ما كانش مجرد جهاز بالنسبة لي، ده كان هدية أبويا ربنا يخليه لي وطول في عمره، جابهولي في جهادي عشان عارف إني بجيب آخري من الحر ونفسي بيكتم.




فجأة، جرس الباب رن. رنة طويلة ومستفزة، رنة حماتي “أم محمود”. فتحت الباب وابتسمت ابتسامة هادية:


* صباح الخير يا ماما، اتفضلي.


دخلت وعينيها بتلف في الصالة زي الرادار، ورفعت حواجبها أول ما سمعت صوت زنين التكييف وهو شغال:


* برضه مأيدة الزفت ده؟ أنتِ إيه يا بت، مش هامك مصاريف الكهرباء ولا شايلة هم حاجة؟ الدنيا برة ولعة وأنتِ قاعدة لي هنا في التلج ولا على بالك الشقا والتعب!


اتنفست بصعوبة وقعدت قدامها وقولت بنبرة هادية بس ثابته:


* يا ماما، أنا اللي بدفع فاتورة الكهرباء من مرتبياستقطاع من قبضي كل شهر. أنتِ نسيتِ إني موظفة وبصرف على شغلي واحتياجاتي؟ يعني مش محملة ابنك مليم فوق طاقته.


لفت وشها الناحية التانية وحطت إيدها في جنبها، وقالت بصوت طالع من مناخيرها:


* خلاص! دام قادرة قوي كده والتكييف ده عامل مشكلة، التكييف ده ينزل شقتي تحت، أحطه في أوضة نومي عشان الجو حر عليا ومبقدرش أنام من الفرهدة.


دمي غلى في عروقي، بس مسكت نفسي بالعافية وقالت لها:


* يا ماما، ده بابا جيبهولي في جهازي عشان أنا بتعب من الحر وزي ما أنتِ شايفة الصالة بحري والشمس دبة فيها طول النهار. لو عاوزة تكييف، اشتري واحد، أو خلي ابنك يشتريلك واحد يركبهولك تحت!


هنا بقى وشها اتغير، وعينيها برقت، وقامت وقفت وطبطبت بإيدها على درابزين الكنبة بقلة ذوق وقالت:


* ما الشقة شقة ابني! وأنتِ قاعدة فيها بجميلنا! في إيه لما آخد التكييف؟ هي الحاجة اللي في شقة ابني مش من حقنا ولا إيه يا ست الموظفة؟


وسابتني ونزلت وهي بتدبدب على السلم وتبرطم بكلام مش مفهوم. قعدت على الكنبة وأنا إيدي بترعش من الغيظ. مستنية محمود يرجع من الشغل عشان أشوف حل في المهزلة دي.


أول ما محمود دخل، لقاني قاعدة في الضلمة وقافلة التكييف.


* في إيه يا عبير؟ مالك قاعدة كده ليه؟


حكيت له كل اللي حصل بالحرف، ودموعي نزلت من الإهانة. محمود كشر وحك دقنه وقالي:


* معلش يا عبير، كبري مخك، دي ست كبيرة وأمي برضه، مش قصدها حاجة.. هي بس بتتعفرت من السخونية تحت.


* يعني إيه يا محمود؟ يعني تاخد حاجتي اللي بابا شقيان فيها؟


* محدش بياخد حاجة يا ستي، هدي اللعب بس وخليني أكلمها بالراحة.


عدى اليومين دول بالعافية، وكانت النبرة بيني وبين حماتي مشحونة ونار تحت التلج. وفي يوم الخميس، جاتلي مكالمة من ماما:


* تعال يا عبير قضي اليوم معايا، عملالك الغدا اللي بتحبيه، وتعالي بدري شوية نقعد مع بعض.


لميت حاجتي واستأذنت من محمود، ونزلت. وأنا نازلة على السلم، لمحت حماتي واقفة في باب شقتها، بصتلي بصة نصر وكأنها بتبتسم ابتسامة خبيثة ومقالتش ولا كلمة، ولا حتى “تروحي وترجعي بالسلامة”. طنشت وقلت في بالي أشتري دماغي وأروح أفك عن نفسي شوية عند أمي.


قضيت اليوم عند أمي، أكلت وضحكت ونسيت القرف والضغط اللي أنا فيه. وعلى الساعة ثمانية بالليل، محمود كلمني وقال إنه هيتأخر في القهوة مع أصحابه، فقلت أرجع أنا الشقة أريح عشان ورايا شغل الصبح.


أول ما حطيت المفتاح في الباب وفتحته، دخلت الشقة.. كانت الدنيا ضلمة وسكتة خالص. ولعت النور، ورحت المطبخ عشان أشرب كوباية مية ساقعة وأغير هدومي.


أول ما دخلت المطبخ، عيني جت على الرخامة اللي جنب الثلاجة..


الرخامة كانت فاضية تماماً!


الميكرويف الجديد اللي جايباه بفلوسي، اللي بقسطه من مهيتي عشان يسهل عليا تسخين الأكل بعد ما أرجع من شغلي.. مش موجود!


#الكاتب__رومانى__مكرم__


وقفت مذهولة، أبص يمين وشمال، الفيشة متدلدلة على الأرض والرخامة مسحوبة منها العفرة. طلعت أجري على الصالة، لقيت التكييف زي ما هو، بس المطبخ متقلب!


في اللحظة دي، سمعت صوت حركة على السلم، خرجت وبصيت من السور، لقيت “سمر” اخت محمود ومرمية على كتافها كرتونة الميكرويف وبتحملها في عربية جوزها تحت، وحماتي واقفة جنبها على باب الشارع بتضحك وتقولها:


* خذيه يا بت يا سمر، ده ينفعك في شقتك الجديدة، أهو يرحمك من وقفة المطبخ في الحر، وأهو من خير شقة أخوكي!


طلعت على السلم يجري، صوت خطواتي كان بيصحي العمارة كلها، وضربات قلبي كانت أسرع من رجلي. نزلـت الدبش في دماغي وأنا شايفه شقايا وشقا أبويا بيتاخد عيني عينك وجوزي نازل يقعد على القهوة ويقولي “كبري مخك”.


أول ما وصلت لباب الشارع، سمر كانت بتركب العربية وجوزها بيقفل الشنطة على كرتونة الميكرويف. حماتي كانت واقفة حاطة إيدها في جنبها ومبتسمة ابتسامة النصر.


طلعت صاعقة من حسرتي وقبل ما العربية تتحرك:


* وقفي عندك أنتِ وهو! الفتحة دي مش هتحرك من مكانها، والميكرويف ده يرجع مكانه حالاً!


سمر اتخضت ولفت وشها، بس حماتي اترسمت على وشها جلمدة ووقفت في وشي بكل بجاحة:


* جرى إيه يا بت أنتِ؟ صوتك ما يعلاش في الشارع! بتزعقي لمين وعشان إيه؟


* بفيش إيه يا حماتي؟ أنتِ دخلتي شقتي في غيابي وفتحي ببابي بالمفتاح الثاني وطلعتِ حاجتي تديها لبنتك؟! ده اسموش خير شقة أخوها، ده اسمه سرقة!


كلمة “سرقة” نزلت عليها زي الصاعقة، وشها احمر وعينيها برقت، وجوز سمر نزل من العربية وهو بيبلع ريقه ومكسوف من المنظر، بس حماتي صرخت بصوت هز الشارع:


* سرقة؟! بتتهميني بالسرقة يا بت الـ… في شقة ابني؟! الحاجة اللي في بيت ابني ملك ابني، وأنا أدي لابنتي اللي أنا عاوزاه! أنتِ جاية تتنططي علينا بقرشين الموظفين بتوعك؟


جوز سمر قرب بالراحة وقال بنبرة ملخبطة:


* يا جماعة اهدوا، عيب الكلام ده في الشارع، الناس بتتفرج علينا.. يا طنط خلاص نزلوا الميكرويف مش أزمة..


حماتي زقته بغل وقالتله:


* ما تنزلش حاجة يا إبراهيم! الحاجة دي تروح معاك، واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل! الشقة شقة ابني، واللي فيها بتاع ابني!


في اللحظة دي، طلعت تليفوني وإيدي بترعش من القهر والغيظ. اتصلت بـ “محمود”. الرنة الأولى، الثانية.. لحد ما رد وصوت القهوة والدومينو ورائه:


* إيه يا عبير؟ وصلتِ الشقة ولا إيه؟


صوتي خرج مبحوح ومحروق:


* انزل يا محمود.. انزل حالاً وشوف أمك وأختك وهما بينقلوا عفش شقتك وحاجتي اللي شرياها من عرقي لعربية أختك في الشارع! انزل شوف السرقة اللي بتحصل جهاراً نهاراً!


سكت محمود ثواني، وصوت الضجة وراه اختفى، وقال بزهق وتوتر:


* عبير! أنتِ بتهببي إيه؟ سرقة إيه وكلام فارغ إيه؟ أنا جاي فوراً.


خمس دقايق وكان محمود نازل يجر رجله، أول ما شاف المنظر: أخته واقفة جنب العربية، وجوزها عرقان ومحرج، وأمه واقفة زي الأسد بتشرار، وأنا واقفة على أول السلم بدموعي اللي محبوسة بالعافية.


محمود قرب بقلة حيلة وقال:


* في إيه يا جماعة؟ فضحتونا في الشارع! إيه كرتونة الميكرويف دي يا سمر؟


أمه اندفعت قبل ما حد يتكلم، وحطت إيدها على صدرها وبدأت تمثل الدور:


* تعالى يا محمود! تعالى شوف الست هانم الموظفة اللي جايبها تقعد في خيرك، واقفة بتشتمني في الشارع وتقول عليّ حرامية! عشان خدت الميكرويف لأختك الغلبانة تسخن فيه أكل عيالها بدل ما هو محطوط عندك زينة! بتقل خيرك على أختك عشان حتة بتاعة صاج!


محمود بص لي بعتاب وضيق، وقال بنبرة هادية بس مموتة قلبي:


* يا عبير.. جرى إيه بس؟ هي كبرت في رأسك ليه كده؟ أختي مش غريبة، وبعدين أمي خدته بعلمي.. أنا كنت هقولك لما أرجع!


الجملة دي نزلت عليّ زي المية المغلية.. “أني خدته بعلمي”!


وقفت أترعش وبصيت له بذهول:


* بعلمك؟! يعني أنتِ اديتها مفتاح الشقة ودخلت في غيابي طلعت حاجتي اللي بقسطها من مهيتي بفلوس شغلي وطردي وشقايا؟ أنتِ بتستغفلني يا محمود؟


محمود مسك دراعي بيحاول يداري الموقف قدام الشارع وقال بصوت واطي:


* أوعي تعلي صوتك عليّ! أختي ظروفها على قدها، وأنتِ معاكِ مرتبك وتقدر تجيي غيره، وبعدين أمي طلبت مني الميكرويف والتكييف عشان أختك، وأنا قولت الميكرويف مش مشكلة نراضيها بيه بدل التكييف اللي عاملي مشكلة! اهدكِ بقى وكبري مخك وما !


في اللحظة دي، حسيت إن السقف اتهد على دماغي. محمود مش بس ضعف قدام أمه، محمود فتح باب شقتي وشرعني وخان أمانتي وباع شقايا عشان يشتري رضا أمه على حساب كرامتي.


حماتي ابتسمت ابتسامة النصر الخبيثة وقالت لسمر:


* اركبي يا بت العربية، أخوكي سي السيد في بيته وعارف أصوله، مش زي ناس!


سمر ركبت وجوزها دور العربية ومشيوا. ومحمود مسكني من دراعي بيزقني بالراحه عشان نطلع الشقة:


* يلا اطلعي فوق بلاش فضايح، الناس بتبص علينا من البلكونات.


نفضت إيده عني بكل قوتي، وبصيت له بعين مليانة كره وقرف من الضعف اللي هو فيه، وقولت بصوت ثابت وهادي هز الشارع كله:


* الشقة دي أنا مش طالعة فيها تاني يا محمود.. والميكرويف ده مش هسيبه، لا هو ولا التكييف ولا أي حاجة بابا جابهالي أو اشتريتها بقرشي.. أنت بعتني وخنت أمانتي عشان أرضيت أمك، وأنا مش هعيش مع راجل بيمد إيده في جيبي وياخد شقايا يديه لأهله!


لفيت وشي ومشيت في الشارع بخطوات سريعة ودموعي نازلة تحرق وشي، ومحمود ينادي ورايا بغضب:


* عبير! استني هنا! لو مشيتِ دلوقتي مش هترجعي تاني! لو مشيتِ هتبقى أنتِ اللي اخترتِ!


ما لفتش وشي، كملت مشي في الضلمة، والتليفون في إيدي بيرن.. الرنة المرة دي كانت من بابا.


مسكت التليفون وإيدي بتتفاض، حطيت السماعة على ودني وأنا بحاول أبلع ريقي وأظبط صوتي عشان بابا ما يحسش بكسرتي، بس أول ما سمعت صوته الحنين وهو بيقول:


* إيه يا عبير يا حبيبتي، وصلتِ شقتك ولا لسه عند أمك؟


ما قدرتش أمسك نفسي.. الشهقة خرجت من صدري مجروحة، والدموع اللي كنت حابساها نزلـت زي السيل. بابا اتخض وصوته اتغير في ثواني من الحنية للقلق والحرقة:


* عبير! مالك يا بنتي؟ في إيه؟ محمود جراله حاجة؟ حد ضايقك؟ اتكلمي يا بنتي قلقشيني!


رديت وأنا بنهج في الشارع والناس بتعدي من جنبي يبصوا عليّ:


* تعال خذني يا بابا.. تعال خذني من الشارع، أنا مش راجعة الشقة دي تاني!



ما كملتش خمس دقائق، وكانت عربية بابا واقفة على أول الشارع الرئيسي. نزل منها بيجري، أول ما شافني واقفة على الرصيف بعيط، حضنني بقوة وطبطب على ضهري وهو بيسمي عليّ. ركبت جنبه وسكت خالص طول الطريق، لحد ما وصلنا البيت. أمي استقبلتني بالدموع والشهقات لما شافت منظري، وقعدت على الكنبة وحكيت لهم كل حاجة.. من أول كلمة التكييف وتلقيح حماتي، لحد ما محمود فتح شقتي بمفتاحه ودخل أمه وأخته يسرقوا الميكرويف اللي بقسطه من مرتبيا واستغفالهم ليا.



أبويا وشها احمر، وعروق إيده برزت وهو ضاغط على قبضته، وقف وقال بصوت يهز البيت:



* بقى يجيبوا بنتي اللي شقيان عليها عشان يذلوها؟ وياخدوا شقاها بغير حق ويقولوا شقة ابننا؟ والله ما هسيب حقك يا عبير، والجدع ده لو فاكر إنك مقطوعة من شجرة هعرفه مين هو عبد الله!


في نفس اللحظة، تليفون بابا رن.. كان محمود.


بابا فتح السبيكر ورد بصوت زي الحديد:


* أيوة يا محمود.


صوت محمود كان متوتر وفيه نبرة غضب متحفزة:


* أيوة يا عمي.. بنتك سابت البيت ومشيت في الشارع قدام الناس وفضحتنا، وأنا بكلمك عشان تيجي ترجعها وتعقلها، الكلام ده ما ينفعش معايا!


بابا ضحك ضحكة استهزاء وجع، وقال بصرامة:


* ترجع مين يا ابن الأصول؟ أنت فاكر بنتي ملهاش ظهر ولا مالهاش كرامة؟ أنت مدين إيدك على حاجة مرتك اللي جايباها بفلوسها وشقاها ودخلت أهلك شقتها في غيابها يقلبوا في حاجتها؟ ده شغل عصابات مش شغل رجال!


محمود اتلخبط وبدأ يعلي صوته بيحاول يداري خيبته:


* يا عمي دي أمي وأختي! وبعدين الميكرويف مش قضية، أنا كنت هجيب لها غيره، بس هي كبرت الموضوع وقلت أدبها على أمي في الشارع!


* الميكرويف بفلوسها يا محمود! والتكييف اللي عين أمك منه ده هديتي ليها عشان بتتعب! وبنتي ما قلتش أدبها، بنتي دافعت عن حقها من ناس طمعانة في شقا غيرها.. وحق بنتي كله هيرجع، التكييف والميكرويف وكل القش اللي جايبينه في جهازها، بكرة الصبح هتعرف مين اللي هيكبر الموضوع!


بابا قفل السكة في وش محمود من غير ما يستنى يترد عليه. الليلة دي ما نمتش، كنت بحس بكابوس، ست شهور بس وجوزي يبيعني عشان يرضي طمع أمه وأخته.


ثاني يوم الصبح، الساعة تسعة، بابا اتصل بعمي الكبير وإخواته الولاد، وجمعهم. وقال كلمة واحدة: “يلا بينا نجيب حق عبير”.


طلعنا على العمارة، أربعة رجال وبابا وأنا معهم. أول ما وصلنا، كان باب شقة حماتي مفتوح، وصوت الضحك والتلفزيون طالع منها. بابا ما خبطش على شقة محمود فوق، نزل على شقة حماتي مباشرة ودق الباب بدبش.


حماتي فتحت الباب وهي لافّة طرحتها، أول ما شافت بابا وإخواته ورايا، ابتسامتها اختفت ووشها اصفرّ:


* خير يا أبو عبير؟ جايب الرجالة وجاي على بيتي ليه؟


بابا وقف على عتبة الباب وما دخلش، وقال بنبرة تحبس الأنفاس:


* انادي على ابنك ينزل هنا فوراً.. الميكرويف اللي بنتك خادته إمبارح يرجع دلوقتي، والتكييف اللي فوق ينفك، وحاجة بنتي كلها تتلم، بنتي مش قاعدة في مكان ما فيهوش رجال يصونوا أمانتها!


في اللحظة دي، نزل محمود من على السلم بيجري وهو بيعدل هدومه، وشها مكتوم من الخجل والتوتر لما شاف عمامي واقفين:


* في إيه يا عمي؟ جايب الناس وجاي تجمهر قدام شقتنا؟


عمي الكبير قرب منه واداله نظرة أرعبته:


* تجمهر إيه يا جدع أنت؟ أنت فاكرنا جايين نترجاك؟ بنتنا حقها يرجع بالسحتوت، والميكرويف اللي أختك شايلاه على كتافها إمبارح يرجع هنا فوراً، وإلا قسم الشرطة بيننا وبينكم بتهمة السرقة بالدليل والشهود بتوع الشارع!


حماتي صرخت بصوتها كله تحاول تعمل هيستريا:


* سرقة إيه يا باغي أنت وهو؟! بقى بتتهمونا بالسرقة في بيتنا؟ الميكرويف ده راحت بيه سمر بيتها وخلاص مش راجع! واللي عندكم اعملوه!


بابا بص لمحمود بثبات وقال:


* قدامك عشر دقائق يا محمود.. إما أختك تجيب الميكرويف بالترخيص بتاعه والفاتورة اللي مع عبير باسمها، وتفك التكييف وتسلمهولنا، إما المحضر هيتعمل فيك وفي أمك وأختك وحماها اللي كان يسوق العربية.. اختر لنفسك!


محمود بص لأمه وهو بيعرق، وبدأ يحس إن الموضوع خرج عن سيطرته وإن أمه ورّطته في مصيبة قانونية وأخلاقية قدام الشارع والمنطقة كلها. بص لأمه وقال بصوت مرعوب:


* اتصلي بـ سمر يا أمي.. قولي لإبراهيم يجيب الميكرويف ويرجع حالاً!


حماتي برقت له بذهول وصرخت:


* أنت بتهددني يا محمود؟ بتسمع كلامهم على أمك وأختك؟


محمود زعق بقلة حيلة وغضب لأول مرة في وشها:


* الميكرويف باسمها والفاتورة معاها يا أمي! هتودونا في داهية عشان حتة ميكرويف؟! اتصلي بيهم خليهم يجيبوه!


عدت نص ساعة ثقيلة زي الجبل، الكل واقف على السلم مش بتتكلم كلمة. لحد ما جه إبراهيم جوز سمر ووشه في الأرض، شايل كرتونة الميكرويف وحطها على الأرض قدام بابا وهو مكسوف مش قادر يرفع عينه.


أبويا بص لمحمود وقال:


* ده أول جزء من الحق رجع.. اطلع افتح الشقة عشان نفك التكييف وناخد كل حاجة عبير اشتريتها بفلوسها أو جابتهالها من جهادي.ق


محمود بص لي بعيون مليانة التماس ورجاء أخيرة، وقرب مني بصوت واطي جداً عشان محدش يسمعه:


* عبير.. عشان خاطري ما تخربيش البيتك، أنا آسف.. مش هخلي أمي تتدخل في حاجة تاني، هاتي يدك ونطلع فوق ونحلها بيننا.


بصيت في عينه بكل برود وقسوة، وقولت له بصوت سمعوا الكل:


* البيت اللي يتفتح بمفتاح من ورا صاحبه عشان يتاخد شقاه ما بقاش بيت يا محمود.. افتح الباب خلينا ناخد حاجتنا.


تكييف حكايات رومانى مكرم 2


طلع محمود السلم بخطوات ثقيلة ومكسورة، والكل طالع وراه.. صوت جزم إخواتي وأبويا على السلم كان بيصحي في قلبي كل لحظة ظلم وكسرة نفس عشتها في البيت ده خلال الست شهور اللي فاتوا. حماتي كانت واقفة على باب شقتها تحت، بتبص علينا بغل وعينيها بتطق شرار، بس ما قدرتش تنطق بكلمة واحدة بعد ما شافت إصرار بابا وعمامي وموقف جوز بنتها اللي رجّع الميكرويف وهو ساكت ومكسوف.


حط محمود المفتاح في الباب وفتحه، والشقة كانت ساحبة العفرة وريحة النكد مالية المكان. أول ما دخلنا الصالة، بابا بص للتكييف المتركب على الحيطة، هديتي اللي شقي فيها عشان يرطب عليا، ولّف لعمي وقال:



* اتصل بالفني يا أبو كريم خليه يجي يفك التكييف فوراً، وحاجة بنتي اللي جابتها بفلوسها تتلم.


محمود كان واقف في نص الصالة زي الألف، مش عارف يعمل إيه ولا يروح فين. قرب من بابا وحاول يمسك إيده:


* يا عمي استهدي بالله، الميكرويف ورجع، والتكييف صاحب البيت أولى بيه، عبير مراتي وحبيبتي والزعل ده بين أي اثنين متجوزين، بلاش نوصلها للطلاق وخراب البيوت عشان أجهزة وحاجات تتجاب بفلوس!


بابا نفض إيده بصرامة وبص له بنظرة جمدت الدم في عروقه:


* خراب البيوت بدأ من اليوم اللي سمحت فيه لأمك تحط عينها على شقا مرتك! من اليوم اللي اديتها مفتاح الشقة تدخل في غيابها تسرق حاجتها وتوزعها على بنتها! البيت اللي ما فيهوش أمان لمرتك مش بيت، والراجل اللي ما يصونش حرمة بيته وشقا مرته ما يلزمناش!


دخلت أوضة النوم، ودموعي نازلة بس المرة دي مش دموع ضعف، دي دموع قهر بيتنضف. فتحت الدولاب وطلعت الشنط الكبيرة، بدأت ألم هدومي، أطقم الملايات اللي جايباها بفلوسي، الشنط والساعات والجزم، وكل حاجة دخلت بيها البيت ده. محمود دخل ورايا الأوضة وقفل الباب بالراحة، كانت عينيه أحمرت وبيحاول يمسك إيدي:


* عبير.. أرجوكي تفكري، أنتِ بتضيعي ست شهور جواز عشان موقف؟ أنا غلطت، معترف إني غلطت لما جاملت أمي وأختي على حسابك، بس أنا بحبك ومقدرش أستغنى عنك! أمي ست كبيرة ومبتفهمش في الأصول، وأنا اتحطيت في المكبس بينكم!


بصيت له بثبات ورفعت صباعي في وشه:


* ما تقولش اتحطيت في المكبس! أنت فتحت الشقة بإيدك يا محمود! أنت اديت أمك الخيط اللي تخنقني بيه! الميكرويف ده أنا كنت بقسطه من مهيتي، من وقفتي في الشغل وطول اليوم على رجلي، وأنت بكل سهولة خدته تراضيها بيه عشان خايف ترفع صوتها عليك! أنت مش راجل يتحامى فيه، أنت مجرد ظل لأمك!


الكلمة نزلت عليه زي اللطمة، وشها احمر وشد على أسنانه:


* أنا مش ظل لأمك يا عبير! احترمي نفسك وما تتعديش حدودك!


* الحدود أنت اللي مسحتها لما دخلت أهلك بيتي في غيابي!


خرجت وسيبته يتكلم مع نفسه في الأوضة. في الصالة، كان الفني جه وبدأ يفك التكييف، صوت الشكوش والمفك وهو بيفك الوصلات كان زي النغم في ودني، كأني باسترد كرامتي حتة حتة. عمامي كانوا واقفين يشرفوا على كل حاجة، وبابا واقف على باب المطبخ بيلم الأجهزة الكهربائية الصغيرة اللي أنا جايباها بفلوسي، الخلاط، العجان، والكتل.


حماتي طلعت السلم تاني لما سمعت صوت الدق، ووقفت على الباب تزعق بصوت بحوح:


* أيوة اخلعوا! اخلعوا وهاتوا اللي جابوه! الشقة هتفضل لابني، وألف مين تتمنى تراب رجله! بكرة أجوزه سيد سيده، واحدة تعرف الأصول وتعرف إن خير البيت لأهل البيت!


عمي الكبير لف لها وقالها بصوت هادي بس يقطع العرق ويسيح الدم:


* ربنا يسعده يا ست، بس ابنك بكرة لما يجي يتجوز، ابقي قولي لأهل العروسة الجديدة إنك بتدخلي الشقة بمفتاح وتسرقي عفشها وتديه لبنتك! عشان يبقوا عارفين الأصول اللي بتتكلمي عنها!


حماتي اتخرست ووشها جاب ألوان، وما لقيتش حاجة تقولها غير إنها تدبدب ورجعت نزلت شقتها وهي بتبرطم وتدعي علينا.


بعد ساعة زمن، كانت الشنط كلها الملمومة في الصالة، والتكييف محطوط في كرتونته، والميكرويف جنبه. محمود كان واقف عند الباب، يائس، ومكسور قدام الشارع كله وهو شايف عفش مراته بينزل في عربية نص نقل بابا جابها.


قربت منه، وطلعت مفتاح الشقة من شنطتي، مسكت إيده وحطيت المفتاح في كفه وقفلته عليه:


* ده مفتاح شقتك يا محمود.. اديه لأمك تفتح وتقفل بيه زي ما هي عوزة، وبكرة المحامي هيتصل بيك عشان أوراق القايمة ونفقة المتعة وحقوقي كلها.. اللي أخدته بالقانون هيرجع، واللي أخدته بالبلطجة رجعناه إمبارح والنهارده.


محمود بص للمفتاح في إيده ولادي بصوت مبحوح:


* عبير.. مش هسامحك إنك فضحتينا وهديتي البيت!


رديت عليه وأنا نازلة السلم ومن غير ما ألتفت ورايا:


* أنت اللي هديته لما حسستني إني غريبة في بيتي.. والبيت اللي يتسرق صاحبه، ما يتبكيش عليه.


نزلت السلم بخطوات واثقة، ركبت العربية جنب بابا وعمامي، والعربية تحركت بينا. بس وأنا ببعد عن العمارة، بصيت من الشباك.. لقيت محمود واقف في البلكونة يبص عليا، وحماتي واقفة في الشباك اللي تحته بتلوّح بإيدها بغل.. كنت فاكرة إن الموضوع خلص لحد هنا، بس ما كنتش اعرف إن محمود وأمه ناوين على مصيبة أكبر هيقلبوا بيها الطاولة عليا في الشغل والمحاكم!


مر أسبوع كامل وأنا في بيت أبويا، أسبوع كانت أعصابي فيه زي الأوتار المشدودة. كنت بحاول أرمي كل اللي حصل ورا ضهري وأركز في شغلي، خصوصاً إن المحامي بدأ بالفعل يجهز أوراق القايمة ودعوى النفقة وباقي الإجراءات القانونية. بس محمود وأمه ما كانوش من النوع اللي يسلم بسهولة، كان جواهم غل ونار بتاكل فيهم بعد ما كسرنا شوكتهم ورجعنا حاجتي قدام المنطقة كلها.


في صباح يوم الأحد، نزلت شغلي في الشركة اللي شغالة فيها موظفة مبيعات من أربع سنين. مكان شغلي بالنسبة لي كان ملاذي الوحيد اللي بحس فيه بكياني وكرامتي. طلعت المكتب، وسلمت على زميلاتي وقعدت على مكتبي أتابع الإيميلات والشغل اللي تراكم عليا.


على الساعة 11 الصبح، فجأة هدوء الممر المكاتب اتكسر بصوت زعيق وزيطة طالعة من دور خدمة العملاء والاستقبال تحت. الصوت كان بيعلى وبيزيد، ولحظات ولقيت زميلتي دخلت الأوضة وشها أصفر وبتهتز:


* عبير! الحقي! في ست كبيرة وشاب طالعين يصرخوا في الطرقات وبيسألوا عن مكتب المدير وعن مكتبك أنتِ بالذات!


قلبي مقطوع ووقفت على طولي. خرجت الممر، وكانت الصدمة..


حماتي “أم محمود” ومحمود معاها، طالعين الممر ورجال الأمن بيحاولوا يمنعوهم، بس حماتي كانت بتصرخ بصوت أعيرة نارية يملأ الشركة كلها:


* فين مدير الشركة دي؟! فين الموظفة الخائنة اللي شغالينها عندكم؟! تعالوا شوفوا الموظفة محترمة اللي  جوزها وبتتبلى على أهله وتجيب لهم البوليس!


زمايلي كلهم خرجوا من المكاتب، والناس كلها وقفت تتفرج وتتهامس. محمود كان واقف جنب أمه، مش بيمنعها، بل كان واقف وشه عرقان وبيمثل دور الزوج المظلوم المكسور.


حماتي أول ما شافتني واقفة على باب المكتب، شاورت عليّ بإيدها وصرخت بصوت هز الدور كله:


* أهي! أهي الست هانم! جاية تقعد لي في التكييف هنا وتعمل نفسها موظفة شريفة، وهي سالبة جوزها وراهنة حاجته وواخدة فلوسه وعاملة لي فيها بريئة! يا ناس دي ست مش أمينة، والشركة دي لازم تعرف حقيقتها!


دمي اتصفى من وشي، وإيدي اترعشت من كثرة الإهانة، بس مسكت نفسي بالعافية وقربت بخطوات ثابتة وقولت بصوت حاد ومسموع:


* أنتِ بتعملي إيه هنا يا ست أنتِ؟! أهلاً بكِ في مكان شغلي عشان تتفضحي بالقانون! أنتِ وجوزي جايبين نفسكم لحد هنا ليه؟


في اللحظة دي، خرج أستاذ “سامح” مدير الفرع من مكتبه، راجل صارم وشديد، وشها متجهم من المهزلة اللي بتحصل:


* في إيه هنا؟! إيه الفوضى دي؟ مين الناس دول ويا عبير إيه التهريج ده في مكان العمل؟!


محمود اندفع للأستاذ سامح وحط إيده على صدره يتكلم بمسكنة وخبث:


* يا فندم أنا جوزها.. الأستاذة عبير الموظفة الملتزمة عندكم، حابسة حاجتي ورافعة عليا قضايا تزوير وسرقة وبتمارس عليا بلطجة هي وأهلها! وجاية شغلك تتدارى فيكم وأنا جاي أطالب بحقي وبمرتبها اللي بتاخده وما بتدفعش منه مليم في بيتي!


حماتي كملت وراه ببراعة:


* أيوة يا بيّ! دي بتيجي هنا الشغل تسيب بيتها خراب وتيجي تأكل وتشرّب على قفا جوزها، وخدت أجهزة البيت كلها وهربت! شركة محترمة زي دي إزاي تشغّل عندها واحدة بالقسوة والافترى ده؟


الأستاذ سامح بص لمحمود ولأمه بنظرة احتقار قاطعة، ولّف لي وقال بجمود:


* عبير.. اتفضلي على مكتبي حالاً. وأنتوا اتفضلوا ادخلوا معها عشان المهزلة دي تنتهي هنا.


دخلنا المكتب، والأستاذ سامح قفل الباب وقعد ورا مكتبه، وبص لمحمود وقال بلهجة ثقيلة:


* الأستاذ بيقول إن عبير خدت حاجته وهربت ورامياك؟ ممتاز.. عبير شغالة معانا هنا من أربع سنين، وكل القرارات المادية وفواتير الشراء والتقسيط بتم من خلال الشركة بخصم مباشر من مرتبها. الميكرويف والأجهزة اللي بتتكلموا عنها، عبير قسطتها من مرتبها الخاص ومعانا الفواتير هنا في شؤون العاملين باسمها وبإمضائها!


محمود اتلخبط ووشها جاب ألوان، وقال يتلعثم:



* مرتب الموظف حقه الشخصي بالقانون يا محترم! أنت جاي هنا تقتحم شركة محترمة وتشهر بفرع كامل وبموظفة ممتازة عندنا عشان خلافات أسرية على ميكرويف وتكييف؟ أنت عارف إن الحركة دي ممكن أعملك بيها محضر رد شرف وتعدي على المنشأة وتشهير بموظفة في مكان عملها؟


حماتي كانت فاكرة إن المدير هيطردني أو يبهدلني قدامهم، بس لما لقيت الكلام انقلب عليهم، وقفت وزعقت:


* أنت بتدافع عنها ليه يا أستاذ؟! هي ساحراكم هنا ولا إيه؟ ابني راجل وست سيدها!


الأستاذ سامح رفع سماعة التليفون وبص للأمن اللي واقف على الباب:


* يا أمن.. خدو الأستاذ والست دي بره المبنى فوراً. ولو رجلهم عتبت الشركة تاني اتصلوا بالنجدة فوراً بتهمة اقتحام منشأة والتعدي على الموظفين!


رجال الأمن مسكوا محمود وأمه من دراعهم وسحبوهم لبره وهو بيحاول يتملص ويقول: “أنا صاحب حق! أنا صاحب حق!” وأمه بتصرخ وبتدعي عليا وعلى الشركة وهي نازلة على السلم.


الأستاذ سامح بص لي بعد ما خرجوا، ونهد بتعب وقال:


* عبير.. أنتِ موظفة ممتازة، بس أنا مش هسمح بمهزلة زي دي تتكرر هنا تاني. الخلافات دي تخلص في المحاكم مش في الطرقات. خدي بقية اليوم إجازة روحي ظبطي أمورك.


خرجت من الشركة وأنا ركبي بتخبط في بعضها من شدة الضغط العصبي والإهانة، بس جوايا نار مش هتهدأ. اتصلت بالاستاذ هشام المحامي بتاعي وأنا في الشارع وبحكيله كل كلمة حصلت..


الأستاذ هشام ضحك في التليفون وقال بثقة:


* ممتاز جداً يا مدام عبير! الحركة الغبية اللي عملوها في الشركة دي هي اللي هتقطم رقبتهم في المحكمة! اتجهي فوراً على قسم الشرطة، هنعمل محضر تعرض وتشهير في مكان العمل، وبكره الصبح هنرفع دعوى حبس ببدل النفقة وبلاغ رسمي بالتعدي!


وصلت بيت بابا، وحكيت له اللي حصل في الشركة، بابا كان هيتجنن وكان عايز ينزل يروح لهم الشقة، بس المحامي مسكه وقاله: “سيب اللعب بالقانون يا حاج عبد الله.. الضرب بالقانون بوجع أكتر من الضرب بالإيد”.


عدى يومين، وفي صباح يوم الأربعاء، الباب خبط في بيت حماتي تحت..


محمود فتح الباب، وجد قدامه محضر من المحكمة بيبالغه بإحالة قضية التبديد والشهير للجلسة، ومعاها أمر استدعاء رسمي في محضر التعدي على مكان العمل.. وفي نفس اللحظة، تليفون محمود رن من رقم غريب، لما رد، كان صوت المحامي الأستاذ هشام وهو بيقوله بنبرة هادية ومرعبة:


* أهلاً يا أستاذ محمود.. حبيت أبلغك إن العرض اللي عرضناه عليك للحل الودي اتلغى تماماً بعد حركة الشركة، ومن بكرة الصبح.. المحكمة هي اللي هتتكلم.



تكييف حكايات رومانى مكرم 2


أمسك محمود بالورقة الرسمية التي سلمها له مُحضر المحكمة، وكانت يداه ترتجفان لدرجة أن سطر العناوين والختم النسري الأحمر بدا أمامه كموجة متلاطمة من الحبر الأسود. كانت محاولة التشهير بعبير في مقر عملها خطوة غير محسوبة دفعته إليها أمه بغرورها وطمعها، ظناً منهما أن الضغط الاجتماعي والفضسحة الوظيفية سيكسران كبرياء عبير ويعيدانها جارية مطيعة تُسلم مرتبها وأجهزتها وتصمت. لكن السحر انحرف ليصيب الساحر، وأصبحت الواقعة موثقة بشهادة أمن الشركة ومدير الفرع وكاميرات المراقبة التي سجلت الاقتحام بالصوت والصورة.



نزل محمود إلى شقة أمه بخطوات هائمة، يجر قدميه جراً. كانت “أم محمود” تجلس في الصالة تجرع كوباً من الشاي المغلوع وتتبادل أطراف الحديث مع جارتها “أم صابر” التي جاءت لتستكشف أبعاد  التي هزت العمارة والشارع بالأمس.



ألقى محمود الورقة على الطاولة الإستيل الوسطى بصوت ارتطام جاف، وقال بصوت مكتوم خنقته الحسرة:


* أهي دي آخرة أفكارك يا أمي! أهي دي النتيجة اللي وصلنا لها بعد ما استمعت لكلامك وروحت أعمل شو في شركة البنت! محضر رسمي بالتعدي والتشهير، ودعوى حبس، والقضية اتحولت للجلسة بسرعة الصاروخ!


رفعت أم محمود حواجبها بجلمدة واستعلاء، وأزاحت الجارة بنظرة قاسية قبل أن ترُد بنبرة لا تخلو من حدة:


* جرى إيه يا محمود؟ أنت بترتعش قدام ورقة محضر؟ هي البت دي كانت مين ولا أبوها كان مين عشان يقدروا يعملوا لك حاجة؟ دي شوية ورق بيخوفوك بيها عشان ترجع تترجاهم وتجيب لها التكييف والميكرويف فوق جزمتها!


صرخ محمود لأول مرة في حياته بوجه أمه صرخة خرجت من أعماق صدره المقهور، حتى جفلت الجارة وقامت تنسحب في صمت:


* حررررام عليكِ بقى! حرام عليكِ خربتِ بيتي وضيعتِ كرامتي! عبير مش راجعة، عبير معاها شركة كاملة بشهودها، ومعاها محامي مش ب يرحم، وأبوها وراها بفلوسه وعيلته! أنا شغلي في الحكومة وممكن أترفض أو أتسجن لو الصدر ضد أحكام نهائية بتهم التشهير والسرقة! أختي سمر خدت الميكرويف وقعدت في بيتها مع جوزها مكرمة، وأنا اللي ب ادفع الثمن لوحدي!


خرج محمود مسرعاً من الشقة وترك أمه تبرطم وتصيح في فراغ الصالة. صعد إلى شقته المهجورة، الشقة التي كانت منذ أسبوع واحد فقط تغمرها الدفء وريحة الأكل الطيب وصوت عبير وهي تنظم الديكورات بعد عودتها من الشغل. فتح الصالة، النظر إلى المكان الفارغ على الرخامة في المطبخ حيث كان الميكرويف، وإلى السلك المتدلي من الحائط حيث كان التكييف يرسل برودته المنعشة. أظلمت الدنيا في عينيه، وقعد على الأرض وسند رأسه بين يديه.


في تلك الأثناء، في بيت الحاج عبد الله، كانت عبير تجلس مع المحامي الأستاذ هشام في غرفة الضيوف، وحولهم إخوتها وأبوها. فتح الأستاذ هشام الحقيبة الجلدية وطلع منها ملفاً ضخماً ملئ بالأوراق والفواتير، وقال بابتسامة ثقة:


* مدام عبير، موقفنا القانوني إحنا في مركز القوة المطلقة. أولاً، تفريغ كاميرات الشركة اللي أخذناه بقرار من النيابة أثبت اقتحام محمود وأمه ورجال الأمن بيخرجوهم وهما بيصرخوا بألفاظ تشهيرية، وده يدينهم في قضية جنحة تشهير وتعدي على أنثى في مكان عملها. ثانياً، قائمة المنقولات الزوجية موقعة بالكامل من محمود، وبما إنه سلمنا جزء ودون في محضر الفك والتسليم، فالباقي محرر به دعوى تبديد. ثالثاً وأهما، الاستقطاعات البنكية من مرتبك بتثبت إنك المشتري الحقيقي للأجهزة، وده بينفي تماماً أي ادعاء منه بإنك أخذتي حاجة مش من حقك.


ابتسم الحاج عبد الله وقال بصوت وقور:


* إحنا مش بتوع مشاكل يا أستاذ هشام، ولا كنا نتمنى البيت يتخرب. بس اللي يمس كرامة بنتي ويستبيح شقاها ويعاملها كأنها مال سايب، لازم يعرف إن لها رجال يوقفوا العمارة كلها على رجل واحدة.


ردت عبير ونبرة صوتها تحمل المزيج بين الأسى والصلابة:


* أنا مش عاوزة منه غير حق القانون يا بابا. مش عاوزة أشوف وشه تاني، ولا عاوزة أي صلة تبربطني بالإنسان اللي هانني وسمح لأمه تسرقني وتشهر بيا في وسط زمايلي ومديري.


مرت الأيام سريعة، وجاء موعد الجلسة الأولى في محكمة الأسرة والجنح. حضر محمود برفقة محامٍ طاعن في السن، بدا عليه عدم الإلمام بالتفاصيل المعقدة للقضية. بينما حضرت عبير برفقة أبيها والأستاذ هشام.


وقف محمود في قاعة المحكمة ينظر إلى عبير المحاطة بعائلتها، كانت ترتدي ثياباً أنيقة وهادئة، ووجهها يحمل تعابير الثبات والترفع، في حين كان هو يبدو شاحباً، متعباً، وأثقال الندم والهم تكسو ملامحه. حاول أن يبتسم لها أو يرسل بنظرة رجاء، لكنها أدارت وجهها عنه تماماً وكأنه غير موجود في القاعة.


بدأت المرافعة. وقف الأستاذ هشام وقدم للمحكمة حافظة مستندات تحتوي على فواتير الشراء، صور تفريغ الكاميرات، شهادة مدير الشركة، وعقود قسط الميكرويف المقتطع من مرتب عبير. وتكلم بنبرة جهورية هزت أركان القاعة:


* سيدي القاضي.. الموكلة لم تطلب أكثر من حقها الشرعي والقانوني. زوجها استغل غيابها، وسهل لأسرته اقتحام مسكن الزوجية والاستيلاء على ممتلكاتها الخاصة التي اشترتها بكدها وعرقها. وعندما طالبت بحقها، لم يكتفِ بالامتناع، بل توجه إلى مقر عملها بصحبة والدته لإرهابها والتأثير على مصدر رزقها والتشهير بسمعتها الوظيفية والأخلاقية أمام زملائها بروايات مكذوبة! إحنا بنطلب أقصى العقوبة عن جنحة التشهير والتعدي، مع استكمال إجراءات رد كافة المنقولات والنفقات المستحقة.


حاول محامي محمود الدفاع عنه بكلمات واهية، زاعماً أن الأجهزة أمتعة مشتركة وأن ما حدث في الشركة كان مجرد محاولة لصلح عائلي تخللته بعض العصبية. لكن القاضي استوقفه بصرامة، واطلع على فيديوهات التفريغ والفواتير الرسمية.


وبعد مداولة لم تدم طويلاً، صدر القرار المبدئي: حجز الدعوى للحكم في نهاية الشهر، مع فرض نفقة متعة ونفقة زوجية مؤقتة تُخصم تلقائياً من مرتب محمود الحكومي لصالح عبير، وإلزامه بتقديم إقرار رسمي يتعهد فيه بعدم التعرض للمدعية في مسكنها أو مكان عملها تحت طائلة الحبس الفوري.


خرج محمود من القاعة والشرر يتطاير من عينيه، والتفت نحو الأستاذ هشام والحاج عبد الله، وجرى نحوهم وهو يصرخ بانفعال:


* أنت فاكرين إنكم كسبتم؟ الفلوس اللي هتتخصم من مرتبي دي مش هتهزني! وأنا مش هطلق! هسيبها معلقة كده لا هي متجوزة ولا هي مطلقة، وخلي المحاكم تنفعها!


خطا الحاج عبد الله خطوة إلى الأمام، ووقف كالجبل أمام محمود وقال بنبرة هادئة ورصينة كسر بها كل حماقته:


* اللي أداك الحق تعلّقها يا ابن الأصول، أدى للقاضي الحق يخلعها منك بطلاق للضرر وبأحكام تنفذ على رقبتك ورقبة أهلك. البنت مش واقفة عليك، وبكرة تشوف الحكم هيعمل إيه في مستقبلك الوظيفي.


في مساء اليوم نفسه، وبعد أن وصل خبر اقتطاع النفقة مؤقتاً من مرتب محمود إلى أمه، شطاط غضب “أم محمود”. لم تتحمل أن يذهب جزء من مرتب ابنها العزيز لصالح “الموظفة” التي طردتها من الشقة. قامت بالتواصل مع ابنتها سمر وجوزها إبراهيم، ودبروا خطة خبيثة جديدة.


قررت أم محمود أن تأخذ بعض النسوة من أقاربها في المنطقة، وتتجه ليلة الجمعة إلى بيت الحاج عبد الله للتجمهر أمامه وافتعال مشاجرة شعبية تطال سمعة عبير والعائلة في منطقتهم السكنية، علّهم يجبرون الحاج عبد الله على التنازل عن القضايا والقبول بالصلح بشروطهم.


ولكن ما لم تكن تحسب له أم محمود حسماً، هو أن منطقة الحاج عبد الله كانت منطقة شعبية مترابطة يعرف فيها الجميع قدر الحاج عبد الله وأخلاقه وشقاء بنته وعفتها.


عندما وصلت أم محمود وابنتها وبعض النسوة وبدأوا في إطلاق الصرخات والتفوهات المسيئة في الشارع أسفل بيت عبير، تجمّع شباب المنطقة ورجالها في دقائق معدودة، ووقفوا حائلاً بينهم وبين البيت.


خرج الحاج عبد الله وإخوته إلى البلكونة، فيما نزل الشباب وصاح كبير المنطقة عم “حسنين”:


* جرى إيه يا ست أنتِ وهي؟ أنتِ جاية تتشاطري على بيت أنظف ناس في المنطقة؟ عبير دي بنتنا كلنا وشقاها ومرباها كلنا عارفينه! لو ما أخذتيش حريمك ومشيتِ فوراً من الشارع، النجدة هتوصل دلوقتي وهتبيتي أنتِ وبنتك في القسم بتهمة التجمهر وإثارة الشغب!


فوجئت أم محمود بأن الشارع كله يقف ضدها، وأن محمود لم يحضر معها أساساً لأنه كان يقبع في شقته تحت تأثير المهدئات بعد أن بدأ زملاؤه في العمل يتهامسون عن خصم النفقة المحول لجهة عمله.


حاولت سمر أن ترد بصوت عالٍ، لكن إبراهيم جوزها جرى ونزل من السيارة وسحبها بغضب شديد أمام الناس وقال لها بصوت مسموع:


* امشي معايا يا سمر بدل ما أطلقك الليلة دي! أنتِ وأمك هتودونا في داهية وتضيعوا بيتي عشان غلك وطمعكم! إحنا مالناش دعوة بالموضوع ده تاني!


ركبت سمر السيارة رغماً عنها مع زوجها وغادرت، وبقيت أم محمود واقفة وحدها في الشارع، تنظر حولها فلا تجد أحداً يساند باطلها، والعيون تحاصرها بالاحتقار والازدراء من كل جانب. اضطرت لسحب طرحتها وهرولت راجعة إلى شقتها وهي تتخبط في خطواتها.


جلس عبير في غرفتها تطل من خلف الستارة، ورأت نهاية تلك المحاولة البائسة. تنفست الصُعداء واستشعرت قيمة الأهل والظهر والسند. لكن القضية لم تنتهِ عند هذا الحد، فالحكم النهائي في قضية التشهير والتبديد كان يستعد للصدور في الأسبوع القادم، ومحمود المزنوق في زاوية الضغط المادي والنفسي كان يجهز لمفاجأة أخيرة ستقلب الموازين وتحدد مصير الجميع بشكل غير متوقع.


مرت الأيام الثقيلة كأنها أدهار، وجاء الأسبوع الموعود بالنطق بالحكم النهائي في قضية جنحة التشهير  على مكان العمل وقضية تبديد المنقولات الزوجية. كانت أروقة المحكمة تعج بالناس، وأصوات المرافعة تصدى في جدران القاعة العالية، بينما كان التوتر يسري في أجساد الجميع كتيار كهربائي لا يرحم.


كان محمود يجلس على أحد المقاعد الخشبية المتهالكة في الممر الخارجي للقاعة، ينظر إلى الأرض بعينين زائغتين، وقد ظهرت الهالات السوداء تحت عينيه بجلاء، وانحنى ظهره وكأنه يحمل جبالاً من الخيبة والندم. لم تكن أمه بجانبه هذه المرة؛ فقد أصبحت تخشى الخروج بعد الفضيحة الكبرى التي تعرضت لها أمام أهل منطقة عبير، وبعدما نشب بينها وبين ابنتها سمر وزوجها إبراهيم خلاف حاد اتهمها فيه إبراهيم بأنها السبب في تخريب البيوت وفي كسر عين ابنتها وزوجها أمام الناس.


على الجانب الآخر من الممر، كانت عبير تقف بوقار وثبات بجانب أبيها الحاج عبد الله والأستاذ هشام المحامي، وبعض أقاربها. لم تكن ترتدي أياً من الزينة، بل كانت ترتدي عباءة كحيلة أنيقة وحجاباً أبيض هادئاً، وعلى وجهها ارتسمت ملامح الصبر والأنفة التي لم تستطع أوجاع الستة أشهر الماضية أن تكسرها.




حاول محمود أن يجمع شتات نفسه، وقام من مقعده بخطوات متثاقلة، ومشى نحو الحاج عبد الله، ثم انحنى قليلاً متوسلاً بنبرة صوت خافتة ومكسورة كادت لا تُسمع:



* يا حاج عبد الله.. أرجوك اديني فرصة أتكلم معاك على جنب.. كلمة واحدة بس قبل ما القاضي ينطق بالحكم.



نظر إليه الحاج عبد الله بنظرة حزن وأسى على ما آلت إليه الأمور، لكنه لم يظهر أي ضعف، وكسر الصمت قائلاً بصوت صارم:


* الكلام بيننا انتهى من اليوم اللي سمحت فيه لأهلك يقللوا من بنتي ويستبيحوا شقاها يا محمود. أنت اخترت طريق المحاكم من الأول لما افتكرت إن عبير ملهاش ظهر يدافع عنها.


تدخل محمود وبدأت دموعه تتجمع في عينيه:


* والله العظيم أنا اتظلمت واتعميت! أمي ضغطت عليا، وأنا استغبيت ولحظة غضب وطيش ضيعت مني كل حاجة حلوة! أنا مستعد أكتب لها الشقة باسمها، ومستعد أعتذر لها قدام الشركة كلها وأبوس رأسها ورأسك، بس بلاش يدور عليا حكم يحبسني أو يضيع مستقبلي في الوظيفة.. عبير مراتي وأنا بحبها وما أقدرش أعيش من غيرها!


سمعت عبير كل كلمة قيلت، لكن قلبه لم يتحرك فيه ساكن. رفعت رأسها ونظرت في عينيه بثبات يقطع كل أمل لديه، وقالت بصوت هادئ ونبرة حاسمة كالسيف:


* اللي بيحب حد ما بيفضحوش في شغله يا محمود.. اللي بيحب حد ما بيدخلش أهله يسرقوا حاجته من ورا ضهره.. اللي بيحب حد بيبقى سنده ومش السكين اللي تذبحه! الاعتذار ما بيرجعش الثقة اللي اتمحت، وما بيرجعش الأيام اللي نمت فيها مدمعة ومقهورة بسبب طمع أمك وضعفك قدامها. أنت ما حبنيش، أنت بس خايف على شغلك ومستقبلك من الحكم!


في هذه اللحظة، خرج حاجب المحكمة بصوته الجهوري المعتاد يصرخ في الممر:


* محكمة! جلسة محكمة جنحة التشهير وتبديد المنقولات الخاصة بالمدعية عبير عبد الله ضد المدعى عليه محمود أحمد!


انتقلت القوافل والناس إلى داخل القاعة، وساد الصمت التام المكان، حتى أن صوت أنفاس المتواجدين كان مسموعاً. اعتلى القاضي المنصة، وقعد خلف منصته العالية وعلى وجهه الوقار، وقلب في أوراق الملف الضخم الذي استقرت فيه المستندات، وفيديوهات الكاميرات، وفواتير التقسيط، وشهادات أفراد الأمن والمدير.


تنحنح القاضي، ثم رفع رأسه ونظر إلى محمود المتواجد في الحفص المخاطب بوجوم، ثم نظر إلى عبير والمحامي، وقرأ نطق الحكم بصوت مسموع هز القاعة:


“حكمت المحكمة حضورياً على المتهم محمود أحمد:


أولاً: بحبسه لمدة سنة مع الشغل والنفاذ، وتغريمه مبلغاً مالياً قدره عشرون ألف جنيه عن واقعة التشهير والتعدي في مقر عمل المدعية، والتسبب في أضرار معنوية ووظيفية لها.


ثانياً: إلزامه بر أصل كافة المنقولات الزوجية المبينة بالقائمة المرفقة أو دفع قيمتها المالية كاملة للزوجة.


ثالثاً: تثبيت نفقة المتعة والنفقة الزوجية المؤقتة واقتطاعها شهرياً من راتبه الحكومي لصالح المدعية، وإحالة ملف الطلاق للضرر إلى جلسة الخلع والطلاق النهائي لتطبيق الإجراءات الشرعية.”


سقطت الكلمات على رأس محمود كالصاعقة! اصفر وجهه وتلعثم لسانه، وسقط على المقعد خلفه وهو يصرخ:


* سنة حبس؟! سنة يا سيادة القاضي؟! أنا موظف حكومة ومستقبلي هيضيع!


أما في ممر المحكمة الخارجي، فما إن وصل الخبر إلى أم محمود التي كانت تنتظر الهاتف على أحر من الجمر من ابن عمهم الذي كان يحضر الجلسة، حتى أطلقت صرخة مدوية في شقتها بالأسفل، وأخذت تلطم على وجهها وتصيح في فارغ العمارة:


* ابني اتحبس! ابني الموظف اتحبس بسبب البت الموظفة وأبوها! يا لهوي يا فضيحتي وسط الناس!


لكن الصدمة لم تتوقف عند هذا الحد؛ إذ إن الأستاذ هشام لم يضيع دقيقة واحدة. استغل وجود محمود في المحكمة للحصول على صيغة تنفيذية فورية بالتحفظ عليه لحين دفع كفالة الاستئناف والتسليم الفوري لقيمة الأجهزة والمنقولات كاملة أو التقدم باستئناف مسجل.


اقترب محمود وهو مقيد اليدين خلف شرطي تنفيذ الأحكام، ونظر إلى عبير وأبيها بعيون مليئة بالكسرة والدماء، واستعطفهم بملامحه:


* يا حاج عبد الله.. تنازلوا عن الشق الجنائي بس.. خذوا فلوسكم وخذوا القايمة وكل حاجة، بس بلاش يدخل المحبس، أنا لو اتسجنت يوم واحد هترفد من شغلي وحياتي هتتدمر!


نظر الحاج عبد الله إلى المحامي الأستاذ هشام، ثم نظر إلى ابنت عبير وقال لها:


* القرار قرارك أنتِ يا عبير.. أنتِ صاحب الشأن والوجع، وأنا معاكِ في أي قرار تختاريه.


وقفت عبير تفكر لدقائق معدودة؛ كانت ترى أمامه رجلاً كان منذ ستة أشهر زوجها وشريك حياتها والمفترض أنه سندها، ولكنه تحول بضعفه وطمعه وطمع أمه إلى خصم يحاول تدمير حياتها وسمعتها ومهنتها. لم تكن تريد الانتقام المحض، بل كانت تريد درساً قاسياً يذكره ويذكر أمه بأن كرامة النساء وأموالهن ليست مالاً سائباً.


التفتت عبير إلى المحامي الأستاذ هشام وقالت بصوت هادئ ولكن قوي:


* يا أستاذ هشام.. أنا مش هسيب حقي في القايمة ولا في النفقة، وده حق شرعي وقانوني هاخده بالسنتيم. لكن بالنسبة لعقوبة الحبس في جنحة التشهير، أنا مستعدة أصلح الشق الجنائي وأتنازل عن الحبس بشرط واحد فقط!


قفز محمود من مكانه رغم القيود وقال بلهفة شديدة:


* شرط إيه؟! أنفذ أي شرط تطلبيه فوراً يا عبير!


قالت عبير بصوت يسمعه الضابط والحاضرون جميعاً:


* الشرط هو إنك تطلقني طلاق بائن فوراً قدام المأذون في المحكمة دلوقتي، وتتعهد كتابياً ورسمياً بعدم التعرض لي أو لأهلي أو لمكان شغلي نهائياً، وتدفع كافة المبالغ المستحقة للقايمة والنفقة فوراً نقداً كاش أو بشيك مقبول الدفع، وتعمل اعتذار رسمي مكتوب وموثق يترسل لشركتي ولمديري في الشغل عشان يترد اعتباري قدام كل زمايلي اللي فضحتني قدامهم!


بلع محمود ريقه بصعوبة، ونظر إلى الضابط الذي كان يستعجله للدخول إلى التخشيبة. كانت الخيارات أمامه معدومة: إما أن يدخل السجن لمدة سنة، ويفقد وظافته الحكومية، ويثبت عليه التشهير والسرقة وتدمر حياته نهائياً، وإما أن ينصاع لشروط عبير الكاملة ويرمي غروره وغرور أمه تحت أقدامه.


صاح محمود وهو يبكي بكسرة ونفس مقتولة:


* موافق! موافق على كل شروطك يا عبير! جيبوا المأذون فوراً، أنا أوقع على كل حاجة وعلى التنازل وعلى الاعتذار والطلاق!


في خلال ساعتين، تم استدعاء مأذون المحكمة إلى إحدى الغرف الملحقة بالقاعة. وقفت عبير وبجانبها أبوها الحاج عبد الله والأستاذ هشام، وقعد محمود ومعه محاميه وزوج أخته إبراهيم الذي حضر مسرعاً بعد علمه بقرار الحبس لينهي الأمر ويدفع المبالغ المالية المطلوبة ببيع بعض ممتلكات محمود الخاصة.


تم توقيع أوراق الطلاق البائن، ورد كافة المبالغ المالية الخاصة ببدل التكييف والميكرويف والمنقولات كاملة في حساب عبير البنكي، وتوقيع وثيقة اعتذار رسمية موجهة لمدير فرع الشركة يتعهد فيها محمود بعدم التعرض ويمحو أي إساءة صدرت منه أو من أمه بحق عبير.


حين انتهى المأذون من كتابة الوثيقة وقال كلمته الشهيرة: “باركت لكم وعوضكم الله خيراً”، تم فك أصفاد محمود بعد تقديم تنازل عبير الرسمي عن الشق الجنائي في جنحة التشهير.


وقف محمود وهو ينظر إلى ورقة الطلاق في إيده، ثم رفع عينيه لينظر إلى عبير لأخر مرة. كانت عبير ترتدي نظارتها الشمسية، وأخذت حقيبتها ووثيقة طلاقها واسترداد حقوقها بالكامل، ولم تنظر إليه حتى بنصف عين.


خرجت عبير من مبنى المحكمة برفقة أبيها الحاج عبد الله، والشمس تسطع في السماء دافئة ومنعشة. تنفست الهواء النقي بأعماق رئتيها، وكأن كابوساً مظلماً دام لستة أشهر قد انزاح عن صدرها إلى الأبد.


قالت لأبيها وهي تبتسم بابتسامة صافية لأول مرة منذ أشهر:


* الحمد لله يا بابا.. حق شقاك وشقايا رجع، وكرامتي اتردت قدام الدنيا كلها.


ابتسم الحاج عبد الله وطبطب على يدها بحنية أصلية:


* الحمد لله يا بنتي.. البيت اللي ما يتنيش على أصول وكرامة، الفراق فيه نجاة. أنتِ عفيفة وشقية وبكرة ربنا يعوضك بأفضل منه مليون مرة.


لكن الأحداث لم تنتهِ تماماً بالنسبة لمحمود وأمه؛ فعندما عاد محمود إلى بيته وهو يحمل وثيقة الطلاق وخسارة أمواله وحقوقه وخزيه أمام الناس، دخل شقة أمه التي كانت تنتظره بلهفة.


أول ما شافته أمه، جرت عليه وهي تقول:


* محمود! يا حبيبي خرجت إزاي؟ والبت دي أخدت إيه؟


ألقى محمود وثيقة الطلاق وأوراق الاسترداد والاعتذار في وجه أمه، وصرخ بصوت هز العمارة كلها:


* أهي دي آخرة طمعك يا أمي! أهو بيتي اتخرب، ومراتي طارت، وفلوسي راحت، ووقعت اعتذار رسمي بمسح بكرامتي الأرض عشان ما أتسجمش! أختي سمر خاد الميكرويف وقعدت في بيتها مع جوزها، وأنا اللي اتقطم ظهري وضاع مستقبلي! الشقة دي أنا مش قاعد فيها تاني، وسيبها لك تطردي فيها التكييف والحيطان زي ما أنتِ عاوزة!


ترك محمود الشقة وخرج يجر خيبته وندمه، بينما قعدت أم محمود في صالة شقتها الفارغة، تتطلع في الحوائط الباردة، لا تجد ميكرويف، ولا تكييف، ولا ابناً يسندها، ولا كرامة تبقت لها أمام الجيران وأهل المنطقة.


أما عبير، فقد عادت في اليوم التالي إلى عملها بكرامة مرفوعة ووجه مشرق. سلمت وثيقة الاعتذار الرسمية لمديرها الأستاذ سامح الذي استقبلها بكل احترام وتقدير، وعادت لممارسة حياتها وعملها بكل نجاح وقوة، مؤمنةً بأن شقاء الإنسان وكرامته هما أغلى ما يملك، وأن من يفرط في أمانة بيته لا يستحق أن يكون شريكاً في العمر.




أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close