القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت قبر ابني كامله حكايات زهرة حصري



سكريبت قبر ابني كامله حكايات زهرة حصري


ابني اتوفى في حادث سير ومن يوم وفاته وهو كل يوم يصحيني من النوم بصراخه وهو بيقول خرجني من هنا يا بابا ، ومع تكرار الحلم ده عملت حركة مجنونه واخدت ناس البلد وفتحت قبره واللي شوفته ميستوعبهوش عقل اصعب صدمة مرت عليا !!


كنت حاسس اني  بتنفس في الدنيا دي  بـ "عمر". عمر ابني، اللي عنده عشرين سنة، كان هو النفس اللي بكمل بيه حياتي، والونيس الوحيد اللي فاضلي في الدنيا دي كلها. بعد ما أمه اتوفت وراحت لربها، وبعد ما أخته اتجوزت وسافرت مع جوزها، مبقاش ليّ في الدنيا غيره. كنا ننام ونصحى سوا، ناكل ونشرب سوا، كان هو أخويا وصاحبي وابني وكل أهلي.

وفي يوم، اليوم الأسود اللي مش هيتمسح من ذاكرتي طول ما أنا عايش، كان راجع من جامعة القاهرة زي عادته، واقف مستني المواصلات، ومرة واحدة جات عربية مسرعة طيرته... مات في ساعتها.

لما جالي الخبر، حسيت إن روحي هي اللي طلعت مش روحه. الموت أخد مني حتة من قلبي ودفنها تحت التراب. الأيام بقيت شبه بعضها، الحزن خيم على البيت، الشقة بقت فاضية وضلمة، والدموع مبقتش تنشف من عيني، اكتئاب ملهوش نهاية، وحسيت إن كل حاجة في الدنيا دي انتهت خلاص ومبقاش ليها أي معنى.

بس العذاب الحقيقي


مبدأش يوم الحادثة... العذاب بدأ بعد ما دفنته بليلتين.

كنت نايم، وصحيت على صوت صريخ هيجنني. صوت عمر! شفته في الحلم واقف قدامي، بس المنظر كان يرعب... كان في شوكة كبيرة مغروسة في جنبه، والد،،م نازل منها، وهو بيصرخ بوجع يقطع القلب وبيترجاني: "خرجني من هنا يا بابا! طلّعني من هنا!"

قمت من النوم مفزوع، عرقان وقلبي بيدق زي الطبلة. اتعوذت من الشيطان، قمت اتوضيت وصليت ركعتين، وقعدت أدعيله وأقرأله قرآن. قلت في نفسي: "دي أضغاث أحلام، أنا بس عشان بفكر فيه ومش قادر أصدق إنه فارقني."

تاني يوم... نفس الكابوس. بنفس الصريخ: "خرجني من هنا يا بابا!"

التالت... الرابع... عدى أسبوع كامل وأنا مبدوقش طعم النوم. كل ما أغمض عيني، يجيبلي عمر وهو بيتوجع، والشوكة مغروسة في جنبه، وبيصرخ: "طلّعني يا بابا!"

كنت هتجنن. طيب ليه معقوله ابني بيتعذب؟ بس عمر ده طول عمره كان نسمة، ولد تقي وبار، بيصلي فروضه كلها في وقتها، بيصوم، وبيطلع زكاة، والقرآن ده مكنش بيفارق إيده ولا لسانه لحظة. ولد متربي وعارف ربنا، ليه الكابوس ده؟

قلت خلاص، أنا اللي عقلي طار وأنا اللي جايز اكون تعبت. رحت لدكتور نفساني، قعدت معاه وحكيتله، كتبلي على مهدئات

وادويه، وقال لي: "دي صدمة نفسية جامدة يا عبد السميع، عقلك الباطن مش قادر يستوعب الفقد، عشان كده بيصورلك الكوابيس دي."

أخدت العلاج، وقلت يمكن أرتاح... بس ولا المهدئات عملت حاجة.  وجالي عمر بنفس منظره وبنفس الصرخة اللي بتهز كياني.

لحد ما جت  الليلة اللي غيرت كل حاجة.

صليت العشا وقعدت ادعي لابني ومراتي ونمت بالعافيه وقتها شفت في المنام مراتي الله يرحمها، واقفة وجنبها عمر، وكانت بتبكي وقالت"خرج ابنك يا عبد السميع!"

قمت من النوم المرة دي مش بس مفزوع... أنا قمت وجسمي كله بيلبش. خلاص، ده مش مجرد حلم، دي رسالة دي ممكن رؤيه، ولازم أعمل حاجة ..اي حاجه!

أول ما الشمس طلعت، جريت على أخواتي الشباب وبعض كبارات البلد. حكيتلهم  وقلتلهم: "أنا لازم أفتح قبر ابني!"

الناس بصولي بنظرات حزن وتأسف، وكانوا بيهزوا رساهم ويقولو لا حول الله ...وحد الله مش كده 

كانو فاكرين اني اتجننت ...بس انا قولت حتى لو فعلا المشكله في عقلي لازم اطمن وافتح القبر."

حاولوا يمنعوني ويهدوني، بس أنا صممت وزعقت وقلت: " لو محدش جه معايا هروح لوحدي وأفتحه بأيدي!"

شافوا إصراري فمشوا معايا عشان اهدى

وصلنا المقابر، وريحة التراب

والشمس كانت حامية. وقفوا ورايا وهما بيدعولي بالشفاء والرحمة، وأنا وبدأت أزيل التراب وفتحنا القبر انا واخواتي

وبصينا كلنا في القبر الناس اللي كانوا شايفاني مجنون، رجعو لورا وهما بصدمه شديده أما أنا... أنا اتجمدت في مكاني، وكنت هفقد وعيي من اللي شفته جوة القبر!!!!!

اللي شفته جوة القبر طير باقي العقل اللي كان فاضلي، ودمر كل منطق كنت متمسك بيه.

القبر مكنش زي ما سبناه يوم الدفنة.. الكفن كان ممزق من ناحية الجنب، وجثة عمر ابني الله يرحمه مكنتش نائمة في وضع الموت الطبيعي! الولد كان متكوم على جنبه، وإيده مسكوكة على جدار القبر الطوبي، وضوافره متكسرة والدم الناشف معلم على قالب الطوب! بس الأبشع من ده كله.. الأبشع واللي خلاني أصرخ صرخة هزت المدافن كلها، إن كان فيه فرع شجرة عتيق وشوكه ناشر زي السكاكين، غارز في جدار القبر ومدبب ومغروس بغشامة في جنب عمر.. نفس الشوكة! نفس الموضع اللي كان بيصرخ منه في الحلم كل ليلة!

أخواتي والناس اللي كانوا واقفين ورايا وشايفيني مجنون، أول ما بصلوا جوة القبر، الصمت أكل ألسنتهم. فيه اللي رجع خطوتين لورا وهو بيلطم على وشه، وفيه اللي صرخ وقال: "أستغفر الله العظيم! أستغفر الله العظيم! ده إيه ده؟!"


 

أنا ما حسيتش بنفسي، نزلت القبر برجلي، التراب كان سخن تحت جزمتي، وجسمي كله بيتنفض. مسكت إيد عمر.. كانت باردة زي التلج، بس ضوافره المتقطعة والدم اللي على الطوب كان بيقول الحقيقة المرعبة اللي عقلي رفض يصدقها في الأول: عمر اندفن وهو حي!

عمر مات صدمة، أو جاله غيبوبة كاملة من قوة الخبطة بتاعة العربية، والطب الشرعي والمستشفى استعجلوا وقدموا تصريح الدفن على إنه فارق الحياة.. الولد صحي جوة الضلمة، صحي تحت أطنان التراب، وجد نفسه مقفول عليه في صندوق طين! حاول يصرخ، حاول يحفر بأطراف صوابعه في الجدار لحد ما ضوافره اتخلعت، وفضل يتلوى من الرعب لحد ما جنبه خبط في فرع جذر الشجرة العتيقة اللي كانت ممدودة جوة القبر ومقصوصة بغشامة من التربي وهو بيقفل اللحد.. الشوكة انغرست فيه، ونزف في الضلمة وهو بينادي عليا، لحد ما خنقه ونقص الأكسجين أكلوا البقية الباقية من روحه!

وقفت جوة القبر وأنا شايف آثر عذابه، شايف عذاب ابني اللي ملحقش يفرح بشبابه، اللي مات مرتين.. مرة تحت عربية طايشة، ومرة تحت التراب وهو بينادي على أبوه سند والأب نايم في بيته مش حاسس بيه!

صرخت بعالي صوتي: "ياااااااااارب! ليه؟ ليه يعملوا فيه كده؟!

ده أنا أديتهولكم أمانة، تدافنوه وهو بيتنفس؟!"

أخواتي نزلوا ورايا بالعافية، مسكوني وأنا بكيل التراب على وشي وبحاول أضفنه في حضني، كانوا بيبكوا بانهيار، والبلد كلها اتلمت على الصوت. التربي اللي قفل القبر يومها جه يجري، ولما شاف المنظر، ركبه خبطت في بعضها ووقع على الأرض وهو بيحلف إنه مكنش يعرف وإن الولد كان جثة هامدة وقاطع النفس تماماً وقت الدفن.

طلّعوني من القبر بالقوة، وأنا شايف وش عمر للمرة الأخيرة.. وش كان متشنج من الرعب، كأنه بيسألني: "تأخرت ليه يا بابا؟"

الخبر نزل على البلد زي الصاعقة. الناس كانت بتتكلم بذهول ورهبة، المقابر اتملت بشر، والشرطة جت مع النيابة بعد ما البلاغ وصلهم. فتحوا تحقيق عاجل، واتقبض على الدكتور اللي كتب تصريح الدفن في المستشفى والتربي، والبلد كلها كانت في حالة حداد ورعب ملهوش مثيل. بس كل التحقيقات وكل المحاضر والنيابات مكنتش هترجعلي عمر، ولا كانت هتمسح صورة صوابعه المتقطعة على قالب الطوب من خيالي.

عدت أيام التحقيقات وأنا زي الجثة الهامدة. مكنتش باكل ولا بشرب ولا بتكلم. كنت قاعد في الشقة، أدخل أوضة عمر، أمسك هدومه، أشم ريحتها، وأبص للسقف. الكوابيس وقفت.. الصريخ انقطع.

. بس العذاب جواه اتضاعف مية مرة. الحلم كان رحمة، كان تنبيه من ربنا عشان أطلع ابني وأعرف الحقيقة، لكن الحقيقة كانت أتقل من إن بشر يستحملها.

كنت كل ما أغمض عيني، أفتكر أمه الله يرحمها وهي بتقولي في المنام: "خرج ابنك يا عبد السميع!".. كانت عارفة، روحها كانت حاسة بضناها وهو بيتخنق تحت الأرض، وجاتلي عشان أنقذ جثته وأكرمه بدفنة صح، ونمسح الدم اللي كان نازل منه.

عدى شهر على الواقعة، وشعري شاب بالكامل، جسمي هزل وبقيت زي الخيال. بنتي جات من السفر لما عرفت، كانت تبكي وتترجاني أجي أعيش معاها ومع جوزها عشان أخرج من الجو ده، بس أنا رفضت. قلتلها: "أنا مش هسيب بيت عمر.. أنا قاعد مع ريحته هنا لحد ما أروحله."

في ليلة من الليالي، وبعد ما الدنيا هديت والتحقيقات قفلت ملفها على إنها غلطة طبية وإهمال جسيم، قعدت على مصلايتي بعد صلاة الفجر. كنت ببكي بدموع حارقة، وبكلم ربنا: "يا رب.. أنا مش معترض على قضاءك، بس قلبي محروق.. ارحم ضعفي واجعل عذابه في الضلمة دي كفارة ليه وشفاعة ليا."

ونمت على المصلاية من كتر التعب والدموع..

وهناك.. في النوم.. شفت عمر.

بس المرة دي، المنظر كان مختلف تماماً. مكنش فيه شوكة، ومكنش فيه

دم، ومكنش بيصرخ.

عمر كان واقف في مكان كله نور، أرض خضراء ممتدة لمسافات العين مش جايباها، كان لابس ثوب أبيض ناصع زي الثلج، وشه كان بيشع نور وابتسامته الصافية رجعتله تاني.. الابتسامة اللي حرمتني منها الدنيا.

قرب مني، ومسك إيدي.. حسيت بدفا إيده اللي حرمتني منها الأيام.

قال لي بصوت هادي وزي العزف: "خلاص يا بابا.. متزعلش ومتعذبش نفسك.. أنا أخذت نصيبي من العذاب في الدنيا ورُفعت درجاتي.. أنا هنا في راحة ونعيم مشفتوش في حياتي، وأمي جنبي وبتسلم عليك.. مستنيينك يا بابا، بس في ميعادك.. اصبر، ودعواتك هي اللي بتوصلني."

قمت من النوم المرة دي.. مكنتش عرقان ولا خايف. كان فيه سكينة غريبة نازلة على قلبي، ريحة مسك كانت مالية الأوضة. مسحت دموعي، وقلت: "الحمد لله.. إنا لله وإنا إليه راجعون."

عرفت إن ربنا سبحانه وتعالى جعلي الحلم ده عشان أكشف الحقيقة، وعشان أريح جثة ابني وأكرمه، وعشان ينبهني إن العذاب انتهى وتبدّل بنعيم مقيم.

من اليوم ده، أنا عايش أليف السجادة والقرآن، مستني اللحظة اللي هقفل فيها عيني عشان أروح لعمر وأمه.. وعرفت إن أشد ابتلاءات الدنيا، ممكن تكون هي الباب اللي بيكفر بيه ربنا الذنوب ويرفع بيه الدرجات في الجنة

 

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close