القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت فطار حماتي كامله حكـايات مني السيد حصري

 سكريبت فطار حماتي كامله حكـايات مني السيد حصري



سكريبت فطار حماتي كامله حكـايات مني السيد حصري

 

الساعة خمسة الفجر قلت إني مش هعمل فطار لحماتي، فقام جوزي شدني ورزعني في الأرض وهي واقفة تبتسم بشماتة أخيرًا هتتعلمي الأدب. وقعت على الأرض، وبدل ما أعيط وأستعطفهم، مسكت تليفوني وصوّرت الكدمات ووثّقت الساعة، وخرجت بشنطة هدوم واحدة. بعد تلات أسابيع رجعت على عزومة عيلة كبيرة، ومعايا دبلتي، وتقرير طبي مختوم، ودوسيه أوراق خرّس الكل من الصدمة.

الجزء الأول

قومي. الساعة خمسة الصبح وأمي مستنية فطارها.

فتحت عيني وأنا مش مستوعبة من قلة النوم. كان طارق واقف جنب السرير ولابس هدومه، ووراه في الطرقة أمه، نادية، واقفة تراقبني بروب نبيتي ونظرة كلها تعالٍ.

أنا لسه نايمة اتنين ونص بالليل همست بتعب مش قادرة أقوم أقف على البوتاجاز دلوقتي.

لفيت ضهري عشان أكمل نومي.

طارق شد الغطا بعنف، ولما كررت رفضي، مسكني من دراعي بقوة وجرّني من فوق السرير. جنبي خبط في الكومودينو قبل ما أترزع على البلاط. وجع شديد قطع نَفَسي.

نادية ابتسمت وقالت ببرود

كان لازم من زمان تعرّفها مقامها وحجمها الطبيعي.

بصيت لطارق ومستنياه يفوق لنفسه ويندم، لكنه شاور بإيده ناحية المطبخ وقال بقسوة

اخلصي، قومي اعملي بيضتين لأمي وبطلي شغل التمسكن ده.

في اللحظة دي بالظبط، تليفوني اتهز برنة رسالة.

قريت الكلام، والخوف اللي كان ماليني اتبدل لحاجة تانية خالص؛ أصل قبل أسبوعين، ومن غير ما طارق يحس بحاجة، كنت بدأت أرتب خطة خروج.

الموضوع كله بدأ من حداشر أسبوع، لما نادية أعلنت إن ماسورة مياه ضربت في شقتها في طنطا، وإن تصليح الحمام وتجديد البيت هياخد تلات أسابيع بالكتير.

كنا عايشين في شقة تمليك وعليها أقساط في مصر الجديدة، بندفع قسطها الشهري بالنص أنا وهو. أنا شغالة


في الموارد البشرية والمرتبات في شركة شحن وتوزيع، وطارق مدير مبيعات. وافقت إنها تقعد معانا، وحوّلت أوضة مكتبي الصغيرة لأوضة ضيوف ونقلت حاجتي وشغلي لأوضة النوم.

أول أسبوع كان عادي، وبعدها بدأت الطلبات

مريم، اعمليلي كوباية شاي بحليب.

مريم، حطي عباياتي تتغسل مع هدومك.

مريم، عايزة الفطار بكرة الساعة سبعة بالدقيقة.

وشوية شوية، الطلبات بقت أوامر.

في يوم دخلت عليا الأوضة وأنا في اجتماع أونلاين مهم

البن خلص يا هانم.

شاورتلها بإيدي تستنى ثانية عشان المايك مفتوح.

بالليل، طارق دخل يعاتبني بنرفزة

أمي بتقول إنك بتعامليها بتعالي وبتتكبري عليها!

كنت في ميتنج شغل بكلم مديري.

ما إنتِ قاعدة بتشتغلي من البيت، بلاش دراما بقى.

كلمة بلاش دراما بقت رده الثابت على أي شكوى مني. لما نادية اتريقت على شغلي وقالت هو قعادك قدام الإكسيل ده بقى شغل بجد؟، طارق ضحك. ولما علقت إن الراجل المتجوز عيب يكوي قمصانه بنفسه ومراته موجودة، طارق برضه سكت ومردش.

التلات أسابيع بقوا خمسة.

وفي ليلة، واحنا قاعدين بنتعشى، قلت بهدوء وحسم

من بكرة كل واحد كبير يحضر فطاره بنفسه. لو هطبخ للبيت كله أهلاً وسهلاً، لكن مش هصحى مخصوص قبل ميعادي أخدم طلبات فردية.

نادية سابت الشوكة وقالت بلؤم

في عيلتنا الست الأصيلة بتشيل أهل جوزها فوق راسها من غير ما تحس إنها شغالة.. بس نقول إيه، يمكن بنات الأقاليم متربوش على الأصول.

طارق بصلي بشرارة غضب

لسانك يتقص قبل ما تغلطي في أمي!

في الليلة دي سألت نفسي لأول مرة لو حبيت أسيب البيت ده بكرة، هروح فين؟

تاني يوم بعتت ل سارة، زميلتي في الشغل، خالتها كانت بتأجر ستوديو صغير مفروش في العباسية.

ردت عليا للأسف متأجر دلوقتي.

قلت

لها أنا بس بسأل وبشوف خياراتي.

بعدها بأسبوعين، نادية قررت فجأة إنها مسافرة طنطا الصبح بدري وقالت بأمر

فطارك يكون جاهز خمسة الصبح.

مش هينفع، عندي تسليم رواتب ومش هقفل اللاب توب قبل اتنين بالليل.

طارق رفع عينه من الموبايل وقال باستهزاء

هتعملي حوار وجنان عشان حتة فطار؟

الساعة 217 قفلت اللاب توب ونمت من التعب.

الساعة 500 شدني من السرير ورزعني في الأرض.

والساعة 504 وصلت رسالة سارة

خالتي استلمت شقتها امبارح.. الاستوديو فاضي وجاهز من النهاردة.

طارق لسه واقف بيزعق عشان أقوم للمطبخ، ونادية لسه بتبتسم في الطرقة.

ومكنش في دماغ أي حد فيهم إن الفطار ده مكنش غير القشة اللي هتقسم ضهرهم، وبداية كابوس مش هيصحوا منه.

الرسالة اللي نورت شاشة التليفون كانت طوق نجاة مرمي لي وسط بحر من الغرق والإهانة. خالتي استلمت شقتها امبارح.. الاستوديو فاضي وجاهز من النهاردة.

قرأت الجملة مرتين، وفي اللحظة دي بالذات حسيت بحاجة كانت بتغلي جوايا انطفت تمامًا وحل مكانها تلج بارد ومخيف. الزعيق اللي كان مالي الأوضة اتحول لوشوشة بعيدة ملهاش أي معنى. طارق لسه واقف فوق راسي، عروق رقبته نافرة، ووشه محتقن بالغضب الذكوري الأعمى، وعينيه بتبصلي كأني حشرة لازم يدوس عليها عشان تثبت ولائها، وأمه وراه عند باب الأوضة، ريحة عطرها الرخيص مختلطة بريحة الصبح البارد، وابتسامتها الصفرا مفرودة على وشها بانتصار مقزز وهي شايفة ابنها بيكسرني عشان خاطر عيونها.

قومي يا بت انتي هتفضلي متنحة في شاشة الزفت ده؟! طارق صرخ وهو بيشاور برجله كأنه هيديني شلوت في ضهري والله ما هسيبك النهاردة إلا لما تنزلي على ركبك وتبوسي إيد أمي وتعمليلها اللي هي عايزاه!

غمضت عيني لثانية

واحدة، بلعت طعم الدم الخفيف اللي طلع في بقي نتيجة خبطة سناني في بعض لما اتطوحت على الأرض، وفتحت الكاميرا. من غير ما أرد عليه بكلمة، ومن غير ما صوتي يتهز بدمعة واحدة يستلذوا بيها، رفعت الموبايل ودوست على زرار التسجيل والكاميرا، لقطت صورتين لتاريخ وساعة الشاشة، وبعدها لقطت صورة لجنبي اللي بدأ يورم ويزرقّ بسرعة عند عظمة الحوض مكان خبطة زاوية الكومودينو، وصورة تانية واضحة لطارق وهو واقف فوقي بيزعق ولأمه اللي كانت لسه متمسكة بنفس الابتسامة المسمومة لحد ما شافت الكاميرا في وشها.

انتي بتعملي إيه يا مجنونة؟! طارق اتخض ومد إيده عشان يخطف التليفون من إيدي، لكن كنت أسرع منه. سندت على الأرض بإيدي التانية وقومت وقفت على حيلي رغم الألم الفظيع اللي كان شادد على وسط ضهري.

متقربش مني قلت الجملة دي بنبرة واطية وهادية لدرجة خلت طارق يتسمر مكانه خطوة لورا. مكنتش صوت مريم اللي بتعيط وتبرر وتستسمح، كانت نبرة حد قفل الحساب وبدأ يجرد الدفاتر.

نادية حست إن في حاجة غلط، قربت خطوة ومطت شفايفها باحتقار عشان تغطي على توترها وقالت شايفة قلة أدبها وعينها القوية يا طارق؟ بدل ما تعتذر على طول لسانها بتصورك زي البلطجية! دي متربتش يا بني، دي عايزة تتكسر من أول وجديد عشان تعرف إنها عايشة في خيرك وتحت سقفك.

بصيت لنادية من فوق لتحت بابتسامة خفيفة، ابتسامة خلت وشها يصفرّ فجأة. تحت سقفه؟ رديت وأنا بمسح بضهر إيدي نقطة دم صغيرة نزلت من شفتي اللي اتجرحت تمام.. خليكي فاكرة الكلمة دي يا حماتي. الشقة دي بالذات، بكل حيطة فيها، متنسيش مين اللي دافع نص تمنها ومليمها لحد اللحظة دي.

مريم! طارق زعق بصوت جهوري وهو بيقفل قبضة إيده لو لسانك الزفر ده نطق كلمة تانية عن الشقة أو قللتي من أمي، قسماً برب العزة

 

ما هخلي فيكي حتة سليمة! ادخلي المطبخ حالاً!

المطبخ بتاعك انت وأمك.. اشبعوا بيه.

لفيت ضهري بهدوء ودخلت على الدريسنج الصغير. طارق كان ماشي ورايا بيبرطم بكلام مليان شتايم وتهديد انتي فاكرة نفسك رايحة فين؟ أقسم بالله لو خرجتي من باب الشقة ده ملكيش رجوع، هتترمى في الشارع زي الكلاب، وأهلك في البلد مش هيستقبلوكي بمصيبتك دي!.

فتحت الدولاب، طلعت أكبر شنطة سفر خفيفة، ومن غير أي تردد بدأت ألم هدومي الأساسية تلات أطقم فورمال للشغل، الهدوم البيتي المريحة، لابتوب الشغل بالشاحن بتاعه، الفلاشات والهارديسك اللي عليه كل نسخ شغلي الاحتياطية، وأهم حاجة الخزنة الصغيرة المقفولة برقم سري في الرف العالي.

طارق لما شافني بطلع الخزنة جرى ومد إيده عشان يشدها مني انتي بتسرقي حاجتي كمان يا حرامية؟! زقيته بعيد بقوة مكنتش متخيلة إنها عندي، وجع جنبي ولّع نار في جسمي بس الأدرينالين كان مسيطر على كل خلية فيا الخزنة دي فيها دهبي اللي جايباه من حر مالي، وفيها شيكات أقساط الشقة اللي بتتسحب من حسابي البنكي، والشهادات بتاعة تحويلاتي للشركة العقارية.. لو إيدك لمست ورقة منها هطلب البوليس دلوقتي بتهمة الشروع في قتلي والسرقة بالإكراه، والتليفون ده فيه كل الصور اللي تثبت إنك اعتديت عليا علني.

نادية كانت واقفة على باب الأوضة، عيونها بتبص للشنطة بقلق حقيقي لأول مرة. هي كانت مفكرة إن آخر طموحي بعد ما أترزع في الأرض إني أدخل أوضتي أعيط وأستنى طارق يجي يديني كلمتين ناشفين يرضيني بيهم وخلاص، مكنتش متخيلة إن مريم بنت الأقاليم الهادية الساكتة ممكن في خمس دقايق تقلب الطاولة وتتصرف كأنها بتنفذ خطة طوارئ مدروسة بقالها سنورات.

سيبيها يا بني، سيبيها تغور

في ستين داهية! نادية زعقت بصوت مشروخ وهي بتشد طارق من دراعه هي فاكرة إنها هتلويلنا دراعنا بالخروج؟ بكرة ترجع تزحف على بطنها عشان تطلب السماح لما تلاقي نفسها نايمة على الرصيف، بنات ملهمش أمان ولا بيوت تتستر فيها!

لبست ترينج واسع وكوتشي، مسكت دراع الشنطة، وحطيت شنطة ضهري اللي فيها اللابتوب والأوراق المهمة على كتفي اليمين بعيد عن جنبي الموجوع. مشيت في الطرقة بخطوات ثابتة، عيني مجتش في عين نادية وهي واقفة حاطة إيدها في وسطها، ولا بصيت لطارق اللي كان وشه مسوّد كأنه مش مستوعب إن السيطرة بتفلت من إيده بالشكل ده.

هترجعي يا مريم.. وهتدفعي تمن كل دقيقة خرجتي فيها من ورايا! طارق زعق وهو بيخبط الحيطة ببوكس لما وصلت عند باب الشقة الباب ده لو اتقفل، مش هيتفتحلك تاني غير بشروطي أنا!

وقفت، حطيت إيدي على أكرة الباب، وبصيتله من فوق كتفي متقلقش يا طارق.. الباب ده هيتفتح تاني، بس بشروطي أنا، وفي ميعادي أنا، وقدام الناس كلها.

نزلت السلالم خطوة بخطوة لأن كل دوسة على رجلي الشمال كانت بتسمّع في ضلوعي. الساعة كانت 525 صباحاً. الشارع كان هادي جداً والبرد بيلسع الوش. وقفت تاكسي وأول ما قعدت في الكرسي اللي ورا، مقدرتش أمنع دموعي إنها تنزل. عيطت مش من القهر، عيطت من الراحة.. الراحة المرة بتاعت البتر، زي المريض اللي أخيرًا وافق يقطع رجله اللي فيها غرغرينا عشان يفضل عايش.

طلعت التليفون وكلمت سارة، صوتها كان لسه فيه نوم بس أول ما سمعت نبرة صوتي فاقت في ثانية مريم؟! فيه إيه؟ مال صوتك؟ سارة.. أنا أخدت شنطتي ونزلت. أنا جاية على شقة خالتك في العباسية، ومحتاجة دكتور.. طارق مد إيده عليا ووقعني بقوة على الكومودينو وضهري مش قادرة أفرده.

يا نهار أسود ومنيل! انتي فين دلوقتي؟ متتحركيش على الشقة علطول، اطلعي على مستشفى كليوباترا أو الدمرداش، لازم تقرير طبي الأول يا مريم قبل ما أي علامة تروح أو تبهت، فاهماني؟ التقرير الطبي هو سلاحك الأول في قواضي الضرب والطلاق للضرر!

كلام سارة كان عين العقل. سارة كانت محامية سابقة قبل ما تحول لل HR، وعارفة البير وغطاه في متاهات المحاكم. قلت لسواق التاكسي يغير المسار ويطلع بيا على مستشفى حكومي كبير عشان التقرير الطبي الميري ميكونش فيه أي تشكيك. الساعات اللي قضيتها في المستشفى كانت فيلم رعب حقيقي؛ برودة الطوارئ، دكتور النسا والولادة اللي اضطر يكشف عليا عشان يستبعد أي نزيف داخلي، دكتور العظام اللي عمل أشعة سينية على الحوض والفقرات القطنية، وأمين الشرطة اللي كان قاعد في نقطة المستشفى بيبصلي بزهق كأنه متعود على ألف واحدة زيي كل يوم.

عايزة تعملي محضر تعدي يا مدام؟ أمين الشرطة سأل وهو بيبري القلم الرصاص ببرود. عايزة أثبت الحالة في التقرير الطبي الأول، مش هفتح المحضر الجنائي رسمي غير لما المحامي بتاعي يحدد الميعاد المناسب. التقرير ده حقي، اديني نسختي المختومة. الدكتور كتب التقرير بالتفصيل كدمات رضية شديدة بالجانب الأيسر من أسفل البطن والحوض، سحجات وكدمات بالأطراف العلوية متفرقة، تمزق عضلي خفيف في الأربطة القطنية ناتج عن سقوط عنيف بجسم صلب، مع وجود كدمة دموية واضحة تستلزم راحة تامة لمدة لا تقل عن أسبوعين.

ختمت الورقة بالختم المثلث، وحطيتها في ملف بلاستيك شفاف وضميتها على صدري كأنها كنز.

وصلت الاستوديو في العباسية حوالي الساعة عشرة الصبح. المكان كان صغير، أوضة وصالة وحمام ومطبخ أمريكاني مفتوح، بس كان نضيف ومفروش

ومستور، والأهم من ده كله.. مكنش فيه لا طارق ولا نادية. قفلت الباب بالترباس، رميت نفسي على السرير، وجسمي كله بدأ ينتفض من شدة الصدمة والمسكنات اللي أخدتها في المستشفى.

صحيت العصر على رنات موبايلي اللي مبطلتش. طارق كان متصل خمستاشر مرة، ونادية باعتة تلات ريكوردات على الواتساب. فتحت الريكورد الأولاني، صوتها كان عالي ومليان شماتة واستفزاز إيه يا ست هانم؟ فاكرة إنك لما تهربي طارق هيجري وراكي يبوس إيدك ترجعي؟ ده نايم زي القتيل ولا على باله، والنهاردة عازم أصحابه على الغدا في الشقة عندينا عشان يحتفلوا بيكي.. الشقة اللي كنتي قارفانا بيها هتبقى بيت العيلة بحق وحقيقي، وسيري بقى ورجي لحمك عند أهلك في المنصورة خليهم يشوفوا مين فيهم هيقدر يصرف على بت مطلقة ومكسورة!.

الريكورد التاني كان من طارق مريم، قسماً بالله لو ما جيتي الشقة قبل العشا واعتذرتي لأمي عن قلة أدبك ووساختك، لكون مغير كالون الباب ورامي بقية كراكيبك في الشارع. الشقة دي باسمي في الشركة وبطلي تستعبطي، إنتي ملكيش فيها غير اللي أرميهولك برضايا!.

مسحت الرسائل وحفظتها كلها في سكرين شوتس وفولدرات صوتية مخصصة للتوثيق. قعدت على الكنبة، فردت ضهري بالعافية، وفتحت اللابتوب بتاعي. طارق كان فاكر إني مجرد بنت أقاليم دخلت بيته عشان تعيش في أمانه، ونسي إني مهندسة العمليات والرواتب في أكبر شركة لوجستيات، وإن شغلي الأساسي قايم على تتبع السنتيمترات والسنتات، ومراقبة العقود، وكشف أي ثغرة ممكن تخسر الشركة مليم واحد.

دخلت على حسابي البنكي، وبدأت أطبع كشوف الحسابات لآخر تلات سنين، من أول يوم كتبنا فيه عقد شقة مصر الجديدة. الشقة كانت تمنها وقت الشراء اتنين مليون ونص. طارق دفع مقدم سبعمية

 

ألف من فلوس ورث والده الله يرحمه. وأنا دفعت ستمية ألف كاش من مدخراتي ومن بيع شقة ورثتها عن أمي في البلد. العقد الابتدائي اتكتب باسمه هو لوحده ساعتها؛ لأن البنك اللي كان عامل التمويل العقاري للأقساط المتبقية كان بيشترط إن العميل يكون عنده سجل ائتماني ثابت في قطاع المبيعات اللي طارق شغال فيه، وأنا كنت لسه مغيره شركتي جديد. ساعتها طارق مسك وشي بإيديه الاتنين وقال يا مريم، لحمي ودمي ومالي بتوعك، الورق ده مجرد إجراءات شكلية للبنك، إحنا واحد، معقولة هخون مراتي وشريكة حياتي؟. طبعاً مكنتش غبية للدرجة دي عشان أسيب فلوسي في الهوا، بس مكنتش متوقعة برضه الغدر يوصل لدرجة الرزع على الأرض والشتيمة. في اليوم ده، طارق كتبلي إيصال أمانة بمبلغ الستمية ألف بتوعي، وكتبلي عقد اتفاق ومشاركة مدنية موثق بصحة توقيع، بيقر فيه إني مالكة لخمسين في المية من الشقة نظير دفعي لنص القسط الشهري اللي بيتم تحويله شهرياً من حسابي البنكي لحسابه الشخصي، ومن حسابه لحساب البنك المقرض.

المفاجأة التانية اللي طارق مكنش عامل حسابها.. الشغل. طارق شغال مدير مبيعات في شركة توريدات طبية كبرى. وطارق من غير ما يحس كان معتمد عليا في كل حاجة تخص إداريات شغله؛ تقارير الكوميشن الشهرية بتاعته، مراجعة حسابات مناديبه، وحتى إقرارات ضريبته العقارية وتأميناته. وفوق كل ده، كان واخد قرض حسن من الشركة بتاعته بضمان استمراريته، وحاطط اسمي أنا كضامن أول ومستلم في حالة أي عجز مالي، لأن مكتبي ومركزي الائتماني في بنكي كان ممتاز.

اتصلت بالمحامي بتاعي، أستاذ إبراهيم، راجل جهبذ في قضايا الأحوال الشخصية والنزاعات المالية، وقعدنا في مكتبه تالت يوم خروجي من البيت. شاف الكدمات الزرقا اللي على جنبي، وشاف التقرير الطبي المختوم، وقرأ عقد الاتفاق والمشاركة وإيصالات الأمانة وشاف تحويلات البنك المنتظمة.

ابتسم إبراهيم وهز راسه بهدوء وقال يا بنتي.. الراجل ده رامي نفسه في حضن السجن برجليه ومش دريان. أنا مش عايزة أرميه في السجن وخلاص يا أستاذ إبراهيم رديت بهدوء تام أنا عايزة حقي كامل مكمل، وعايزة كرامتي اللي اتهانت تترد في نفس المكان وقدام نفس الوشوش اللي شمتت فيا. خطتك إيه؟ طارق بعد أسبوعين عنده عزومة العيلة السنوية الكبيرة.. العزومة دي مقدسة عند الست نادية، بيعزموا فيها كل عيلة طارق وعيلة خيلانه وعمامه عشان يتفشخروا بإن طارق اشترى شقة في مصر الجديدة وعايش في العز، وأنا كل سنة كنت بتمرمط أسبوع قبلها عشان أجهز الأكل والحلويات لستين نفر.. نادية مصممة تتباهى بابنها ونجاحه وشقته الفخمة. وانتي ناوية تعملي إيه في العزومة

دي؟ ناوية أكون المفاجأة بتاعة البوفيه.

التلات أسابيع اللي عشتهم في الاستوديو كانوا مرحلة بناء كاملة من الصفر. أول حاجة عملتها أوقفت التحويل التلقائي للقسط الشهري من حسابي لحسابه. البنك حاول يسحب القسط من حساب طارق في ميعاده يوم واحد في الشهر، وطبعاً الراتب بتاعه مكنش مكفي القسط بالكامل لأنه كان معتمد على نصيبي، فالحساب نزل بالسالب وجاتله أول غرامة تأخير وإنذار بنكي. تاني حاجة بعتت إنذار رسمي على يد محضر لشركة التوريدات الطبية اللي طارق شغال فيها، بسحب ضمانتي له في القرض المالي وإلغاء صفتي كضامن، وده خلى قسم الشؤون القانونية في شركته يجمد صرف الكوميشن بتاعه لحد ما يجيب ضامن جديد أو يسدد أصل القرض. تالت حاجة أستاذ إبراهيم رفع دعوى قضائية عاجلة ل تمكين مشترك من مسكن الزوجية مرفق بيها عقد المشاركة وإثبات الملكية الصريح، مع طلب حجز تحفظي على الشقة لصالحي لمنعه من التصرف فيها أو بيعها، وقضية جنحة ضرب عمد مرفق بيها التقرير الطبي الميري والتسجيلات الصوتية والصور.

في الأسبوع التالت، عرفت من بنت خالة طارق اللي كانت متغاظة من زمان من تصرفات نادية إن نادية وطارق قالبين الدنيا تجهيز لعزومة الجمعة الكبيرة، وإن نادية عزمت كل قرايبهم من طنطا والإسكندرية وجايبين طباخين ومجهزين صواني الرقاق والمحاشي عشان يحتفلوا ب تطهير البيت من مريم، وإن طارق كان بيبرر غيابي للناس بإن مريم عيانة وراحت تقضي فترة نقاهة عند أهلها لأنها مقدرتش تستحمل ضغوط الحياة الزوجية.

يوم الجمعة الموعود.. الساعة كانت أربعة العصر. كنت لابسة بدلة كلاسيك كحلي غامقة، شيك جداً ومرتبة، فردت شعري، وحطيت روج أحمر هادي، بس مكنتش حاطة ولا دبلة في إيدي؛ الدبلة كانت في جيبي الصغير. وفي إيدي اليمين، كنت ماسكة شنطة جلد أنيقة، جواها الدوسيه البلاستيك الشفاف.. دوسيه الموت بالنسبة لعائلة طارق.

نزلت من التاكسي قدام العمارة في مصر الجديدة. ركنت جنب البوابة عشان أشوف العربيات اللي راكنة.. عربيات خيلانه، عربية عمه اللي جاي من السويس، عربيات بنات عمته.. الكل متجمع، والأصوات العالية والضحكات كانت واصلة لحد مدخل العمارة تحت. طلعت الأسانسير لغاية الدور الرابع. وقفت قدام باب الشقة. كان مفتوح على وسعه، متوارب بس على قد السلك، وصوت الضحك وريحة الأكل والسمنة البلدي مالية المكان. سمعت صوت نادية العالي وهي بتقول في الصالة وسط لمة الستات والله يا أم أشرف ربنا نجد ابني منها.. ما كانت نافعة في حاجة، لسان طويل وشغل على الفاضي ومفيهاش ريحة الأصل.. بكرة أجوز طارق ست ستها، دكتورة كدة ولا مدرسة، تشيل تراب رجليه وتعرف

تخدم حماتها مش تقولي بشتغل وعاملة مسؤولة!

أخدت نَفَس عميق، نَفَس بارد، وزقيت الباب برجلي ودخلت بكل هدوء. صوت الكعب العالي بتاعي على البلاط عمل صدى غريب في مدخل الشقة. الضحك بدأ يهدى شوية بشوية. الستات اللي كانوا قاعدين في الريسبشن التاني بصولي بدهشة. رجالة العيلة اللي كانوا متجمعين في الصالون جوة سكتوا فجأة. طارق كان واقف لابس قميص جديد وماسك كاس عصير، أول ما شافني على الباب، الكاس فلت من إيده ونزل اتهشم على الأرضية الباركيه، والعصير الأحمر ساح على السجاد كأنه بركة دم.

نادية قامت وقفت وشهقت وهي بتحط إيدها على صدرها انتي.. انتي إيه اللي جابك هنا يا وش المصايب؟!

ابتسمت، مشيت خطوات بطيئة وثابتة لحد ما وقفت في نص الصالة الكبيرة، وسط أكتر من خمسة وتلاتين نفر من كبارات العيلتين، وفتحت سوستة شنطتي. طلعت دبلتي الدهب، ودبدبت بيها على طفاية السجاير الكريستال اللي على الترابيزة برنة معدنية رنت في ودن كل الموجودين. وبعدها، طلعت الدوسيه الأزرق الكبير، رميته على الترابيزة قدام عم طارق الكبير اللي كان قاعد بيتصدر الجلسة.

مساء الخير يا جماعة قلت بصوت واضح، مسموع، ومليان هدوء مرعب خلى الصالة تسكت كأن طير على روسهم معلش جيت متأخرة على العزومة.. بس كان لازم أجيب معايا واجب الضيافة اللي يليق بمقام الست نادية وابنها البار.

طارق وشه كان لونه أبيض زي ورق الكراس، وعيونه كانت رايحة جاية بين الدوسيه، وبين وشي، وبين قرايبه اللي بدأوا يهمسوا لبعض بفضول قاتل.

مريم.. اطلعي برة طارق همس بصوت مبحوح ومرعوب وهو بيقرب خطوة اطلعي برة نتفاهم تحت، متعمليش شوشرة قدام الناس!

بصيت لطارق وضحكت ضحكة قصيرة نتفاهم؟ مكنش في

وقت للتفاهم يا طارق الساعة خمسة الفجر لما رزعتني في الأرض وكسرت ضلوعي عشان أعمل فطار لأمك المصونة؟ مكنش في وقت للتفاهم لما هددتني إنك هترمي كراكيبي في الشارع وتغير الكوالين؟

الصالة اتقلبت همهمات وزعيق مكتوم. عم طارق الكبير رفع راسه، راجل عجوز بشنب أبيض وله هيبة في عيلتهم، وبص لطارق بحدة إيه الكلام الفارغ ده يا طارق؟! مين اللي اتمدت إيده على مراته ومين اللي اترزعت في الأرض؟

نادية صرخت بسرعة عشان تلحق الموقف وتداري كدابة! بتتبلى عليه يا حاج فوزي عشان تنتقم منه! دي سابت البيت وهربت من غير إذنه وسرقت دهبها وفلوسها وراحت قعدت في شقق مشبوهة، والنهاردة جاية تفضحنا قدام قرايبنا! ارميها برة يا طارق، ارمي الفاجرة دي برة!

فتحت الدوسيه بهدوء تام، ومديت إيدي بالورقة الأولى لعم طارق ده التقرير الطبي الميري من المستشفى الحكومي يا حاج فوزي، مختوم بختم النسر، بيثبت الكدمات

والتمزق العضلي وشرخ الحوض الناتج عن التعدي بالضرب، ومعاه فلاشة عليها فيديو مسجل للحظة الضرب وصوت الست نادية وهي بتشجعه وتقوله عرّفها مقامها. والورقة دي إخطار من النيابة بجلسة التحقيق في محضر الضرب والسب والقذف اللي رقمه مقيد فوق.

الراجل مسك الورقة، وعينه وسعت بصدمة حقيقية وهو بيقرا الأختام والإصابات، ورفع عينه لطارق بنظرة احتقار مكنش متخيلها.

بس المفاجأة الكبيرة مكانتش دي. المفاجأة اللي خرست نادية وخلت لسانها يتدلى في حلقها كانت الورقة التانية والتالتة اللي سحبتهم من الدوسيه ورميتهم قدام الكل.

ودي بقى.. أوراق ملكية الشقة اللي انتو متجمعين فيها وبتاكلوا وتشربوا وبتحتفلوا بطردي منها قلت وأنا ببص لنادية اللي كانت بتنهج برعب الشقة دي، يا حماتي يا أصيلة، تلتين فلوسها مدفوعة من حر مالي. وده عقد المشاركة والاتفاق اللي ابنك ماضيه، وده إيصال الأمانة اللي على رقبته بستمية ألف جنيه كاش.. والورقة دي تحديداً، إشعار رسمي من المحكمة بالتمكين المشترك والحجز التحفظي على باب الشقة ده.. يعني العزومة اللي انتو قاعدين فيها دي، بتتعمل على ملكي، وبإذني، والبوليس على وصول دلوقتي عشان ينفذ قرار الشمع الأحمر لو ابنك مطلعش برة بشنطة هدومه زي ما خرجتني بالضبط!

طارق اتشنج مكانه، وشه احمر وبدأ يعرق بغزارة وهو شايف أوراق البنك والقضايا بتتكشف قدام خيلانه وأعمامه اللي طارق كان بيتنك عليهم بفلوسه وشياكته وشقته في مصر الجديدة. نادية قعدت على أقرب كرسي ورجلها مش شايلاها، وشفايفها بتترعش ومش قادرة تطلع جملة مفيدة ش.. شمع أحمر؟ شقة مين اللي تتشمع يا بنت ال...؟!

لسانك ميخاطبنيش تاني قاطعتها بحزم قطع الهوا في الصالة من هنا ورايح، مفيش واحدة فيكم هتفتح بقها. إنتو كنتوا فاكرين الهدوء ضعف، والطيبة سذاجة، وخدمتي ليكم بالمعروف واجب وفرض عين.. بس الحقيقة إن اللي بيبني هو اللي بيعرف يهد.

في اللحظة دي، جرس الباب رن رنتين طوال. الصوت خلّى كل الموجودين يتخضوا كأنها رنة القيامة. طارق بلع ريقه بصعوبة، وعمه بصله بقرف وساب الورق من إيده على الترابيزة وقال بصوت عالي سمعه الكل عملت عملتك السودة يا طارق وفضحتنا قدام الناس كلها؟ ست تصرف عليك وتمد إيدك عليها وعلى لحمها عشان تفطر أمك؟ الباب خبط بقوة، وصوت من برة نادى افتح يا أستاذ طارق.. محضرين تنفيذ محكمة مصر الجديدة ومعانا قوة أمنية لتنفيذ قرار التمكين والحجز!

بصيت لطارق، وقربت منه خطوة واحدة، ميلت على ودنه وهمست بصوت واطي ومفيش غيره سامعه الساعة خمسة الفجر كنت فاكر نفسك أسد.. دلوقتي بقى، شيل أمك من على كراسي شقتي، وانزلوا كملوا فطاركم وغداكم في الشارع.

 

فطار حماتي ج 2 حكـايات مني السيد حصري


صوت خبطات الباب ورنين الجرس كان عامل زي طبول حرب بتعلن بداية النهاية. الشقة الكبيرة اللي كانت من نص ساعة مليانة بهرجة، وريحة سمنة بلدي، وضحكات صفرا، اتجمد فيها الزمن فجأة. المعازيم من قرايب طارق ونادية كانوا واقفين متنحين، محدش عارف يبلع ريقه، وعيونهم رايحة جاية بيني أنا بالبدلة الكحلي والدوسيه المفرود على الترابيزة، وبين طارق اللي بقى عامل زي كتكوت مبلول، ونادية اللي قعدت على الكرسي حاطة إيدها على صدرها كأن قلبها هيقف من الصدمة والفضيحة.


الحاج فوزي، عم طارق الكبير، بص لطارق بنظرة احتقار لو كانت رصاصة كانت خلصت عليه في مكانه، وزعق بصوت جهوري: — افتح الباب يا روح أمك! افتح شوف الفضيحة اللي وصلتنا ليها بعمايلك السودة ومرقعتك!


طارق اتحرك برجالين تقال كأنه ماشي على جمر، فتح الباب وإيده بتترعش. دخل معاون التنفيذ ومعاه أمين شرطة وعسكريين بالزي الميري، ووراهم على طول كان واقف أستاذ إبراهيم، المحامي بتاعي، ببدلته الأنيقة وابتسامة واثقة مرسومة على وشه. معاون التنفيذ طلع محضر


التنفيذ وورقة القرار الصادر من المحكمة وقال بنبرة رسمية صارمة: — الأستاذ طارق عبد المنعم؟ صادر قرار من السيد المستشار رئيس المحكمة بتمكين السيدة مريم أحمد المنشاوي تمكيناً مشتركاً من العين محل النزاع، مع إثبات حالة التعدي والحجز التحفظي على منقولات العين لحين سداد المديونيات المستحقة بموجب إيصالات الأمانة وشيكات الدفع البنكية المقيدة برقم حصر تنفيذي. وأي محاولة لمنع التنفيذ أو إثارة الشغب هتعتبر جنحة مقاومة سلطات وتعدي على أحكام القضاء.

نادية أول ما سمعت كلمة "حجز تحفظي" و"شغب" صرخت ولطمت على خدها: — حجز إيه وتمكين إيه يا حكومة؟! دي شقة ابني! تعب شقاه وعرقه! البت دي جاية ترمينا برة بيتنا في يوم عزومتنا؟ إلحقوني يا ناس، ده أنا ولية كبيرة وعيانة بتموتوني على آخر أيامي؟!


أستاذ إبراهيم قرب خطوة بهدوء، فتح شنطته وطلع صورة رسمية من السجل العقاري وحطها قدام معاون التنفيذ: — يا فندم، إحنا مش هنرمي حد في الشارع بدون وجه حق، القانون فوق الجميع. موكلتي مالكة لنصف الشقة بموجب عقد


مشاركة وشيكات سداد بنكية من حسابها الشخصي للبنك الممول على مدار تلات سنين. وكمان فيه محضر جنحة ضرب مثبت بتقرير طبي ميري صادر ضد الأستاذ طارق. وحالياً، وفقاً لحكم التمكين، موكلتي بتدخل شقتها وتستلم كامل حقوقها، والست الوالدة دي ملهاش أي صفة قانونية في الشقة أصلاً، وجودها هنا كضيفة، وللأسف الضيافة انتهت بتعديها هي وابنها على موكلتي.

المعازيم في اللحظة دي بدأوا ينسحبوا بالتدريج. ستات العيلة بدأوا يلموا شنطهم في صمت ومن غير حتى ما يسلموا على نادية، وخيلانه وأعمامه كل واحد بيبص للتاني بكسوف وقرف. مرات عمه همست لواحدة جنبها بصوت مسموع: «شفتي؟ قال إيه طارق هو اللي شاري وكاتب ومصرف على البيت، اتاريه عايش في خير الست ومدي إيده عليها كمان! قطيعة تقطع الرجالة اللي بالشكل ده».


نادية سمعت الهمس ده، والدم هرب من وشها تماماً. الست اللي كانت داخلة تتفشخر بأصلها وعيلتها وإنها جاية تعلم "بنات الأقاليم" الأدب، شافت صورتها وهي بتتمرغ في التراب قدام كل لحمها ودمها.


— امشوا! —نادية صرخت بهستيريا


في قرايبها— بتسيبوني في زنقتي يا قلالات الأصل؟! مش دي العزومة اللي جيتوا عشان تاكلوا فيها وتملوا كروشكم؟! طارق، اعمل حاجة يا طارق، هتسيب مراتك تفضحنا كدة قدام أهلك؟!

طارق كان واقف زي الخيال، وشه بقى أزرق، وبص لمعاون التنفيذ وقال بصوت متكسر: — يا فندم.. دي مراتي، وخلافات زوجية عادية بتحصل في كل البيوت، إحنا نقدر نقعد ونتفاهم ونحل الموضوع ودي، مفيش داعي للبلاغات دي كلها، ده بيتي برضه!


ضحكت.. ضحكة باردة خلت طارق يبصلي برعب. — خلافات عادية؟ —قلتله وأنا بشاور على جنبي اللي لسه كان بيوجعني تحت البدلة— لما تشدني من شعري وترزعني في الأرض الساعة خمسة الصبح عشان أعمل بيضتين لأمك اللي قاعدة تبتسم بشماتة، ده كان خلاف عادي؟ لما تقول لي "ملكِيش هنا غير اللي أرميهولك برضايا" ده كان هزار؟ إنت وأمك كنتوا فاكرين الست اللي بتسكت وبتشيل عشان بيتها مركب يعيش، دي ست ضعيفة مكسورة الجناح ملهاش ضهر.. نسيت إن الست اللي بتعرف تنجح في شغلها وتدير ملايين في حسابات الشركات، مش هيغلبها تدير حسابك انت


وتكشف أصلك.


 


الحاج فوزي قرب مني، كان وشه في الأرض وخجلان، ومد إيده عشان يسلم عليا باحترام: — حقك علينا يا بنتي.. والله العظيم ما كنا نعرف باللي بيحصل، ولا كنا نتخيل إن الواد ده يطلع بالدناءة دي. إحنا ولاد أصول، واللي يمد إيده على حرمته ويقل بأصلها ميستاهلش يكون مننا. إحنا خارجين، وخلي القانون ياخد مجراه مع اللي ميختشيش.


خرج الحاج فوزي، ووراه خرجت كل العيلة.. واحد ورا التاني، يسيبوا أطباق الأكل اللي بردت على الترابيزات، وصواني المحاشي والرقاق اللي نادية صرفت عليها دم قلبها عشان تتمنظر بيها بقت مرمية ملهاش تمن. الشقة فضيت فجأة، ومبقاش فاضل فيها غيري أنا، وأستاذ إبراهيم، والقوة الأمنية، وطارق، وأمه اللي فضلت قاعدة على الكنبة بتنهج ومصدومة.


معاون التنفيذ بص لطارق بصرامة: — قدامك ساعة واحدة يا أستاذ، تلم متعلقاتك الشخصية ومتعلقات الوالدة، وتسلموا مفاتيح الشقة عشان هنثبت الحيازة وتغيير الكوالين لصالح المدعية، لحين تسوية النزاع المالي وإجراءات الطلاق أو تنفيذ حكم البيع بالمزاد العلني لسداد المديونية.


— مزاد علني؟! —طارق صرخ زي المجنون— شقتي تتباع في المزاد العلني؟! أستاذ إبراهيم رد عليه ببرود قانوني قاتل: — طبعاً.. انت عليك إيصال أمانة بستمية ألف، وفوائد بنكية وتعويضات عن واقعة الضرب اللي مثبتة في الجناية، ولو مدفعتش الفلوس دي كاش في خلال خمسة عشر يوماً، المحكمة هتحجز على نصيبك في الشقة وتطرحها للبيع، وهتدخل الحبس بتهمة التبديد وخيانة الأمانة. وفوق كل ده، شركتك وصلها إخطار رسمي بالحجز على مستحقاتك لسداد القرض اللي انت


سحبته بضمان موكلتي بعد ما تم إلغاء الضمانة. يعني ببساطة يا أستاذ طارق.. انت مالياً وقانونياً بقيت تحت الصفر.

طارق وقع على ركبه في الأرض. الراجل اللي كان من تلات أسابيع بيزعق ويشاور بجزمته عشان أصحى أخدم، كان دلوقتي بيبصلي بدموع ذل حقيقية، عيونه مكسورة بطريقة تقطع القلب لو كان قلبي لسه فيه ذرة رحمة لشخص زيه. — مريم.. عشان خاطري —همس وهو بيحاول يمسك طرف البنطلون بتاعي— عشان الأيام اللي عشناها سوا.. أنا غلطت، شيطان ودخل بينا، أمي كانت بتضغط عليا وبتسخنني، أنا مكنتش في وعيي، والله العظيم هبوس رجلك قدام العالم كله بس بلاش خراب بيتي وفضيحتي في الشغل والسجن.. مريم، إنتي كنتي بتحبيني!


رجعت خطوة لورا بقرف، وسحبت طرف بنطلوني من إيده: — أنا كنت بحب الراجل اللي رسمته في خيالي، الراجل السند اللي بيصون الأمانة وبيحترم اللي شاركته الحياة.. لكن إنت مجرد عيل، عايش تحت جناح أمه، بيستقوى على الستات عشان يثبت رجولته الفارغة. الحب اللي اتداس عليه بالبيادة الساعة خمسة الفجر، اتدفن وخرجت روحه خلاص يا طارق.


نادية شافت ابنها وهو بيتوسل على الأرض، قامت بضعف وقلة حيلة، مسكته من دراعه وبدأت تعيط بمرارة: — قوم يا طارق.. قوم يا بني متبوسش إيدين حد.. يلا نرجع طنطا.. يلا نمشي من هنا.


— طنطا؟ —بصيت لنادية وابتسمت بنقاء كامل— بالسلامة يا حماتي.. ماسورة المياه بتاعة شقتك في طنطا زمانها اتصلحت، تقدري تروحي هناك براحتك وتعملي فطارك بإيدك الساعة خمسة، ستة، أو متفطريش خالص.. مفيش هنا خلاص بنات أقاليم يخدموكي وتهينيهم في عقر دارهم.


خلال


نص ساعة، كانت الشنط ملمومة. طارق ونادية نزلوا يجروا شنطهم في مدخل العمارة، وسط نظرات البواب وسكان العمارة اللي كانوا واقفين يتابعوا خروجهم المذل في وضح النهار. طارق كان مطأطأ راسه للأرض كأنه مجرم بيترحل، ونادية كانت ماشية عينيها زايغة ومش قادرة ترفع عينها في وش بواب العمارة اللي كانت زمان بتعامله بتعالي وقرف.

بعد ما خرجوا، معاون التنفيذ قفل المحضر، والنجار غير كالون الباب بكالون جديد متين، واستلمت المفاتيح في إيدي. أستاذ إبراهيم ودعني وهو بيقول: «ألف مبروك يا مريم.. خطوتك كانت محسوبة بالسنتيمتر، والقانون دايماً في صف اللي يعرف يحمي ضهره بالورق والهدوء». هزيت راسي وشكرته، وقفلت الباب وراهم.


وقفت في نص الصالة الكبيرة لوحدي. الهدوء كان بيعم المكان بعد أسابيع من التوتر والسموم والصوت العالي. بصيت على الكومودينو في الأوضة جوة، الكومودينو اللي اتخبطت فيه وكان سبب وجعي، وبصيت على الأرضية الباركيه اللي طارق رزعني عليها.. مكنش فيه أي وجع دلوقتي، الوجع كله اتبدل بإحساس جبار بالحرية والانتصار. فتحت الشبابيك كلها على مصرعيها، وخليت هوا مصر الجديدة النضيف البارد يدخل يطرد ريحة نادية، وريحة العزومة المغشوشة، وريحة تلات سنين من التنازلات الغبية اللي كنت بقدّمها باسم الحفاظ على البيت.


بعد شهرين بالظبط.. كنت قاعدة في قاعة المحكمة، لابسة نفس البدلة الكحلي. القاضي نطق بالحكم: «حكمت المحكمة غيابياً بحبس المتهم طارق عبد المنعم سنة مع الشغل وكفالة مالية في جنحة الضرب العمد والتبديد، وبإلزامه بالمصاريف، وإحالة الدعوى المدنية


للمحكمة المختصة». وفي نفس الأسبوع، صدر حكم الطلاق للضرر مع كامل حقوقي المالية والمؤخر والمتعة، وتم بيع نصيب طارق في الشقة للبنك لسداد مديونياته بعد ما اتفصل من شركته نتيجة التحقيقات وسحب الضمانة وسوء السمعة، واشتريت أنا باقي حصة الشقة بتمويل جديد مستقل باسمي أنا لوحدي.

عرفت بعدين من بنت خالته إن طارق رجع قعد مع أمه في شقة طنطا القديمة، شغال مندوب مبيعات بسيط في شركة أدوية محلية بمرتب ميكفيش نص مصاريفه، ونادية جالها جلطة خفيفة أثرت على حركتها، وبقت هي اللي محتاجة حد يساعدها ويسندها في البيت، بس محدش من كل قرايبها اللي كانت بتتفشخر بيهم رضي يدخل بيتها أو يخدمها بعد الفضيحة اللي عملوها.


في آخر يوم استلمت فيه عقد الشقة الخالص المسجل في الشهر العقاري باسمي لوحدي «مريم أحمد المنشاوي»، روحت وقفت في بلكونة شقتي في مصر الجديدة الساعة خمسة الفجر بالدقيقة. الجو كان ساكن، والنور الخفيف بتاع الفجر كان بيشق العتمة. عملت كوباية شاي بحليب بإيدي ومزاجي، وقفت أرتشفها بهدوء وأنا ببتسم وببص للشروق. افتكرت اللحظة اللي طارق شدني فيها ورزعني في الأرض وقال لي "قومي اعملي فطار لأمي"، وافتكرت ابتسامة نادية وهي بتقول "أخيراً هتتعلمي الأدب". ضحكت من قلبي.. لأنهم فعلاً علموني.. علموني إن الطيبة من غير أنياب بتبقى سذاجة، وإن الست اللي تفرّط في كرامتها عشان ترضي راجل، بتصحى تلاقي نفسها على البلاط.. وعلموني إن أحلى فطار ممكن الست تاكله في حياتها، هو فطار العزة، لما تكون هي سيدة قرارها، وصاحبة بيتها، ومفيش كائن على وجه الأرض يقدر يكسر


عينها أو يفرِض شروطه عليها.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close