رواية كنت حامل لأول مرة في حياتي كامله رشا خالد
حكايات رشا خالد 1
كنت حامل لأول مرة في حياتي، ولما روحت أفتح ملف متابعة الحمل على التأمين، الدكتورة بصت في السيستم وسألتني: — الولادتين اللي فاتوا كانوا قيصري، صح؟
اتجمدت.
— ولادتين إيه؟! ده أول حمل ليا!
راجعت بياناتي تاني، وبعدين قالت:
— مفيش غلط… عندك ولدين متسجلين باسمك، واتولدوا على التأمين بتاعك.
بصيت لجوزي مستنية أشوف صدمته… لكنه توتر وقال بسرعة:
— أكيد غلط في السيستم، يلا نمشي.
رفضت، وطلبت أعرف مين استخدم تأميني في الولادتين.
الموظفة فتحت الملفات القديمة، وبصتلي باستغراب:
— غريبة… طلب الموافقة على الولادتين قدمه نفس الشخص.
لفت الشاشة ناحيتي وقالت:
— جوز حضرتك.
فضلت باصة للشاشة، وبعدها بصيت لجوزي.
اسمه كان مكتوب قدامي كامل.
أحمد محمود عبد السلام.
رقم موبايله القديم.
وصورة من طلب الموافقة على الولادة.
وفي آخر الورقة…
توقيعه.
الموظفة بصتلي وبعدين بصتله.
— حضرتك الزوج؟
أحمد اتردد لحظة قبل ما يرد:
— أيوه.
قالت:
— طيب الطلب ده حضرتك اللي قدمته؟
قرب من الشاشة وبص بسرعة.
— مش فاكر… ده من سنين.
ضحكت من غير ما أقصد.
— مش فاكر؟
لف ناحيتي.
— يا مريم، ما تكبريش الموضوع. أنا بقولك أكيد فيه لخبطة.
الموظفة قالت بهدوء:
— لأ يا فندم، دي مش لخبطة في اسم بس.
وبدأت تقلب في الملف.
— المطالبة الأولى اتقدمت سنة 2018، والموافقة صدرت، والمستشفى حصلت على مستحقاتها من شركة التأمين.
فتحت ملف تاني.
— والمطالبة التانية سنة 2021 حصل فيها نفس الإجراء.
سألتها:
— والاتنين باسمي؟
— أيوه.
— وبرقمي القومي؟
— أيوه.
— وعلى رقم التأمين بتاعي؟
— بالظبط.
حسيت إني مش قادرة أفهم.
أنا وأحمد متجوزين من سنة 2016.
يعني الولادتين حصلوا وإحنا متجوزين.
بصيتله.
— أحمد… إنت تعرف إيه عن الموضوع ده؟
قال بسرعة:
— معرفش.
— أمال اسمك موجود ليه؟
— قلتلك ممكن حد استخدم بياناتنا.
— بياناتنا إحنا الاتنين؟
ما ردش.
الموظفة حاولت تخفف التوتر وقالت:
— ممكن حضرتك تقدمي اعتراض رسمي، والشركة تراجع أصل المطالبات والمستندات اللي اتقدمت وقتها.
قلت فورًا:
— هقدم.
أحمد قال:
— مريم، استني.
بصيتله.
— أستنى إيه؟
— نتأكد الأول.
— ما أنا بقدم اعتراض علشان أتأكد.
— قصدي نرجع البيت ونفهم الموضوع بهدوء.
فضلت باصة له.
أحمد اللي أعرفه لو حد سرق بيانات مراته واستخدم تأمينها علشان يعمل عمليتين ولادة، كان المفروض يقلب الدنيا.
كان المفروض هو اللي يطلب التحقيق.
هو اللي يسأل مين عمل كده.
لكن أحمد كان بيعمل العكس تمامًا.
كان عايزني أمشي.
قلت للموظفة:
— لو سمحتي، عايزة أقدم الاعتراض دلوقتي.
بدأت تجهز الورق.
أحمد قرب مني وقال بصوت واطي:
— مريم، إنتِ حامل. مش ناقصة ضغط عصبي.
قلت من غير ما أبصله:
— وأنا فعلًا مش ناقصة أكتشف إن عندي طفلين على الورق وأنا أول مرة أحمل.
— الموضوع أكيد أبسط من اللي في دماغك.
المرة دي بصيتله.
— وإنت عرفت منين اللي في دماغي أصلًا؟
سكت.
الموظفة مدتلي الاستمارة.
قعدت أملاها.
الاسم.
الرقم القومي.
رقم وثيقة التأمين.
وبعدين سبب الاعتراض.
كتبت:
“وجود مطالبات طبية خاصة بحمل وولادة لا تخصني، وتم تسجيلها باستخدام بياناتي الشخصية والتأمينية دون علمي.”
وأنا بكتب، أحمد كان واقف ورايا.
حاساه بيتحرك كل شوية.
مرة يمسك الموبايل.
مرة يبص في الساعة.
مرة يقولي:
— خلصي ونمشي.
لحد ما وقعت.
الموظفة خدت الاستمارة وقالت:
— هنبدأ مراجعة الملف، وممكن نحتاج نتواصل مع المستشفى نفسها لأن لازم نرجع لأصول المستندات.
سألتها:
— ممكن آخد نسخة من المطالبات الموجودة؟
قالت:
— أقدر أطبع لحضرتك ملخص المطالبات، لكن المستندات التفصيلية ليها إجراء منفصل.
— اطبعيلي كل حاجة مسموح بيها.
أحمد تدخل:
— مريم، كفاية كده.
لفيتله.
— ليه؟
— علشان عندنا كشف ولسه هنرجع، وإنتِ من الصبح ما كلتيش.
كانت حجته منطقية جدًا.
لأي حد غيري.
لكن أنا عشت مع الراجل ده عشر سنين.
كنت عارفة إمتى بيكون قلقان عليا…
وإمتى بيكون عايز يهرب من حاجة.
الموظفة طبعت أربع ورقات ودبستهم.
خدتهم وحطيتهم في شنطتي.
خرجنا من مكتب التأمين.
وأول ما وصلنا للممر، أحمد وقفني.
— ممكن تديني الورق؟
— ليه؟
— أشوفه.
— شوفه وأنا ماسكاه.
اتضايق.
— مريم، مالك؟
بصيتله باستغراب.
— أنا مالي؟
— من ساعة ما الموضوع ظهر وإنتِ بتبصيلي كأني عامل مصيبة.
قلت:
— اسمك موجود في طلب ولادة طفل أنا ما ولدتوش.
— طبيعي أبصلك إزاي يعني؟
رفع إيده وقال:
— خلاص. لما نروح هكلم واحد صاحبي فاهم في التأمين ونشوف الموضوع.
— مش محتاجة صاحبك.
— ليه؟
— الشركة نفسها هتراجع.
اتغير وشه للحظة.
لحظة صغيرة جدًا.
لكن شفتها.
قال:
— مراجعة إيه؟
— الاعتراض اللي قدمته.
— أنا عارف… بس الحاجات دي ممكن تدخلنا في تحقيقات ووجع دماغ وإنتِ حامل.
قلت:
— تدخلنا؟
سكت.
— تقصد تدخل مين في تحقيقات يا أحمد؟
رد بسرعة:
— أقصد إحنا. أنا وإنتِ.
ابتسمت.
— وأنا خايفة من إيه؟ أنا ما عملتش حاجة.
ما ردش.
ركبنا العربية.
طول الطريق أحمد تقريبًا ما اتكلمش.
وأنا كمان سكت.
لكن بدل ما أفكر في كلامه، طلعت الورق من شنطتي وبدأت أقراه.
المطالبة الأولى كانت من مستشفى خاص.
دخول يوم 20 يوليو 2018.
الخروج يوم 23 يوليو.
عملية قيصرية.
مولود ذكر.
المطالبة التانية:
دخول يوم 2 نوفمبر 2021.
الخروج يوم 7 نوفمبر.
عملية قيصرية.
مولود ذكر.
مضاعفات بعد الولادة.
نقل وحدات دم.
وفي أسفل كل مطالبة كان مكتوب:
جهة الاتصال: الزوج.
وتحتها اسم أحمد.
في المطالبة الأولى رقمه القديم.
وفي التانية رقمه الحالي.
يعني مش ممكن حد يكون لقى بيانات قديمة واستخدمها بالصدفة.
الشخص اللي عمل ده كان عارف تفاصيل حياتنا.
بصيت لأحمد وهو سايق.
كان مركز في الطريق زيادة عن الطبيعي.
قلت فجأة:
— إحنا كنا فين يوم 21 يوليو 2018؟
إيده شدت على الدريكسيون.
— إيه؟
— يوم الولادة الأولى.
— هفتكر منين يوم من تمن سنين؟
— طب نوفمبر 2021؟
— برضه مش فاكر.
قلت:
— غريبة.
— إيه اللي غريب؟
— إنك مش فاكر حاجة، بس اسمك ورقمك موجودين في المرتين.
قال بعصبية:
— ما إحنا لسه قولنا هنراجع!
وسكتنا.
لما وصلنا البيت، دخل أحمد الحمام.
وأنا قعدت على الكنبة.
طلعت الورق تاني.
كان فيه حاجة مضايقاني.
حاجة مش قادرة أحددها.
فتحت الموبايل ودورت في صوري القديمة.
كتبت في البحث:
يوليو 2018.
ظهرت الصور.
كنت فاكرة الفترة دي.
كنت مسافرة إسكندرية عند خالتي كام يوم.
وأحمد ماجاش معايا.
قال وقتها إن عنده ضغط شغل ومشروع لازم يخلصه.
فضلت أقلب.
لقيت صورة ليا على البحر بتاريخ 21 يوليو.
يوم الولادة بالظبط.
أنا كنت في إسكندرية.
وأحمد كان في القاهرة.
قلبي بدأ يدق أسرع.
فتحت صور نوفمبر 2021.
المرة دي كنت في بيت ماما.
بابا كان عامل عملية بسيطة، وفضلت عندهم حوالي أسبوع.
وأحمد كان بيروح الشغل ويرجع شقتنا لوحده.
يعني في المرتين…
أنا كنت بعيدة عنه.
سمعت باب الحمام بيتفتح.
قفلت الموبايل بسرعة.
أحمد خرج وهو بينشف وشه.
— هطلب أكل. تحبي تاكلي إيه؟
بصيتله.
— أي حاجة.
مسك الموبايل ودخل البلكونة.
وده لوحده كان غريب.
أحمد عمره ما كان بيخرج البلكونة علشان يطلب أكل.
فضلت قاعدة مكاني.
وبعد ثواني، سمعت صوته.
واطي جدًا.
ما قدرتش أسمع الكلام.
لكن أكيد ماكانش بيتكلم مع مطعم.
لأن المكالمة طولت.
قمت بهدوء.
قربت من باب البلكونة من غير ما يشوفني.
سمعته بيقول:
— أنا قلتلك ما تتصليش دلوقتي.
سكت شوية.
وبعدين:
— ظهرت.
قلبي وقف.
سكت تاني وهو بيسمع اللي في الناحية التانية.
وبعدين قال:
— أيوه… الاتنين.
وبعد لحظة:
— قدمت اعتراض.
إيدي بدأت ترتعش.
مين اللي بيكلمها؟
وإيه اللي “ظهر”؟
والاتنين إيه؟
سمعته يقول:
— أنا هتصرف… بس إنتِ ما تعمليش أي حاجة من عندك.
رجعت بسرعة وقعدت مكاني قبل ما يفتح باب البلكونة.
دخل.
بصلي.
— الأكل نص ساعة وييجي.
قلت:
— تمام.
قعد قصادي.
وأنا لأول مرة في عشر سنين جواز كنت ببصله وحاسة إني معرفش الشخص اللي قدامي.
خرج أحمد من الأوضة، وأنا فضلت قاعدة في مكاني مش قادرة أتحرك. الصوت اللي سمعته في البلكونة كان بيرن في ودني: “أنا قلتلك ما تتصليش دلوقتي… ظهرت… الاتنين… قدمت اعتراض.”
الكلمات مكانتش محتاجة تفسير، لكن عقلي كان رافض يستوعب حجم الصدمة. الراجل اللي عايشة معاه تحت سقف واحد بقالي عشر سنين، اللي شاركته كل تفصيلة في حياتي، مخبي عني حياة كاملة. حياة فيها طفلين اتولدوا على اسمي، وعلى تأميني، وفي الأوقات اللي كنت فيها بره البيت!
طلعت الموبايل بهدوء، وأيدي بترتعش، وفتحت كشف الحساب البنكي المشترك اللي كنا عاملينه عشان التجهيزات. قعدت أقلب في السحوبات القديمة.
في يوليو 2018… كان فيه سحب نقدي بمبلغ كبير قبل يوم الولادة بيومين.
وفي نوفمبر 2021… سحب تاني، ومبالغ متقطعة كانت بتروح لمستشفى خاص ولصيدليات كبيرة.
القطع بدأت تتجمع في دماغي زي كابوس. أحمد مش بس كان عارف، أحمد هو اللي رتب وتنفيذ كل حاجة.
سمعت خطواته قريبة من الأوضة، حطيت الموبايل تحت المخدة وسندت رأسي على الكنبة وعملت نفسي تعبانة. دخل أحمد، وبصلي بقلق ظهر في عينيه، لكن المرة دي عرفت إنه قلقان من اللي ممكن أعرفه، مش عليا ولا على الحمل.
قعد جنبي وحط إيده على كتفي:
— مريم… إنتِ كويسة؟ وِشك أصفر ليه؟
بصيت لإيده اللي على كتفي، وحسيت بقشعريرة الغدر.
— تعبانة شوية يا أحمد… الدوخة زادت عليا.
قال بسرعة كأنه مسك في فرصة:
— طب قوليلي! ما أنا قلتلك من الصبح بلاش حرقة الدم دي. كل ده من التوتر والوقفة في التأمين. تعالي ارتاحي في السرير، وبكرة الصبح أنا هروح بنفسي للشركة وأشوف الهبل ده وألغي الاعتراض لو هيعملنا مشاكل.
مسكت الكلمة فورًا.
— تلغي الاعتراض؟
اتوتر وحاول يتدارك:
— قصدي… يعني نخليهم يحلوا الموضوع ودي من غير ما نحط أسمائنا في سين وجيم، وتدخلي نفسك في قضايا وإنتِ في أول حملك.
رديت بصوت هادي ومستقر:
— ومين قال إنها قضايا؟ دي مجرد مراجعة مستندات يا أحمد. إلا لو كان فيه حاجة خايف منها؟
بصلي بقوة، وعينيه اتسعت:
— حاجة إيه اللي هكون خايف منها يا مريم؟! أنا بتكلم عشان صحتك! إنتِ من الصبح بتلمحي بتلميحات غريبة وبتبصيلي كأني مجرم. أنا جوزك!
— وأنا مراتك اللي مكتوب في ملفها الطبي إنها ولدت مرتين قيصري وهي بتموت عشان تحمل لأول مرة!
سكت، والجمود رجع لوشه تاني. قاطعت السكوت رنة جرس الباب. دليفري الأكل وصل.
قام جاب الأكل وحطه على الترابيزة. قعدنا ناكل في صمت قاتل. كل واحد فينا عينيه في طبق، لكن تفكيرنا في مكان تاني خالص.
أنا كنت مستنية ينام.
كنت عارفة إن السر مش في أوراق التأمين بس… السر في التليفون اللي كان بيهرب بيه للبلكونة.
ساعة… ساعتين… أحمد كان بيتقلب في السرير، ومش عارف ينام. وأنا عاملة نفسي نايمة، وبحسب كل نفس بيخرجه. على الساعة تلاتة الفجر، بدأ نفسه يتنظم ويسحب في النوم.
تسحبت بهدوء شديد من السرير. مسكت شنطتي، وطلعت منها الأربع ورقات بتوع التأمين. دخلت المطبخ، ولعت النور الضعيف بتع الشفاط، وقعدت أدرس كل كلمة.
في ورقة المطالبة التانية سنة 2021، كان فيه عنوان مكتوب بخط الإيد في خانة “عنوان المريض وقت الإقامة”:
شقة 4 – عمارة 12 – شارع الأشجار – حدائق الأهرام.
قلبي دق بشدة.
إحنا طول عمرنا عايشين في مدينة نصر! الشقة دي بتاعة مين؟ وليه مكتوبة في الملف؟
مسكت تليفوني وسجلت العنوان. وبعدين افتكرت حاجة… أحمد لما بيغير رقمه، بيسيب التليفون القديم في درج المكتب في الصالة.
مشيت بشويش على أطراف صوابعي للمكتب. فتحت الدرج بالراحة. التليفون القديم كان موجود، بس مقفول. حطيته على الشاحن بفيشة واطية ورا الكنبة، واستنيت دقيقتين لما فتح.
التليفون كان محمي بكلمة سر. جربت تاريخ جوازنا… غلط. جربت تاريخ ميلادي… غلط.
جربت تاريخ 21 يوليو 2018… يوم الولادة الأولى.
التليفون فتح!
إيدي كانت بترتعش لدرجة إن التليفون كان هيقع مني. فتحت الرسائل القديمة، والواتساب.
ماكانش فيه رسائل كتير، كأنه كان بيمسح أول بأول… لكن كان فيه رقم واحد متسجل باسم “مهندس خالد – شغل”.
فتحت الشات بينه وبين “مهندس خالد”.
صدمة عمري كانت في الصور اللي اتبعتت في الشات ده!
صور أطفال… ولد عنده حوالي سبع سنين، وولد تاني أصغر عنده حوالي أربع سنين.
وتحت الصور، رسائل بصوت أحمد:
“الأولاد كبروا يا نهى… المظروف هيوصلك بكره مع السواق، ما تتصليش بيا على الرقم ده تاني.”
“نهى”…
الاسم نزل عليا زي الصاعقة.
نهى دي تبقى أخت صاحبه الأنتيم… اللي كانت خطيبته زمان قبل ما يتقدملي، وقال إن الموضوع انتهى من سنين بسبب مشاكل عائلية!
سمعت صوت حركة في الممر.
قفلت التليفون بسرعة ورجعته مكانه، وحطيت ورق التأمين في الشنطة، وجريت على الصالة وقفت في الضلمة.
خرج أحمد من الأوضة وهو بيفرك عينيه، وبصلي باستغراب لما شافني واقفة في الصالة:
— مريم؟ واقفة كده ليه؟
رديت بصوت متقطع وأنا بحاول أتحكم في انفاسي:
— بطني بتوجعني قوي يا أحمد… حاسة بمغص.
قرب مني وشكل القلق ظهر عليه تاني، بس المرة دي كان قلق حقيقي:
— مغص؟ من إيه؟ تعالي نقعد… أوديكي المستشفى؟
قلتله وأنا ببص في عينيه مباشرة:
— لأ… مش عايزة أروح أي مستشفى. أنا خايفة يا أحمد.
مسك إيدي وقال:
— خايفة من إيه بس؟
— خايفة أكتشف إن الحلم اللي استنيته عشر سنين بيضيع مني… أو إن الإنسان اللي عايشة معاه مش هو اللي أنا أعرفه.
أحمد وشه اتغير، ونزل عينيه للأرض وما قدرش يحط عينيه في عينيا.
— ارتاحي دلوقتي يا مريم… وبكرة… بكرة كل حاجة هتبان.
رجعت السرير، بس النوم ما دخلش عيني للصبح.
أول ما الشمس طلعت، وأحمد نزل الشغل وهو فاكر إني نايمة، قمت فورًا. لبست هدومي بسرعة، أخدت ورق التأمين، ومفتاح العربية، وطلعت على العنوان اللي لقيته في الورق:
حدائق الأهرام – شارع الأشجار.
وصلت بعد ساعتين بسبب الزحمة. ركنت العربية بعيد عن العمارة، وقفت قدام الباب وأنا حاسة إن رجليا مش شايلاني.
طلعت الدور الثاني، ووقفت قدام شقة 4.
إيدي اترددت فوق الجرس ثواني… وبعدين ضربت الجرس.
سمعت صوت خطوات جوه، وصوت طفل بيضحك. وبعدين صوت ست بتقول:
— مين؟
ما رديتش.
ضربت الجرس تاني.
مفتاح اللوك لف، والباب اتفتح.
وقفت قدامي ست في التلاتينات، لابس ترينج بيتي، وعينين منفوخة من النوم.
أول ما بصتلي، ملامحها اتجمدت، واللون هرب من وشها تمامًا.
بصيتلها، وبصيت للولد الصغير اللي خرج يمسك في جليبيتها من ورا…
وقلت بصوت هادي وميت:
— إنتِ نهى… صح؟
حكايات رشا خالد
الحياة اللي بنيتها على مدار عشر سنين في لحظة. نهى وقفت قدامي وهي بتبتلع ريقها بصعوبة، والدم فر من وشها لدرجة إنها كادت تفقد الوعي. الطفل الصغير اللي كان ماسك في جلبابها بص لي باستغراب، وبعدين بص لأمه وعيط بصوت عالي.
دخلت من باب الشقة من غير ما تستأذن، ورميت شنطتي على الترابيزة. الصدمة كانت مخليني أتحرك كأني في حلم ثقيل أو كابوس طويل مش قادرة أصحي منه. الشقة كانت هادية، ريحتها فيها بروسة بيوت العائلات القديمة، وعلى الحيطة في الصالة… علبة قطيفة حمراء فيها صورة تجمع أحمد ونهى مع الأولاد.
نهى قفلت الباب بهدوء، ووقفت قدامي وهي بتهتز، وقالت بصوت مكسور:
— مريم… أرجوكِ اسمعيني. الموضوع مش زي ما إنتِ متخيلة.
لفيت ليها وبصيت في عينيها اللي مليانة دموع، وقلت بصوت خالي من أي إحساس:
— مش زي ما أنا متخيلة إيه يا نهى؟! طفلين متسجلين على تأميني الطبي، ومصاريف مدفوعة من حسابي اللي مشترك فيه مع جوزي، وعايشين في شقة بفلوسنا، وأنا الوحيدة اللي كنت عايشة في مغارة مغمضة عيني! انهي جزء بالضبط اللي أنا فاهمه غلط؟
نهى قعدت على أقرب كرسي وغطت وشها بإيديها وبدأت تعيط :
— أحمد مالهوش ذنب بالصورة الكبيرة دي… أنا وأحمد كنا خطوبة قديمة، وانفصلنا عشان أهلي رفضوه وقتها وهو لسه في أول طريقه. أنا اتجوزت بعدها بسنتين من واحد مسافر، وخلفت منه الولد الأول.. بس جوزي سافر ومات في حادثة غريبة بعد الولادة بشهور قليلة. بقيت وحدي تماماً، بلا سند ولا تأمين ولا مصدر رزق، وأهلي تخلوا عني.
سكتت ثواني تاخد نفسها، وكملت:
— رجعت لأحمد مصادفة في الشارع… كان لسه متجوزك من سنة تقريباً. حكيت له ظروفي، وصعبت عليه. في الولادة الأولى سنة 2018، لما حسيت بالموت ويئست إني هلاقي مستشفى تقبلني من غير إثباتات أو فلوس، أحمد اتصرف… استغل إن اسمي كان شبه اسمك في بعض الأوراق، أو بالأحرى استغل بياناتك التأمينية وسجل الولادة على اسمك عشان التأمين يغطي المصاريف بالكامل في المستشفى الخاصة اللي هو اختارها.
بصيت لها بسخرية لاذعة وقلت:
— وطبعاً الولادة التانية سنة 2021 كانت صدفة تانية؟ ولا حنين للماضي؟!
نهى رفعت راسها وقالت بسرعة وبانهيار:
— في الولادة التانية… حملت في ابننا الثاني.. أيوه، ابننا! أحمد كان بيكمل معايا وبيجي يطمن عليا. الشقة دي هو اللي أجرها لي من فلوس شغله الخاصة، مش من فلوسك إنتِ يا مريم! كان بيحبني.. وفي نفس الوقت كان خايف يواجهك أو يطلقك عشان كان بيحب الاستقرار اللي كنتِ عملاهوله في البيت. هو ضحك عليا أنا كمان وقالي إنه هيطلقك لما الأمور تستقر، بس كان بيماطل كل السنين دي!
كلماتها نزلت على دماغي زي الصواعق. يعني الموضوع مش مجرد تزوير في التأمين، ده جواز سرّي كامل، وحياة مزدوجة كان عايشها على حساب أعصابي وصحتي ووقتي. عشر سنين من عمري ضاعوا مع راجل كان بيقسم نفسه بينا، وكان بيحسب كل خطوة عشان يضمن إنه واخد كل الامتيازات من الاتجاهين.
قلت بصوت واطي لكنه حاد زي السكين:
— والشقة دي… ومصاريف العيال… والعشر سنين اللي كان بيقضي نصهم بره البيت بحجة الشغل والسفر والمشاريع… ده كله كان بيضحك بيه عليا أنا كمان؟
نهى مسكت طرف هدومي وقالت بترجي:
— والله العظيم أحمد كان بيموت من الخوف عليكي إنتِ بالذات. كان دايماً يقولي إنك أطيب إنسانة شافت عيونها، وإنه مش هيهون عليه يجرحك لو عرفتي الحقيقة. عشان كده كان بيحاول يخبي كل حاجة، ولما ظهرت مشكلة التأمين في المستشفى امبارح، جالي البيت بالليل وهو مرعوب وفضل يزعق معايا ويقولي ليه اتصلتي بيا في الوقت الغلط!
ضحكت ضحكة مجنونة، ضحكة مليانة قهر وغضب أعماقي بتغلي منه:
— خايف عليا؟! الراجل ده ما بيخافش غير على نفسه وبس! هو مش خايف يجرحني، هو خايف مفتاح اللعبة يتسحب من إيده ويخسر الشقة دي والحياة التانية اللي بناها على أكتافي!
في اللحظة دي، التليفون في شنطتي رن.
طلعت الشاشة… كان المتصل “أحمد”.
بصيت لنهى اللي بصت للتليفون برعب، وقالت:
— اوعي تردي.. لو عرف إنك هنا هيجنن.
فتحت الخط من غير ما أتكلم، وحطيت التليفون على الإبيكر عشان نهى تسمع صوت الكارثة بنفسها.
صوت أحمد كان ملهوف ومرعوب وبيتنفس بسرعة:
— مريم! إنتِ فين؟! أنا روحت البيت لقيتك مش موجودة، ولقيت ورق التأمين اختفى من الشنطة! مريم ردي عليا، إنتِ فين دلوقتي؟!
سكت ثواني أستمتع بصوت الرعب الحقيقي لأول مرة في صوته، وبعدين قلت بهدوء تام وثبات مرعب:
— أنا في مكان أخير يا أحمد… مكان يخصك إنت ونهى.
سكت الخط تماماً من الناحية التانية.. سكون تام كأن الصاعقة ضربته وهو قاعد على مكتبه في الشغل.
قفلت السكة في وشه، وبصيت لنهى اللي كانت بتترعش في مكانها، وقلت بصوت حاسم:
— اللعبة خلصت يا نهى. واليوم ده مش هيعدي على خير لأي واحد فيكم.
رجلي ما كانتش شايلاني وأنا نازلة على السلالم، لكن قلبي كان بيغلي بنار الغضب والإهانة. عشر سنين من عمري اتسرقوا، عشر سنين وأنا فاكرة إني العوض والسند لراجل طلع بيبني حياة تانية كاملة في الضلام، بفلوسي، وباسمي، وعلى حس صحتي ونفسيتي.
ركبت عربيتي وقعدت ورا الدريكسيون مش قادرة أتنفس. الموبايل ما بطلش رن. اسم “أحمد” كان بينور الشاشة ويفصل، وبعدين يرجع يرن تاني. ما رديتش. سبته ينحرق في نار القلق، سبته يذوق طعم الانتظار والخوف اللي عشته ليلة امبارح.
دورت العربية واتحركت على شقتنا. كنت عارفة إنه هيركب عربيته ويجي جري، وإني لازم أسبقه بأي شكل.
وصلت البيت قبل منه بحوالي ثلث ساعة. دخلت الشقة، وعلى طول على أوضة النوم. فتحت الدولاب وطلعت شنط السفر الكبيرة. بدأت ألم هدومي، حاجتي، ذهبي، وكل الورق الرسمي اللي يخصني. الأوراق الشخصية، الشهادات، عقود الحسابات البنكية اللي باسمي، وحتى أوراق ملكية الشقة اللي كنا كاتبين جزء منها باسمي من شقا عمري.
وأنا بلم حاجتي، سمعت صوت المفتاح بيلف في الباب برعشة وعنف.
الباب اتفتح واتقفل بصوت عالي.
أحمد دخل الممر وجري على أوضة النوم وهو بينهج، وشه كان أصفر زي الميت، وعرقان لدرجة إن قميصه كان مبلول.
أول ما شاف الشنطة المفتوحة والهدوم على السرير، وقف في مكانه ومسك في إكرة الباب كأنه هيقع.
— مريم… أرجوكِ… استني بس وافهمي…
طلعت شنطة صغيرة وحطيت فيها نسبي من أوراق التأمين اللي طبعتها، وبصيتله بجمود قاتل. ما كانش فيه في عيني نقطة دموع واحدة، الدموع خلصت في الشقة التانية.
— أفهم إيه يا أحمد؟ أفهم إنك متجوز عليا من سنين؟ ولا أفهم إنك مخبي عني عيال؟ ولا أفهم إنك سرقت بياناتي الشخصية واستخدمت تأميني عشان تولد مراتك التانية مرتين على اسمي وعلى حس شركتي؟
أحمد قرب مني بخطوات سريعة وكان هيمسك إيدي، بس رجعت خطوة لورا ورفعت إيدي في وشه:
— إياك تلمسني! إياك تحط إيدك عليا تاني!
دموعه نزلت، وبدأ يتكلم بصوت متقطع ومرعوب:
— مريم، والله العظيم أنا بحبك إنتِ! نهى كانت غلطة، كانت نزوة وظروف إنسانية اتكعبلت فيها وما عرفتش أطلع منها! لما رجعتلي زمان كانت مدمرة، وما قادرتش أتخلى عنها… وبعدين لما حملت في الولد الأولاني، الدنيا اتعقدت أكتر وخفت أقولك تطلبي الطلاق وتضيعي مني!
ضحكت بسخرية مسمومة هزت الأوضة:
— نزوة؟! نزوة تقعد معاها عشر سنين؟! نزوة تخلف منها طفلين؟! نزوة تزوّر أوراق رسمية وتلبسني أنا قضايا وتزوير في شركة التأمين عشان توفر لمستشفى خاص؟! إنت عارف عقوبة اللي عملته ده إيه يا أحمد؟! ده تزوير واستعمال محررات مزورة واستيلاء على مال بغير حق! دي فيها سجن!
أحمد أول ما سمع كلمة “سجن” و”تزوير”، عينيه اتسعت برعب حقيقي. الرعب اللي كان مستخبى ورا قناع الخوف عليا وعلى حملي، ظهر على حقيقته. هو ما كانش خايف عليا، كان خايف من السجن والفضايح!
قرب ووقع على ركبه قدامي على الأرض، مسك في طرف بنطلوني وبدأ يعيط بانهيار:
— بترجاكِ يا مريم… بلاش التأمين! بلاش الشركة! لو البلاغ كمل والاعتراض مشي في سياقه، الشرطة هتدخل وهيكتشفوا إن المستندات مزورة وإن التوقيع توقيعي! مستقبلي هيروح، وشغلي سينتهي، وأهلي هيتأثروا جداً! اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه، اطلبي كل فلوسي، اطلبي الشقة، اطلبي الطلاق… بس بلاش المحاضر والتأمين!
بصيتله وهو تحت رجلي. الراجل اللي كنت شايفاه سندي في الدنيا، الراجل اللي كنت بأمنه على روحي وحياتي، قاعد بيبكي وبيترجاني عشان أنقذ رقابته من حبل التزوير اللي هو لفه بإيده حوالين نفسه.
سحبت رجلي من إيده بقوة وقفت على حيلها:
— إنت فاكر إن الموضوع بايدي أوقفه؟ الاعتراض اتسجل في سيستم الشركة خلاص يا أحمد! والورق اتطبع، والموظفة بلغت الإدارة القانونية لأن فيه مطالبات مالية بتدفعها شركة التأمين لمستشفيات خاصة بآلاف الجنيهات على مدار سنين!
أحمد قام وقف فجأة، وتحولت ملامح وش النزوة والرعب لملامح واحد مزنوق في زاوية:
— إنتِ هتروحي معاكي بكرة شركة التأمين، وهتقولي إنك افتكرتي! هتقولي إنك عملتي العمليتين دول في مستشفى خاص بس نسيتي من التعب أو كان فيه لخبطة! هتسحبي الاعتراض يا مريم، مش هسمحلك تخربي بيتي وتبهدليني!
بصيتله وأنا مش مصدقة حجم الوقاحة والانتهازية اللي ناطقة من كلامه:
— أشيل عنك القضية وأعترف على نفسي بالتزوير والتدليس عشان سيادتك تطلع منها زي الشعرة من العجين؟! إنت اتجننت؟!
وفجأة، وأنا بتكلم معاه بعصبية شديدة، حسيت بنغزة حادة في بطني. وجع مفاجئ وعنيف شل حركتي.
مسكت بطني بايدي الاتنين، ونزلت على الأرض بالراحة وأنا بتأوه بصوت مكتوم.
أحمد اتخض وقرب مني:
— مريم! مالك؟!
بصيت للفرش تحتيا… كان فيه نقط دم حمراء بدأت تبان. حملي الأول… الحلم اللي استنيته عشر سنين وكنت حاسة إنه العوض، كان بيضيع مني في نفس اللحظة اللي بتنهار فيها حياتي كلها.
أحمد صرخ بذهول:
— دم؟! مريم إنتِ بتنزفي!
مسكت في إيد السرير وأنا بأعيط من كثرة الوجع والكسرة:
— اطلب الإسعاف… اطلب الإسعاف يا أحمد…
أحمد مسك الموبايل بإيد بترتعش، لكن وهو بيبصلي وبيسجل الرقم، عينيه راحت على الشنطة والأوراق اللي على السرير… وظهرت في عينيه فكرة أمل جشع في وسط الكارثة.
وقف وما اتصلش، وبصلي بصوت واطي ومريب:
— هوديكي المستشفى حالاً يا مريم… بس الأوراق دي… والاعتراض ده… لازم يختفوا الأول.
الدم كان بيسيل على رجلي والوجع بيقطع في بطني، وفي اللحظة اللي كنت فيها بموت ببطء وبفقد أملي الوحيد في الحياة بعد انتظار عشر سنين، كان أحمد واقف فوق رأسي، عينيه مش عليا ولا على الدم، عينيه كانت معلقة على الورق المطبوع من شركة التأمين والشنطة المفتوحة على السرير.
مسك أوراق التأمين من على السرير بسرعة وجشع، وحطهم في جيب جاكيتته، وقرب مني وهو بيتظاهر بالخوف والمرحمة، ويمد إيده عشان يشيلني:
— قومي يا مريم… هوديكي المستشفى فوراً، بس أوعديني… أوعديني لما نقوم من الكارثة دي إننا هنقفل الموضوع ده ونحل كل حاجة بيننا ونسحب الاعتراض!
صرخت في وشه بكل ما فيا من قوة وعافية، صرخة طلعت من أعمق نقطة وجع في قلبي:
— أبعد عني! إياك تلمسني يا خاين! مش هسحب حاجة… ولو أموت هنا مش هاخد منك مساعدة!
أحمد اتوتر، وبدأ ينظر حواليه برعب. الصوت كان عالي، والدم بيزيد. أدرك إن لو جرالي حاجة في الشقة، الفضيحة والشرطة هتوصل له قبل موضوع التأمين حتى. مسكني بالعافية وشالني وأنا بقاومه وبزقه بإيديا الضعيفة. نزلت السلالم وأنا في شبه غيبوبة، غارقة في الوجع والنزيف، وركبني الكرسي اللي جنب السائق في العربية، وطار على أقرب مستشفى.
طوال الطريق، كان بيسوق بجنون، إيد على الدريكسيون وإيد بتتحسس جيبه للتأكد إن أوراق التأمين معاه. كان بيلتفت لي كل ثانية ويقول بصوت متوتر:
— استحملي يا مريم… قُربنا نوصل… كل حاجة هتبقى كويسة… الأطفال يروحوا وييجي غيرهم، المهم إحنا ونفسنا!
كلمة “الأطفال يروحوا وييجي غيرهم” نزلت عليا زي الصخرة. طفلي اللي استنيته عشر سنين، اللي كنت بدعي بيه في كل صلاة، كان بالنسبة له مجرد ورقة ضغط يساوم بيها!
وصلنا المستشفى. الطوارئ اتحركت بسرعة أول ما شافوا حالة النزيف الشديدة. شالوني على النقالة وجريوا بيا على غرفة العمليات والفحص العاجل. أحمد كان ماشياً ورا النقالة، لكن قبل ما يدخلوني، مسك إيد الدكتورة وقدم لها نفسه بأنه الزوج، وقال لها بنبرة خبيثة:
— دكتورة… أرجوكِ اعملي اللازم، ومفيش داعي للبلاغات أو إدخال التأمين دلوقتي، أنا هدفع كل حاجة كاش!
سمعته وهو بيقول كاش عشان يمنع اسمي ورقمي القومي من التسجيل في نظام المستشفى دي بالذات، عشان ما يتربطش بأي اعتراض قديم!
جوه غرفة الفحص، الدكتورة بدأت تنفذ الإجراءات السريعة، وأنا بحاول أتمسك بوعيي. مسكت إيد الدكتورة وقلت لها وأنا ببكي بنهجان:
— دكتورة… أرجوكِ… التليفون… عايزة أكلم أهلي…
الدكتورة بصت لي بعطف وقلق:
— اهدي يا مدام مريم، إحنا بنعمل اللازم عشان نوقف النزيف وننقذ الجنين لو فيه أمل…
— أرجوكِ يا دكتورة… تليفوني بره في شنطتي مع جوزي… اتصلي بأخويا… ده رقمه…
مليتها رقم أخويا “عمر” بالعافية. الدكتورة طلعت الموبايل الشخصي بتاعها وسجلت الرقم واتصلت بسرعة:
— ألو… الأستاذ عمر؟ اختك مريم في مستشفى (…) حالة نزيف حمل حادة، أرجوك تعالى فوراً.
بعد نص ساعة من الصراع والرعب، خرجت الدكتورة ووجهها حزين. النزيف اتوقف… لكن الحلم انتهى. الجنين سقط. الولد اللي كنت بستناه ضاع، وأحشائي فضيت، ومعاها فضي آخر أمل كان ممكن يربطني بالحياة دي.
نقلوني لغرفة عادية بعد عملية تنظيف سريعة. كنت قاعدة على السرير، وشي أصفر زي الورق، وعينيا ميتة.
دخل أحمد الأوضة بهدوء، وقفل الباب وراه. كان شكله تحسن شوية، كأنه ارتاح لما حس إن النزيف اتوقف والتهديد الفوري للموت زال. قرب من السرير وحط إيده على جبهتي، بس أنا لفيت وشي الناحية الثانية.
قال بصوت محشو بالتمثيل والشفقة الزائفة:
— البقية في حياتك يا مريم… قدر الله وما شاء فعل. المهم صحتك إنتِ… الدكتورة قالت إنك هتبقي كويسة، وأنا دفعت الحساب كله تحت، ومفيش أي ورق تأمين اتفتح هنا…
سكت لحظة وبعدين كمل بصوت واطي ومريب وهي بيقرب من إذني:
— أنا حرقت الأوراق اللي أخدتيها من التأمين يا مريم. مفيش دليل معاكي دلوقتي. وعشان خاطر صحتك وعشان خاطر العشر سنين اللي بيننا… لما نخرج من هنا هتروحي معايا الشركة وسحب الاعتراض هيمشي على إنك كتبتيه وأنتِ في حالة توتر ومش فاكرة البيانات صح… فهمتي يا مريم؟
ما رديتش. سبته يتكلم، سبته يتخيل إنه مسيطر على الموقف وإنه حرق المستندات خلاص وقفل اللعبة. هو ما كانش يعرف إن الأوراق اللي حرقها دي كانت مجرد صور، وإن أصل الاعتراض اتسجل إلكترونياً في سيستم شركة التأمين برقم مرجعي لا يمكن مسحه، ولا يعرف إن الصورة الضوئية من كل الأوراق دي أنا كنت بعتها لنفسي على الإيميل وعلى تليفون أخويا عمر قبل ما أنزل من البيت!
وفجأة… باب الأوضة اتفتح بعنف.
دخل أخويا “عمر”، ووراه اتنين من زمايله، ووراه مباشرة رجل ببدلة رسمية ومعه حقيبة أوراق.
عمر أول ما شافني على السرير بالمنظر ده، وشاف أحمد واقف جنبي، عيونه تحولت لكتلة نار. قرب من أحمد ومن غير ما ينطق ولا كلمة، ضربه بقبضة إيده في وشه ضربة أوقعته على الكرسي!
أحمد صرخ وهو ماسك بقه اللي نزف دم:
— إنت اتجننت يا عمر؟! إنت بتضربني في المستشفى؟!
عمر هجم عليه ومسكه من ياقة قميصه ورفعه لفوق:
— إنت اللي اتجننت يا خاين يا مجرم! بقى أختي بتسقط وبتموت وإنت واقف تساومها وتسرق ورقها؟!
أحمد اتخض واتربك:
— ورق إيه؟! إنتوا بتتكلموا عن إيه؟!
أنا بلعت ريقي وبصيت لعمر وقلت بصوت مبحوح بس ثقيل:
— عمر… التليفون في جيب جاكيتته… التليفون القديم اللي فيه الرسائل وصور أطفاله من نهى، والرسائل الصوتية اللي بيعترف فيها بكل حاجة…
أحمد عينيه اتسعت برعب. كان فاكر إنه حرق الأوراق وبس، ما كانش يعرف إني أخدت التليفون القديم من الدرج وحطيته في شنطتي قبل ما نخرج، وعمر لما جه المستشفى أخد الشنطة من العربية!
عمر طلع التليفون من الشنطة ورماه للرجل اللي كان واقف بالبدلة. الرجل ده كان محامياً جابه معه وهو جاي في الطريق بعد ما بلغته بكل حاجة في التليفون.
المحامي فتح التليفون وبص لأحمد بنظرة صارمة وقال:
— الأستاذ أحمد محمود عبد السلام… المادة 211 و212 من قانون العقوبات بشأن التزوير في المحررات الرسمية، واستعمالها للاستيلاء على أموال الشركات، بجانب البلاغ المرفوع حالياً من شركة التأمين نفسها بعد ما راجعوا السيستم… كل ده بيحطك في موقف جنائي مفيش منه خروج.
أحمد بطل ينزف من بقه، وأصبح وشه أبيض زي الملاية. مسك في حافة التربيزة وقال بصوت بيترعش:
— مريم… أرجوكِ… فهمي أخوكي… دي مشاكل عائلية ممكن نصلحها! أنا مستعد أطلق نهى فوراً وأتنازل لك عن كل حاجة!
بصيت له بكل القرف والاشمئزاز، وقلت له:
— تطلق نهى؟ وتتنازل لي؟ إنت فاكر نفسك مين عشان تساومني تاني؟ إنت انتهيت يا أحمد. أطفالي اللي ضاعوا بسببك، وعمري اللي اتسرق، مش هيرجعوا… بس إنت هتدفع التمن، بالقانون، بالقضاء، وبكل يوم قضيته وأنا مغفلة في بيتك!
المحامي طلع تليفونه واتصل بالشرطة:
— ألو… نقطة شرطة المستشفى؟ معانا المتهم بتزوير المحررات والاستيلاء على أموال التأمين، موجود في الغرفة 302… أرجو إرسال قوة لاستلامه.
أحمد انهار على الأرض تماماً وبدأ يبكي بجنون، يترجى عمر ويترجى المحامي. لكن عمر وقف سدّاً من حديد بينه وبيني.
بعد عشر دقائق، دخلت قوة الشرطة الغرفة. العسكري قبض على أحمد، وأحمد بيبص لي بعيون مليانة توسل ورعب وهو بيتسحب لبره الأوضة.
الغرفة هديت فجأة. عمر قرب مني وقعد على طرف السرير، مسك إيدي وباسها ودموعه نزلت:
— حقك هيرجع يا مريم… والله العظيم حقك وحق اللي في بطنك هيرجع بالقانون.
غمضت عياي. الوجع الجسدي كان لسه موجود، والحزن على جنيني المفقود كان يطحن قلبي… لكن لأول مرة من سنين، حسيت إن الكابوس بدأ ينقشع، وإن الضلام اللي كنت عايشة فيه انشق، ولسه فيه فصل أخير ونهائي مع نهى، ومع المحكمة، ومع الحقيقة كاملة!
حكايات رشا خالد 2
خرجت من مكتب الأستاذ رفعت وأنا حاسة إن الهوا بيدخل صدري لأول مرة من سنين. رجعت بيت بابا، لكن الهدوء ما طولش. انتشار خبر حبس أحمد وتجديد حبسه 15 يوم على ذمة التحقيقات نزل على عيلته زي الصاعقة.
الساعة كانت قربت من تمانية بالليل لما جرس الباب رن بانهيار وعنف. عمر فتح الباب، ولقينا أمه “حماتي” وأخته الكبيرة “سمر” واقفين، وشهم أحمر من الغضب والدموع، ومعاهم عم أحمد الكبير “الحاج عبد السلام”.
دخلوا الصالة من غير ما يستأذنوا. حماتي أول ما شافتني قاعدة على الكنبة ولابسة أسود ووشي أصفر من أثر عملية التنظيف والنزيف، صرخت فيا بصوت هز الشقة كلها:
— إنتِ إيه يا شيخة؟! إيه القساوة والغل اللي في قلبك ده؟! تجري جوزك ورجل بيتك للتخشيبة والسجن عشان شكة دبوس ومشاكل عائلية تتحل في البيت؟!
عمر وقف قدامها فوراً وزقها لورا بعيد عني:
— أفيقي يا ست إنتِ واستحي على سنك! مشاكل عائلية إيه دي اللي فيها تزوير رسمي واستيلاء على ممتلكات وتجويز في السر وعيال متسجلين على اسمها وهي بتسقط وبتموت في المستشفى؟!
عم أحمد كتم صوت عمر بإيده وقال بنبرة رئيس عائلة فاكر إن كلمته هي النافذة:
— يا عمر يا بني، صلوا على النبي. أحمد أخطأ، ونعترف إنه أخطأ وطمع ونزوة شيطان، بس الغسيل الوسخ ما يننشرش في المحاكم والنيابات! أحمد مهندس وله اسمه، ولو المشكلة دي كبرت وشغله عرف، هيتنسف ومستقبله يضيع، وعيلتنا كلها هتتبهدل!
أنا قمت وقفت بالراحة، وسندت إيدي على حرف الترابيزة. بصيت في عيونهم واحد واحد، وقلت بصوت هادي جدًا، بس ثقيل ومسموع:
— مستقبله؟ وإنتوا فين كان بالكم من مستقبلي وصحتي وعمري اللي ضاعوا عشر سنين مع واحد نصاب خاين؟! فين كان بالكم لما كان بياخد فلوسي من الحساب المشترك يكتب بيها شقق باسم أخته؟! فين كان بالكم لما سابني بنزف في الشقة ووقف يساومني على ورق التأمين المزير بدال ما يطلب الإسعاف ويموت طفلي في بطني؟!
سمر أخته اتوترت أول ما سمعت سيرة “الشقق المكتوبة باسمها”، ووشها جاب ألوان:
— شقق إيه وبتاع إيه يا مريم؟! ما تدخليش الشغل والورق في المشاكل! أحمد كان بيشتغل وبيعمل قرشين لأولاده ولبيته!
ضحكت بسخرية مسمومة:
— لأولاده؟! أيوه فعلاً! لأولاده من نهى! نهى اللي أختك متواطئة معاها وعارفة بجوازه منها من سنة 2017! ولا فاكرة إن الأوراق اللي كانت معاها ومستندات التحويلات اللي راحت لحسابك البنكي مش معايا نسخة منها؟!
حماتي سكتت لحظة بصدمة وبصت لسمر:
— تحويلات إيه يا سمر؟! إنتِ كنتِ عارفة؟!
سمر ارتبكت وبدأت تتلعثم:
— يا أمي… أنا… أحمد هو اللي كان بيطلب مني أشيل الفلوس باسمي عشان… عشان كان خايف مريم تطلب طلاق وتورث فيه أو تأخد الشقة!
الحاج عبد السلام عمهم بص لسمر بغضب مكتوم، وبعدين لف ليا وضحك محاولاً يمتص الغضب:
— يا مريم يا بنتي… حقك عليّ أنا. أنا كبير العيلة، وأنا المتكفل إن أحمد يكتب لك الشقة دي باسمك كاش، ويتنازل لك عن أي حق، ويطلق الست التانية دي فوراً ورسمياً، ويديكي كل القرشين اللي اتسحبوا من حسابكم البنكي، بس تنازلي عن المحضر والبلاغ بتاع شركة التأمين! البلاغ ده لو كمل، أحمد هيلبس جناية تزوير ومش هيخرج إلا بعد سنين!
بصيت لعمهم بكل قسوة الدنيا:
— تنازل؟ مش هتنازل لو اتوزنت بالدهب! أحمد مش بس هيتحبس في قضية التأمين، ده المحامي بتاعي بكره الصبح يقدم بلاغ جديد للنيابة العامة بتهمة النصب والاحتيال وغسيل الأموال بمساعدة أخته سمر!
سمر صرخت برعب:
— أنا مالياش دعوة! أنا كنت بنفسذ اللي أحمد بيطلبه مني!
عمر فتح باب الشقة على آخره وقال بصوت زي الرعد:
— اتفضلوا بره! بره البيت ده! رجلكم ما تطأش هنا تاني، واللي بيننا وبينكم هو قاعة المحكمة والنيابة!
حماتي وهي طالعة من الباب تلعن وتدعي عليا:
— ربنا مش هيهنيكي يا مريم! خربتي بيت ابنك وضيعتي مستقبله!
رديت عليها وأنا بقفل الباب في وشها بكل قوتي:
— ابنك هو اللي خرب بيتي وجاب داغري لنفسه، واليوم اللي هيتحكم عليه فيه هكون أنا واقفة أبتسم في وش العدالة!
بعد ما خرجوا، الشقة هديت. تليفوني رن… كان الأستاذ رفعت المحامي.
رديت عليه بسرعة:
— ألو، أستاذ رفعت؟
— مدام مريم… النيابة العامة لسه مخلصة مواجهة بين أحمد ونهى وموظف المستشفى الخاص.
— وإيه اللي حصل؟!
— أحمد انهار تماماً في التحقيقات بعد ما واجهناه بإيصالات الأمانة والتحويلات البنكية اللي باسم أخته، وبشهادة نهى. الموظف اعترف إن أحمد كان بيدي له مبالغ مالية تحت الترابيزة عشان يمرر الكروت التأمينية بتاعة حضرتك من غير ما يدقق في الشخصية.
سكت المحامي ثانية وكمل بنبرة انتصار:
— النيابة وجهت لأحمد رسمياً تهمة التزوير في محررات عرفية الرسمية، والاستيلاء على أموال جهة عمل وتأمين، وقررت إحالته للمحاكمة الجنائية العاجلة مع استمرار حبسه!
قفلت المكالمة ونزلت على ركبي في الصالة. الدموع اللي كانت محبوسة جوايا من أيام نزلت أخيراً، بس ما كانتش دموع حزن ولا كسرة… كانت دموع إحساس بالحرية ورد الاعتبار.
لكن المحاكمة الجنائية كانت على الأبواب، وأحمد في التخشيبة كان بيجهز كارت أخير وورقة خبيثة جداً عشان يحاول يربطني معاه في القضية ويجبرني أتنازل… الكارت اللي هكتشفه في الجلسة الأولى للنيابة ومواجهتي الأخيرة معاه.
اليوم التالي كان موعد الجلسة الأولى لمواجهتنا أمام نيابة الأموال العامة قبل الإحالة النهائية للمحكمة. دخلت مبنى النيابة بصحبة عمر والأستاذ رفعت. كانت الممرات مزدحمة ورائحة الأوراق القديمة تملأ المكان. جلسنا ننتظر دورنا، ويدي لا تتوقف عن الارتجاف رغم محاولاتي التظاهر بالثبات.
وفجأة، ظهر أحمد.
كان مسحوباً بين رجلين من رجال الشرطة، يرتدي الكلبشات الحديدية في يديه. كان شكله مزرياً؛ ذقنه طويلة غير حليقة، وقميصه مجعد، وعيناه غائرتان يملؤهما السواد والإنهاك. أول ما وقعت عيناه عليّ، حاول القفز خطوة للامام ونادى بصوت مبحوح:
— مريم! أرجوكِ يا مريم بس كلمة واحدة!
عمر وقف سداً بيني وبينه، والحرس زقوه بقوة للداخل:
— امشي يا متهم من غير كلام!
دخلنا غرفة وكيل النيابة. جلس وكيل النيابة خلف مكتبه العريض وأمامه جبل من الملفات. على الجانب الآخر كان يجلس أحمد ومعه محاميه الجديد الذي أجرته أخته سمر.
بدأ وكيل النيابة الفحص واستعراض أقوال موظف المستشفى وشركة التأمين وشهادة نهى والأوراق المرفقة. ثم وجه كلامه لأحمد:
— المتهم أحمد محمود عبد السلام… المستندات المزورة والأختام وبلاغ شركة التأمين وشهادة الشهود كلها بتأكد إدارتك لعملية تزوير كاملة لاستغلال بيانات زوجتك المجني عليها “مريم” بدون علمها. هل عندك أي دفاع؟
هنا وقف محامي أحمد، وابتسامة خبيثة تظهر على شفتيه، وطلع من حقيبته ورقة مطبوعة وحطها على مكتب وكيل النيابة:
— سادتك، الموكل لم يرتكب التزوير بمفرده ولا بدون علم المجني عليها كما تدعي. نحن بنقدم للنيابة الموقرة عقد اتفاق داخلي وتفويض موقع بين المتهم وزوجته مريم يرجع تاريخه لسنة 2017، بتفوضه فيه بتسيير كافة المعاملات المالية والتأمينية الخاصة بها واستخدام بطاقتها في كافة المستشفيات!
قلبي سقط في رجلي. بصيت للأستاذ رفعت برعب، ولفت لوكيل النيابة وقلت بذهول:
— عقد إيه وتفويض إيه؟! أنا عمري ما وقعت له على تفويض زي ده!
المحامي كمل بثقة مسمومة:
— التوقيع المذيل في أسفل التفويض هو توقيع المجني عليها الحقيقي، ونطالب بإحالتها مع المتهم كشريكة في التسهيل والاستيلاء على أموال التأمين بدلاً من كونها مجني عليها!
أحمد بص لي في اللحظة دي بنظرة نصر وانتقام بشعة. الكارت الأخير اللي كان مجهزه كان محاولة لسحبي معه للداخل؛ إما أن أتنازل عن القضية وأسحب الاعتراض للنجاة بنفسي من السجن، أو أُحبس معه كشريكة!
وكيل النيابة مسك الورقة ودقق فيها، وبعدين بص لي:
— مدام مريم… هل ده توقيعك؟
أخذ الأستاذ رفعت الورقة من يد وكيل النيابة وفحصها بتمعن وهو يبتسم بهدوء أربك محامي أحمد. رفع رفعت رأسه وقال بثبات:
— سيادة وكيل النيابة… الورقة دي بالفعل عليها توقيع موكلتي الصريح، لكن الورقة دي هي “استمارة مجمعة لطلبات القرض البنكي” اللي المتهم جعل موكلتي توقع عليها سنة 2017 لمساعدته في الشقة، وقام المتهم بقص الجزء الأعلى منها وطباعة نص “التفويض التأميني” إلكترونياً أعلى التوقيع، وهو ما يُعرف قانوناً بـ “التزوير على بياض واستغلال التوقيع”!
أحمد وشه أبيض تماماً، ومحاميه ارتبك وبدأ يقلب في أوراقه بتوتر.
أضاف الأستاذ رفعت بسرعة:
— ونحن نطلب فوراً إحالة هذه الورقة إلى “إدارة خبراء التزييف والتزوير” بوزارة العدل لمضاهاة خط المطبوعات مع التوقيع ولبيان أسبقية التوقيع على النص المطبوع، ونطالب بإضافة تهمة جديدة للمتهم وهي التزوير واختلاس التوقيعات!
وكيل النيابة ضرب بإيده على المكتب ونظر لأحمد بغضب شديد:
— بقى بتمارس التزوير جوة التحقيق كمان؟!
أحمد انهار وبدأ يصيح بعصبية وهستيريا:
— أنا ما زورتش حاجة! هي كانت عارفة! هي كانت موافقة على كل حاجة وكانت بتديني أوراقها بإيدها! هي بتمثل عليكم وعايزة تدمرني وتضيعني!
وكيل النيابة رفع قلمه وسجل في المحضر:
— قررنا نحن وكيل النيابة: أولاً، إحالة المحرر المرفق إلى الطب الشرعي وإدارة خبراء التزييف والتزوير. ثانياً، استمرار حبس المتهم أحمد محمود عبد السلام 15 يوماً أخرى على ذمة التحقيق. ثالثاً، إحالة القضية برمتها إلى محكمة الجنايات بدائرة التزوير والاستيلاء على المال العام.
خرج أحمد وهو يتخبط في خطاه، والكلبشات يرن صوتها في الممر كأنه جرس إعدام لمستقبله.
خرجنا من باب النيابة، والشمس كانت ساطعة في السماء. الأستاذ رفعت بص لي وقال:
— اللعبة انتهت يا مدام مريم. القضية اتحددت لها أول جلسة محاكمة جنايات الشهر الجاي… وأحمد مش هيطلع منها بقل من خمس سنين سجن مشدد.
مسكت إيد أخويا عمر بامتنان. كان باقي خطوة واحدة فقط: جلسة المحكمة الفاصلة لصدور الحكم النهائياً، ودعوى الطلاق التي رفعتها للضرر لاسترداد حريتي الكاملة منه.
مرت الأيام ببطء شديد وأنا أنتظر اليوم الذي سيُحسم فيه كل شيء. كنتُ بين أروقة البيت أقضي الوقت في الدعاء والاسترجاع، محاطة بدعم عائلتي وأخي عمر الذي لم يتركني لحظة واحدة. جرح النزيف الجسدي التأم، لكن أثر الخديعة ظل محفوراً في أعماقي، يتلاشى تدريجياً مع كل خطوة نخطوها نحو العدالة.
في صباح يوم جلسة المحاكمة الجنائية، ارتديتُ ملابسي بوقار وثبات. لم أعد تلك المرأة الضعيفة التي تتردد أو تخاف المجهول، بل امرأة أدركت قيمتها وعرفت كيف تأخذ حقها بالقانون. توجهنا إلى محكمة الجنايات، وكانت القاعة غاصة بالمحامين، والضباط، والأهالي.
جلسنا في المقاعد الأمامية بحضور الأستاذ رفعت وعمر. وبعد فترة قصيرة، دخل المتهمون إلى قفص الاتهام الحديدي. كان أحمد يقف خلف القضبان، وشه شاحب للغاية، ملابسه رثة، ونظراته تائهة بين الحاضرين. كانت هذه هي المرة الأولى التي أراه فيها داخل القفص، ولم أشعر تجاهه بأي شفقة؛ بل بيقين تام بأن العدالة تأخذ مجراها الطبيعي.
افتُتحت الجلسة، ونادى رئيس المحكمة برقم القضية. وقف ممثل النيابة العامة وألقى خطبة اتهام حاسمة، شرح فيها تفاصيل التزوير والاستيلاء على أموال التأمين، واستغلال بياناتي الشخصية، ومحاولة النصب بتزوير التوقيع على التفويض الباطل. استعرضت النيابة كافة الأدلة المادية: تقرير خبراء التزييف والتزوير من الطب الشرعي الذي أثبت قطعياً أن “التفويض” تم طباعته فوق التوقيع لاحقاً، وشهادات موظفي التأمين والمستشفى، إضافة إلى المستندات والتحويلات المالية المرفقة.
ثم جاء دور الأستاذ رفعت، الذي ترافع ببراعة واقتدار، موضحاً حجم الضرر النفسي والجسدي والمالي الذي لحق بي، ومطالباً بتوقيع أقصى العقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات ليكون عبرة لكل من تسوّل له نفسه استغلال أقرب الناس إليه والتعدي على حقوقهم الرسمية والمالية.
حاول محامي أحمد تقديم دفاع أخير، يرتكز على التوسل واستعراض الظروف الاجتماعية، محاولاً التخفيف من حدة الجرائم، لكن هيئة المحكمة كانت تستمع بدقة وتدقق في جبل الأدلة الدامغة التي لا تقبل الشك.
بعد مداولة استمرت لساعات داخل غرفة المداولة، عادت الهيئة إلى منصة القضاء. ساد الصمت التام في القاعة، وشخصت أبصار الجميع نحو رئيس المحكمة وهو يتلو الحكم:
“حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء: أولاً، بمعاقبة المتهم أحمد محمود عبد السلام بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات، وإلزامه برد كافة المبالغ المالية المستولى عليها لصالح شركة التأمين والمجني عليها. ثانياً، إحالة الأوراق الخاصة بتعاملات الشقق والتحويلات المالية لأخته للنيابة العامة لاستكمال التحقيقات في شق النصب والاحتيال.”
طرق رئيس المحكمة بالمطرقة، وعلا الصوت في القاعة. أحمد انهار في مكانه داخل القفص، وغطى وجهه بيديه والكلبشات تجلجل في يديه، بينما علت ملامح أخته سمر وحماتي الصدمة والذهول في أواخر القاعة.
تنقستُ الصعداء لأول مرة منذ أشهر. كان ذلك الحكم الجنائي هو حجر الزاويه الذي استند عليه الأستاذ رفعت في الجلسة التالية أمام محكمة الأسرة، حيث صدر لي حكم سريع ونهائي بالطلاق للضرر، مع إلزام أحمد بكافة حقوقي المالية والمؤخر واسترداد مستحقاتي من الحساب المشترك.
خرجتُ من مبنى المحكمة وأنا أحمل وثيقة طلاقي وحكم العدالة في يدي. استنشقتُ الهواء النقي وأنا أنظر إلى السماء بقلب مؤمن يملؤه اليقين. كانت تلك بداية النهاية لطابور طويل من الآلام، لكن الطريق لترتيب حياتي من جديد واستعادة استقلالي الكامل كان ما يزال أمامي خطواته الأخيرة.
حكايات رشا خالد 4
مرت أسابيع على صدور الحكم الجنائي النهائي ضد أحمد بضربه بالسجن المشدد خمس سنوات، وحكم طلاقي للضرر الذي استرددتُ به حريتي المسلوبة. كانت الشقة التي طالما شهدت على عشر سنوات من زواجي الخالي من الصدق قد أُغلقت تماماً، ووُضعت عليها الشمع الأحمر بقرار من النيابة لاستكمال إجراءات الحجز والتحفظ على الممتلكات لصالح رد المبالغ المستولى عليها.
لكن الصراع لم ينتهِ تماماً عند جدران السجن. فبينما كان أحمد يقضي أيامه الأولى خلف قضبان السجن العمومي، كانت الذيول التي تركها خلفه تحاول العبث في الخفاء.
في صباح يوم حديدي البرودة، كانت أمي تجلس معي في صالة بيت عائلتي، تحاول أن تخفف عني بكلماتها الحنونة وتدعوني للبدء من جديد والتفكير في حياتي وصحتي. وفجأة، رن هاتف البيت الأرضي. رفعت أمي السماعة، ولم تمر ثوانٍ حتى تبدلت ملامح وجهها إلى الوجوم والضيق، ثم مدّت لي السماعة وهي تقول بصوت خفيض:
— دي نهى يا مريم… بتقول لازم تكلمك.
ترددتُ لحظة. نهى التي كانت الخنجر الثاني في ظهري، والتي نالت جزاءها أيضاً بالخروج من هذه الخديعة بلعنة الفضيحة وخسارة كل شيء. رفعت السماعة وقلت بصوت جاف وخالٍ من أي تعاطف:
— خير يا نهى؟ عايشة ليه بتتصلي بيّا تاني؟ القضية وانتهت، وأحمد بيقضي عقوبته.
جاءني صوتها من الناحية الثانية متقطعاً ومصحوباً ببكاء مكتوم وخائف:
— مريم… أرجوكِ ما تقفليش السكة في وشي. أنا مش بتصل عشان أطلب منك تسامحيني أو تتنازلي عن حاجة… أنا بتصل أحذرك!
قطعتُ حاجبَيّ وقلت بحدة:
— تحذريني من إيه؟!
قالت نهى بنبرة مذعورة:
— سمر… أخت أحمد! سمر ما سكتتش يا مريم. بعد ما النيابة بدأت تتحفظ على الحسابات البنكية اللي باسمها والشقة اللي كانت مكتوبة باسمها من فلوسكم، أتجنت تماماً. سمر اتصلت بيا إمبارح بالليل وهي فاكرة إننا لسه في خندق واحد، وكانت بتتكلم بغل مش طبيعي. بتقول إنها مش هنسيبك تهني بالحكم، وإنها بتجهز بلاغ كاذب وشكوى كيدية ضدك وضد أخوكي عمر في مكان شغلك وفي نيابة الأموال العامة!
ابتسمتُ بسخرية واستخفاف:
— شكوى كيدية؟! وبلاغ بإيه إن شاء الله؟ ما خلاص كل المستندات والتحريات والطب الشرعي أثبتوا التزوير والنصب على أحمد وعليها!
ردت نهى بسرعة وخوف:
— هي وجوزها اتفقوا مع محامي فاسد، وبيحاولوا يصنعوا إيصالات أمانة مزورة بتوقيعات قديمة ليكي ولعمر، بيمدوا تاريخها لسنة 2019، وبيقولوا إن الفلوس اللي أحمد أخدها وحولها لسمر كانت مديونية سابقة على أخوكي عمر ليهم! عايزين يلخبطوا الأوراق ويجبروا عمر ويتنازل عن قضايا التحفظ وعن تتبع الأموال مقابل إنه يسحب الإيصالات دي!
شعر رأسي وقف من حجم القذارة والغل الذي يسكن هذه العائلة. لم يكتفوا بضياع عمري وحملي وتزوير أوراقي، بل كانوا يريدون جرف أخي الوحيد الذي كان سندي إلى قاع أوحالهم الكاذبة!
قلت لنهى بثبات ورأس مرفوع:
— شكراً إنك بلغتيني يا نهى… بس قولي لسمر إن اللعبة اللي عملها أخوها وأتمسكت بيها، هي هتقع فيها أسرع مما تتخيل!
قفلت السماعة، وعلى الفور اتصلت بأخي عمر وبالأستاذ رفعت المحامي. التقينا في نفس المساء في مكتب المحامي، وحكيت لهما كل ما دار في المكالمة.
الأستاذ رفعت لم يتفاجأ؛ بل شبّك أطراف أصابعه وقال بهدوء الواثق من خطواته:
— المحاولات الكيدية دي متوقعة جداً من أطراف مزنوقة في الزاوية وبترفض الخسارة. بس سمر وجوزها غافلين عن نقطة جوهرية… النيابة العامة لما تحفظت على حساباتها، أخدت “تفريع كامل” لكافة التحويلات البنكية وتوارخها وربطتها بالحساب المشترك بينك وبين أحمد! أي إيصال أمانة يدّعوا إنه بين عمر وبينهم بتاريخ قديم، هيُعتبر فوراً جنحة تزوير جديدة وتقديم مستندات مزورة للسلطات القضائية، وبدل ما تكون سمر شريكة في النصب بس، هتوجه لها تهمة التزوير واستعمال محررات مزورة زي أخوها بالظبط!
عمر خبط إيده على الطاولة وقال بغضب حاسم:
— أنا مش هسيبهم يتنفسوا يا أستاذ رفعت. إحنا هنبادر فوراً ونقدم طلب رسمي للنيابة العامة بطلب حماية وشكوى استباقية بالتهديد والابتزاز، ونرفق فيه التسجيلات والمستندات!
بالفعل، في اليوم التالي، قدم الأستاذ رفعت عريضة استباقية لرئيس النيابة الكلية، يشرح فيها محاولات عائلة المتهم أحمد لابتزازنا وتهديدنا بإيصالات كيدية لإجبارنا على التنازل عن إجراءات التحفظ واسترداد الأموال.
ولم تمضِ أربعة أيام، حتى وردت أنباء صاعقة: النيابة استدعت سمر وجوزها لمواجهتهما بالتحريات النهائية حول أموال غسيل النصب. وعندما حاولت سمر التلميح بوجود مديونيات على أخي، واجهها وكيل النيابة بالتقرير البنكي الحاسم الذي يثبت أن كل قرش دخل حسابها كان محولاً مباشرة من الحساب المشترك بيني وبين أحمد أو مسحوباً كاش في أيام ولادات نهى!
انهارت سمر في التفتيش والتحقيق، ولم تستطع تقديم أي أصل لأي إيصال أدّعت وجوده، وأصدرت النيابة قراراً بضبط وإحضار جوزها، وتثبيت التحفظ المالي على كافة ممتلكاتها المدونة باسمها من أموالنا المسروقة.
جلستُ في المساء في شرفتنا، وأنا أنظر إلى أنوار المدينة الممتدة. شعرتُ لأول مرة منذ سنوات طويلة أن كابوس الخوف والجهل قد انقشع تماماً، وأن كل من حاول التطاول على حقي أو استغلال طيبتي دفع الثمن كاملاً أمام العدالة.
لكن خطوة واحدة أخيرة كانت تفصلني عن الإغلاق التام لهذه الصفحة السوداء: إعادة استثمار أموالي المتردة وبدء حياتي الجديدة مستقلة ومرفوعة الرأس.
استعدتُ كافة أموالي ومستحقاتي المالية بفضل الله وقوة القانون. صدر قرار رسمي ونهائي من محكمة التنفيذ بمنحي كافة المبالغ المستردة من التحفظ المالي الذي كان مفروضاً على حسابات أحمد وأخته سمر، إلى جانب تسليمي كافة منقولاتي ومستحقاتي عن الطلاق للضرر.
كان الموقف المالي قد حُسم، وأحمد يقبع خلف القضبان يقضي عقوبته بالسجن المشدد، بينما واجهت أخته سمر وجوزها عقوبات وتبعات قانونية قاسية إثر بلاغات النصب وغسيل الأموال الكيدية التي حاولا تدبيرها.
لكن الصفاء النفسي والبدء من جديد كانا يتطلبان خطوة شجاعة أكبر من مجرد الانتصار في أروقة المحاكم. أدركتُ أن بقائي في نفس دائرة الذكريات القديمة، والانغلاق على ألم الماضي والحمل المفقود، لن يبني لي مستقبلاً. قررتُ أن أستثمر كل أرقامي وأموالي التي استرددتها بشرف في مشروع خاص طالما حلمتُ به وتخليتُ عنه سابقاً من أجل الاستقرار المزعوم مع أحمد.
أسستُ بمساعدة أخي عمر مكتباً واستشارية متخصصة في الخدمات والتأمين الصحي والتنظيم الإداري للمؤسسات، مستفيدة من الخبرة والدروس القاسية التي مررتُ بها في تفاصيل الدفاتر والأوراق الرسمية. كان العمل بمثابة شريان حياة جديد، أعدتُ من خلاله اكتشاف نفسي، وثقتي، وقدرتي على الإدارة والوقوف على أرجلي دون الحاجة لرجل خائن أو سند هش.
وفي أحد أيام العمل بعد مرور ما يقرب من عام كامل على القضية والحكم، كنتُ أجلس في مكتبي الجديد المليء بالنور والهدوء، أراجع بعض العقود والملفات. دخلت سكرتيرتي وقالت لي بنبرة مترددة:
— أستاذة مريم… فيه واحدة بره مصرّة تقابلك، بتقول إن اسمها نهى، ومش هتمشي إلا لما تشوفك دقيقة واحدة بس.
توقفتُ عن الكتابة. الاسم كان يحمل صداً بعيداً من الماضي البشع. تنفستُ بهدوء وقدرة على المواجهة وقلت:
— خليها تدخل يا سمر.
دخلت نهى. كانت مختلفة تماماً عن المرة الأولى؛ كانت ترتدي ملابس بسيطة وقورة، ووجهها يحمل ملامح التعب لكن مع قدر من السكينة والهدوء. لم تعد تلك المرأة الخائفة والمذعورة التي تعتمد على أموال الحرام.
قفتُ أمام مكتبي، وبصيتُ لها بثبات:
— خير يا نهى؟
نهى وقفت عند الباب، ولم تتقدم خطوة واحدة احتراماً لمكاني، وقالت بصوت هادئ ومكسور:
— أنا مش جاية أطلب منك حاجة يا مريم… ولا جاية أفتح أوراق قديمة. أنا عرفت إنك فتحتي الشركة دي ونجحتي، وجيت بس أقولك إن حقك ورجوعك لذاتك كان الدرس الأكبر ليا في الحياة.
سكتت لحظة وتابعت:
— أنا تنازلت عن كل حاجة كانت بيني وبين أحمد، وأخدت ولادي ونقلت في مكان بسيط شغالة فيه بعرقي وحلالي. أحمد حاول يبعتلي رسائل من السجن مع محاميه عشان أسامحه أو أزور الولاد له، بس أنا رفضت تماماً وقطعت كل خيط يربطني بيه أو بالماضي البشع ده. أنا جيت أستأذنك وأقولك إني مسافرة أشتغل في المحافظة اللي فيها أهلي عشان أربي ولادي بعيد عن الفضايح… وأتمنى من قلبي إن ربنا يعوضك عن كل لحظة وجع اتسببت لكِ فيها.
نظرتُ إليها مطولاً. لم أعد أشعر تجاهها بكراهية أو غل، بل بنوع من الشفقة على امرأة استُغلت هي الأخرى في لعبة رجل مريض بالانتهازية والجشع.
قلتُ لها بهدوء ووقار:
— ربنا يهديكي ويهدي سرك وياخد بإيدك عشان ولادك يا نهى. الولاد مالهمش ذنب… اتعلمي من اللي حصل وابني لهم حياة نظيفة ومستقيمة. أنا نسيت الماضي، والصفحة اتطوت بالنسبة لي للأبد.
دموع خفيفة نزلت من عين نهى، وهزت رأسها بامتنان وقالت:
— شكراً يا مريم… شكراً إنك علّمتيني يعني إيه ست قوية بجد.
خرجت نهى وقفت الباب بهدوء خلفها.
جلستُ على كرسيي، ونظرتُ من الشباك العريض للمكتب نحو الشارع والشمس المشرقة. شعرتُللحظة سلام داخلي عميقة لم أذقها طوال عشر سنوات. الخيانة والتزوير اللذان كانا كابوساً دمر حياتي في مكتب التأمين في ذلك اليوم، أصحبا السبب الأول في استرداد كرامتي، واكتشاف قوتي الحقيقية، والتخلص من سرطان كان ينهك عمري في الضلام.
لكن الفصل الأخير والنهائي من هذه القصة كان يتبقى فيه مشهد واحد فقط: زيارتي الأخيرة والمواجهة التي طلبتها إدارة السجن بناءً على طلب إلتماس أحمد قبل ترحيله النهائي، المشهد الذي سأوضع فيه النقطة الأخيرة تماماً على حرف هذه الحكاية.
توجهتُ إلى مبنى السجن العمومي بناءً على طلب رسمي أُرسل لي عن طريق الأستاذ رفعت؛ أحمد كان قد قدم التماساً أخيراً للمحكمة لتقليل مدة العقوبة، وكان شرط قبول النظر في الالتماس هو حضور الطرف المجني عليه وإبداء الرأي النهائي أمام قاضي تنفيذ العقوبات.
لم أذهب خائفة، ولا مترددة، بل ذهبتُ بقلب ثابت وروح حرة شُفيت تماماً من أوهام الماضي.
داخل غرفة المواجهة الهادئة في مبنى الزيارات الرسمية، جلس أحمد خلف طاولة خشبية. كان مقيد اليدين، يرتدي البدلة الزرقاء الخاصة بالمساجين، وجهه ذابل، شعره شاب بالكامل، وعيناه مكسورتان تفقدان أي بريق للغطرسة أو التلاعب الذي كان يمارسه طوال عشر سنوات.
أول ما دخلتُ وجلستُ أمامه، انحنى بجسده وقدميه تترتجان، وقال بصوت خفيض ومبحوح يحمل كل أشكال الذل والاستعطاف:
— مريم… أرجوكِ… أنا بقضي أيامي في جحيم. أهلي تخلوا عني، وشغلي ضاع، وسمعتي أتمسحت، ونهى أخدت الأولاد وغادرت وما بقاش ليّا أي حد في الدنيا. أرجوكِ قولي للقاضي إنك مش متمسكة بالبند الأخير عشان أقدر أخرج بعد نص المدة… أنا اتدمرت يا مريم.
نظرتُ إليه بظاهر هادئ، وبصوت نقي خالي من أي نبرة انتقام أو حقد، قلتُ له:
— أحمد… أنت متدمرتش بسببي، أنت اتدمرت بفضيلة أفعالك وأيديك. أنت عشت عشر سنين بتاكل في عرق اتنين، بتزور أوراق رسمية، بتستغل بياناتي، بتسرق صحتي وحملي واستقراري، وكانت عينك على فلوسنا وحقنا عشان تبني مجد كذاب لنفسك على أكتاف الناس اللي أمنوك على أرواحهم.
دموعه نزلت على يديه المقيدتين بالحديد، وقال:
— أنا آسف… والله العظيم ندمان… سامحيني عشان خاطر الأيام اللي بيننا.
وقفتُ على قدمي بثبات، ورفعتُ رأسي ونظرتُ له من الأعلى، وقلتُ الكلمات الأخيرة التي ختمت هذه القصة للأبد:
— المسامحة بينك وبين ربنا يا أحمد… أما القصاص والعدل، فده حق القانون وحق صحتي وعمري اللي ضاعوا. أنا مش هغير حرف في اعتراضي، ومش هتنازل عن أي بند في أحكام العدالة. أنا جيت هنا عشان أشوفك للمرة الأخيرة، وأتأكد إن الكابوس ده اتقفل، وإن كل ظالم بياخد جزاءه في الدنيا قبل الآخرة.
تركتُه يبكي ويتوسل خلف الطاولة، وخرجتُ إلى قاعة قاضي التنفيذ. وعندما سألني القاضي عن رأيي في الالتماس، قلتُ بوضوح: “أنا متمسكة بتمام تنفيذ كافة الأحكام الجنائية الصادرة بحقه لحفظ حقوق المجتمع والحق الشخصي.”
وقّع القاضي برفض الالتماس واستمرار حبس أحمد لمستحق عقوبته كاملاً.
خرجتُ من باب السجن إلى النور، والشمس تملأ وجهي والدنيا ترحب بي من جديد. أعادت لي هذه التجربة حياتي، وكرامتي، ومستقبلي الذي بنيته بشرفي وعرقي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


تعليقات
إرسال تعليق