سكريبت خلفت سبع مرات كامله حكايات زهره الربيع
سكريبت خلفت سبع مرات كامله حكايات زهره الربيع
خلفت سبع مرات، والسبعة كانوا أولاد. وفي كل مرة، أول ما الطفل يتم سنة بالتمام ما تزيدش يوم واحد ويتوفى. الطب كل مره يقول مفيش أي سبب طبي للوفاة، إمجرد قضاء وقدر بس أنا خلاص هتجنن! سبع مرات مش مرتين ولا ثلاثة.. كل مرة يكمل سنة ويروح مني وبين اديا.
فكرت في كل حاجة. ممكن يكون حد بيإذيني فيهم؟ بس إزاي وأنا معنديش مشاكل مع حد؟ وكمان معنديش خدم، ومفيش حد بيدخل بيتي أو يلمس أولادي غيري أنا وأبوهم.
في أول طفل كانت صدمة كبيرة، كنت حاسة إني فقدت روحي معاه. الطفل الثاني كان أصعب وأقسى، بس عند الطفل الثالث، وجعنا الشديد اتحول لتساؤل مريب مرعب.. إزاي؟ إزاي بيموتوا في نفس العمر بالدقيقة؟
مع الوقت، حياتي اتغيرت تماماً. بقيت عايشة في سجن من الخوف. الحركة من جنب الولد بقت بالنسبة لي شبه مستحيلة. لما كان أي طفل فيهم يقرب من سن السنة، كنت بأجل كل حاجة في حياتي: الأكل، الشرب، وحتى النوم. أقعد جنبه على الأرض، عيني مش بتفارق جسمه الصغير، أراقب كل نفس يدخل ويخرج من صدره. حابسة نفسي معاه في الأوضة، مرعوبة من اللحظة اللي العقارب توصل فيها لليوم الملعون ده.
فاكرة كويس الطفل الخامس.. اليوم ده حفور في قلبي . يوم ما كان هيطفي شمعته الأولى، رفضت تماماً إني أشيله من على رجلي. فضلت حابسة نفسي بيه من الصبح، حاضناه بقوة كأني بحاول أخبيه جوة ضلوعي من حاجة مجهولة بتحصل. الولد كان زي الفل، بيضحك ويلعب في حضني، وعيونه اللامعة مليانة حيوية. فجأة، وبدون أي مقدمات، مال رأسه على صدري وغمض عينيه. افتكرته نام من التعب.. بس لما جيت أصحيه، كان نام وما قامش بعدها. راح في ثانية، وأنا حاضناه ومسكة إيديه.
الموضوع كان مريب بشكل يجنن العقل. أنا وأبوه كنا هنروح فيها، العجز كان بياكل فينا. خبر الحمل اللي أي زوجين بيستنوه بفارغ الصبر، بقا بالنسبة لنا ألم يوجع القلب وتهديد جديد، مش خبر يفرح أبداً. كنا بنشوف تحليل الحمل الموجب ونبكي، وندعي ونقول: “يمكن المرة دي ربنا يرحمنا.. يمكن المرة دي مختلفة.”
لفينا على دكاترة كبار، ولما يئسنا، رحنا لشيوخ. اللي بيعرف ربنا بحق وحقيق كان بيطبطب علينا ويقولنا: “ده قضاء الله وقدره، اصبروا .” أما الدجالين، فكانوا عالم تاني.. يقولوا كلام غريب ومش مفهوم، ويطلبوا مبالغ خيالية ويحلفوا بأغلظ الأيمان إن الطفل اللي هيتولد المرة الجاية هيعيش ومش هيحصله نفس المصير. كنا بنتعلق بقشة ونصدق من كتر الوجع، بس مفيش حاجة اتغيرت. سبع أطفال ورا بعض، بنفس الحذافير، ونفس السيناريو المرعب.
لحد ما جه يوم دفن الطفل السابع.
الشمس كانت غايبة والسما لونها كئيب. المدافن كانت ساكنة، وصوت التراب وهو بينزل بيقتلني. كنت واقفة مش قادرة أقف على رجلي، دموعي جفت وجسمي كان بيتنفض. وأنا باصة للقبر المفتوح، وأبوه بينزل ببطء عشان يودع ابننا الأخير، حصلت حاجة غريبة جداً.. حاجة مش على البال ولا على الخاطر.
في اللحظة دي بالذات، ظهرت تفصيلة صغيرة أوي محدش أخد باله منها غيري. التفصيلة دي فتحت عينيا على الحقيقة كلها، وفجأة، زي ما أكون صحيت من كابوس طويل، فهمت كل حاجة.. فهمت الولاد دول كانوا بيموتوا إزاي، وايه السبب الحقيقي اللي كان يستنى لحد ما يكملوا سنة بالتمام ويروحوا مني.
وقفت متسمرة في مكاني والشمس تغرب ببطء، تاركة سحابة رمادية ثقيلة تلف المكان. زوجي كان ينزل في فوهة القبر، حاملاً الجثمان الصغير الملقوف بالثوب الأبيض، والصمت حولنا كأنه يتنفس. في تلك اللحظة بالذات، ونحن على وشك إغلاق الباب الأخير على طفلنا السابع، انحنى زوجي ليضع الصبي في ملحده، وسقطت من جيب جلبابه الداخلي ثنية ورقية صغيرة مطوية بإنعام، سقطت دون أن ينتبه لها، لتستقر فوق العشب الجاف المتاخم لقدمي.
لم يكن سقوط الورقة هو ما لفت انتباهي، بل تلك الرائحة التي فاحت منها لمجرد لامسها الهواء: رائحة زكية، دافئة، ناعمة بوضوح… رائحة مادة زيتية عطرة كنت أشمها في كل مرة أضم فيها أطفالي قبل وفاتهم بساعات. كنت أظنها دائماً رائحة “مسك الأطفال” أو نوعاً من البودرة التي أستخدمها لهم، لكن تلك الرائحة لم تكن من مستحضراتي قط، بل كانت خلطة خاصة جداً لا تفارق ثياب زوجي.
جثوت على ركبتي ببطء مدعية أنني أضع يدي على التراب من شدة الإعياء، والتقطت الورقة في كفي بلمحة خاطفة وأخفيتها في طيات عباءتي. كان قلبي يدق في صدري كطبل حرب، والدم يجري في عروقي كالثلج المذاب. زوجي خرج من القبر، وجهه شاحب، وعيونه مغرورقة بالدموع، ينظر إليّ بنظرة الانكسار والأسى ذاتها التي كان يرتديها عقب كل جنازة… ذات النظرة التي انطليت عليّ لسبع سنوات متواصلة.
عدنا إلى البيت. البيت الذي أصبح مقبرة واسعة تفوح منها ذكريات سبعة أرواح بريئة. انتظرت حتى حل الليل والدجى، وبقي زوجي في الصالة يستمع إلى صوت المذياع بخفوت ويستغرق في نوبة بكاء مكتومة، بينما انسحبت أنا إلى الغرفة المغلقة وفتحت الورقة المطوية تحت ضوء هاتف شاحب.
لم تكن الورقة دجلاً ولا طلاسم، بل كانت مفكرة صغيرة اقتُطعت منها صفحات، مكتوبة بخط يده الدقيق، ومؤرخة بالسنين والأيام:
“الولد الأول: تمت السنة اليوم. الجرعة المحددة من مستخلص نبات (الشوكران المائي/الدفلى) الممزوج بزيت الورد الزكي. لا يترك أثراً في الدم بعد ساعة واحدة، ويتسبب في استرخاء عضلة القلب والموت الهادئ أثناء النوم. الأطباء أكدوا قضاء وقدر.”
“الولد الثاني: تمت السنة اليوم. تمت العملية بنفس الدقة. النتيجة ممتازة. لا أحد يشك.”
تجمّد العقل في رأسي، وسقطت الدموع سالكة طريقاً حارقاً على وجنتي وأنا أقرأ الملاحظات المكتوبة بدم بارد خلف كل اسم من أسماء أطفالي السبعة! كان يوثق حريمه وعياله وموتهم بدقة متناهية، وكأنه يدير تجربة مخبرية أو ينفذ أحكاماً معلقة!
لكن السؤال الأكبر الذي كان يفتك بدماغي ويحطم جمجمتي: لماذا؟ لماذا يفعل هذا بأبنائه الصغار؟ لماذا يتركهم يكبرون أمامي، ينبت لهم سنهم الأول، وينطقون كلمة “بابا” و”ماما”، حتى إذا أتموا عامهم الأول بالتمام والكمال، وحان وقت تسجيلهم وتثبيت وجودهم في الأوراق الرسمية بطريقة معينة… يقتلها بكل بساطة؟ ما هو السر المرعب الذي يجعله يرحب بالحمل وينتظر العام الأول بفارغ الصبر ليطفئ أنفاسهم؟
جلست في الظلام، أسمع خطواته تقترب من باب الغرفة. المقبض بدأ يتحرك ببطء شديد، ورائحة ذلك الزيت العطري القاتل بدأت تتسلل من تحت الباب.
سكنت حركة المقبض لثوانٍ معدودة قبل أن ينفتح الباب ببطء شديد، ويمرق شعاع خافت من ضوء الصالة ليشق ظلام الغرفة. أغلقت عينيّ فوراً وتظاهرت بالنوم، أحتضن الوسادة بجهد خرافي لمنع أطرافي من الارتعاش. شعرت به يقترب، خطواته حذيرة، خفيفة، ولا تهمس على الأرض. وقف عند رأسي بضع دقائق، كتمت فيها أنفاسي حتى كادت رئتاي تنفجران. كان يتنفس بهدوء، ثم انحنى وبثمينة باردة مسح على شعري، ورائحة الزيت الزكيّ تدور حول وجهي كحبل خنق. مسح دموعه بصوت خفيض، وزفر زفرة حزن طويلة ومصنوعة، ثم انسحب وإغلق الباب خلفه برفق.
في تلك الليلة، لم تغمض لي عين. كنت أستلقي على الفراش وعقلي يحترق بألف سؤال وسؤال. الورقة الملتصقة بصدري تحت ملابسي كانت تحرق جلدي كالجمرة. عرفت “كيف” كان يقتلهم، عرفت المستخلص النباتي السام الذي يمتص سريعاً ولا يترك أثراً في الفحوصات التقليدية، وعرفت أنه كان يمسح به على شفاههم أو أجسادهم الصغيرة في لحظات الوداع الأخيرة ليحدث هبوطاً ناعماً في عضلة القلب يُخيل للجميع أنه موت فجائي أو سكتة قلبية. لكن السر الخفي، اللغز الذي كان يقطع أنفاسي: “لماذا؟” ما الذي يحدث بالظبط عند بلوغ الطفل سن السنة بالتمام؟
انتظرت شروق الشمس. بمجرد أن غادر البيت متوجهاً إلى عمله بملامحه المكسورة المعصورة من الحزن أمام الجيران، قمت فوراً. أغلقت أبواب البيت بالمفتاح، ودخلت إلى مكتبه الصغير في زاوية الشقة. كان مكتباً مغلقاً بقفل قديم يزعم دائماً أنه يحفظ فيه أوراق عمله الرسمية وعقود العقارات. بقلب ميت ويدين ينبض فيهما الغضب، أخذت مفرماً حديدياً صغيراً وكسرت القفل.
بدأت أفتش بين الملفات. كانت هناك أوراق ثبوتية، عقود ملكية، وملفات عادية… لكن في القاع، أسفل صندوق خشبي مصفح بالصاج، وجدت ملفاً أسود ضخماً، ملفوفاً بشريط أحمر ومكتوباً عليه بخط يد قديم جداً غير خط زوجي.
فتحت الملف، وكانت المفاجأة التي جعلت الأرض تدور بي!
وجدات وثيقة شرطية قديمة يعود تاريخها لأكثر من ثلاثين عاماً، وبجوارها عقد اتفاق غريب وموثق بين والد زوجي (عمي المتوفى) وبين جهة غير معلومة، يحمل ختم رسمياً من دولة مجاورة وشيكات بمبالغ مالية خيالية.
تصفحت الأوراق بذهول، وقرأت البنود المكتوبة بوضوح يقطع الشك باليقين:
زوجي لم يكن الابن الوحيد لعائلته كما كان يدعي! كان له أخ توأم، وفي صغرهما، تورط والده في ديون وقضايا مالية ضخمة، وقام بتنسيق عملية معقدة للهروب من أحكام سجن مؤبدة. الخطة كانت تتضمن تسجيل أطفال عائلة معينة بأسمائهم الرسمية حتى سن السنة، للحصول على ميزانيات وإعانات وتغطيات لتركات وأوقاف مغلقة لا تُفتح ولا تُصرف أنصبتها إلا بشرط وجود سليل ذكر حي يبلغ العام الأول من عمره! بمجرد بلوغ الطفل سن السنة، يتم إثبات وجوده قانونياً لتسليم الحصة المالية للوصي (زوجي)، ثم… يتوجب “تصفية” الطفل فوراً حتى لا ينكشف أمر التزوير في السجلات الوطنية المتقاطعة بين البلدين، لأن الهوية الرسمية للطفل تكون مأخوذة بالأساس من سجلات أطفال متوفين قديماً في تلك الدولة الأخرى!
لقد كان يتاجر بأرواح أطفاله! كان يحمل كل طفل منا حتى يكمل عامه الأول، ليأخذ الأوراق الرسمية إلى المحامي وممثلي التركة، يقبض الملايين المخبأة في حسابات خارجية، ثم يعود إلى البيت ليقتل الطفل بنفس بارد، ويدعي أمام العالم والطب أنها لعنة أو “قضاء وقدر”!
كان يقتلها ليقبض ثمنهم! سبعة أطفال… سبع ثروات تُدفع له كيداً وثمناً لدماء أطفاله من صلبه!
بينما كنت أمسك الأوراق والأرقام الخيالية المكتوبة أمام عيني، ودموع القهر والغل تغشاني، سمعت صوت مفتاح يدور في قفل الباب الخارجي للبيت!
لقد عاد مبكراً على غير العادة.
سمعت خطواته الثقيلة تدخل الصالة، ثم توقفت فجأة… كان صوت حركة المقبض المكسور لمكتبه هو أول ما لاحظه. صمت البيت تماماً، وساد هدوء مرعب، قبل أن ينطلق صوته من خلف باب المكتب المغلق، بصوت هادئ، بارد، وخالٍ تماماً من أي نبرة حزن أو انكسار:
“كنت أتمنى إنك ما تفتحيش الصندوق ده يا سمر… كنت فاكر إننا هنقفل الصفحة دي ونحاول من جديد.”
خلفت سبع مرات2
حكايات زهره الربيع
تجمد الدم في عروقي وأنا أستمع لنبرة صوته الميتة. نبرة أبعد ما تكون عن الرجل الذي كان يذوب بكاءً بالأمس فوق قبر طفلنا السابع. كانت نبرته خالية تماماً من الإنسانية، سردية باردة لقاتل محترف يتعامل مع جريمته كأمر واقع فرضته الظروف.
قبضت على الأوراق والوثائق القاتلة بيدي اللتين كانتا ترتعدان بغضب عارم، وضغطت على ظهري الملتصق بالخزانة الخشبية خلفي، بينما كان مقبض باب المكتب يتحرك ببطء شديد. لم يحاول دفع الباب بقوة، بل أدار المفتاح في القفل بكل هدوء، ثم فتح الباب متراً واحداً ووقف عند العتبة.
كان يرتدي قميصه الأسود ذاته، وعيونه خاليتان تماماً من الدموع التي ذرفها عند المدافن. نظر إلى الصندوق المكسور على الأرض، ثم رفع عينيه وواجهني بجمود مرعب. لم ينزعج، ولم يحاول الإنكار أو تبرير الأوراق الملقاة بين يدي.
خطا خطوة واحدة إلى الداخل وهو يغلق الباب خلفه بهدوء، ثم سند ظهره على الحائط وقال بنبرة هادئة كأنه يشرح جدول أعمال يومي:
“كنتِ فاكرة إني بعمل كده بسهولة؟ كنتِ فاكرة إن قلبي ما كانش بيتقطع؟ بس الأوراق دي كانت الخيار الوحيد عشان نفضل عايشين.. عشان البيت ده يفضل مفتوح وعشان التركة دي ما تروحش لغيرنا. والدتي وأبويا سابوا ورث مغلق بمليارات في البنوك الخارجية، وبنود الاتفاق القديم مع المحامين والشركاء كانت واضحة من البداية: التركة مش بتتحول ولا بيتم تسييل أصولها إلا بوجود سليل ذكر حي يثبت وجوده في السجلات بعد سن السنة. هما ما سابوش فرصة للتراجع. لو كنت رفضت أكمل، كانوا كشفوا زوير والدي القديم، وكنت هتدس في السجن بقية عمري وأفلس، والناس اللي ورا الاتفاق ده ما بيسبوش حد عايش.”
تراجعت خطوة إلى الخلف، وعصارة الغضب القاتل تتصاعد في حلقي، وحبال صوتي تنعقد من شدة الذهول. خرجت كلماتي مبشوقة، مخنوقة، محملة بوجع سبع سنوات من القهر:
“علشان الفلوس؟ علشان أوراق وحسابات في البنوك تقتل سبعة؟ سبعة من دمك وحمك؟ أطفالك اللي كبروا في حضنك، اللي كانوا بيضحكوا في وشك وينطقوا اسمك؟ كنت بتحط السم في أكلهم وبتمسح بيه على أجسادهم وأنت باصص في عيونهم الصافية؟ أنت مش بني آدم.. أنت شيطان مفيش في قلبك رحمة!”
ابتسم ابتسامة باهتة، ملعونة، وقصيرة، ثم أخرج من جيبه قارورة زجاجية صغيرة ذات سائل بني داكن، القارورة ذاتها التي فاحت منها رائحة الزيت الزكي في المدافن، وقال وهو يتفحصها بين أصابعه:
“ما كانش في طريقة ثانية يا سمر. الطفل لما كان بيكمل سنة، كان لازم يتسجل رسمياً ويتاخد بصمات دم وتوثيق جينات عشان التركة تتصرف. لكن لو فضل عايش بعد كده، الهوية المتقاطعة اللي مسجل بيها كانت هتتكشف في الفحوصات الفيدرالية، والشركاء كانوا هيصفونا إحنا الاثنين. أنا كنت بحميكي وبحمي نفسي.. والفلوس اللي دخلت حساباتنا كانت بتأمن حياتنا.”
خطا خطوة أخرى نحوي، وعيونه تتسع بنظرة غريبة لم أرها فيه من قبل. لم تعد نظرة الزوج المكسور، بل نظرة شخص فقد كل ارتباط بالواقع، شخص أصبحت الجريمة بالنسبة له مجرد إجراء روتيني بحت.
استطرد وهو يرفع يديه ببطء مستعرضاً القارورة:
“أنا عملت دا سبع مرات.. وفي كل مرة كنت بقول خلاص دي آخر مرة. بس الفلوس كانت بتزيد، والشركاء كانوا بيكبسوا عليا، والدكاترة في كل مرة كانوا بيأكدوا لك إنها سكتة قلبية وقضاء وقدر من غير ما يشكوا في حبة رمل واحدة. كل حاجة كانت ماشية بانتظام كامل.. لحد ما الورقة الملعونة دي وقعت مني عند القبر.”
أنفاسي كانت تتصاعد وتتحول إلى صراخ مكتوم داخل صدري. تراجعت حتى التصق كتفي بالزاوية الأخيرة من الغرفة، وعيناي تتنقلان بين القارورة في يده وبين باب المكتب المغلق. كنت أعلم تماماً أنني لو لم أخرج من هذه الغرفة الآن، فلن أخرج منها حية أبداً. لقد كشفت السر الذي حماه بدم أبنائه السبعة، ولن يسمح لأحد في هذا العالم أن يهدم المعبد فوق رأسه.
رفع القارورة وفتح سدادته الخشبية، فانتشرت الرائحة العطرة الخبيثة في أرجاء الغرفة الصغيرة، مسدودة منافذ الهواء. نظر إليّ وقال بصوت خفيض يقطر بالبرود:
“أنتِ عرفتي كتير أوي يا سمر.. أكتر من اللي دماغك تقدر تستوعبه. وأنا مش هسمح لسبع سنين من التخطيط والدم إنهم يروحوا في لحظة غضب.”
انتشرت رائحة النبات القاتل في أرجاء الغرفة المغلقة، زكية، دافئة، ونافذة إلى أقصى مجاري التنفس، لكنها بالنسبة لي كانت رائحة الموت الصريح الذي اغتال طفولتي ونهب أحشائي سبع مرات متتالية. انقلبت الغرفة الضيقة إلى ساحة صراع حامي الوطيس بين امرأة مفجوعة لم يعد لديها ما تخسره، ورجل تحول على مدى سبع سنوات إلى مجرد آلة قتل باردة تعبد المال وتخشى الفضيحة.
وقف يبسط قامته أمام الباب المغلق، يمسك القارورة الزجاجية الصغيرة بيده اليسرى، بينما تقدمت يده اليمنى ببطء نحو جيب جلبابه الداخلي ليعصر منديلاً قماشياً أبيض كان قد تشرب بالقطرات المسمومة ذاتها. لم يكن على وجهه أي أثر للتردد، ولا لمحة واحدة من الندم؛ كانت عيناه جافتين، جائعتين للسيطرة، وكأنه يقف أمام عقبة إدارية جديدة في مخططه الملعون يجب تصفيتها وإزاحتها من الطريق ليعود النظام إلى حياته.
رجعت إلى الخلف خطوة، فارتطم ظهري بحافة المكتب الخشبي الثقيل. كانت الأوراق والوثائق التي تحمل أختام التركة المشبوهة وشيكات الملايين تقع تحت قدمي. شعرت ببرودة السطح الخشبي تحت أناملي المرتجفة، وفي تلك اللحظة بالذات، انكسر داخل قلبي آخر قيد من قيود الخوف والذهول. ينتهي الحزن حين يمتلئ القلب بالغضب القاتل. لم أعد أرى أمامي الزوج الذي شاركني فراش النوم ولحظات البكاء المصنوعة، بل رأيت الوحش الذي حصد أرواح أطفالي السبعة، طفلاً تلو الآخر، بأعصاب هادئة ورعاية محسوبة.
خطا خطوة واحدة نحوي، وكانت حركته بطيئة، مدروسة، ومحسوبة كعادة حركاته طوال السنوات الماضية. قال بنبرة خفيضة ترشح سموماً وصوتاً خشناً ينبع من قاع حنجرته:
“ما تصعبيش الأمور على نفسك وعليّ يا سمر.. أنتِ عارفة إن الموضوع ده كان لازم ينتهي. سبع سنين وأنا شايل الحمل ده لوحدي، سبع سنين وأنا بلعب الدور الصعب عشان أؤمن مستقبلنا وعشان الملايين دي تتصرف. أنتِ عشتِ معايا كل لحظة، وشفتِ إزاي الدكاترة والشيوخ والمجتمع كله صدق إن الموضوع مجرد جينات أو قضاء وقدر. مفيش حد في الدنيا هيشك، ومفيش حد هيسأل. النكتة انتهت، والأوراق دي لازم تترمد، وأنتِ لازم ترتاحي من الوجع ده كله.”
انقضت كلماته على مسامعي كالمسامير المحماة في النار. صرخت في وجهه بصوت تجشأت فيه كل الآلام المكتومة، صوت هز جدران الغرفة المغلقة وجعل الغبار المتراكم على الرفوف العتيقة يتساقط:
“ارتاح؟ عاوزني ارتاح بعد ما عرفت إنك قتلتهم؟ قتلت حتة من قلبك وقلبي عشان الملايين؟ الطفل الأول اللي بكيت عليه لحد ما عنيك احمرت، والطفل الخامس اللي مات في حضني وأنا أفتكرته نام من التعب.. أنت اللي حطيت السم في أكلهم؟ أنت اللي مسحت على شفاههم الطاهرة بريحتك الملعونة دي؟ أنت مش بني آدم، أنت مجرم، سفاح، وشيطان مش هسيبك تخرج من الغرفة دي عايش!”
لم يتحرك له جفن. لم يطرف له رمش أمام صراخي ونحيبي. بل هز رأسه بأسى مصنّع وخطا خطوة ثانية، يرفع المنديل المشبع بالزيت القاتل نحو وجهي، وقال بصوت حاد يقطر حزماً:
“الفلوس دي هي اللي كانت هتخلينا نعيش فوق الجميع يا سمر. الورث كان مشروط، واللعبة كانت أكبر مني ومنك. والدك ووالدتي والشركاء في الدولة الثانية هما اللي حطوا القواعد دي من ثلاثين سنة، وأنا مجرد منفذ لحكم صادر ومكتوب قبل ما نتجوز حتى. تصوري إيه اللي كان هيحصل لو كنت رفضت؟ كانوا هيرموني في السجن، كانوا هيفضحوا العيلة، وكانوا هيقتلوكي أنتِ قبل ما يقتلوني. أنا كنت بحميكي! كنت بحمي البيت ده!”
“كنت بتحميني بردم أطفالي تحت التراب؟” صرختُ بها وأنا أمد يدي ببطء خلف ظهري فوق سطح المكتب، أفتش بأصابع مرتجفة عن أي شيء يصلح أن يكون سلاحاً في هذه المعركة الفاصلة. وقعت أناملي على المقبض الحديدي الثقيل للمفرم الخشبي الذي استخدمته قبل قليل لكسر قفل الصندوق. كان ثقيلاً، زواياه حادة، ومحسوساً بصلابة في كفي المقبوضة.
استطرد وهو يدنو مني أكثر، وعيناه تضيئان ببريق جنوني مكتوم:
“الأمر انتهى. الشركاء منتظرين الأوراق الأخيرة لإنهاء الملف الثامن والتصديق على الحساب المالي النهائي. الموتة دي هتكون أسرع، ومش هتحسي بأي ألم.. زيهم تماماً. غمضة عين، وهبوط ناعم في عضلة القلب، وسكوت تام. وفي الجنازة، الناس كلها هتقول إن الأم المسكينة ماتت حسرة على ابنها السابع، ومحدش هيفكر يفتح جثة ولا يفحص دم. كل حاجة مترتبة صح.”
في تلك اللحظة المحددة، حين انحنى بجسده للأمام وأمد يده بالمنديل المسموم ليضغطه على أنفي وفمي، والريحة العطرة الخبيثة تخنق أنفاسي، أطلقت صرخة مكتومة نابعة من قاع قهري، ورشقت المفرم الحديدي الثقيل بقوة غشيمة وبأقصى ما أوتيت من قوة مباشرة في منتصف وجهه!
ارتطم الحديد بفك أسنانه وعظمة أنفه بصوت صلب ومكتوم. صرخ صرخة مكتومة وسقط إلى الخلف متراجعا خطوتين، وسقطت القارورة الزجاجية من يده على الأرض لتتهشم على البلاط العاري، ويسكب سائلها البني الفواح في كل أرجاء المكان. تناثر الزيت القاتل فوق السجاد والأوراق، وتصاعدت الرائحة المسمومة بكثافة أعلى جعلت عينيّ تدمعان وحلقي يحترق.
مسح الدم السائل من أنفه وشفتيه بظهر يده، وتحولت نظرته الباردة إلى وحشية مفترسة. انقض عليّ كالمجهول، وأمسك بتلابيبي وضغط بجسده الثقيل عليّ ليدفعني نحو الحائط. تضاربت أيدينا، وكانت أصابعه الغليظة تعصر رقبتي بقوة تريد كتم أنفاسي وتثبيتي على الأرض ليضع المنديل المتبقي في جيبه على وجهي.
كنت أصارع وأرفس برجليّ، أظافري تغوص في جلد وجهه وعنقه، أقتلع لحمه وأنا أراه يصر على أسنانه المدماة ويتمتم بكلمات غير مفهومة: “لازم تنتهي.. لازم اللعبة تنتهي هنا!”
تجمعت كل ذكريات السنوات السبع في عقلي في تلك الثواني المعدودة: ضحكات ولدي الأول، لمسة يد الولد الثالث، ونظرة الولد الخامس وهو يغمض عينيه للابد في حضني. أمددنا أيدينا معاً نحو قطعة الزجاج المكسورة الحادة من القارورة التهشمة الملقاة على الأرض بالقرب من أقدامنا. كانت يده أقرب، لكنني بجهد انتحاري خفضت رأسي ونطحته بجبهتي في وجهه المصاب، فترنح للخلال ثانية واحدة.
استغللت تلك الثانية، وجذبت قطعة الزجاج الكبيرة الحادة بكفي، ولم أتردد لكسر من الثانية؛ غرزتها بكل ما أمتلك من غل وقهر في جانبه الأيمن!
صرخ صرخة مدوية اهتزت لها أركان الشقة، وتراجع إلى الخلف يسقط على ركبتيه، يمسك بخصره والدم يتدفق من بين أصابعه بغزارة، ممتزجاً بالزيت القاتل المنسكب على الأرض. تنفس بتثاقل ورئتاه تصدران صفيراً مرعباً وهو ينظر إليّ بذهول، كأنه لم يكن يتوقع أبدأ أن ترفع هذه المرأة المكسورة يدها في وجهه.
زحفت على ركبتي مبتعدة عنه، أتنفس بصعوبة والجرح في حلقي يحرقني من أثر الرائحة المنتشرة. التقفت الملف الأسود الضخم المليء بالوثائق وشيكات الملايين وعقد التركة الملعون، وضغطته إلى صدري بقوة.
قام ببطء شديد، يستند على جدار الغرفة، والدم يصبغ جلبابه الأسود بالكامل. كانت عيناه جاحظتين، ينظر إلى الملف في يدي والدم يقطر من فمه، وقال بصوت خفيض متهدج، يملأه التهديد الأخير:
“فاكرة إنك لو خرجتِ بالأوراق دي هتنجي؟ الشركاء في كل مكان يا سمر.. الاتفاق ده أكبر منك ومني ومن كل البنوك. لو خرجتِ من الباب ده.. مش هتلحقي تصلي للبوليس!”
لم أرد عليه بكلمة واحدة. نظرت إليه بنظرة كره أعمق من الموت ذاته، ثم فتحت باب المكتب وانطلقت خائفة ومصممة إلى الصالة الخارجبة، أركض بنبضات قلب متسارعة ونفس مقطوع، متجهة نحو باب الشقة الرئيسي.
أدرت المفتاح في القفل بكل ما تبقى لي من قوة، وفتحت الباب الخارجي لأواجه درجات السلم المظلمة. لكنني بمجرد أن خطوت خطوة واحدة إلى الخارج في عتمة السلم، تتوقف أنفاسي بالكامل.
كان هناك رجلان يرتديان معاطف سوداء طويلة، يقفان على أعتاب درجات السلم المؤدية لشقتي، وفي أيديهم أجهزة لاسلكية وحقائب جلدية سوداء. رفع أحدهما رأسه ليواجهني، وقبل أن أتمكن من الصراخ أو التراجع إلى الداخل، قال بصوت هادئ ورسمي، وهو يبرز بطاقة معدنية براقة من جيبه:
“مدام سمر.. متتحركيش من مكانك. إحنا مراقبين البيت ده من أسبوعين.”
خلفت سبع مرات3
حكايات زهره الربيع
تجمّدتُ على العتبة الخارجية للبيت، والملف الأسود الضخم الملطخ بقطرات الدم الخفيفة مضغوط بقوة بين ذراعيّ المرتجفتين. أنفاسي المتلاحقة كانت تصدر صوتاً مسموعاً في العتمة الباردة لبيت السلم، وجسدي ينتفض بالكامل من أثر الصراع الرهيب الذي خضته قبل لحظات داخل غرفة المكتب. كان الرجلان الواقفان أمامي يرتديان معاطف سوداء داكنة، ملامحهما صارمة وجادة، لا تشبهان الجيران ولا السكان المحليين في هذا الحي الهادئ.
أمسك الرجل الذي تحدث أولاً ببطاقته المعدنية البراقة، متقدماً خطوة حذرة على درجات السلم، وأضاء كشافاً صغيراً في يده ليوجهه بنعومة نحو وجهي ونحو الملف الملتصق بصدري. قال بنبرة خفيضة ولكنها قاطعة تحمل ثقل السلطة والسيطرة:
“اهدي يا مدام سمر.. متخافيش. إحنا من جهاز إنفاذ القانون والجرائم الدولية العابرة للحدود. إحنا بنتابع الشبكة دي والتنظيم المالي ده بقالنا أكتر من سنتين، وعارفين كل حاجة جرت جوه البيت ده.”
قبل أن يرتد إليّ عقلي أو أستوعب كنه كلماته، انطلق من خلفي داخل الشقة صوت صراخ مكتوم وجلبة شديدة. كان زوجي، برغم الجرح الغائر في خنصره وجانبه والألم القاتل، يزحف ببطء نحو الصالة، يمسك بيده الأخرى القارورة الثانية المشبعة بمستخلص نبات الدفلى القاتل، والدم يقطر منه ليترك خطاً أحمر قانياً على بلاط الصالة النظيف. كان يصيح بنبرة جنونية مخنوقة تتنازعها دماء فمه ولعنته الأبدية:
“سمر! مش هتاخدي الأوراق! الاتفاق لازم يكمل.. السليل الثامن لازم يتسجل! الفلوس دي حقي.. دم عيالي وحياتي!”
في أسرع من الرفشة، تحرك الرجل الثاني المرتدي للمعطف الأسود، ودفع باب الشقة بقدمه، شاهراً سلاحاً نارياً مزوداً بكاتم صوت، وصرخ بصوت حاد هز الشقة بأكملها:
“اثبت مكانك يا حسن! الأرض مليانة شرطة، والبيت كله محاصر من ساعتين! شيل إيدك عن اللي في جيبك!”
انقبض وجه زوجي في ذهول مطلق، وسقطت القارورة الأخيرة من يده المرتجفة لتتهشم فوق خط الدم المنسكب، وتفوح رائحة الزيت القاتل بكثافة خانقة ملأت الصالة. خرّ على ركبتيه مستسلماً، يلهث بثقل وعيناه تنظران إليّ بنظرة مزيج من الغل والاندحار، كأنه يرى في تلك اللحظة بالذات كل أطفاله السبعة يلتفون حوله ليعيدوا له الدين القديم.
أقرب الضابط الأول مني، ممسكاً بعضدي برفق ليخرجني من دائرة الرائحة المسمومة المنتشرة في الهواء، وقال وهو يشير لزميله ولفريق الدعم الذي بدأ يتوافد بسرعة على درجات السلم:
“اتنفسي هواء نقي يا مدام.. الكابوس ده انتهى. إحنا كان لازم نستنى اللحظة اللي يظهر فيها الملف الأصلي وعقود التركة الدولية الموثقة. الورق اللي في إيدك ده هو القشة اللي هتهد التنظيم ده بالكامل في ثلاث دول.”
وقفت على البسطة الخارجية للدرج، أتنفس هواء الليل البارد وأشعر بالأرض تدور بي. لم أكن أصدق أنني ما زلت حية، ولا أن تلك السنوات السبع الكئيبة المحاطة بالتابوت والدموع كانت في الحقيقة جداراً سميكاً من الجريمة المنظمة والعياذ بالله. لكن، بينما كان رجال الشرطة يكبّلون يدي زوجي بالحديد ويستدعون سيارة إسعاف لنقله تحت الحراسة المشددة، تقدم الضابط الكبير ونظر إليّ بعينين ملؤهما الأسى وقال:
“مدام سمر.. لازم تجمعي قوتك للخطوة الجاية. المقبرة اللي اندفن فيها طفلك السابع النهاردة، والقبور الستة اللي جنبها… النيابة العامة أصدرت قرار عاجل باستخراج الجثامين فوراً واستدعاء الطب الشرعي لإعادة تشريح السبعة كاملين وإثبات نسب المادة السمية.”
سقطت الأوراق من يدي فوق درجات السلم، وجثوت على ركبتي وأنا أصرخ بنحيب شق هدوء الليل. لم تكن الصدمة في السجن ولا في الضباط ولا في الدماء المنسكبة، بل كانت في الفكرة التي مزقت روحي إرباً: حتى أجسادهم الصغيرة الطاهرة، لم يسلم طينها من نبش الحقيقة المؤلمة! حتى أطفالي السبعة، سيكون عليهم أن يخرجوا من ظلمة القبور لشهادة الحق الأخيرة قبل أن يرتاحوا للأبد.
انحنى الضابط والتقط الملف الأسود عن الأرض، وضعه في حقيبة أدلة بلاستيكية شفافة، ثم نظر إليّ وقال بصوت جاد يكتنفه الغموض:
“وفيه حاجة ثانية أخيره يا مدام سمر.. لازم تعرفيها قبل ما نروح النيابة. التقرير المبدئي للتحريات السرية اللي عندنا بيأكد إن حسن ما كانش شغال لوحده في البيت ده.. كان فيه شخص ثاني من عيلتك أنتِ، شخص قريب منك جداً، هو اللي كان بيمدّه بالشحنات السمية دي من أول طفل!”
ارتجفت أوصالي واهتزت كل خلية في جسدي مع استقراري على ركبتي فوق درجات السلم الباردة. كانت عبارة الضابط الأخير كصاعقة شديدة أحرقت ما تبقى من لبي وعقلي: شخص من عائلتي أنا؟ قريب مني جداً؟
تدفقت في ذهني في تلك اللحظة خاطرة مرعبة كالسيول المجنونة. عبرت أمامي صور كل من حولتُ وجهي إليهم في سنوات قهري السبع: أمي التي كانت تبكي معي وتبخر الشقة برائحة العود، أختي الكبرى التي كانت تحضر لي العصائر والوجبات الدافئة عقب كل جنازة لتقويني، وعمي الذي كان يتولى إجراءات الدفن والتغسيل بنفسه في كل مرة ليريحنا من مشقة الإجراءات الرسمية!
امتدت يد الضابط برفق لتساعدني على الوقوف، بينما كان صوت أجهزة اللاسلكي يتعالى على السلم بطلبات إرسال وتعليمات مشددة بتطويق منطقة المقابر ومنع أي شخص من الاقتراب منها. انسحبت من بين أيديهم بخطوات غير موزونة، يسندني الحائط القديم للبيت، والدموع تحرق وجهي بغزارة لم أعهدها من قبل.
أدخلوني سيارة سوداء زجاجها داكن كانت تنتظر أسفل العمارة، وفي الشارع كان الزقاق هادئاً، خائناً، كعادته، لا يدري أهله أن كابوساً من أبشع كوابيس البشرية كان يُحاك في الطابق الثالث لسبع سنوات متواصلة. جلس الضابط إلى جواري في المقعد الخلفي، وأخرج ملفاً أصفر اللون من حقيبته، يقلب أوراقه تحت ضوء سقف السيارة الخافت.
نظر إليّ بأسى صادق وقال بصوت هادئ يحاول التخفيف من حدة الفاجعة:
“أنا عارف إن حمولتك زادت عن طاقة البشر يا مدام سمر.. بس العدالة المرة دي لازم تكتمل. الشخص اللي كان بيوفر المادة السمية دي لحسن مش مجرد وسيط، ده مهندس زراعي وخبير مستخلصات نباتية، وهو الوحيد اللي كان بيقدر يركّز مستخلص نبات الدفلى بطريقة زيتيّة ناعمة تسرع امتصاصه عن طريق الجلد والشفاه من غير ما تترك أثر ملموس أو يتغير طعم الأكل والشرب بشكل يثير الشبهة.”
تسمرت عيناي على الصفحة التي يقلبها. لم أجرؤ على السؤال، لكن لساني خانني وتنفس بصوت مخنوق:
“مين؟.. قول لي مين من عيلتي كان بيشارك في ذبح ولادي؟”
أدار الضابط الصفحة الأخيرة، وظهرت أمام عيني صورة شمسية ملونة لعمي! عمي “توفيق”، الأخ الوحيد لأبي المتوفى، الرجل الذي كان يستقبلني في كل مرة بالدموع، يربد على كتفي، ويحمل أطفالي الرضع إلى المقابر بيده، ويدعو الله أمام الجميع أن يعوضنا خيراً!
سقطت رأسي بين كفيّ وانطلقت مني صرخة مجهدة، صرخة ممزقة حطمت صمت السيارة. كان عمي يعمل بالفعل مستشاراً في إحدى الشركات الزراعية الكبرى، وكان يتنقل بين مصر ودول عربية وأوروبية بحكم عمله!
استطرد الضابط بصوت جاد يوضح خيوط المؤامرة الدنيئة:
“عمك توفيق ما كانش بعيد عن عقد التركة القديم. التحريات أثبتت إنه كان شريكاً أصلياً لوالد حسن من أكثر من ثلاثين سنة! هما الاتنين اللي أسسوا السجلات المزورة في الدولة المجاورة، ولما والد حسن مات، وتوفيق كبر في السن وعجز عن التردد على المحاكم هناك، نقل التكليف لحسن عشان يكمل السلسلة. عمك كان بياخد نصف العوائد المالية المهرّبة عن طريق شركات وهمية لتصدير الفواكه والمستخلصات الزيتية. كان هو اللي بيحضر المادة السمية بعناية في معمله الخاص، ويسلمها لحسن قبل كل عيد ميلاد للطفل بأسابيع قليلة!”
كان عقلي يستوعب الكلمات بصعوبة بالغة. السنوية الأولى لكل طفل… ذلك اليوم الملعون الذي كنت أظنه موعداً محتوماً مع القضاء والقدر، كان في الحقيقة موعداً استثمارياً مقدساً بين زوجي وعمي! كانا يجتمعان قبلها بأيام، يراجعان السجلات الرسمية، يستلمان شحنة الموت الصغيرة، ويصوغان السيناريو القادم بدقة متناهية!
وصلت السيارة إلى مبنى النيابة العامة في وقت متأخر من الليل. كانت الأضواء كاشفة والسيارات التابعة للشرطة والطب الشرعي تتزاحم في الفناء الخارجي. دخلت إلى مكتب رئيس النيابة وأنا أترنح، أجر قدمي جراً كأنني أحمل جبال العالم فوق كتفي.
كان مكتب النيابة يعج بالملفات والأوراق. وعلى الطاولة العريضة، كانت تجلس هيئة كاملة من الأطباء الشرعيين والضباط الكبار. وقف رئيس النيابة فور دخولي، ونظر إليّ باحترام وشفق قائلين:
” مدام سمر.. إحنا مقدرين صعوبة اللحظة دي عليكِ، بس التحقيقات اعترافية بالكامل دلوقتي. حسن تم نقله للمستشفى تحت حراسة مشددة بعد ما خضع للإسعافات الأولية، وانفجر في الاعتراف تفصيلياً بعد ما عرف إننا مسكنا الملف الأسود. وعمك توفيق تم القبض عليه في بيته من نص ساعة وبحوزته كميات إضافية من المعمل الميداني بتاعه.”
صمت لرهبة، ثم تابع بلهجة قاطعة:
“سيارات الطب الشرعي تحركت بالفعل للمقابر برفقة قوة شرطية وفريق متخصص. نبش القبور السبعة بدأ رسمياً قبل دقائق، وخلال ساعات، تقارير السموم النهائية هتكون على مكتبي لإطباق السجن المؤبد والمشنقة على كل المتورطين في الشبكة دي.”
طلبتُ منهم بصوت حشرج فيه الرجاء أن أذهب إلى المقابر. لم أكن أستطيع البقاء في هذا المكتب المكيف ذي الأوراق البيضاء بينما أطفالي السبعة يُخرجون من أسرّتهم الترابية في ظلام الليل. رفض الضابط في البداية خوفاً على قواي العقلية والنفسية، لكن أمام إصراري ونظرة الترجي الميتة في عيني، وافق وأمر بتسيير سيارة حراسة خاصة لتقودني إلى هناك.
تركت مبنى النيابة والسيارة تقطع شوارع المدينة المظلمة نحو المقابر. كانت الرياح الباردة تضرب زجاج السيارة، والسماء تبدو ثقيلة، حبلى بالمطر والغيوم.
عندما وصلت السيارة إلى أطراف المقابر، كانت الأضواء الكاشفة الضخمة تملأ المكان بضوء أبيض باهر، وصوت المولدات الكهربائية يزأر في السكون القاتل. رأيت العشرات من رجال الشرطة ورجال الطب الشرعي يرتدون الملابس البيضاء العازلة، يقفون حول ذلك الخندق المتسلسل الذي يحوي جثامين أولادي السبعة.
نزلت من السيارة وبدأت أمشي ببطء نحو القبور المفتوحة. كان التراب يثار في الهواء، وصوت الحفر يتردد كأنه طعنات في صدري. وقفت عند حافة القبر الأول، حيث كان الأطباء يرفعون ببطء رفات صبي صغير ملفوف بخرق بالية.
لم أصرخ، ولم أبكِ. جفت الدموع في عيني تماماً، وحل محلها خشب قسوة لا ينتهي. كنت أنظر إلى الصغار يخرجون واحداً تلو الآخر من ظلمة الأرض إلى ضوء العدالة الباهر. سبعة أجساد صغيرة طاهرة، ظلمتها القسوة البشرية وأشبعتها الخديعة من أقرب الناس.
سار إليّ رئيس فريق الطب الشرعي وهو يحمل في يده ختامه الأولي، وقال وهو يتأمل الوثائق في يده:
“التحليل المبدئي للأنسجة والمستخلصات المتبقية في العظام يؤكد وجود رواسب كيمائية حيوية ثابتة لا تتفكك مع الزمن لمستخلص الدفلى المركّز. التقرير مكتمل كلياً يا مدام.. القضية أصبحت أسرع وأوضح قضية قتل عمد متسلسل في تاريخ القضاء.”
وقفت هناك في منتصف المقابر، بين أطفالي السبعة الممتدين تحت الأضواء الكاشفة، وأنا أعلم أن هذا الجزء من الكابوس قد انتهى بتعرية المجرمين وسقوط الأقنعة الزائفة. لكن القصة لم تكتمل بعد… كانت هناك وثيقة أخيرة خفية، ملتصقة بالبطانة الداخلية للملف الأسود، وثيقة لم ينتبه لها الضباط ولا النيابة… وثيقة تحمل اسماً ثامناً وتاريخاً قادماً لم يأتِ بعد!
وقفت وسط الأضواء الكاشفة في قلب المقابر، والرياح الباردة تعصف بصفحات الليل الكئيب، تحرك خصلات شعري الثائرة حول وجهي الشاحب. كان صوت المولدات الكهربائية يطحن السكون، وأجساد طفلتي وأبنائي السبعة ترتقي ببطء من أسرّتها الترابية في أكياس حماية بلاستيكية بيضاء، تحت إشراف أطباء تشريح ارتدوا معاطفهم الناصعة، ليعيدوا رسم البصمة الجنائية الأخيرة لمأساة امتدت لسبع سنوات من الغدر الصامت.
كنت أدسّ يدي المرتجفة في جيب عباءتي العريضة، أقبض بقوة غشيمة على تلك الورقة الأخيرة القاسية، الورقة الثامنة التي انتزعتها بخفة وثبات من المبطن الداخلي الخفي للملف الأسود قبل أن يغلقه الضابط في حقيبة الأدلة الشفافة. كانت ورقة سميكة ذات حواف مذهبة، يحمل أعلاها شعاراً لمؤسسة استثمارية غير رسمية مسجلة في ملاذ ضريبي قاصٍ، وبخط يد عمي “توفيق” التآمري الدقيق، كُتبت بنود البند الأخير من الاتفاقية الملعونة.
انسحبت ببطء خطوات إلى الخلف، مبتعدة عن أعين رجال الشرطة والإنقاذ المشغولين بتوثيق الجثامين، وسندت ظهري إلى حائط مقبرة قديمة، أقرأ الكلمات تحت ضوء كشاف بعيد:
“البند الثامن والأخير: يستوفى العقد المبرم وتُنقل كافة الحسابات المصرفية والأصول العقارية المغلقة بصفة نهائية ولا رجعة فيها إلى الحائز الأول (حسن توفيق) والشريك الضامن (توفيق عبد الجواد)، بشرط تسجيل سليل ذكر ثامن وأخير، ينتهي أمره في ذات الموعد المعتاد قبل انقضاء العام الأول. وفي حال حدوث أي طارئ أو كشف للمخطط أو عجز عن توفير السليل الثامن في الموعد المحدد، تُحول كافة الملايين تلقائياً إلى الحساب الفردي الخاص بالمستفيد الوحيد المذكور في الملحق (ب)…”
فتحت الملحق الصغير المطوي بحذر داخل الورقة، فتجمّدت دمائي ونزل على قلبي ساطور من الثلج القاطع!
المستفيد الوحيد المذكور في الملحق (ب) لم يكن حسن، ولا عمي توفيق! كان اسماً لم يخطر لي على بال، ولا يتصوره عقل بشر… كان اسم أمي! “كريمة عبد السلام”!
تراجعت بي الأرض وسقطت على ركبتي فوق التراب الندي، والعرق البارد يتدفق من جبهتي بغزارة. أمي؟ أمي التي كانت تحضنني وتبكي معي دموعاً حارقة عقب كل جنازة؟ أمي التي كانت تقسم بالله أمام الجيران أن هذه الدار ممسوسة أو ملعونة وتصنع لي التمائم وتجلس تحت قدمي لتطعميني بيدها وأنا في غيبوبة الحزن؟ أمي كانت هي الرأس المدبر الأكبر والأخفى، الصامتة التي تقف خلف الستار لتضمن وصول التركة بأكملها إلى حسابها الخاص إذا ما سقط حسن وعمي في قبضة القضاء أو اقتتلا على الأوراق!
كانت الصورة الكبرى تكتمل أمامي ببشاعة تتجاوز حدود العقل الإنساني. لم تكن المأساة مجرد زوج جشع وعم مجرم؛ كانت مؤامرة عائلية قذرة، خططت لها أطراف من دمائي وأحشائي منذ عقود، واستخدموا جسدي ورحمي مجرد حقل تجارب، ومصنعاً إنتاجياً لأطفال يتم إعدامهم بدم بارد بمجرد الحصول على أوراقهم الرسمية لتصفية الملايين المهربة!
قمت من على التراب، ودموع القهر تحولت في عيني إلى جمر حارق. لم يعد في قلبي مكان للخوف، ولا للخسارة، ولا للرجاء. لقد مات كل شيء داخل روحي مع السبعة، ولم يتبقَ سوى جثة تمشي على قدمين، هدفها الوحيد هو إطباق الفك على آخر رأس في هذه الأفعى السامة.
دست الورقة الثامنة في صدري، ولم أعد إلى سيارة الشرطة، بل تسللت عبر الممرات المظلمة للمقابر حتى خرجت إلى الشارع الرئيسي. أوقفت سيارة أجرة بصعوبة، وصوت أنفاسي المتقطعة يتصاعد في عتمة السيارة. أمليت على السائق عنوان بيت أمي… البيت القديم الذي نشأت فيه، والذي طالما اعتبرته حصني الآمن ورمزي للدفء والحنان.
كانت الساعة تشير إلى الرابعة صباحاً عند وصولي. كانت المنطقة شعبية هادئة، والأضواء مطفأة في معظم النواحي. صعدت السلالم الرخامية المتهالكة ببطء شديد، خطواتي ثقيلة كأنها نحت في الصخر. فتحت باب الشقة بمفتاحي القديم الذي لم يسقط من ميداليتي قط.
دخلت إلى الصالة. كانت رائحة البخور المعتادة تملأ المكان، وهدوء قاتل يلف الغرف. رأيت أمي تجلس على أريكتها الخشبية القديمة في ظلام الصالة، تلتف بشالها الأسود وتفرك يديها بتوتر، وامامها شاشة هاتفها المضيئة برسائل لم تُقرأ.
بمجرد أن سمعت صوت الباب، رفعت رأسها بسرعة، وجاءت نبرة صوتها ملهوفة، مصنعة بالخوف المعتاد:
“سمر؟ يا حبيبتي يا بنتي! خضتيني.. البوليس جه البيت عندك وأنا سمعت أخبار مرعبة! قالوا إن حسن اتكشف وإن فيه مصيبة حصلت عند المقابر! قلبي كان هيقف عليكِ يا بنتي.. تعال في حضني يا حبيبتي، تعال ارتاحي من الشوم ده كله!”
وقفت عند العتبة، لا أتحرك، وعيناي مثبتتان على وجهها في الظلام. لم أتقدم خطوة واحدة نحو حضنها الذي طالما ارتميت فيه خائفة ومكسورة.
أخرجتُ من جيب عباءتي الورقة الثامنة، ورميتها بكل قسوة فوق الطاولة الصغيرة الفاصلة بيننا.
نظرت أمي إلى الورقة، ثم رفعت عينيها إليّ، وتبدلت ملامح وجهها في لحظة واحدة! اختفت نبرة الحنان الأمومي المقلد، ومسحت الملامح المكسورة، ليحل محلها وجه آخر بارد، حاد، وثاقب كشفرة المشرط!
ساد صمت مرعب في الصالة لدقيقة كاملة، لم نسمع فيها سوى صوت دقات الساعة الحائطية القديمة. ثم أرجعت أمي ظهرها إلى الخلف، وشبكت أصابعها فوق ركبتيها، وقالت بنبرة خالية تماماً من الرعشة أو الارتباك، صوت غريب لم أسمعه منها طوال حياتي:
“عرفتِ إزاي؟ الملف كان مقفول عند حسن وتوفيق.. مين اللي أدالك الملحق ب؟”
سقطت كلماتها كالسكين في أحشائي، لكنني لم أهتز. أخرجت صوتاً جافاً خشناً ينبع من قاع جهنم في صدري:
“قتلتِ سبعة من ولادي؟ سبعة من أحفادك يا أمي؟ حتة من كبدك وكبدي؟ عشان الفلوس والأصول المهرّبة؟ إزاي قدرتِ تبصي في عيني وتطبطبي عليّ وأنتِ عارفة إن الزيت المسموم اللي حسّن بيقتلم بيه، خارج بطلب وموافقة منك؟”
وقفت أمي ببطء شديد، ورغم كبر سنها، كان جسدها ينضح بالقوة والسيطرة. ضحكت ضحكة قصيرة، خبيثة، يملؤها الجفاف والازدراء، وقالت وهي تخطو نحوي بثبات:
“أحفادي؟ أبوكي مات وسابلي جبال من الديون والعار! عمك توفيق وحسن وأبوه كانوا هيضيعوا كل حاجة في صفقات خسرانة. الأوقاف والتركة اللي اتسجلت باسم العيلة في الخارج كانت الحل الوحيد عشان البيت ده يفضل واقف وعشان نعيش مستورين فوق رأس الكل! أنتِ فاكرة إن العيشة والفلوس والتعليم والراحة اللي عشتِ فيها كانت جاية من الهوا؟ التركة دي كانت مشروطة بدم، وبنود الاتفاق اتكتبت من قبل ما تتولدي حتى!”
خطت خطوة أخرى، وعيناها تتسعان ببريق شيطاني:
“أنا اللي حطيت خطة الملحق (ب). كنت عارفة إن حسن وتوفيق طماعين وشياطين، وكان لازم أؤمن نفسي وأضمن إن الملايين كلها ترجع لي أنا في الآخر لو هما اتكشفوا أو اتخانقوا. أنتِ كنتِ مجرد جسر يا سمر.. جسر طاهر ونظيف ومحدش يشك فيه، تجبيلي الصغار عشان نأمن التركة ونقفل الملفات الفيدرالية رسمياً!”
“كنت مجرد جسر؟” صرخت بها وأنا أتقدم نحوها والغضب يعمي بصري. “ولادي كانوا مجرد ثمن لتأمين حسابتك في البنوك؟ أنتِ مش أم.. أنتِ أفعى، وحش، ومحدش في الدنيا دي يستحق الموت زيك!”
اندفعتُ نحوها وأمسكت بتلابيب شالها الأسود، وتصارعنا في ظلام الصالة، تتساقط الأثاث والزهريات الفخارية القديمة حولنا وتتهشم على البلاط. كانت قوة الغل في جسدي أعتى من سنها، دفعتها بقوة فسقطت على الأريكة، وجثت فوقها أضغط بيدي على عنقها، وأنا أصرخ بكل الألم الذي تكثف في روحي لسبع سنوات:
“سبعة! سبعة قتلتوهم بدم بارد! والنهاردة الحساب هيتقفل كله!”
حاولت أمي الدفع بيديها، وأظافرها تخمش وجهي وذراعيّ، وعيناها تجحظان بذهول ورعب حقيقي بعد أن رأت في عيني وجه القاتل الذي صنعوه بجهلهم وقسوتهم. كانت تتنفس بصعوبة وتتمتم بصوت مخنوق: “سمر.. أنا أمك.. سمر.. الفلوس ليكي أنتِ كمان…”
“الفلوس أترمدت بالدم يا أمي!” صرخت بها وأنا أزيد الضغط على حنجرتها، والدموع تحرق وجهي.
وفجأة، وانفجر باب الشقة الخارجي بضربة قوية مدوية!
اقتحمت القوة الشرطية الصالة بقيادة الضابط ذاته، ومعهم عشرات المسلحين بالأضواء الكاشفة. انقض الضباط عليّ وجذبوني ببطء وحذر من فوقها، بينما كانت أمي تسعل بشدة وتسترجع أنفاسها على الأريكة، وجسدها يرتعد بانهيار كامل.
وقف الضابط يمسك بي، ونظر إلى أمي المنهارة على الأريكة، ثم أخرج من حقيبته جهازا تسجيلياً صغيراً كان يحمله، وقال بنبرة قاطعة ومحملة بالنصر القضائي:
“كريمة عبد السلام.. أنتِ قيد الاعتقال بتهمة التآمر في قتل عمد متسلسل، والتزوير في محررات رسمية دولية، وتأسيس تنظيم إجرامي لإخفاء معالم جرائم القتل. مكالمتك الأخيرة مع حسن قبل ساعتين كانت مترا any ومسجلة بالكامل بالتعاون مع المخابرات العامة، واعترفاتك دلوقتي قدام المدام سمر اتسجلت بالصوت والصورة.”
نظرت أمي إلى الجهاز التسجيلي، ثم إلى الضباط، وسقطت رأسها إلى الخلف في استسلام تام وذهول مادي مطلق. اقتادها رجال الشرطة ببطء، يقيدون يديها بالحديد البارد، بينما كانت تمر من أمامي دون أن تجرؤ على رفع عينها في عيني.
وقفتُ في منتصف الشقة القديمة، وحيدة وسط حطام الأثاث والذكريات المسمومة. كان ضوء الفجر الأول يبدأ في التسلل عبر نافذة الصالة، يشق الظلام الدامس الذي خيّم على حياتي لسنوات طوال.
تقدم الضابط نحو ونظر إليّ بعينين مليئتين بالاحترام الحزين، وقال بصوت دافئ:
“القضية انتهت يا مدام سمر.. حسن، توفيق، وأمك.. الثلاثة مواجهين لأحكام الإعدام شنقاً بدون أي فرصة للتخفيف. العدالة أخذت مجراها بالكامل، وأوراق التركة المشبوهة تم التحفظ عليها وتجميدها للأبد.”
لم أرد بكلمة. أخذت نفسي الأخير الطويل من هواء الفجر النقية.
خرجت من البيت القديم لأول مرة منذ سنوات دون أن أحمل خائفة من عقارب الساعة، ودون أن أراقب نفساً مهدداً بالضياع عند سن السنة. مشيت في الشارع الخالي والشمس تشرق ببطء وتغمر المباني بالضوء الذهبي الباهر.
ذهبت مباشرة إلى المقابر.
كانت أجهزة الشرطة والطب الشرعي قد أنهت عملها، وعادت القبور السبعة إلى إغلاقها، لكن هذه المرة، كانت شواهد القبور نظيفة، طاهرة، ومحاطة بالورود البيضاء التي وضعها أهل الحي بعد أن انتشرت الحقيقة الكاملة في كل أنحاء البلاد.
جلست على الأرض بين القبور السبعة، ووضعت يدي على التراب الدافئ. لم أعد أشم رائحة الزيت القاتل، ولا رائحة الموت الخبيثة؛ كانت هناك فقط رائحة الأرض الطيبة ورائحة الصباح الجديد.
ابتسمت لأول مرة منذ سبع سنوات، ودموع هادئة، صافية، تنزل على خدودي. كنت أعلم أن أرواحهم الصغيرة الطاهرة ترقبني الآن من مكان أفضل بكثير، مكان لا توجد فيه تركات مشبوهة، ولا أوراق مسمومة، ولا بشر يبيعون دماءهم من أجل الملايين.
لقد انتهى الكابوس، وأغلقت الصفحات الملطخة بالدم إلى الأبد، واسترحت واستراح أولادي السبعة في سلام الله.


تعليقات
إرسال تعليق