جـوزي غسـلي سـجاد الشـقة كـلها كامله حكـايات مني السيد حصري
جوزي غسلي سجاد الشقة كلها وحماتي لما شافته بيعمل كده، قامت مقلوبة عليه!
من ساعة ما جوزي بدأ يغسل سجاد الشقة، وأنا واقفة بعيد ببص له ومش عارفة أضحك ولا أعيط.
كان واقف في البلكونة، هدومه مبلولة، وإيديه كلها مية وصابون، وبيفرك السجادة بإيده كأنه بيعمل حاجة عادية جدًا.
بس بالنسبة لي، الموضوع ماكانش عادي خالص.
لأن أنا عارفة هو بيعمل كده ليه.
وفجأة، حماتي دخلت علينا وشافته وهو منحني على السجادة، فوشها اتغير تمامًا.
بصت له ثواني، وبعدين قالت بصوت عالي
يا شورة مراتك هو بقت خلاص؟! إنت بقيت زي النسوان بتشتغل شغل النسوان؟!
جوزي رفع راسه وبصلها بهدوء، من غير ما يرد.
فكملت وهي بتزعق
هي على رجليها نقش الحنة ولا إيديها مكسورة عشان إنت تعمل لها؟! خلاص ضاقت بيك الدنيا؟!
أنا كنت واقفة في مكاني، وكل كلمة منها كانت بتوجعني أكتر منه.
مش عشان بتتكلم عليا
لأ، عشان كانت بتعاير ابنها وهو ساكت.
قالت وهي بتبص للسجادة باحتقار
لو هي مش عايزة تنضف البيت ولا تغسل، تجيب حد ينضفه! بس ده مش شغل الرجالة ده شغل نسوان!
وبدأت تشتم وتزعق، وتحكي لكل اللي في البيت إن ابنها اتغير وإن مراته خلته يعمل شغل البيت بدلها.
وأنا كل اللي كان نفسي أقوله
إنتِ مش
عارفة حاجة.
إنتِ مش عارفة إن أنا بعد أسبوعين بالظبط مفروض أدخل عملية.
مش عارفة إن بقالنا شهرين بنلف بين الدكاترة، وتحاليل وأشعات وكشوفات، وكل يوم بنرجع البيت شايلين هم جديد.
ومش عارفة إن جوزي هو اللي قرر يشيل عني كل حاجة.
حتى السجاد.
قال لي قبل كده
أنا مش هجيب حد ينضف الشقة ونصرف فلوس إحنا أولى بيها أنا هعمل اللي أقدر عليه.
ولما اعترضت، قالي
لما تدخلي العملية وتطلعي، مش عايزك تحتاجي حد. أنا هجهز البيت من دلوقتي عشان ترتاحي.
وكان كل ده من غير ما يقول لأهله أي حاجة.
لما سألته مرة
طب ما نقول لمامتك إن أنا تعبانة؟
بص لي وقال
لأ.
ليه؟
سكت شوية وبعدين قال
هنقول لهم قبل العملية بيوم ولا يومين.
استغربت جدًا.
فقال
كده كده محدش هيدور علينا ولا حد هيسأل ولا حد هيساعد. وفي الآخر اللي هيحصل إنهم هيعرفوا إنك تعبانة ويقعدوا يشمتوا في تعبك ومرضك وخلاص.
وبص في عيني وقال
بلاش نقول لحد حاجة.
كنت زعلانة من القرار بس كنت فاهمة خوفه عليا.
لكن النهارده، وأنا شايفة أمه بتشتمه وتعايره قدامي، حسيت إني خلاص مش قادرة أسكت.
خصوصًا لما قالت له
مراتك هي اللي عاملاك راجل على قدها!
جوزي ساب السجادة، وقف، ومسح إيده في هدومه.
افتكرت إنه أخيرًا هيرد
عليها.
لكن قبل ما ينطق، أنا اتحركت من مكاني.
وقلت لنفسي
كفاية لازم تعرف الحقيقة.
وأنا داخلة عليهم، حماتي بصت لي وقالت
وإنتِ بقى ساكتة ليه؟! ما تردي عليا!
فتحت بوقي عشان أقول لها إني داخلة عملية
لكن في اللحظة دي، جوزي بص لي نظرة غريبة جدًا.
نظرة فهمت منها إنه بيتوسل لي أسكت.
وساعتها بس سمعت حماتي بتقول جملة خلتني أتجمد مكاني
على فكرة يا ابني أنا عارفة إن مراتك مخبية عليك حاجة!
الجملة نزلت عليا زي جردل مية متلجة، رجلي ما شالتنيش ولقيت نفسي بسند على طرف الحيطة جنب باب الصالة.
هو في إيه بيحصل بالظبط؟ مخبية إيه؟ وأنا كل حياتي معاه على المكشوف، ده إحنا كشفنا كل وجعنا لبعض من أول يوم روحنا فيه للدكتور وسندت راسي على كتفه وإحنا بنسمع النتيجة الصادمة!
بصيت لجوزي بسرعة، كنت مستنية أشوف وشه وهو بيستغرب أو يضحك باستهزاء على كلام أمه، لكن المفاجأة اللي هزت كياني بجد إن ملامحه اتغيرت ١٨٠ درجة. وشه شحب تمامًا، عروق رقبته نفرت، ونظرة التوسل اللي كانت في عينيه من شوية اتقلبت لخوف ورعب حقيقي عمري ما شفتهم في عينيه من يوم ما عرفته.
حماتي شافت سكوتنا، وضحكت ضحكة صفرا باردة، من النوع اللي بيحرق الدم ويخلي الواحد يحس بنار والعة في صدره،
وقفت وحطت إيديها في وسطها، وراحت ناحية جوزي خطوتين، وعينها بتبص عليا من فوق لتحت وكأنها ماسكة عليا ذلة العمر.
قالت بصوت مسموع مليان شماتة
مالكم وقفتم زي الأصنام كده ليه؟ الحقيقة بتوجع مش كده؟ فاكرين إني ست كبيرة على نياتي ومش دارية باللي بيجرى من ورا ضهري في البيت ده؟ فاكرين لما تنزلوا وتطلعوا من غير ما تدوني خبر إني مغمية عيني؟
جوزي بلع ريقه بصعوبة، وصوته طلع مهزوز ومخنوق وهو بيقول
أمي، لو سمحتي، كفاية كلام لحد كده. إحنا فينا اللي مكفينا، ومش وقت خناق ولا وقت كلام مالوش لازمة. ادخلي شقتك دلوقتي وأنا هجيلك كمان شوية نتكلم على روقان.
لأ مش كفاية يا حبيب أمك!
زعقت بصوت رج البيت كله، وصوت صريخها كان طالع لحد السلم
مش كفاية لما أشوفك مهدور كرامتك، ممسحة رجلين في شقتك، بتغسل سجاد على ركبك ومراتك الهانم متستتة جوة، وكل ده عشان إيه؟ عشان بتستغفلك! عشان بتضحك عليك ومفاها سايبة ومحدش كاشفها!
أنا هنا حسيت إن دمي بيغلي، مفيش طاقة في الدنيا تخليني أستحمل التلميحات دي، نسيت تعبي، ونسيت الدوخة اللي كانت ماسكاني من الصبح، وقربت خطوة منها وقلت بصوت بيترعش من القهر
أنا ما بستغفلش حد، وجوزي مش ممسحة لحد، احترمي سنك واحترمي البيت
اللي إنتِ واقفة فيه! إنتِ بتقولي عليا إيه ومخبية إيه اللي بتتكلمي
عنه؟!
حماتي شهقت ورفعت صباعها في وشي
وكمان بجحة وبتردي عليا في وشي؟ اسألي روحك يا ست العارفين! اسألي روحك مين اللي بقاله شهرين بيسحب من فلوس ابني ومفلسه، ورايحة جاية على العيادات والمستشفيات من غير ما تقولي كلمة لأهله؟ ولا فاكرة إني مشفتكيش وإنتِ طالعة من عيادة الأورام والتحاليل في الدقي؟
الكلمة طلعت من لسانها زي الرصاصة عيادة الأورام!
قلبي هبط في رجلي. هي عارفة؟ شافتني هناك؟
حماتي كملت بشر وهي بتلف وتبص لابنها
شوفت سكتت إزاي؟ قطعت لسانها! الست هانم اللي إنت شايلها على كفوف الراحة وبتخدمها زي الخدامين، مخبية عليك مصيبة سودا! شفتها بعيني الأسبوع اللي فات، خارجة من مركز الأورام، والورق في إيدها، وكانت واقفة تتوشوش مع راجل غريب على الباب برة وركبت معاه عربيته!
لما قالت الجملة دي، الدنيا لفت بيا وسودت في عيني لثانية. راجل غريب؟! ركبت عربيته؟!
بصيت لجوزي بذهول، مستنياه ينطق، مستنياه يصرخ في وشها ويقول لها يا أمي أنا اللي كنت معاها! أنا اللي كنت واخدها في العربية!
لكن جوزي فضل ساكت، باصص في الأرض، ووشه بينقط عرق بارد، وإيديه اللي كانت مبلولة مية وصابون بتترعش بطريقة غريبة.
سكوته ده وجعني أكتر من رصاص أمه.
صرخت فيه
طارق!
انطق! ساكت ليه؟! ما تقول لأمك مين الراجل ده؟! ما تقول لها إنت مين وكنت فين معايا؟!
لكن حماتي قاطعتني بضحكة عالية ومستفزة
هيقول لي إيه يا عين أمك؟ هيقول لي إنه مسكين ومش عارف حاجة؟ أنا من يومين بس لما نزلت شقتكم وإنتوا برة، ونضفت الصالة عشان أدور على الوصل بتاع النور، لقيت التقارير في الدرج! لقيت الورق اللي يثبت إنك مريضة من سنين، من قبل ما تتجوزي ابني أصلاً!
أنا اتسمرت مكاني
مريضة من قبل ما اتجوز؟! إنتِ بتقولي إيه؟! ده الكشف والتحاليل كلها ما بقالهاش شهرين!
كدابة!
صرخت حماتي وهي بتطلع من جيب جلابيتها ورقة مطبقة أربع تربع
أنا خدت نسخة من التقرير ووديته لدكتور صاحبة أختي في المستشفى، وقال لي الكلام ده مكتوب فيه إنه ورم متقدم وموجود من زمان قوي، يعني اتجوزتي ابني وإنتِ عارفة إنك مريضة وناقصة ومش هتخلفي ولا هتعيشي له طبيعية، ودبستيه فيكي وفي مصاريف علاجك وعملياتك اللي هتاكل شقاه وشقى سنينه!
الكلام كان قاسي لدرجة تذبح أي بني آدم. تهم باطلة، كلام متفصل عشان يدمر أي حاجة حلوة، وتشويه لكل لحظة خوف وتعب عشناها سوا.
بصيت للورقة اللي في إيدها، وفهمت إنها دخلت شقتنا وفتشت في خصوصياتنا وسرقت أوراق علاجية من ورانا، وحرفتها على
مزاجها عشان تثبت لابنها إني خادعة ومذنبة.
التفتت لجوزي وأنا بصرخ من كل قلبي، والدموع خلاص بتنزل شلال على خدي
طارق، اتكلم! اتكلم وقول لها إن الورق ده كله تاريخه الشهر اللي فات! قول لها إننا اكتشفنا الموضوع ده صدفة وإنت اللي مسكت إيدي ورحنا للدكتور سوا! قول لها إن الراجل اللي شافته برة ده كان عمي اللي جه معايا عشان يدفع جزء من حجز المستشفى وإنت كنت بتجيب الدوا من الصيدلية! ساكت ليه يا طارق؟! ما تكسرش ضهري بسكوتك ده!
طارق رفع عينه فيا، وكانت النظرة اللي شفتها في عينيه نظرة مكسورة تمامًا، مش نظرة واحد مصدوم من كلام أمه، لأ... نظرة واحد شايل سر تاني خالص، سر تقيل ومش قادر ينطقه قدامها.
وفجأة، طارق زعق بصوت عالي جدا، أول مرة أسمعه يزعق بالطريقة دي من يوم ما اتجوزنا
باااااس! بس إنتِ وهي! كفاية بقى، كفاية حرام عليكم!
البيت كله هدي فجأة. حماتي اتخضت من صوته ورجعت خطوة لورا، وأنا بقيت بتنفس بصعوبة وأنا حاطة إيدي على بطني من كتر الألم والضغط العصبي اللي اتعرضت له.
طارق مسك دماغه بإيديه الاتنين، وقعد على كرسي السفرة وهو بينهج، وقال بصوت مخنوق ومتقطع
يا أمي، كفاية تدمري في كل حاجة. إنتِ ما تعرفيش حاجة عن اللي بيحصل، ولا عمرك
هتعرفي، ومش هسمحلك تظلميها ولا كلمة تانية! الورق اللي في إيدك ده يخصنا إحنا، وحياتنا إحنا، وأنا عارف كل حاجة عن مراتي، ومفيش راجل في حياتها غيري، والراجل اللي شفتيه ده كان عمها فعلاً، وأنا اللي كلمته وطلبت منه ييجي يقف معانا!
حماتي برقت عينيها بغضب
يعني إنت عارف إنها مريضة؟ عارف ومخبي عليا ورايح تصرف عليها دم قلبك وتغسل لها السجاد وتخدمها؟!
طارق بصلها بعينين حمر زي الدم وقال
أيوا عارف! وعارف إنها داخلة عملية كبيرة كمان أسبوعين، وكنت مخبي عليكي عشان عارف إنك مش هترحميها، وهتعملي اللي بتعمليه دلوقتي ده بالظبط!
حماتي وشها اصفر للحظة لما سمعت كلمة عملية، لكن كبريائها وغرورها ما سمحولهاش تتراجع. بلت شفايفها وقالت ببرود يقهر
وعملية إيه دي إن شاء الله اللي هتصرف عليها كل شقاك؟ وليه أهلك ما يعرفوش؟ ولا هي ملهاش أهل يصرفوا عليها ويشيلوا بلاها؟ ليه تشيلها إنت وتمرمط نفسك معاها؟ ارميها عند أهلها وخلي علاجها عليهم، إنت لسه في عز شبابك وتقدر تتجوز ست ستها وتجيب عيال، مش تقعد تمرض في واحدة مش مضمون تعيش أصلاً!
الكلام ده نزل عليا زي الخنجر في قلبي، مسكت في الباب وحسيت إن نفسي بيتقطع. مفيش رحمة؟ مفيش إنسانية؟ للدرجة دي قلوب الناس
بقت حجر؟
كنت مستنية طارق يطردها،
مستنياه ينهي المهزلة دي ويقفل الباب في وش أي حد يجرحني بالشكل ده، لكن رد فعله المرة دي هو اللي فجر قنبلة تانية خالص مكنتش معمولة في الحساب.
طارق وقف، وبص لأمه ببرود شديد، وقال لها بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت
خلاص خلصتي اللي عندك يا أمي؟ ارتحتي لما عرفتي إنها هتعمل عملية؟
حماتي بصت له باستغراب
خلصت إيه؟ أنا بنصحك لمصلحتك يا ابني!
طارق ابتسم ابتسامة مكسورة وقال
طب طالما إنتِ مهتمة أوي بالورق والتحاليل والفلوس، ما قريتيش باقي الملف ليه؟ ما شفتيش التقرير التاني اللي كان تحت تقرير مراتي في نفس الفايل؟
حماتي اتلخبطت
تقرير إيه تاني؟ أنا لقيت الورقة دي بس وخدتها.
طارق
بصلها، وبعدين لف وشه وبصلي أنا.
الدموع اللي كان حابسها في عينيه طول الوقت بدأت تنزل على خده. كان شكله بيبكيني من جوة، شكله كان عامل زي طفل تايه ومش لاقي حد ينجده.
قرب مني خطوتين، ومسك إيديا الباردة بإيديه الاتنين، وقال بصوت واطي بيترعش، وصوته كان واصل لمسامع أمه في نفس الوقت
سامحيني يا حبيبتي... أنا اللي خبيت عليكي. أنا اللي كنت جبان ومقدرتش أقولك الحقيقة طول الشهرين اللي فاتوا دول.
أنا وقفت مصدومة، لساني عجز عن الكلام، مش فاهمة هو بيتكلم عن إيه
طارق... في إيه؟ إنت خبيت عليا إيه؟ التحاليل فيها حاجة تانية الدكتور مقالهاش؟ عمليتي مش هتنفع؟
طارق هز راسه بنفي والدموع
مغرقة وشه
لأ، عمليتك هتنفع إن شاء الله وهتقومي منها زي الفل... بس الحقيقة مش إنك إنتِ المريضة بس. الحقيقة إن التعب ده مش هو اللي كان مانعنا نخلف السنتين اللي فاتوا دول.
حماتي وقفت مذهولة، وأنا قلبي كان بيدق بسرعة جنونية لدرجة إني كنت سامعة صوت دقاته في وداني.
طارق كمل بصوت مبحوح
العيب مكنش منك يا أمي زي ما كنتِ بتقولي ليل ونهار وتعايريها بيه... العيب كان مني أنا من الأول. والتقرير التاني اللي في الدرج، ده تقريري أنا... أنا اللي عندي مشكلة ومفيش أمل أخلف، وهي كانت عارفة وصابرة وساكتة وشايلاني قدامك وقدام الدنيا كلها، ومخلتنيش أحس بنقص للحظة واحدة!
الصالون بقى ساكت
تمامًا، سكوت يوجع الودان.
حماتي فتحت بوقها ومش قادرة تنطق، الورقة اللي كانت في إيدها وقعت على الأرض، وعينيها رايحة جاية بيني وبين ابنها بذهول مش مستوعباه.
لكن الصدمة الحقيقية مكنتش هنا بس.
الصدمة إن طارق، بعد ما قال الجملة دي، مسك إيدي أكتر وبص في عيني، ولقيت صوته بيوطى أكتر، ونبرته فيها وجع أكبر بكتير، كأن في سر تالت وأخطر كان مدفون في قلبه، سر مكنش يعرفه لا أمه ولا أنا!
بص في عيني بضعف غريب، وهمس وهو بيترعش
ومصاريف عمليتك يا حبيبتي... الفلوس اللي بنلف بيها دي كلها... أنا مجبتهاش من البنك زي ما قلتلك. أنا مضيت على شيكات وكمبيالات لواحد مكنش لازم أقرب منه أبدًا.
.. والمهلة خلصت إمبارح!
يتبع
جـوزي غسـلي سـجاد الشـقة كـلها ج 2 حكـايات مني السيد حصري
الكلمة وقعت على وداني كأن سقف البيت كله اتهد فوق دماغي.
شيكات وكمبيالات؟ والمهلة خلصت إمبارح؟
حسيت الدنيا بتلف بيا، وكل الأصوات اللي في الصالة تلاشت فجأة ومبقاش مسموع غير صوت أنفاسي العالية وصوت دقات قلبي اللي بتضرب في صدري زي المرزبة. بصيت لإيد طارق اللي ماسكة إيدي، لقيتها بتترعش بطريقة تفجع، راجل بطوله وعرضه، اللي كان واقف يغسل السجاد بكل رضا عشان ما يخلينيش أمد إيدي على حاجة، واقف قدامي دلوقتي ضهره محني والدموع مغرقة عينيه وخايف من بكرة كأنه عيل صغير تايه في زحمة.
حماتي وقفت متسمرة مكانها، الصدمة شلت لسانها، عينيها عمالة تروح وتيجي بيني وبين طارق، مش قادرة تستوعب اللي سمعته. ابنها حبيبها، سندها، اللي كانت بتعايره عشان بيساعد مراته، بيعترف في وشها إنه هو اللي عنده العيب وإنه هو اللي مبيخلفش، وفوق كل ده غرقان لشوشته في ديون وشيكات مهدداه بالحبس عشان ينقذ مراته.
السكوت كان تقيل ومخنوق، يقطع النفس، لحد ما حماتي بلعت ريقها بصوت عالي، وصوتها طلع مخنوق ومرعوب لأول مرة شيكات إيه يا طارق؟! كمبيالات لمين يا ابني؟! إنت اتجننت في عقلك؟! هتودي نفسك في داهية عشان إيه؟! عشان مصاريف عملية؟! هي الدنيا جرى فيها
إيه؟!
طارق ما بصلهاش، فضل باصص في عيني أنا، كأنه بيهرب من عتابها لنظرة عتابي اللي كان مستنيها، لكن أنا والله العظيم ما كان في قلبي ذرة عتاب واحدة، كان قلبي بيتقطع عليه حتت. الوجع اللي كان في صدري ساعتها مكنش وجع مرضي ولا وجع ورم محتاج يتشال، كان وجع روحي على الراجل اللي شال عني هم الدنيا لحد ما ضهره انكسر ومارضيش حتى يشاركني الوجع عشان ميزودش همي.
قربت منه خطوة، ورغم الرعشة اللي في جسمي والضعف اللي مالي عضمي، مديت إيديا الاتنين ومسكت وشه بين كفوفي، ومسحت دموعه بإبهامي، وبصيت في عينيه وقلت بصوت بيحاول يطلع قوي ومتماسك عملت في نفسك كده ليه يا طارق؟ ليه تشيل الحمل ده كله لوحدك؟ هو إحنا مش اتعاهدنا من أول يوم إن الحلوة لينا والمرّة علينا سوا؟ ليه تروح للتهلكة برجليك من غير ما تقولي يا قلبي؟
طارق انهار تمامًا، حط راسه على كتفي وعيط، عياط راجل حبس دمعته شهور طويلة، عياط واحد كان ماشي في طريق مسدود ولقى نفسه في آخره ومفيش مفر كنت هعمل إيه بس يا حبيبتي؟ الدكتور قال لازم العملية تتعمل فورًا، وأي تأخير يوم واحد خطر على حياتك، المستشفى طلبت مبلغ خيالي، الحساب في البنك كان يدوب يغطي ربع المصاريف، وطلبت سلفة
من الشغل ورفضوا، رحت للبنوك طلبوا ضامن وإجراءات هتاخد شهور وإنتِ مكنش عندك وقت يستحمل شهور! كنتي بتموتي قدامي بالبطيء كل ليلة ومستحملة عشان متقلقنيش، أعمل إيه؟! أسيبك تروحي مني وأنا واقف أتفرج عشان خايف على نفسي؟! أقسم بالله لو رقبتي هتطير قصاد إنك تخفي وتعيشي، ما كنت هتردد لحظة واحدة!
حماتي قعدت على أقرب كرسي ورجليها مش شايلاها، وشها اللي كان مليان كبرياء وغرور وتجبر من نص ساعة، بقى شاحب ومصفر زي الورقة الدبلانة. مسكت صدرها وبقت تنهج مين يا طارق؟ مين اللي مضيتله على الورق ده؟ انطق يا ابني وريح قلبي، الحبس مش بالساهل، ده اسم عيلة وشرف راجل هيضيع!
طارق رفع راسه من على كتفي، ومسح وشه بإيده المبلولة، وبصلها بمرارة وحرقة المعلم سيد فضل، بتاع معرض العربيات اللي في أول الشارع... هو اللي وافق يديني المبلغ كاش في ساعتها، بس شرط عليا أكتب وصولات أمانة وشيكات على بياض بمبلغ ضعف اللي خدته، ووعدته إني هسددهم أول الشهر ده، وكنت معتمد إني هبيع حتة الأرض اللي ورثتها من أبويا في البلد... بس لما نزلت البلد من كام يوم، عمامي وقفولي في البيعة وقالوا مش هتبيع إلا لما تدينا حق الشفعة وبنص التمن، والوقت جري مني وملقتش
حد يقف جنبي!
حماتي شهقت ولطمت على خدها براحة سيد فضل؟! ده قاسي ومبيرحمش يا طارق! ده كان حابس ابن الحاج جابر عشان خمسين ألف جنيه مجابهومش في ميعادهم! ده راجل مبيعرفش ربنا في الفلوس!
أنا مسكت في إيد طارق أكتر، وحسيت فجأة بقوة عمري ما حسيت بيها في حياتي. أوقات الشدة الحقيقية، الست بتلاقي جواها طاقة تحارب بيها الدنيا كلها عشان تحمي بيتها وجوزها، مبقاش في وقت للعياط ولا للضعف، ولا حتى وقت للخوف من المرض.
بصيت لطارق وقلت بحزم المبلغ اللي خده كام بالظبط يا طارق؟
طارق بص في الأرض ومردش، أعدت سؤالي بصوت أشد طارق! بص في عيني وقولي، المبلغ كام من غير لف ودوران؟
ميتين وخمسين ألف جنيه يا حبيبتي... والمفروض أرجعهم ربعمية ألف بالفوائد اللي حطها، والوصولات اللي معاه بأربعمية ألف.
الرقم كان كبير، كبير جداً على اتنين موظفين عايشين على قدهم، لكن مفيش حاجة في الدنيا أكبر من ستر ربنا، ولا حاجة أغلى من حرية الراجل اللي مستعد يفديني بروحه.
حماتي حطت إيديها على راسها وبقت تهز في جسمها وتقول يالهوي يا ابني، يالهوي على حظك، طب نجيب منين ربعمية ألف في يوم وليلة؟ ده إحنا لو بيعنا عفش البيت كله مش هيكمل ميت ألف! وأعمامك في البلد كلاب فلوس مش
هيطلعوا مليم إلا لما يلووا دراعك!
بصيت لحماتي نظرة طويلة، نظرة كانت كفيلة تخليها تنزل عينيها في الأرض ومتقدرش تحط عينها في عيني. الست اللي كانت من شوية بتقول لابنها ارميها لأهلها وداخلي عملية ومش مضمون تعيش، بقت دلوقتي قاعدة مكسورة بتستنجد بأي أمل عشان ابنها ميتحبسش.
لكن أنا مكنتش عايزة أشمت، ولا ده طبعي ولا دي تربيتي، وبدل ما أعاتبها، لفيت وشي ومشيت ناحية أوضة النوم بخطوات ثابتة وسريعة.
طارق نادى عليا وهو مخضوض رايحة فين يا فاطمة؟ رايحة فين وسيباني؟!
مدخلتش في جدال معاه، دخلت الأوضة، فتحت الدولاب من تحت، وطلعت علبة الصاج القديمة اللي كانت شايلاها من يوم جوازنا، العلبة دي كان فيها دهبي كله، شبكتي، وسلسلة مامي الله يرحمها اللي كانت سايباهالي ذكرى، والغوايش اللي أبويا كان مجمعهملي مليم على مليم من شقاه في الغربة عشان يجوزهملي بيهم، ومعاهم شوية فلوس جمعية كنت بقبضها كل شهر ومحوشاها للزمن والزنقة.
شلت العلبة في إيدي، وطلعت الصالة وحطيتها على ترابيزة السفرة قدام طارق وحماتي ورزعتها بقوة خلتهم الاتنين يتفاجئوا.
فتحت العلبة قدامهم، الدهب كان بيلمع تحت نور النجفة.
طارق برقت عينيه ورجع لورا برفض قاطع لأ يا فاطمة! لأ يا حبيبتي، دهب مامتك الله يرحمها مش هيمس!
دهبك وشقاكي وشبكتك أنا مش همد إيدي عليهم! أنا اتفضح واتحبس ولا إني أكسر نفسك وأمد إيدي على دهبك عشان أسدد ديوني!
قربت منه، ومسكت ياقة قميصه المبلول، وبصيت في عمق عينيه وقلت بصوت حاسم يزلزل الحيطة اسمعني كويس يا طارق، وركز في كل حرف بقوله. الدهب ده حتت حديد وصفيح ملوش أي تلاتين لازمة لو إنت مش واقف وسطينا وبخير! دهب أمي الله يرحمها لو كان عايش كان أبويا فداك بيه، لأنك شلتني وصونتني وعاملتني بما يرضي الله. إنت راجلي وسندي، والراجل اللي يغسل سجاد مراته عشان تعبانة، ويشيل سر عيبه عن أهله سنتين عشان يحميني من لسان الناس، ويستحمل الإهانة عشان يجيبلي تمن علاجي، ده يتدفع له عمري كله مش شوية غوايش وخواتم!
الدموع نزلت من عين طارق زي المطر، حماتي بصت على الدهب وبصت عليا، وابتدت شفايفها ترتعش، وشفت في عينيها لأول مرة ندم حقيقي، ندم من النوع اللي بيحرق الضمير ويصحي الإنسانية المدفونة تحت طبقات القسوة والغيرة.
كملت كلامي مع طارق بحسابات عقلانية وهدوء الدهب ده يوزن يجي له حوالي تلاتين أو أربعين جرام، ومع الغوايش والخواتم وسلسلة أمي القديمة عيار واحد وعشرين، يعملوا في السوق النهاردة مبلغ محترم، يدوب يعدي الميتين وخمسين ألف بالراحة مع الفلوس اللي في البنك والجمعية.
بس المعلم سيد عايز ربعمية ألف بالفوائد يا فاطمة! طارق قالها بوجع وقلة حيلة.
وهنا حصلت المفاجأة اللي مكنتش متوقعاها أبدًا.
حماتي وقفت على حيلها فجأة، وراحت ناحية طارق، ومدت إيدها وطبطبت على كتفه، وبعدين التفتت ليا، وعينيها مليانة دموع حقيقية، مش دموع تمثيل.
قالت بصوت مكسور ومهزوز أنا اللي عليا الباقي يا بنتي...
طارق بصلها بذهول أمي؟!
حماتي نزلت راسها في الأرض، ومسحت دموعها بطرف طرحتها، وقالت وهي بتبصلي بخجل أنا كنت ست عمية، الغيرة عمت قلبي وحقدت عليكي عشان شفت ابني بيحبك أكتر مني، وشفت إنه شايلك على كفوف الراحة وكنت فاكرة إنك مستقوية عليه وواخداه مني... مكنتش أعرف إنك صايناه في عرضه وشرفه وسره ومرضه، وواقفة جنبه في الوقت اللي أنا كنت جاية أهد فيه بيته وأشمت فيه... حقك عليا يا بنتي، اضربيني بالجزمة، اقطعي لساني، بس متخلوش الغريب يدوس على ابني ولا يدخله الحبس.
الست مشيت بخطوات سريعة ناحية باب الشقة، ونزلت شقتها اللي تحت، ورجعت بعد خمس دقايق بالظبط وفي إيدها كيس قماش قديم ودفتر توفير.
حطت الكيس والدفتر على السفرة جنب دهبي، وفتحت الكيس، كان فيه كردان دهب قديم وتقيل جداً بتاع زمان، وغوايش بلدي عريضة كانت بتلبسهم في المناسبات.
قالت وهي بتعيط بحرقة ده كرداني
اللي شايلاه من ريحة المرحوم أبوك يا طارق، وده الدفتر فيه حوالي تمانين ألف جنيه شايلاهم لكفني ومصاريف موتي... خدوهم، خدوهم كلهم وسدوا بيهم للمعلم سيد حقه وفوايده، ولو مش هيكفوا، هروح لأعمامك بنفسي في البلد وهقف في وسط المضيفة وألم عليهم الناس وافضحهم لو مخلصوش بيعة الأرض بسعرها العادل في ظرف أربع وعشرين ساعة!
طارق مقدرش يستحمل المشهد، ركع على ركبه قدام أمه ومسك إيديها يبوسها، وهي نزلت على ركبها قدامه وضمته لصدرها وبقت تبكي بصوت عالي سامحني يا ضنايا، سامحني يا قلب أمك، كنت هدمرك بإيدي وبغبائي...
المشهد ده كان كفيل يمسح كل نقطة مرار وسواد عشتهم في الساعات اللي فاتت. بصيت للسجاد اللي كان لسه مفرود في البلكونة والمية بتنزل منه، وافتكرت قد إيه البيت ده كان ممكن يتخرب وينتهي في غمضة عين بسبب سوء ظن وكلمة اتقالت في ساعة غضب، لكن ربنا أراد إن الحقيقة تظهر عشان تلم الشمل وتكشف معادن الناس الحقيقية.
مضعناش دقيقة واحدة. طارق قام غسل وشه، ومسح دموعه، ولبس هدومه الناشفة، ولمينا الدهب والدفتر كله، ونزلنا إحنا التلاتة على الصاغة.
بعنا الدهب اللي معانا، وطلع المبلغ كامل، ومع فلوس الدفتر كان معانا الربعومية ألف جنيه بالمليم. رحنا على معرض المعلم سيد فضل، وأول ما دخلنا وشافنا وشاف حماتي
داخلة معايا ومع طارق، وشه اتغير وبدأ يتعامل بنبرة تهديد وغلظة أهلاً يا باشمهندس طارق، خير؟ افتكرت إن عندك ميعاد ولا جاي تتلكك؟
طارق متهزش، وقف وقفة راجل مكسور بس رافع راسه، وحط الشنطة اللي فيها الفلوس كلها على المكتب قدامه وقال بصوت قوي وثابت ميعادنا كان إمبارح واتاخرت عليك أربع وعشرين ساعة يا معلم، حقك عليا، بس فلوسك كلها كاش قدامك أهي، ربعمية ألف جنيه كاملين مكملين فوايد وتأخير، وهاتلي شيكاتي ووصولاتي دلوقتي حالاً!
المعلم سيد بص للفلوس بذهول، مكنش متوقع إن طارق هيعرف يدبر المبلغ ده في السرعة دي، وكان عينه على الأرض اللي في البلد وناوي يحبسه عشان يضغط عليه ويتنازل عنها بتراب الفلوس. عد الفلوس على مهله، ولما لقاها كاملة، ملقاش مفر غير إنه يفتح الخزنة ويطلع الورق كله
ويسلمه لطارق.
طارق مسك الورق، وبص فيه ورقة ورقة عشان يتأكد من إمضته، وقدام عين المعلم سيد، ولع كبريت وحرق الشيكات والوصولات كلها لحد ما بقت رماد في الطفاية اللي على المكتب.
خرجنا من المعرض وإحنا بنتنفس حرية، الهوا اللي في الشارع كان له طعم تاني خالص، طعم النجاة من مهلكة حقيقية.
رجعنا البيت وإحنا منهكين تمامًا، بس قلوبنا كانت صافية ومستريحة.
حماتي مسكت إيدي وهي طالعة على السلم، وقالتلي بصوت حنين عمري ما سمعته منها اطلعي ارتاحي يا بنتي، وإياكي تمدي إيدك على عود كبريت في الشقة، من هنا ورايح إنتِ بنتي اللي مخلفتهاش، ومصاريف عمليتك وعلاجك كلها عليا أنا، وهبيع باقي دهبي وهخدمك بعيني لحد ما تقومي بالسلامة وترجعي تنوري بيتك.
بصيت في عينيها وابتسمت من قلبي، وحضنتها حضن طويل
حسيت فيه بدفا مكنتش حاسة بيه من سنين.
الأسبوعين اللي بعد كده عدوا زي الحلم، حماتي كانت بتطلع كل يوم شقتنا تطبخ وتنضف وتجيب العلاج، وكل كلمة تطلع من بوقها كانت دعوة حلوة ليا ولطارق. وأعمام طارق لما حماتي نزلتلهم البلد وعملت قعدة رجالة ولمت كبارات العيلة، خلصوا بيعة الأرض وادوا لطارق حقه كامل تالت ومتلت، ورجعنا لحماتي فلوس الدفتر وجبنالها كردان أحسن من اللي باعته كمان.
وجيه يوم العملية.
كنت داخلة العمليات وأنا مش خايفة خالص، لأن طارق كان ماسك إيدي اليمين، وحماتي كانت ماسكة إيدي الشمال وبتقرأ لي آية الكرسي في ودني.
شفت جوزي وهو بيبتسم لي ابتسامة مليانة أمل، وقالي قبل ما البنج يشتغل هتقومي يا فاطمة، وهنبدأ سوا من جديد، والبيت اللي سنده الحب مبيقعش أبدًا.
العملية نجحت الحمد
لله، وشالوا الورم بالكامل والدكتور طمنا وقال مفيش أي أثر خبيث وكل حاجة رجعت طبيعية، وبعد سنة كاملة من العلاج والمتابعة، حصلت المعجزة اللي الطب قال عليها مستحيلة.
ربنا عوض صبرنا وطيب خاطرنا، والدكاترة اللي قالوا طارق مبيخلفش وقفوا مذهولين قدام نتيجة التحاليل اللي أثبتت إني حامل في توأم، ولد وبنت.
النهاردة، وأنا قاعدة في البلكونة في نفس المكان، ببص على طارق وهو شايل ولادنا الاتنين وبيلعب معاهم، والسجاد مفروش في الصالة نضيف وبيلمع، وحماتي قاعدة جنبنا بتشرب الشاي وبتضحك من قلبها، أدركت إن المحن مبتبقاش دايمًا غضب من ربنا، ساعات المحنة بتبقى هي الطريقة الوحيدة اللي ربنا بيغسل بيها قلوبنا من الغل، ويصحي بيها مشاعرنا، ويثبتلنا إن اللي مبني على الأصل الطيب والجدعنة... عمره ما ينهد.
النهاية


تعليقات
إرسال تعليق