القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية حماتي باعت دهب أمي الله يرحمها بقلم نور محمد

 

رواية حماتي باعت دهب أمي الله يرحمها بقلم نور محمد 




رواية حماتي باعت دهب أمي الله يرحمها بقلم نور محمد 

حكايات نور محمد كاملة 

حماتي باعت دهب أمي الله يرحمها اللي شايلاه للزمن، عشان تسدد ديون بنتها، وقالتلي بمنتهى البجاحة:


— الست الأصيلة هي اللي تفدي أهل جوزها بمالها!



بس القلم اللي جوزي قرر يديهولها بعدها… خلاها تتمنى الأرض تنشق وتبلعها!


يوم الأربعاء اللي فات، كنت برتب دولابي وبنضف الأوضة.


فتحت درج التسريحة عشان أطلع حاجة، ولاحظت إن علبة القطيفة اللي شايلاها في آخر الدرج مكانها متغير.


قلبي اتقبض.


فتحت العلبة… ولقيتها فاضية!


سلسلة أمي وغوايشها اللي ورثتهم عنها، واللي ريحتها فيهم… اختفوا.


فضلت أرمي كل حاجة في الأوضة، قلبت الدولاب، دورت تحت السرير، وأنا بنهج وأعيط زي المجنونة.


مفيش حد غريب دخل شقتي الأسبوع ده كله.


مفيش غير حماتي، “الحاجة سناء”، اللي جات قعدت معايا الصبح لوحدها، ودخلت أوضة نومي بحجة إنها بتصلي الضهر على ما أنا أجهز الغدا.


مسكت التليفون وإيدي بتترعش، واتصلت بيها.


أول ما فتحت، سألتها من غير مقدمات وأنا ببكي:


— طنط سناء… دهب أمي اللي في الدرج مش موجود، إنتي شوفتيه؟


ردت عليا بصوت هادي وبارد جداً:


— أيوه، أنا أخدته.


سكتت ثواني وأنا مش مستوعبة الكلمة…


— أخدتيه؟! أخدتيه فين يا طنط؟ ده دهب أمي!


قالتلي بمنتهى البرود:


— بعته. جوز أخت جوزك عليه شيكات وكان هيتحبس، وأخوها مكنش معاه سيولة. وإنتي بسم الله ما شاء الله جوزك مش مخليكي محتاجة حاجة، ودهب مركون ملوش عازة. الست الأصيلة هي اللي تقف جنب أهل جوزها في الشدة وتفديهم.


التليفون وقع من إيدي.


مبقتش قادرة أنطق، دهب أمي اللي مكنتش بفكر حتى ألبسه عشان خايفة عليه، يتباع عشان يسدد ديون جوز بنتها؟!


بعد ساعتين…


جوزي، “أحمد”، رجع من الشغل.


لقاني قاعدة على الأرض في الأوضة، وحالتي تصعب على الكافر، وعلبة القطيفة الفاضية في حضني.


لما حكيتله اللي حصل، وشه جاب ألوان.


مكنش مصدق إن أمه تعمل كده، وتتجرأ تفتح درج مراته وتبيع دهبها.


مسك تليفونه وكلمها، وقالها بصوت صارم:


— ربع ساعة وتكوني عندي في الشقة يا أمي… حالاً.


وفعلاً، جات.



أول ما قعدت، أحمد سألها:


— إزاي تعملي كده؟ إزاي تمدي إيدك على حاجة مش بتاعتك وتبيعيها؟!



ردت عليه بثقة مستفزة:


— عملت الصح! هنفضح يعني وأختك تتشرد؟ مراتك مش محتاجة حاجة، وبعدين ده مال ابني، وأنا حرة فيه!


كنت متوقعة إن أحمد يقلب الدنيا.


كنت متوقعة يزعق، أو حتى يطردها من البيت.


لكن الغريب…


إنه سكت.


سكت فترة طويلة جداً لدرجة إني اتصدمت وخفت من سكوته.


وبعدين فجأة… ابتسم.


وقالها بهدوء تام:


— تصدقي يا أمي… عندك حق.


بصيتله بصدمة وعيني مليانة دموع.


حماتي نفسها استغربت، بس بعد ثانية ابتسامة انتصار عريضة اترسمت على وشها.


وقالتله:


— أيوة كده يا حبيبي، العقل زينة. مراتك بكرة تنسى، المهم لحقنا أختك.


أحمد هز راسه وقال:


— طبعاً يا أمي، العيلة أهم من أي حاجة. وطالما إحنا فتحنا باب التضحيات، وإن مفيش فرق بين مالي ومالك… فأنا كمان قررت أعمل حاجة تفرحك.


ابتسامتها وسعت وقالت بلهفة:


— حاجة إيه يا حبيبي؟


أحمد طلع موبايله من جيبه.


— هتعرفي دلوقتي…


فتح رقم واتصل، وقال جملة واحدة:


— مساء الخير… أيوة يا فندم، تقدري تتفضلي تطلعي دلوقتي، الورق كله جاهز.


وقفل.


حماتي بصتله بفضول وسألته:


— مين دي اللي طالعة؟ وورق إيه؟


أحمد ابتسم ابتسامة باردة وقال:


— مفاجأة هتأكدلك إننا عيلة واحدة.


قعدنا حوالي عشر دقايق في صمت مرعب.


حماتي كانت قاعدة مرتاحة ومبسوطة، فاكرة إن ابنها جايب لها هدية أو هيكتب لها حاجة باسمها تعويضاً عن الزعل.


لحد ما جرس الباب رن.


أحمد قام فتح بنفسه.


سمعته بيقول من بره:


— أهلاً يا أستاذة… اتفضلي، إحنا مستنيينك.


دخلت ست في أواخر الخمسينات، لبسها عملي جداً، ملامحها حادة، وماسكة في إيدها شنطة أوراق جلد.


أول ما حماتي شافت الست دي…


ابتسامتها اختفت تماماً.


وشها بهت وبقى أصفر زي الليمونة.


قامت من مكانها وهي بترجع لورا بخطوات مهزوزة وقالت بصوت بيترعش:


— إنتي؟! إنتي إيه اللي جابك هنا؟!


الست بصتلها من فوق لتحت بهدوء تام ومردتش.


أحمد شد كرسي للست وقالها:


— اتفضلي يا أستاذة نيفين.


حماتي صرخت بصوت عالي:


— إنت اتجننت يا أحمد؟! جايب دي بيتي ليه؟! إنت متعرفش دي جاية تعمل إيه؟!


الأستاذة نيفين فتحت شنطتها بمنتهى الهدوء…


وطلعت منها ملف أحمر كبير.


حطته على الترابيزة قدام حماتي وفتحت أول صفحة.


وساعتها… ولأول مرة من يوم ما اتجوزت…


شوفت الرعب الحقيقي في عين حماتي………


الأستاذة نيفين مسكت القلم وراحت حاطة إيدها على الملف، وبصت لحماتي بنظرة جمود وهي بتقول:


— أهلاً يا حاجّة سناء… أظن إنتي عارفة المحامية نيفين عبدالمنعم كويس، وعارفة إني مش ببتسم كتير، خصوصاً لما أكون جاية أسترد حقوق ناس اتظلموا.


حماتي حطت إيدها على صدرها وبقت تتنفس بصعوبة، بصت لأحمد ابني بنظرات كلها ترجي وذهول، وقالت وهي بتتلعثم:


— أحمد… إنت بتعمل إيه؟ دي المحامية بتاعة إخواتك من أباك! دي اللي كانت عايزة تخرّجنا من البيت الكبير وتبيع الشقة بتاعة المزرعة! إنت جايبها لحد هنا ليه؟! إنت بتخون أمك؟!


أحمد قعد على الكرسي، حط رجل على رجل بكل هدوء، وبص لأمه بصة فارغة تماماً من أي رحمة أو عاطفة، وقالها بصوت واطي بس كل كلمة فيه كانت نازلة زي المرزبة:


— أنا مش بخونك يا أمي… إنتي اللي علمتيني حالا إن العيلة بتضحي لبعضها، وإن المال مالنا كلنا، وإنه مفيش فرق بين حق ده وحق ده! مش إنتي كسرتا شقتي، ودخلتي أوضة نوم مراتي، وأخدتي دهب أمها اللي ملوش عوض عشان تسددي ديون جوز أختي؟ أنا بقا قررت أعمل زيّك بالظبط… بس على كبير شويتين.


حماتي بصت للملف الأحمر اللي على الترابيزة برعب، صوابعها كانت بترتعش وهي بتقرب منه، بس الأستاذة نيفين سحبت الملف خطوة ونطقت بهدوء:


— الأستاذ أحمد كلمني من ساعتين يا حاجّة… وقال إن عنده السيولة الكاملة اللي تسدد النسايب وتنهي القضية المرفوعة من إخواته من الأب، القضية اللي بقالكم سنتين بتماطلوا فيها عشان ما تطلعوش من المزرعة وتدفعوا الفروق.


حماتي صرخت:


— وسيولة إيه دي اللي معاه؟! ده حيلاطه مرتبه وشوية الفكة اللي في البنك! أوعى تقول إنك…


أحمد ابتسم ابتسامة باردة جداً وقطع كلامها:


— أيوة يا أمي… بالضبط كده. التنازل اللي إنتي كنتي رافضة توقعيه بقالك سنين عشان نصيبك ونصيب أختي في الأرض، وبدل ما نفضل نطارد في المحاكم وإخواتي يرفعوا عليكي قضايا حجر وتبديد… أنا بعت النصيب ده النهاردة!


حماتي عينها وسعت لدرجة خضتني، وصوتها قطع وهي بتقول:


— بعت… بعت نصيبي؟ إنت تجرأت وتصرفت في أراضي العيلة؟! إنت مجنون؟! دي الأرض الوحيدة اللي حيلتي!


أحمد قام وقف، وقرب منها خطوة بخطوة، وهبت في وشه نار كان كاتمها جواه:


— زي ما إنتي تجرأتي ودخلتي أوضة مراتي ومديتي إيدك على حاجة مالهاش أي ذنب فيها! دهب أمها الله يرحمها اللي كان بالنسبة لها ذكرياتها الوحيدة من ريحة الغالية! إنتي بعتيه بدم بارد عشان تسترسي راجل غريب ملوش قيمة، وجاية تقوليلي “الست الأصيلة تفدي أهل جوزها”! طيّب والابن الأصيل بقا… بيبيع أرض أمه عشان يشتري راحة بال مراته ويجيب لها حقها!


الأستاذة نيفين فتحت الأوراق وطلعت شيك مقبول الدفع، وحطته قدام حماتي:


— اتفضلي يا حاجّة سناء… الشيك ده فيه قيمة نصيبك بعد خصم الفلوس اللي الأستاذ أحمد دفعهالي كأتعاب وتسوية كاملة للقضايا، وبكده المزرعة والأرض اتنقلت ملكيتها رسمياً، والتنازلات متوثقة في الشهر العقاري بالتوكيل اللي أحمد معاه منك من السنة اللي فاتت عشان إدارة أملاكك!


حماتي انهارت على الكنبة، دموعها نزلوا بس مش دموع حزن… كانت دموع صدمة وقهر. مسكت الشيك بإيد بتترعش وقالت:


— إنت بعت أرض المزرعة بربع تمنها يا أحمد عشان تخلص القضايا في يوم واحد؟! إنت حطمت مستقبلي ومستقبل أختك!


أحمد بصلي أنا، والدموع كانت في عينه بس ماسك نفسه، قرب مني وحط إيده على كتفي وهو بيسندني، وبعدين بصلها وقال:


— الفلوس اللي طلعت من بيع الأرض، حطيت جزء منها في حساب الأستاذة نيفين للصلح، والجزء التاني… دخل حسابي النهاردة. والصبح بدري، هكون واقف عند الصايغ اللي اشتريت منه دهب أمها، وهجيب كل حتة دهب دخلت بيتك، بالجرام وبالملي، وهيرجع في علبة القطيفة دي مكان ما كان!


حماتي قامت وقفت بالعافية، كانت بتترعش ومسكت في طرف الترابيزة عشان ما تقعش، وقالت بصوت مكسور ومبحوح:


— إنت بتبدى غريبة على أمك؟ بتبدى دهب واحدة ميتة على أرض أهلك يا أحمد؟!


أحمد بص لها بثبات مرعب وقالها:


— الغريبة دي هي اللي صانت بيتي، وهي اللي وقفت جنبي في فخارك وعزك وضيقك. والدهب ده مش شوية معدن يا أمي… ده كان أمانتها وذكراها. إنتي مفكرتيش في مشاعرها ولا حترمتي بيتي، ودخلتي زي الحرامية أخدتي حاجتها. أنا ممدتش إيدي في جيبك، أنا تصرفت بالقانون وبالتوكيل اللي إنتي إديتيهوني عشان أديرلك بيه حلالك لما قلتيلي “إنت راجل البيت”! أهو أنا مارست رجولتي النهاردة… ورجعت حق مراتي!


الأستاذة نيفين لمّت أوراقها وقامت وقفت، بصت لحماتي وقالت بلهجة عملية:


— الورق كله اتوقع واتوثق يا حاجّة. الشيك معاكي، ومن بكرة المزرعة مش ملكك. عن إذنكم.


خرجت المحامية وقفلت الباب وراها.


الهدوء اللي ساد الأوضة كان أرعب من أي صريخ. حماتي كانت واقفة في نص الصالة، الشيك في إيدها، وعلبة القطيفة الفاضية في الإيد التانية على الترابيزة. بصت لإبنها اللي كان واقف زي السد، مش حاسس بأي ندم، وبصتلي أنا وأنا لسه مش مصدقة اللي بيحصل قدامي.


حماتي حطت الشيك على الترابيزة وبدأت تتنفس بصوت عالي، ومسكت تليفونها بسرعة وهي بتصرخ فيه:


— الحقني يا مدحت! الحقني يا حبيبي… أخوك اتجنن! بعت الأرض! بعت الأرض المزرعة عشان دهب مراته!


رد صوت جوز أخت جوزي من الناحية التانية بسرعة ولهفة:


— بعت الأرض؟! طب والفلوس فين يا حاجّة؟! الشيكات اللي عليا هتترفع بكرة الصبح وهتسجن! أحمد سددلي ولا لأ؟!


هنا… أحمد ابتسم نفس الابتسامة الباردة، وقرب من التليفون وهو في إيد أمه، وصرخ في المايك بكل قوته:


— مفيش مليم واحد رايحلك يا مدحت! الفلوس راحت للمحامين ولحق مراتي! واشرب من البحر إنت وأختي… ووريني بقا الست الأصيلة هتفديك بإيه دلوقتي!


أحمد شد التليفون من إيد أمه وقفل السكة في وش مدحت، وحطه على الترابيزة بكل هدوء.


حماتي كانت واقفة قدامه وشها شاحب كأنه جثة، صوابعها بتترعش وهي بتشاور عليه، ومبقتش قادرة تتنفس عدل. بصتله بصة كلها قهر وحسرة وقالت بصوت مكسور:


— يخسارة تربيتي فيك يا أحمد… تبيع أختك وجوز أختك عشان شوية حتت دهب؟ تدمر بيتها وتسيب جوزها يتسجن وتفضحنا قدام الناس كلها؟ هي دي المرجلة عندك؟!


أحمد قرب منها خطوة واحدة، وعينه كان فيها لمعة غضب مكتوم تخوف، وقالها بنبرة ثابته ومفيهاش غلطة:


— المرجلة يا أمي هي إني أحمي بيتي ومراتي، وأصون شرفي اللي اتهان لما دخلتي أوضة نومي وأخدتي حاجة مش بتاعتك. المرجلة إن اللي يغلط يتحمل نتيجة غلطه. مدحت جوز أختي كتب شيكات بدون رصيد عشان يتفشخر ويعمل فيها بيه، ولما زنق نفسه، بدل ما يشتغل ويسدد ديونه، طمع في دهب واحدة مالهاش أي ذنب في القرف ده كلّه! وإنتي بدل ما تعقليه وتوقفي عند حده، جيتي سرقتي مراتي وجايبة تقوليلي “الست الأصيلة”!


حماتي صرخت فيه بكل قوتها وهزت كتفها:


— أنا ماسرقتش! أنا أمه وإنت ابني! ومالك هو مالي! دهب مراتك في بيتك، يعني تحت طوعي وقت الشدة!


أحمد ضحك ضحكة قصيرة مليانة سخرية وقال:


— كان تحت طوعك لما كان بيتك وبفلوسك… إنما دهب أمانة من ست ميتة لبنتها، تمدي إيدك عليه برضاكي وتبيعيه بدم بارد؟ لأ يا أمي… لحد هنا وخط أحمر. إنتي فاكرة إن التوكيل اللي إدتيهوني من سنة عشان أدير المزرعة كان لعبة؟ إنتي إديتيهوني عشان كنتي خايفة من إخواتي من الأب ياخدوا حقهم، وأنا استخدمته النهاردة عشان أرجع الحق لأصحابه وبس.


في اللحظة دي، جرس التليفون رن تاني، وكان صوت النغمة عالي جداً بيشق الصمت اللي في الصالة.


حماتي مسكت التليفون بلهفة وشافت الاسم… كانت أخته “سمر”.


فتحت المايك والسباطة شغال، وجاء صوت سمر وهي بتصرخ وتبكي بحرقة:


— يا ماما! الحقيني يا ماما! مدحت أغمى عليه والبوليس واقف تحت البيت! الشيكات اتقدمت للنيابة بكرة الصبح ولو الفلوس مدفعتش النهاردة هيتاخد على التخشيبة! كلمي أحمد خليه يحول المبلغ حالاً! أحمد فين يا ماما؟!


حماتي بصت لأحمد بدموع رجاء، وحطت التليفون على المحمول وقالت وهي بتتوسل:


— اسمع أختك يا أحمد… عشان خاطري، عشان خاطر أختك اللي ملهاش غيرك! أديلهم الفلوس وسدد الدين، والدهب أنا هكتبلك بيه كمبيالة وهردّه لمراتك جرام جرام والله العظيم! بس انقذ أختك من الخراب!


أحمد مسك التليفون من إيدها، وحطه على ودنه وقال بصوت جاف تماماً:


— أهلاً يا سمر… اسمعيني كويس. الفلوس اللي طلعت من بيع نصيب أمك في المزرعة، سددت بيها القضايا المرفوعة علينا من إخواتنا، والتنازلات تمت. والمبلغ المتبقي دخل حسابي أنا شخصياً، والصبح بدري نازل أشتري بيه دهب لمراتي بدل اللي أمك سرقته وباعته عشان جوزك.


سمر صرخت من الناحية التانية بذهول:


— إنت بتقول إيه يا أحمد؟! تشتري دهب وتسيب جوز أختك يتسجن؟! إنت اتجننت؟! ده دهب مراتك هيعوضه أي وقت، لكن مدحت مستقبله هيضيع!


أحمد رد عليها بمنتهى القسوة:


— جوزك مستقبله يضيع لأنه نصاب وبياخد فلوس مش بتاعته، أما دهب مراتي ده ريحة أمها الله يرحمها، وكرامتها اللي أمك داست عليها بالجزمة وهي بتقولها “الست الأصيلة تفدي أهل جوزها”. اطلبي بقا من جوزك يكون راجل ويسدد ديونه بنفسه، أو خليه هو يتصرف… إحنا برة اللعبة.


وقفل السكة في وشها ورمى التليفون على الكنبة.


حماتي وقفت مكانها مصدومة، وشها احمر جداً من كثرة الضغط والدموع نازلة على خدودها زي النار. بصت لأحمد وقالت بتهديد وهي بتترعش:


— ماشيء يا أحمد… والله لأعرف الناس كلها إنت عملت إيه في أمك وأختك! والله لأفضحك في العيلة كلها وأقول إنك بعت أرضنا ورميت أختك في الشارع عشان خاطر مراتك!


أحمد ابتسم ابتسامة باردة جداً، وقرب من باب الشقة وفتحه على آخره، وشاور بأيده للخروج وقال بصوت واطي بس يرعب:


— روحي قولي لكل الناس يا أمي… قوليراهم إن أحمد ابنك بعت الأرض عشان أمه دخلت أوضة نوم مراته وسرقت دهب أمها الميتة وباعته لحساب جوز بنتها! قوليراهم الحقيقة كامة، وشوفي مين في العيلة هيقف جنبك أو يحترمك بعد النهاردة.


حماتي بصتله بذهول، حسّت إن كل الكروت اللي في إيدها اترمات في الأرض. مفيش أي حجة تقابل بيها الناس.


مسكت شنطتها بإيد بتترعش، وبصتلي أنا بنظرة كره وغل مفيهاش أي ندم، وقالت وهي بتمر من جنبي:


— حسبي الله ونعم الوكيل فيكي… خراب البيت جاني من تحت إيديكي!


أحمد وقف قدامها وسد الطريق وقالها:


— متظلميش حد يا أمي… الخراب دخل بيتك من اليوم اللي سمحتي فيه لنفسك تمدي إيدك على حق غيرك. الشيك اللي على الترابيزة ده فيه باقي فلوسك بعد ما أخدت حق دهب مراتي وحق أتعاب المحامية. خديه وغوري من بيتي… وما تدخليش الشقة دي تاني إلا لما تعرفي يعني إيه حرمة بيوت الناس!


حماتي سحبت الشيك بسرعة من على الترابيزة، وخرجت تجري وهي بتعيط وتصرخ في الممر بتاع العمارة بصوت عالي.


أحمد قفل الباب وراها بكل قوته، وصوت القفلة هز الأوضة كلها.


أول ما الباب اتقفل، أحمد لف ضهره وبصلي.


كان واقف في نص الصالة، كتفه نازل، وعينه مليانة تعب وشقا، والدموع اللي كان حابسها طول القعدة بدأت تنزل على خده بهدوء.


أنا كنت واقفة مكان في حالة صدمة، مش مصدقة اللي حصل في الساعة الأخيرة. أحمد قرب مني بخطوات بطيئة، وفتح إيده وطلع منها حاجة كان مخبيها في جيبه…


حط في إيدي ورقة صغيرة مطوية، وقال بصوت مبحوح:


— دي الفاتورة الأصلية لدهب أمك الله يرحمها… أخدتها من درج التسريحة من ورانا قبل ما أمي تمشي. والصبح على الساعة تسعة، هكون واقف قدام الصايغ، ومش هرجع البيت ده غير والعلبة القطيفة دي ملبانة زي ما كانت وأحسن.


مسكت الورقة وأنا بعيط، وبصيتله وقلتله بصوت بيترعش:


— إنت بعت أرض أهلك يا أحمد؟ إنت اتخانقت مع أمك وأختك عشاني؟


أحمد مسك إيدي الأثنين وضغط عليهم وقال بكل ثبات:


— أنا مابعتش أرض أهلي عشانك بس يا روضة… أنا بعتها عشان أصلح الغلط اللي أمي عملته، وعشان أعرفها إن بيتي ليه حرمة، وإن كرامتك وذكراك من ريحة أمك تسوى عندي الدنيا كلها. أمي افتكرت إن صمتي ضعف، وافتكرت إني هسكت عشان كلمة “عيلة”… بس العيلة اللي تتأسس على السرقة والأذية ملهاش لازمة عندي.


سكت ثواني ونزل عينه في الأرض وقال كأنه بيكلم نفسه:


— بس اللعبة مخلصتش هنا يا روضة… مدحت مش هيسكت، وأختي هتقلب الدنيا بكرة الصبح، وأمي مش هتسيب الأرض اللي ضاعت بسهولة… اللي جاي أرعب بكثير.


 

حكايات نور محمد 2

ليلتها، البيت كان ساكن زي المقابر، بس العاصفة كانت بتغلي برة.


أحمد مقدرش ينام. طول الليل كان قاعد في الصالة، يبص للفاتورة اللي في إيده، ويقوم يشرب مية، ويرجع يقعد تاني. وأنا كنت قاعدة جنبه، خايفة من القادم. أحمد مش بس كسر كلام أمه، ده هد الهيكل كله فوق دماغهم، ومفيش حد زي الحاجة سناء لما تتجرح كبريائها وتتزنق في الزاوية.



على الساعة تمانية الصبح، تلفون أحمد بدأ يرن وما بطلش.


أرقام غريبة، وأرقام عمامي وأخوالي من ناحية أبوه، وعماته… العيلة كلها اتجمعت. سمر وأمها مقعدوش، تلفنوا لكل كبير وصغير في العيلة، وقالوا إن أحمد “العاق” جاب محامية الغفر، وبيع أرض المزرعة ورماهم في الشارع، وأخد الفلوس لنفسه ولمراته عشان يشتري بيها دهب!


أحمد بص للتلفون وهو بيرن، وماردش على ولا رقم.


قام بكل ثبات، لبس قميصه، وبصلي وقال:


— خليكي جوة الشقة يا روضة، واقفلي الباب بالمفتاح. محدش هيدخل هنا. أنا نازل محلات الصاغة أجمع الدهب بالجرام زي ما كان في الفاتورة، وبعدها هروح للشهر العقاري أأمن باقي الفلوس في حسابك إنتي.


— أحمد… عشان خاطري بلاش تكبر الموضوع أكتر، العيلة كلها مقلوبة عليك!


مسك وشي بين إيديه وبص في عيني بصرامة:


— العيلة دي نسيت الأصول، واللي ينسى الأصول يتربى. الدهب ده هيرجع النهاردة، وكرامتك هترجع قصب عن عين الكل.


نزلت معاه لحد الباب، وقفلته بالمفتاح زي ما قال.


عدت ساعتين، وكل دقيقة كانت بتمر زي السنة. الجرس رن فجأة… ضربات متتالية وقوية على الباب كأن حد بيحاول يكسره!


جريت على الباب وبصيت من العين السحرية.


كانت الحاجة سناء، وجنبها أخت جوزي سمر، ومعاهم عم أحمد الكبير “الحاج متولي”، وراجلين تانيين من كبار العيلة. سمر كانت بتصرخ في الممر:


— افتحي يا روضة! افتحي يا اللي خرّبتي البيت وأخدتي فلوسنا! افتحي بدل ما نكسر الباب فوق دماغك!


جسمي كله اتنفض، ووقفت ورا الباب مش عارفة أعمل إيه. اتصلت بأحمد بسرعة، أول ما فتح قلتله وأنا ببكي:


— أحمد! عمك متولي وأمك وأختك واقفين برة وبيخبطوا على الباب بغل وعايزين يكسروه!


صوت أحمد اتغير تماماً على التلفون، ونطق بقسوة:


— عشر دقائق وأكون عندك… أوعي تفتحي لعدم منهم يا روضة!


سمعت صوته بيقفل، وبرة كان الضرب على الباب بيزيد. صوت الحاج متولي كان عالي ويهز العمارة:


— افتحي يا بنت الناس نتكلم بعقل! الفضيحة دي لازم تقف النهاردة، الفلوس اللي أحمد حط يده عليها دي مال أيتام وحق العيلة!


بعد عشر دقائق بالتمام، سمعت صوت دبة جزمة أحمد في الممر، وصوته الجهوري وهو بيزعق:


— إيه التهريج اللي بيحصل قدام بيتي ده؟! إنتو جين تطبقوا الشريعة على مراتي وإنا مش موجود؟!


الكل اتلف له. الحاج متولي قرب منه بغضب ورفع عصايته في وشه:


— إنت اتجننت يا أحمد؟! بتبيع أرض أهلك بربع تمنها عشان ترضي حريم؟! وبترمي أختك وجوزها في السجن؟! إنت نسيت إنك راجل العيلة بعد أبوك؟!


أحمد وقف بثبات قدامهم كلهم، حط إيده في جيبه وطلع علبة القطيفة… بس المرة دي كانت مليانة!


فتح العلبة قدام عمك متولي وأمه وأخته، الدهب كان بيلمع تحت إضاءة الممر. أحمد بص لعمك متولي وقال بصوت هز السلم كله:


— العيلة اللي بتتكلم عنها يا حاج متولي… أُمي دخلت شقتي في غيابي، فتحت أدراج مراتي، وسرقت دهب أمها الميتة اللي شايلاه ذكرى وأمانة، وباعته من غير علمي عشان تسدد ديون نصاب كتب شيكات بدون رصيد! هل المرجلة والأصول في عيلتك بتقول إن أُمي تمد إيدها على مال غيرها؟!


عم أحمد اتصدم، وبص للحاجة سناء بذهول:


— الكلام ده حصل يا سناء؟! إنتي أخدتي دهب مرات ابنك وباعتيه؟!


الحاجة سناء وشها جاب ألوان، ولعثمت في الكلام بس حاولت تدافع عن نفسها ببجاحة:


— أيوه أخدته! ما هي عايشة في خير ابني، وأخت ابنه كانت هتتخرب بيتها! الفلوس كلها واحد، وهي مش محتاجة الدهب في حاجة!


أحمد ضحك بصوت عالي ومليان سخرية، وبص لعمك متولي:


— سمعت بنفسك يا حاج؟ أُمي بتقول السرق حلال طالما لجوز بنتها! إنا مابعتش الأرض عشان أضايق حد، أنا بعتها بالتوكيل الرسمي اللي معايا عشان أرد حق الدهب ده، وأخلص العيلة من القضايا اللي كانت رفعتوها إنتو نفسكم علينا من سنين بسبب المزرعة! الفلوس اللي طلعت سددت حق الناس، والدهب أهو رجع مكانه في العلبة!


سمر قربت من أحمد وهي بتبكي وبتصرخ:


— ومدحت؟! مدحت محبوس من الصبح يا أحمد! الشيكات اتقدمت والنيابة أدت أمر بظبطه وإحضاره! هيروح في داهية وإنت معاك باقي الفلوس في البنك!


أحمد بص لأخته سمر بنظرة مفيهاش نقطة رحمة وقالها:


— مدحت يروح في داهية، أو يبيع عفش بيته، أو يستسلف من أهله هو! أنا مش ملزم أدفع مليم واحد لشخص طمع في دهب مراتي وكان فاكر إننا هنسكت ونتغطى بكلمة “الست الأصيلة”! الفلوس الباقية من بيع نصيب أمي، اتحولت رسمياً في الحساب بضمان الشهر العقاري باسم مراتي “روضة”، تعويض عن الإهانة والسرقة اللي تعرضت لها في بيتي!


— كتبت فلوسي باسم مراتك؟! حطيت شقا عمري تحت إيد الغريبة يا أحمد؟! إنت مش ابني! أنا داعية عليك ليوم الدين!


أحمد ما اتهزش، مسك إيد أمه بالراحة ونزلها، وبصلها بعيون مليانة وجع وقال:



— دعاء المظلوم مابينوش بين ربنا حجاب يا أمي… ومراتي كانت مظلومة في بيتي وأنا جيبت لها حقها. الفلوس دي مش بتاعتك من النهاردة، دي بقت حق روضة. وإنتي يا سمر، لو جوزك راجل بجد، خليه يطلع يشتغل ويسدد ديونه بدل ما يعيش على سرقة دهب الحريم.


الحاج متولي وقف متكتف، مش عارف يقول إيه بعد ما عرف حقيقة السرقة. بص للحاجة سناء وقالها بجفاء:


— غلطتي يا سناء… والست اللي تمد إيدها على حاجة مش بتاعتها تتتحمل اللي يجرالها. مش هقدر ألوم أحمد على إنه دافع عن بيته وكرامته.


سمر قعدت على الأرض على السلم وبقت تصرخ وتلطم على وشها، والحاجة سناء كانت بتبص لأحمد وكأنها شايفاه لأول مرة في حياتها… ابنها اللي كانت فاكراه خاتم في صباعها، كسرها وخرد أملاكها وحطها تحت إيد مراتها.


أحمد طلع المفتاح من جيبه، فتح باب الشقة، وبصلي وأنا واقفة ورا الباب أرتعش.


مد إيده واداني العلبة القطيفة، وقال بصوت سمع الممر كله:


— خدي دهبك يا روضة… دهب أمك رجع، ومفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يمد إيده على قشة في بيتك تاني.


دخل الشقة وقفل الباب في وشهم كلهم.


ساد الصمت جوة البيت، بس أنا كنت عارفة إن سمر والحاجة سناء مش هيسيبوا الفلوس اللي بقت في حسابي بسهولة… والضربة الجاية مش هتكون قضايا، دي هتكون حرب شوارع.


مر أسبوع على يوم السلم. أسبوع كان فيه البيت عبارة عن ساحة حرب باردة. أحمد أخد إجازة من شغله، كان قاعد معايا في الشقة، القفل اتغير، والباب بقى بيتفتح بحساب. الدهب رجع في العلبة القطيفة في آخر الدرج، بس طعم الانتصار كان ممرر، لأننا كنا عارفين إن السكون ده هو الهدوء اللي بيسبق الإعصار.


مدحت، جوز سمر، مقدرش يهرب من الشيكات. اتأخد من بيته في وسط الشارع قدام الجيران بالكلبشات، وصدر عليه حكم غيابي بالحبس سنتين في أول قضية. سمر اتجننت، والحاجة سناء حسّت إن ملكها كله ضاع؛ الأرض راحت، الفلوس بقت في حسابي أنا بضمان الشهر العقاري، وجوز بنتها بقت سمعته في الطين ومحمي في التخشيبة.


وفي ليلة أربعاء… نفس اليوم اللي اكتشفت فيه سرقة الدهب من أسبوع.


الساعة كانت داخلة على واحدة بعد نص الليل. الشارع تحت كان هادي تماماً، وفجأة سمعنا صوت كلكسات عربيات وصراخ عالي تحت العمارة. أحمد قام من السرير بسرعة، بصل من الشباك، وشفت وشه بيتحول للون الأبيض.


— في إيه يا أحمد؟


— انزلي تحت السرير يا روضة… أهلي جايبين البلطجية ولاد عم مدحت وجايين يأخدوا حقهم بإيدهم.


سمعنا صوت خبط ورزع في باب العمارة التحتاني، الباب الخشب كسر وهجموا على السلم. أصوات جزم جارية، وصراخ سمر وهي بتهلل فوق:


— اطلعوا هاتوا الفلوس من تحت إيد اللي تسوى والست اللي ما تسواش! هاتوا حق مدحت اللي اترمى في السجن!


أحمد جاب شوم كان شايله ورا الباب، وقفل عليا أوضة النوم بالمفتاح من برة. كنت أسمع صوته وهو بيصرخ من ورا الباب:


— أقسم بالله اللي هيقرب من باب الشقة هقتله! اللي راجل يوريني نفسه!


الباب البراني بتاع الشقة بدأ يتضرب عليه بأجسام ثقيلة، كأنهم جايبين عتلة أو حديدة يكسروا بيها القفل. صوت الحاجة سناء كان أشد من البلطجية، كانت بتهتف زي المجنونة:


— اكسر يا ولد! كسر الباب! الفلوس دي فلوس المزرعة، فلوس ولادي! مش هسيب بنت الفلاحين تاخد شقا عمري وأنا عايشة!


الحديد كان بيرزع في الخشب، وأنا جوة الأوضة كنت بدمع وبدعي، مسكت التليفون وإيدي بتترعش واتصلت بالشرطة.


— النجدة! في ناس بيكسروا باب شقتي بأسلحة وشوم في العمارة رقم… الحقونا بالسرعة!



أحمد صرخ بعلو صوته، وسمعت صوت ضرب الشوم في بعضه، كركبة ترابيزات بتتقلب، وازاز بيتكسر. أحمد كان بيحارب لوحده في الضلمة ضد تلات رجالة وسطهما أمه وأخته!


صوت سمر كان قريب جداً من باب الأوضة اللي أنا محبوسة فيها:



— افتحي يا روضة! افتحي بدل ما نكسر الباب فوق دماغك ونطلع الدهب والفيزا من عينيكي!


وفجأة… صوت ضربة شوم ثقيلة جيلت في الصالة، وبعدها صوت أحمد وهو بيئن بوجع مكتوم وبيقع على الأرض!


قلبي سقط في رجلي. صرخت بكل صوتي:


— أااااأحمد!!


صوت الحاجة سناء نطق ببرود يرعب:


— شيلوه واكتفوه بالرباط! وإنتي يا سمر هاتي العتلة واكسري باب الأوضة دي!


الباب الخشب بتاع الأوضة أكل ضربتين حديد، والقفل اتقطم في ثواني. الباب اتفتح، وشفت الحاجة سناء واقفة ورا سمر، وفي إيد سمر عتلة حديد، ووراهم في الصالة طيف أحمد مرمي على الأرض، كتفه بينزف ورجلين اثنين بلطجية ماسكينه وربطوا إيده بوهي.


الحاجة سناء قربت مني بخطوات بطيئة، عينها كانت زايغة وفيها غل ملوش حدود. مسكتني من شعري بقوة رفعت رأسي لفوق وقالتلي بصوت واطي وزي الفحيح:


— فاكرة إن ابن ينسى أمه عشان شوية دهب وفلوس يا روضة؟ فاكرة إنك كسبتي؟ بكرة الصبح هتروحي مع الأستاذ ناصر المحامي بتاعي، وتهوبي على البنك وتحولي كل مليم في حسابك لحسابي… والدهب اللي في العلبة هتاخديه بإيدك وتديه لسمر عشان تفرج عن جوزها!


أحمد كان بيحاول يقوم على الأرض وهو بينزف من جبهته، صرخ وهو بيحشرج:


— أوعي تعملي كده يا روضة… لو عملتي كده مش هسامحك ليوم الدين! أوعي تتديهم مليم!


واحدا من البلطجية ضرب أحمد برجله في بطنه عشان يسكت. أنا ما استحملتش المشهد، الدموع كانت مغرقة وشي وقلت وأنا ببكي بانهيار:


— حاضر! حاضر هديكم كل حاجة! هديكم الفلوس والدهب بس سيبوا أحمد! هعملكم اللي انتو عايزينه!


الحاجة سناء ابتسمت ابتسامة نصر مرعبة، وسابت شعري وقالت لسمر:


— هاتي العلبة من الدرج يا سمر… خدي الدهب، والفيزا والأوراق نآخدهم دلوقتي، وبكرة الصبح الساعة تسعة نكون قدام البنك.


سمر جرت على التسريحة، فتحت الدرج وسحبت علبة القطيفة، فتحتها وشافت الدهب بيلمع، ضحكت بحسرة وفرحة وقالت:


— الدهب أهو يا ماما… دهب ستك الميتة اللي أحمد باع المزرعة عشانه!


في اللحظة دي بالضبط… الشارع تحت اتملى بصوت سرينات عربيات الشرطة!


الأضواء الحمراء والزرقاء بتاعت سرينة النجدة عكست على حيطان الأوضة من الشباك، وصوت مكبر الصوت نزل زي الصاعقة في الشارع:


— قوة النجدة تفرِض حصار على العمارة! أيا كان مين فوق، حطوا السلاح وانزلوا بأيديكم مرفوعة! العمارة محاصرة!


البلطجية اللي في الصالة اتخضوا، واحد منهم رمى الشومة وقال برعب:


— البوليس تحت! انتو قلتوا دي خناقة عيلة ومش هيتدخل حد! إحنا ملناش دعوة بالتلبس ده!


جروا على السلم يحاولوا يهربوا من باب السطوح، بس صوت الخبط والجري بتاع أفراد الشرطة كان طالع على السلم بسرعة رهيبة.


سمر وقفت في نص الأوضة زي الفراخ المذبوحة، العلبة القطيفة في إيدها بترتعش. الحاجة سناء وشها جاب ألوان وشفايفها جفت تماماً.


البوليس اقتحم الشقة في ثواني، الضابط دخل بسلاحه ومعه أربعة عساكر. شافوا المنظر: أحمد مربوط وينزف على الأرض، الصالة متكسرة، الباب مخلوع، وأنا منهارة في الأوضة، وسمر والحاجة سناء ماسكين العتلة والدهب!


الضابط بص للمشهد ورفع حواجبة وقال بصوت حاسم:


— إيه المهزلة دي؟! هاتوا الكل هنا! قبض على الستات دول قبل البلطجية! دي جريمة اقتحام مسكن، وسطو مسلح، وتعدي وإحداث عاهة!


أحمد رفع رأسه بالعافية وهو بينزف، بص لأمه اللي كانت واقفة زي الليمونة المظلومة، وقال للضابط بصوت ثابت رغم الوجع:


— الستات دول يا باشا… هما اللي خططوا للاقتحام والسرقة. وأنا بطلب تحرير محضر رسمي باقتحام منزل، وسرقة بالإكراه، وشروع في قتل!


الحاجة سناء صرخت بصوت هيستيري وهي بتبص لأحمد:


— أنا أمك يا أحمد! هتسجن أمك وأختك عشان خاطر دي؟!


أحمد بص لها بعيون فارغة تماماً من أي شفقة، ونطق بأقسى جملة قالتها شفافه من يوم ما اتولد:


— اللي يقتحم بيتي في الضلمة، ويسرق مراتي، ويربطني وينزفني في بيتي… ميبقاش أمي. انتو من النهاردة خصومي قدام القانون.


العساكر كلبشوا سمر وهي بتصرخ وتلطم، وسحبوا الحاجة سناء اللي كانت بتترعش ومش قادرة تمشي على رجليها، والعلبة القطيفة وقعت من إيد سمر على الأرض، اتفتحت، والدهب اتنثر في نص الصالة.


أنا جريت على أحمد، فكيت الرباط من إيده، وحضنته وأنا ببكي. أحمد مسك وشي بإيده اللي فيها دم، وبص للدهب المرمي على الأرض وقال بصوت مكسور:


— الدهب نزل على الأرض يا روضة… بس كرامتك وكرامة أمك الله يرحمها مش هتنزل أبداً.


الضابط طلب الإسعاف لأحمد، وأخدهم كلهم في بكس الشرطة. بس وأنا واقفة في الصالة المتكسرة بلم الدهب حتة حتة من الأرض، كنت عارفة إن القضية دي مش هتنتهي في التخشيبة… لأن أهل مدحت والعيلة مش هيسكتوا على حبس الحاجة سناء وسمر، والرد المرة دي مش هيكون بالقانون.


 

حكايات نور محمد 2

المستشفى كانت ريحتها مطهرات والهدوء فيها يوتر الأعصاب. أحمد كان قاعد على السرير، رأسه ملفوفة برباط أبيض، وكتفه الشمال متثبت، بس نظرة عينيه كانت أشد صلابة من الأوقات اللي فاتت كلها.


الدكتور دخل طمنا إن الخياطة في رأسه عشر غرز، والكتف فيه جزع شديد بس مفيش كسر. أنا كنت قاعد جنبه، ماسكة إيده اللي بتترعش من التعب، وكل ما أفتكر المنظر بتاع البلطجية وهما رابطينه والدم نازل على وشه، جسمي كله يترعش.



على الساعة تسعة الصبح، والنيابة لسه بتبدأ التحقيق في المحضر، الباب بتاع أوضة المستشفى اتفتح فجأة من غير استئذان.


دخل الحاج متولي، عم أحمد الكبير، ومعاه تلاتة من كبار العيلة. ملامحهم كلها كانت متجهة وناشفة، مفيش في عينيهم أي عاطفة ولا حتى سؤال عن صحة ابن أخوهم المرمي على سرير المستشفى.


الحاج متولي قرب من السرير، وقفت أنا بسرعة ووقفت ورا أحمد. عمك متولي بص لأحمد بنظرة كلها غضب ونطق بصوت جاف زي الحطب:


— حمد الله على السلامة يا أحمد… أظن اللعبة كده زادت عن حدها، والقلم اللي كنت عايز تديه لأمك وأختك تحول لمهزلة العيلة كلها بتتفرج عليها!


أحمد بص لعمك متولي بهدوء، ومسح جبهته بإيده السليمة وقال ببرود:


— الله يسلمك يا حاج متولي. بس هي مش لعبة… دي جريمة سطو مسلح واقتحام بيت وشروع في قتل، والنيابة هي اللي بتهندم المسألة دلوقتي.


الحاج متولي ضرب عصايته في الأرض بقوة هزت الأوضة وصادها صدى عالي:


— نيابة إيه وزفت إيه اللي بتتكلم عنه؟! أمك الحاجة سناء وأختك سمر بايتين في التخشيبة من امبارح مع الحرامية والبلطجية! الستات اللي صانوا اسم أباك الله يرحمه يترد بيهم في الأقسام عشان خاطر حتتين دهب وشوية فلوس في البنك؟! انت اتجننت يا أحمد؟!


أحمد اتعدل في قعدته بالعافية، رغم الوجع اللي كان باين في وشه، وبص لعمك متولي في عينه مباشرة وقال بثبات يرعب:


— الستات دول يا حاج… جابوا بلطجية بعتلات وشوم، كسروا باب بيتي في نص الليل، طفوا الكهرباء، ربطوني ونزفوني دم، وكانوا هيقتلوا مراتي أو يأذوها عشان ياخدوا فلوس بالForce والسرقة! هما اللي رموا اسم أبويا في الطين لما مشيوا مع البلطجية ورضوا بالسرقة!


عم أحمد قرب خطوة من السرير ووطى صوته، بس النبرة كانت مليانة تهديد صريح:


— اسمع يا أحمد… العيلة ملهاش دعوة بالغلط اللي حصل، بس العيلة مش هتقبل إن سناء وسمر يفضلوا في التخشيبة ساعة كمان. المحامي بتاعنا برة، وحضر إقرار تنازل عن المحضر. هتمضي التنازل دلوقتي، والقضية تتقفل وتطلع أمك وأختك.


أحمد ابتسم ابتسامة سخرية وقال:


— وإذا ممضيتش؟


الحاج متولي بصلي أنا الأول، وبعدين رجع بص لأحمد وقال بوضوح:


— إذا ممضيتش… هتنزل من المستشفى دي تلاقي نفسك برة العيلة تماماً. لا ليك أرض، ولا ليك حق في ورث أبوك الباقي، ولا حد من العيلة هيدخل بيتك ولا يقف معاك في واجب ولا جوار. وهتبقى العيلة كلها خصمك في السوق وفي المحاكم. مش بس كده… أهل مدحت جوز سمر مش هيسيبوك يا أحمد، والطار بينك وبينهم اتفتح من الليلة دي!


الجو في الأوضة بقى مكتوم بشكل يقطع النفس. التهديد كان واضح وصريح: يا إما يتنازل عن حقه ويسيب أمه وأخته يخرجوا بدون حساب، يا إما يواجه العيلة كلها وأهل مدحت في حرب ملهاش نهاية.


أنا اتدخلت وبكيت وقلت بصوت بيترعش:


— يا حاج متولي حرام عليكم! أحمد كان هيموت امبارح! شوف دماغه وجسمه! انتو ليه جايين تلوموا الضحية وتنسوا إن أمه هي اللي جابت البلطجية؟!


الحاج متولي ما بصليش حتى، وشاور بإيده وهو بيكلم أحمد:



أحمد سكت ثواني. الأوضة كلها كانت مستنية قراره. أنا كنت خايفة عليه، خايفة يسيب حقه عشان خايف من الفضيحة أو من كلام الناس، أو يخاف على حياته وحياتي من البلطجية.


وفجأة… أحمد بصلهم كلهم، ونزع المحلول من إيده بثبات. الدم نزل نقط صغيرة من وريده، بس مفرطش فيها. قام وقف على رجله بالعافية، ووقف قدام عمك متولي وطوله يغطيه:



— أنا اخترت يا حاج متولي…


الحاج متولي طلع القلم والورقة من جيبه وقال بلهفة:


— التنازل أهو…


أحمد مسك الورقة من إيد عمك متولي… ومزقها نصين، وبعدين أربعة، ورمى القصاصات على الأرض قدام جزمهم!


الأوضة كلها اتصدمت. الحاج متولي وشه احمر من الغضب وصوته طار:


— أنت عملت إيه يا مجنون؟!


أحمد نطق بصوت زي الرعد:


— أنا ممضيش تنازل للي استحل دمي وبيت مراتي! أمي وأختي يتحاكموا بالقانون زي أي مجرم دخل بيت بشرع اليد والعتلة! وإذا كنتو فاكرين إن العيلة هي اللي بتستر السرقة وتدعم البلطجة، فأنا متنازل عن العيلة دي من الليلة! من النهاردة ماليش عم ولا ماليش عيلة غير بيتي ومراتي!


الحاج متولي رفع عصايته وكان هيضرب أحمد من غيظه، بس الرجالة اللي معاه مسكوه بالعافية. الحاج متولي زعق وهو بيتسحب لبرة الأوضة:


— والله لتندم يا أحمد! والله لتتدفع تمن الكبرياء ده غالي أوي! انت ومراتك مش هتعرفوا تمشوا في الشارع بعد النهاردة!


خرجوا وقفلوا الباب وراهم برزع هز المستشفى كلها.


أحمد قعد على السرير وهو بينهج من التعب والوجع، أنا جرت عليه وحضنته وأنا ببكي بحرقة:


— ليه عملت كده يا أحمد؟ كانوا هيقتلوك! العيلة كلها بقت ضدنا دلوقتي!


أحمد مسك وشي بإيديه، وعينيه كان فيها ثبات عجيب وقوة ما شفتهاش فيه قبل كده:


— الحق مافيهوش نص نص يا روضة… لو كنت تنازلت النهاردة، كانوا هيدخلوا بيتنا بكرة وياخدوا اللقمة من بقنا ويقولوا “عيلة”. اللي يرضى بالإهانة مرة يعيش طول عمره مكسور. الدهب رجع، والفلوس حماها القانون باسمك، والقلم اللي أخدوه النهاردة هيعلم فيهم طول عمرهم.


في اللحظة دي، جرس التليفون رن… المرة دي كان الأستاذة نيفين المحامية.


أحمد فتح السبيكر، وجاء صوتها السريع والواضح:


— أهلاً يا أستاذ أحمد… أنا في النيابة دلوقتي. التحقيقات شغال، وأمك وأختك المعاينة أثبتت وجودهم في الشقة وقت الاقتحام، والنيابة أصدرت قرار بحبسهم 4 أيام على ذمة التحقيق مع البلطجية!


أحمد تنفس بعمق وقال:


— والقضية رايحة فين يا أستاذة؟


الأستاذة نيفين ردت بنبرة جادة جداً:


— القضايا متقلة أوي يا أحمد… جناية اقتحام وسرقة بالإكراه وإحداث عاهة. بس اسمعني كويس، محامي أهل مدحت رفع قضية بطلان لتنازل المزرعة وبيحاولوا يثبتوا إن التوكيل اتستغل بغرض النصب! الحرب القضائية بدأت بجد، وهما حاشدين كل كروت العيلة ضدنا بكرة في الجلسة.


أحمد بصلي وبص لعلبة الدهب القطيفة اللي كانت في شنطتي، وقال بثقة:


— خلّيهم يحشدوا اللي يقدروا عليه يا أستاذة… اللي معاه الحق والقانون مش بيخاف من كثرة الباطل.


صباح اليوم التالي، كانت قاعة النيابة تغلي كأنها جمر.


الريحة جوة القاعة كانت خليط من الورق القديم، والرطوبة، وتوتر العيون اللي بتبص لبعضها بنظرات كره. أحمد كان واقف جنب المحامية الأستاذة نيفين، دماغه لسه ملفوفة بالرباط، ووشه شاحب بس عينيه كان فيها جمر مش بيطفي. أنا كنت قاعدة على الدكة الخشب وراهم، ماسكة شنطتي اللي فيها علبة القطيفة، ورجلي بتترعش من الخوف.


على الناحية التانية، كان المشهد يرعب.


الحاجة سناء وأخت جوزه سمر واقفين جوة القفص الحديدي. الحاجة سناء كانت باصة للأرض، وشها دبلان، وثوبها اللي كانت بتتفاخر بيه بقى مبهدل ومطرب من بيت النيابة. سمر كانت بتبكي بحرقة وتصرخ كل ما عينها تجي في عين أحمد. وبرة القفص، كان واقف جيش كامل: الحاج متولي، وإخوات مدحت الأربعة، ومعاهم تلات محامين كبار العيلة أجرهم مخصوص عشان يقلبوا الطاولة.


وكيل النيابة دخل، وساد الصمت القاتل في القاعة.


بدأت الجلسة، وقام محامي العيلة “الأستاذ فاروق”، راجل في الستينات بصوت جهوري ونبرة فيها مكر وسنين خبرة في المحاكم. وقف قدام منصة النيابة وقال بنبرة تمثيلية مليانة حزن:


— يا سيادة المستشار… القضية دي مش قضية اقتحام ولا سرقة بالإكراه، دي مأساة عائلية تسبب فيها طمع جارف وتدليس! المتهمة الأولى هي أم المجني عليه، مسنة ومريضة، والمتهمة الثانية هي أخته الشقيقة. اللي حصل ليلة الأربعاء كان مجرد محاولة من الأم لاسترداد أموالها وأملاكها اللي استولى عليها ابنها بالتدليس وبنوكيل رسمي استغله ضد إرادتها!


وكيل النيابة بصل لأحمد وبعدين بص للمحامي وقال:


— وإيه قولك في البلطجية والشوم وكسر الباب وإصابة المجني عليه بتسع غرز في رأسه؟


المحامي فاروق ابتسم بمكر وقال:


— البلطجية دول هما أقارب زوج الابنة، اتدخلوا بشهامة صعيدية لما عرفوا إن الابن بيحاول يهرب بأموال العيلة ويبيع أرض المزرعة بربع تمنها لحساب زوجته الغريبة! وما حدث من إصابات كان نتيجة اشتباك بالأيدي ودفاع عن النفس بعد ما الابن هدد الجيران بشومة! ونحن نطالب بالإفراج الفوري عن المتهمتين بأي ضمان، ونقدم دعوى بطلان للتوكيل واسترداد الأموال المهربة لحساب الزوجة!


الهمهمات علت في القاعة، والحاج متولي هز رأسه بابتسامة انتصار وهو بيبص لأحمد كأنه بيقوله: “قلتلك العيلة هي اللي هتكسب”.


أنا قلبي سقط، ومسكت في طرف الدكة الخشب. المحامي فاروق قدر بكلمتين يقلب الحقيقة ويخلي المجرم ضحية، ويصور أحمد على إنه الابن العاق اللي نصب على أمه عشان مراته!


في اللحظة دي، وقفت الأستاذة نيفين بكل ثبات، فتحت روب المحاماة الأسود، وحطت حافظة مستندات على مكتب وكيل النيابة بصوت مسموع:


— معالي المستشار… الكلام المعسول والمظلومية المزيفة لا تغير من واقع القوانين والأدلة الجنائية بشيء. نحن لا نتكلم عن ادعاءات شفاهية، نحن نتكلم عن أدلة موثقة بالصوت والصورة، وشهادات النجدة الرسمية!


القاعة كلها سكتت. المحامي فاروق وشه اتغير ونظر للأستاذة نيفين بقلق.


كملت الأستاذة نيفين وهي بتبص لوكيل النيابة بثقة:


— أولاً: التوكيل الرسمي اللي بسببه تم بيع نصيب المتهمة الأولى في المزرعة، هو توكيل إدارة وتصرف موثق بالشهر العقاري من أكثر من عام، وتمت عملية البيع وتسوية القضايا المرفوعة من باقي الورثة بحضور المتهمة الأولى وتحت علمها، والشيك المقبول الدفع المتبقي من البيع موجود بملف القضية ومستلم باسمها!


ثانياً: المتهمون لم يكتفوا باقتحام المسكن في منتصف الليل وفصل التيار الكهربائي، بل حُرر ضدهم بلاغ استغاثة فورية بالرقم 122 نجدة بصوت الزوجة المرتعدة أثناء كسر الباب، وتم تسجيل التفاصيل بالكامل من قِبل غرفة عمليات وزارة الداخلية!


وكيل النيابة بص للأوراق وقال:


— هل تسجيل مكالمة النجدة متاح في الحافظة؟


الأستاذة نيفين ابتسمت ابتسامة حادة وقالت:


— متاح يا فندم… ومرفق معاه تقرير وتفريغ كاميرات المراقبة الخاصة بالصيدلية اللي تحت العمارة! الكاميرات سجلت لحظة وصول المتهمين، صعود البلطجية بالعتلات والشوم، ولحظة توجيه المتهمة الأولى (الأم) للبلطجية بكسر الباب الخارجي!


صدمة نزلـت على القاعة زي الصاعقة.


الحاجة سناء جوة القفص شهقت بصوت عالي وحطت إيدها على بقها، وسمر قعدت على الأرض وبقت تبكي بانهيار. المحامي فاروق وشه جاب ألوان وبدأ يتلعثم وهو بيبص للحاج متولي بغضب مكتوم.


الأستاذة نيفين كملت بكل قسوة قانونية:


— موكلي أحمد لم يدلس ولم يسرق… موكلي دافع عن شرفه وبيته ومال زوجته الشريفة اللي تم سرقته في وضح النهار! والآن نطالب بتطبيق أقصى العقوبة في مواد السرقة بالإكراه، واقتحام مسكن ليلاً، والشروع في القتل، واستعراض القوة طبقاً لقانون العقوبات!



— سكون في القاعة!


الوكيل بص للمستندات والتقرير الطبي وتفريغ التفريغ لعدة دقائق، كانت بالنسبة لنا أطول دقائق في حياتنا. أحمد كان واقف ثابت، مش بيتحرك ولا بيهتز، باصص للقفص الحديدي بنظرة مفيهاش أي شماتة، بس فيها حزن عميق على أم وأخت اختاروا الشر والسرقة على ابنهما.



رفع وكيل النيابة رأسه، وبص للمتهمين وللمحامين وقال بصرامة:


— بعد الاطلاع على التقرير الطبي، وتسجيلات النجدة، وتفريغ الكاميرات، وحافظة المستندات… قررت النيابة العامة:


أولاً: تجديد حبس المتهمين جميعاً، بمن فيهم المتهمة الأولى سناء والمتهمة الثانية سمر، 15 يوماً على ذمة التحقيق!


ثانياً: إحالة القضية إلى محكمة الجنايات بتهمة الاقتحام والسرقة بالإكراه وإحداث عاهة مستديمة!


ثالثاً: التحفظ على المضبوطات وتكليف المباحث بإحضار باقي البلطجية الهاربين!


المطرقة نزلت: “رُفعت الجلسة!”


الصراخ انفجر جوة القفص! سمر كانت بتصرخ وتخبط على الحديد بكل قوتها:


— يا أحمد! حرام عليك يا أحمد! انقذنا يا أحمد أمك هتضيع جوة!


الحاجة سناء انهارت تماماً على الأرض، والعساكر سحبوها لبرة القفص وهي بتعيط بصوت مكتوم وبتبص لإبنها بنظرة رجاء متأخرة جداً.


الحاج متولي وإخوات مدحت هجموا على منصة النيابة بيزعقوا، بس العساكر سدوا الطريق قدامهم. الحاج متولي لف لأحمد، وعينيه كانت بتطلع شرار، وقال بنبرة مليانة غل وتهديد أخير:


— عملتها يا أحمد… رميت أمك وأختك في الجنايات؟ والنعمة الشريفة ما هنسيبك! بكرة لما تتفتح أبواب السجن، هتندم على اليوم اللي فكرت فيه تقف قدام العيلة!


أحمد قرب من عمك متولي بثبات مرعب، وبص في عينيه من غير ما يرمش، وقال بصوت واطي بس يرعب السامع:


— العيلة اللي تكسر القانون وتستبيح بيتي… مش عيلتي يا حاج. واللي يعتدي على مراتي وعلى بيتي، هيدفع التمن للقانون بالملي. وأعلى ما في خيلكم اركبوه!


أحمد مسك إيدي، وشابك صوابعه في صوابعي بقوة، ومشينا في ممر النيابة مرفوعين الرأس وسط نظرات الذهول والغل من العيلة كلها.


لما طلعنا برة مجمع المحاكم والهواء البارد خبط في وشنا، أحمد وقف على السلالم، تنفس بعمق، وبصلي وقال:


— الدهب في أمان، والقانون جاب حقنا يا روضة… بس العاصفة الكبيرة لسه جاية برة المحكمة، وأهل مدحت مش هيناموا الليلة.


 

حكايات نور محمد 4


الشمس كانت حامية، والشارع قدام المحكمة زحمة وعربيات، بس أنا كنت حاسة ببرد بيجري في جسمي كله. أحمد كان ماسك إيدي بقوة، صوابعه ضاغطة على صوابعي كأنه بيستمد مني القوة، أو بيطمني من غير ما يتكلم. لكن عيني لما جرت على الجانب التاني من الشارع، قلبي اتعصر.


كانوا واقفين هناك.



الحاج متولي، وإخوات مدحت الأربعة، ومعاهم بتاع تلات رجالة غريبين، جثث عريضة وهدومهم سودا، واقفين جنب عربيتين بنص نقل. كانوا بيبصولنا بنظرات كلها غل وشر. واحد من إخوات مدحت، اسمه “شريف”، تف على الأرض وهو بيبص لأحمد، ورفع إيده وحطها على رقبته في إشارة


أحمد شاف الإشارة، بس ما اتهزش. كمل مشي بثبات، ونزل معايا سلالم المحكمة. الأستاذة نيفين كانت ماشية جنبنا، ولمحت نظراتهم، فقربت من أحمد وقالت بنبرة حازمة:


— أستاذ أحمد… العيلة دي مجروحة في كبريائها، واللي حصل النهاردة في النيابة كسر شوكتهم قدام الناس. مش هيسيبوك ترجع بيتك بسهولة، وهيحاولوا يضغطوا عليك بفيزيائية أو يرهبوك عشان تتنازل قبل ما الملف يترفع للجنايات رسمياً.


أحمد بص لها وهو بيمسح العرق من على جبهته تحت الرباط الطبي:


— عارف يا أستاذة… اللي يبيع ضميره ويرضى يسجن أمه وأخته عشان قرشين، يعمل أي حاجة. أنا مش هأمن أرجع روضة الشقة دي تاني الفترة دي.


أنا بصيت له بلهفة وخوف:


— أومال هنروح فين يا أحمد؟ الشقة هي المكان الوحيد اللي فيه حاجتنا، والدهب أهو معايا في الشنطة!


أحمد مسك كتفي بالإيد السليمة وقال:


— هنروح مكان محدش يخطر على بالهم فيه… بيت أختك في أطراف الجيزة. محدش من العيلة يعرف عنوانها ولا عمرهم زاروها. هنقعد هناك يومين لغاية ما الأمور تهدى والقوة الأمنية تتنفذ على بقية البلطجية الهاربين.


الأستاذة نيفين شاورت لتاكسي كان معدي، وقالت:


— أرِكبو التاكسي ده فوراً وما تروحوش على موقف ولا مكان مألوف. وأنا هتابع مع رئيس المباحث خط سير الضبط وإحضار البلطجي الأخير اللي كان مع أُمك.


أحمد فتح باب التاكسي، ركبني الأول، وبعدين دخل وركب وهز رأسه للمحامية. أول ما التاكسيتحرك وشق الشارع، بصيت من الشباك الوراني… شفت إخوات مدحت بيجروا على العربيات النص نقل عشان يحصلونا!


قلبي وقع في رجلي وصصرخت بصوت واطي:


— أحمد! ماشيين ورانا! العربيات النقل ماشية ورا التاكسي!


أحمد اتلفت بسرعة، شاف العربييتين بيتنقلوا بين الحارات عشان يفضلوا ورا التاكسي. بص للسواق وقال بصوت صارم وواثق:


— يا أستاااذ… شايف العربيتين البيض اللي ورانا دول؟ دول ناس عايزين يقطعوا علينا الطريق وياخدوا اللي معانا. لو طلعتنا منهم على الطريق الدائري ولغبطت الخط… ليك حلاوة محترمة.


سواق التاكسي كان راجل كبير، بص في المراية، وشاف منظر أحمد والرباط اللي على رأسه والعربيات اللي بتطاردنا. ملامحه اتغيرت وشغّل الغيار بسرعة:


— أمانة في رقبتي يا ابن الأصول… اربطوا الحزام واثبتوا!


التاكسي زاد سرعته، وبدأت مطاردة مرعبة في شوارع القاهرة. سواق التاكسي كان حافظ الخرائب والحارات الضيقة، بدأ يدخل في شوارع جانبية في السيدة زينب، يلف من حارة ويدخل في شارع مقفول ويطلع منه على كوبري. العربيتين النص نقل كانوا بيحاولوا يزنقوا التاكسي، وفي لحظة… عربية منهم قطعت الطريق من اليمين وحاولت تخبط جنب التاكسي عشان توقفه!


أنا صرخت وغطيت رأسي بإيدي.


سواق التاكسي كسر الدركسيون على الشمال في آخر لحظة، واحتك بجنب العربية النقل بصوت صرير حديد يرعب! التاكسي اهتز بقوة، بس كمل طريقه وطلع على مطلع الدائري وهو بيمشي بسرعة جنونية.


أحمد كان حاطط جسمه قدامي عشان يحميني، وبص للسواق وقال:


— ادخل على أول نزلة للشرطة أو موقف فيه أمن!


سواق التاكسي غيّر اتجاهه وفجأة دخل في نزلة نفق بيلف، واختفينا وسط أتوبيسات نقل عام كبيرة. العربيات النقل تقلت في الزحمة ومقدرتش تحصلنا. بعد نص ساعة من التوتر والأعصاب المجهزة، التاكسي وقف في منطقة هادية وريفية في الجيزة.


نزلنا من التاكسي وأحمد دفع للسواق وزوده، والسواق دعالنا ومشي.


أحمد مسك إيدي، ودخلنا في حارة ضيقة لغاية ما وصلنا لبيت أختي. أول ما أختي فتحت الباب وشافت منظرنا… أحمد بدمه ورباطه، وأنا منهكة وعيوني ورمانه من البكاء والشنطة في حضني، صرخت وحضنتني.



أحمد قعد على الكنبة وهو مش قادر يتنفس، التعب والجزع في كتفه كانوا بيعصروه من الوجع. أنا جرت جبتله مية، وحطيت علبة القطيفة على الترابيزة قدامه.


أنا وقفت قدامه وبكيت بانهيار:



— لحد إمتى يا أحمد؟ لحد إمتى هنفضل نتهرب ونخاف؟ أُمك وأختك في السجن، وأهل مدحت مطاردينّا في الشوارع، وعيلتك كلها بايعاك! الفلوس والدهب دول بقوا لعنة علينا!


أحمد مسك علبة الدهب القطيفة، فتحها وبص للدهب اللي بيلمع جوة، وبعدين رفع عينيه وبصلي بنظرة كلها وجع بس فيها كبرياء ينطح السحاب:


— الدهب ده مش لعنة يا روضة… الدهب ده هو الميزان اللي كشف المعادن الحقيقية. كشف إن أُمي كانت فاكرة إني ملكها وأني هسكت على سرقتها، وكشف إن أختي جوزها نصاب، وكشف إن عيلتي عيلة فوت وتغطية على الباطل. لو كنت سكتت من أول يوم وعطيتهم الدهب، كانوا بكرة أخدوا اللقمة من إيدنا، وبعده رمواكي في الشارع!


في اللحظة دي، تليفون أحمد رن.


الرقم كان غريب… رقم أرضي.


أحمد فتح السبيكر وحط التليفون على الترابيزة.


جاء صوت ثقيل، وبطيء، وفيه نبرة تهديد مرعبة مش زي صوت الحاج متولي… ده كان صوت “أبو مدحت”، الراجل الكبير بتاع عيلة مدحت، اللي عمره ما اتكلم ولا اتدخل إلا في الدم!


قال الصوت من التليفون:


— مساك بالخير يا أحمد يا ابن الحاج متولي… أظن عرفت صوته مين؟


أحمد رد بثبات رغم التعب:


— عرفتك يا حاج. خير؟


أبو مدحت نطق ببرود يرعب النفوس:


— الخير إنك تعقل. إنت حبست كبيتي، وحبست ابني، وأخدت فلوس المزرعة وشايالها مع مراتك. إحنا لحد الوكت ده بنتعامل معاك كابن عيلة ونسب. بس نسوانا في التخشيبة دي حاجة مش هتنزل من زورنا أبداً. قدامك 24 ساعة يا أحمد… يا إما تنزل النياية بكرة الصبح وتمضي التنازل وتخرج سناء وسمر وتدفع كفالة مدحت من الفلوس اللي معاك… يا إما بكرة زي الوكت ده، مش هتدور على دهب مراتك… هتدور على مراتك نفسها!


التليفون اتعلق في وشنا!


الصوت كان صدى في الأوضة الهادية. أنا جمدت في مكاني، الشربات وقعت من إيدي واتكسرت على الأرض.


أحمد قام وقف على حيله بسرعة، وشه اسود من الغضب، ومسك التليفون وكان هيحدفه في الحيطة، بس مسك نفسه.


بصلي وهو بينهج وصوته طالع زي النار:


— بتهددني بمراتي يا ابن…؟ والله العظيم لأوريك الرجولة على أصولها!


أحمد مسك تليفونه واتصل بالأستاذة نيفين، وقال جملة واحدة بس هزت الشقة:


— أستاذة نيفين… جهزي أوراق القضية كلها. إحنا مش هنستنى الجلسة… إحنا هنرفع قضية حجر، وقضية رد اعتبار، وهنبلغ الأمن الوطني بالتسجيل والتهديد ده الليلة!


الليلة دي، الليل ما مرش علينـا. كان أطول ليلة في حياتي.


أحمد ما غمضش عينيه لحظة واحدة. كان رايح جاي في الصالة بتاعة بيت أختي، ماسك تليفونه ومش بيسيبه. التهديد بتاع أبو مدحت صابني برعب غير طبيعي، كل حركة برة الشارع، كل صوت جزمة على السلم كان بيخلي قلبي يقف وأتخيل إنهم وصلوا للعنوان ونازلين يكسروا الباب علينـا.


على الساعة أربعة الفجر، الأستاذة نيفين المحامية اتصلت بأحمد.


فتحت السبيكر وصوتها كان مشحون بالجدية والسرعة:


— أستاذ أحمد… التسجيل بتاع مكالمة أبو مدحت أنا فرغته وأرفقته في محضر رسمي عاجل بإرهاب وتهديد بالخطف والقتل في مبنى الأمن العام والنيابة الكلية! التهديد بإنهم يمسوا الزوجة نقل القضية من مجرد خناقة عيلة وجناية اقتحام، لقضية أمن عام وتشكيل عصابي!


أحمد بصلي بنظرة كلها إصرار وقالها:


— وإيه الخطوة الجاية يا أستاذة؟ الرجالة دول مش هيرتدعوا بالكلام ورسائل الواتساب، دول صعيدة وعصابات، وأبو مدحت ده بياع كلام ودمه تقيل!


ردت الأستاذة نيفين بصوت ثاقب:


— رئيس المباحث أخد أومر مباشرة بالتحرك. النيابة الكلية أصدرت قرار بضبط وإحضار أبو مدحت وإخواته الأربعة بتهمة إدارة تشكيل عصابي والتهديد بالخطف والابتزاز! القوة الأمنية نازلة دلوقتي تداهم بيوتهم في المنطقة وعمارة مدحت! بس الأهم يا أحمد… الجلسة بتاعة تجديد الحبس لأمك وأختك سمر الصبح الساعة عشره، والمرة دي النيابة طلبت حضورك الشخصي وحضور زوجتك للإدلاء بأقوالكم في التهديد الجديد!


قمت وقفت وأنا برتعش وقلت:


— نروح النيابة تاني يا أحمد؟! دول واقفين برة وممكن يترصدوا لينا في سكة المحكمة!


أحمد قرب مني، مسك إيدي الأثنين وضغط عليهم بقوة عشان يثبتني، وبص في عيني بجمود يرعب:


— مش هيهوبوا ناحيتنا يا روضة… اللي بيستخبى ورا التهديدات بيبقى جبان. والنهاردة هيدفعوا تمن كل كلمة وكل لحظة رعب عشتيها من يوم ما أمي مدّت إيدها على دهب أمك!


على الساعة تمانية الصبح، ما نزلناش ناخد تاكسي من الشارع زي المرة اللي فاتت.


الأستاذة نيفين بعتت لنا عربية خاصة حراسة تابعة لمكتبها، ونزلنا تحت حراسة مشددة. الشوارع كانت زحمة، بس أنا كنت حاسة إن العيون كلها بتراقبنا. أول ما وصلنا مجمع المحاكم، كان المنظر مختلف تماماً عن امبارح.


المرة دي، سيارات الشرطة كانت مالية الميدان قدام المحكمة.


أول ما نزلنا من العربية، شفت المفاجأة اللي أثلجت صدري وخلت دموعي تنزل…


أبو مدحت وإخواته الأربعة كانوا واقفين على سلالم المحكمة بالكلبشات!


القوة الأمنية كانت داهمت بيوتهم الفجر، وجابوهم متكلبشين ومربوطين في بعض بالحديد بعد التهديد المكتوب والمكالمة المسجلة!


أحمد وقف على السلالم، وبص لأبو مدحت اللي كان وشه أسود زي الطين، وكبريائه المزعوم اتمسح بالأرض وهو مقيد بالحديد قدام الناس والجيران.


أبو مدحت بص لأحمد بعيون مليانة غل وهو بيحاول يرفع رأسه، وقال بصوت مبحوح:


— فاكر إنك كسبت يا أحمد؟ حبست العيلة كلها؟ حبست النسوان والرجالة؟!


أحمد قرب منه خطوة واحدة، وبص في عينيه ببرود شديد وقاله بصوت واطي بس كل حرف فيه كان زي السيف:


— إنت اللي اخترت طريقة اللعب يا حاج… هددتني بمراتي، وافتكرت إنك فوق القانون. اللي يمد إيده على حرمة بيتي أو يهددها، أقطعهاله بالقانون وبشرع ربنا. إنت وولادك هتنوروا التخشيبة جنب مدحت وجنب أمي وأختي، عشان تتعلموا يعني إيه احترام بيوت الناس!



جوة القاعة، الحراس جابوا الحاجة سناء وأخت جوزه سمر من التخشيبة التحتانية.


أول ما الحاجة سناء دخلت وشافت أبو مدحت وإخواته متكلبشين، ووراهم أحمد واقف زي الجبل وبجنبه أنا والشنطة اللي فيها الدهب… انهارت تماماً.



سقَطت على الركبتين على الأرض الخشب، وبقت تبكي بصوت عالي وهي بتبص لأحمد وترفع إيدها بالرجاء:


— يا أحمد! يا بني يا حبيبي! انقذنا يا أحمد… إحنا بنتمسح في التراب يا بني! الشرف راح والعيلة اتقفلت في الكلابشات! عشان خاطر أباك الله يرحمه يا أحمد اتنزل وسيبنا نخرج من المصيبة دي!


سمر أخته كانت بتصرخ وهي بتلطم على خدودها:


— سامحنا يا أحمد! والنعمة الشريفة ما كنا نعرف إن الموضوع هيوصل لهنا! مدحت محبوس، وأبوه وإخواته محبوسين، وأمي بتموت جوة! حقك علينا يا أحمد، دهب مراتك رجع والفلوس معاها بس انقذنا!


القاعة كلها كانت بتبص للمشهد بذهول. العيلة اللي كانت جاية قبل يومين تكسر الباب بالعتلات والشوم وتهدد بالخطف والقتل، بقت مقيدة وبتتوسل قدام القاضي والناس!


أنا بصيت للحاجة سناء، وحسيت بغصة في قلبي. المرأة اللي دخلت أوضة نومي بمنتهى البجاحة وقالتلي: “الست الأصيلة تفدي أهل جوزها بمالها”، وباعت دهب أمي الميتة بدم بارد… هي هي اللي واقفة دلوقتي بتتوسل وتتمنى الأرض تنشق وتبلعها من الخزي والفضيحة!


وكيل النيابة دخل، والمحامي فاروق بتاع العيلة كان واقف وشه أصفر ومش قادر ينطق كلمة واحدة، لأن كل كروته اتحرقت ومسألة التهديد بالخطف ثبتت بالتسجيلات والتحريات.


وكيل النيابة ضرب بالمطرقة على المنصة، وبص للجميع وقال بلهجة حاسمة وقاسية:


— بعد الاطلاع على محضر التهديد بالخطف والابتزاز المرفق بالصوت والصورة، وتفريغ المكالمات، وشهادة القوة الأمنية، وتكرار الاعتداء… قررت النيابة العامة:


أولاً: تثبيت قرار الحبس الاحتياطي 15 يوماً لجميع المتهمين، مع مراعاة تجديد الحبس تلقائياً!


ثانياً: ضم قضية التهديد بالخطف والابتزاز الجسيم إلى قضية الاقتحام والسرقة بالإكراه وإحالة الملف كاملاً إلى محكمة الجنايات العاجلة!


ثالثاً: توفير حراسة أمنية مشددة للمجني عليه وزوجته!


المطرقة نزلت: “رُفعت الجلسة!”


الصراخ والعويل ضرب القاعة! العساكر سحبوا الحاجة سناء وسمر وأبو مدحت وولاده بالحديد، وهما بيتسحلوا لبرة القفص وسط دموع الحسرة والندم. الحاجة سناء كانت بتبص لأحمد لأخر لحظة وهي بتبكي وتقول:


— سامحني يا بني… سامحني يا أحمد!


أحمد وقف في نص القاعة، تنفس بعمق، وبص للسقف كأنه بيزيح جبل ثقيل كان كاتم على صدره لسنين.


لف وبصلي، مسك العلبة القطيفة من الشنطة، وحطها في إيدي قدام الكل، وقال بصوت هز القاعة:


— القلم العلم فيهم كلهم يا روضة… واللي يفتكر إن مال اليتيم وذكريات الميتين ملهاش صاحب، يتداس تحت رجل القانون.


خرجنا من المحكمة مرفوعين الرأس، الحراسة كانت معانا، والشر اللي كان بيحاوطنا بدأ يتهاوى حتة حتة… بس كانت فاضلة خطوة واحدة وأخيرة: الجلسة النطق بالحكم في الجنايات، واللي كانت هتحسم المصير النهائي لأمي وأخته والعيلة كلها!


جاء يوم الجلسة النهائية أمام محكمة الجنايات، والجو في القاعة كان كأنه الموقف الأعظم.


الهدوء كان يسود المكان، والأقفاص الحديدية مكتظة بالمتهمين: الحاجة سناء، سمر، مدحت، وأبوه وإخواته البلطجية. الجميع كانوا يرتدون ملابس السجن البيضاء، الوجوه شاحبة، والأنظار كسيرة لا تستطيع النظر في عين أحمد أو عيني.


دخلت هيئة المحكمة الموقرة، وصمتت القاعة تماماً. فتح رئيس المحكمة أوراق القضية، وبدأ يقرأ الحيثيات بنبرة صوت تقشعر لها الأبدان:


«بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع أداء الشهود، وتفريغ تسجيلات النجدة وكاميرات المراقبة، وتفريغ التسجيلات الصوتية… تبين للمحكمة بشكل لا يدع مجالاً للشك أن المتهمين قد تجردوا من أواصر الرحمة والقرابة، واستباحوا حرمة البيوت، واستعملوا القوة والترهيب والسرقة بالإكراه ضد المجني عليهم. وإن القرابة لا تعفي من العقاب، والأمومة ليست ترخيصاً للاعتداء على الحقوق وسلب الأمانات».


ضرب رئيس المحكمة بالمطرقة، ونطق بالحكم الذي أثلج القلوب:


— حَكمت المحكمة حضورياً:


أولاً: بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات على المتهم مدحت وباقي التشكيل العصابي بتهم السطو المسلح والتهديد والابتزاز.


ثانياً: بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات على المتهمة الأولى (سناء) والمتهمة الثانية (سمر) بتهم السرقة بالإكراه واقتحام مسكن والتعدي!


ثالثاً: إلزام المتهمين بالمصاريف الجنائية وتعويض مدني مؤقت للمجني عليها!


انفجر الصراخ والعويل داخل القفص، سقطت الحاجة سناء مغشياً عليها، وسمر كانت تصرخ وتضرب رأسها بالحديد، بينما كان مدحت وعائلته ينظرون بذهول إلى مصيرهم المحتوم.


خرجنا من القاعة، وأحمد يمسك يدي بثبات. تنفسنا هواء الحرية والكرامة الشديد. نظر أحمد إلى علبة القطيفة في يدي، ابتسم ابتسامة هادئة وقال:


— حقك وحق أمك الله يرحمها رجع بالقانون يا روضة… ومفيش مخلوق هيتجرا يظلمك بعد النهاردة.


الحكمة:


إن «الأصول» ليست كلمة تُقال لتغطية الباطل، ولا هي رخصة تُعطى للأقارب لاستباحة الحقوق وسرقة الأمانات.


الست الأصيلة لا تُقاس بمدى صمتها عن الظلم، ولا بتركها لكرامتها وذكريات أحبائها تُباع وتُشترى لتغطية طمع الآخرين وطيشهم. والابن البار الحقيقي هو من يفرق بين طاعة الوالدين بالمعروف، وبين السكوت عن سرقتهم وبلطجتهم، فالرجولة والشهامة هي أن تقف كالسد المنيع تحمي بيتك وزوجتك، وترد الحق لأهله مهما كان الثمن، لأن المال يمكن تعويضه… أما الكرامة وحرمة البيوت إذا أُهينت، فلا تُسترد أبداً.





أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close