سكريبت ثلاث شهور كاملة حكايات رومانى مكرم
سكريبت ثلاث شهور كاملة حكايات رومانى مكرم
أنا لسه متجوزه من ثلاث شهور وحياتي مع جوزي كويسة جدا امبارح جوزى كان قاعد جنبي وقال يلا نتصور سيلفي. وأنا وقتها كنت لابسة ملابس بيت خفيف اوى فى الشقهقولتله لا مش عايزة أتصور باللبس ده قالي ليهقولتله بخاف الصور تفضل على الموبايل أو الموبايل يته..كر أو أي حاجة. قالى لا متخفيش همسحها برضه قولتله لا مش مرتاحة أتصور بلبس البيت. قالي دي عشان بتبقى ذكريات حلوة بينا قمت دخلت غيرت لبسي ولبست هدوم خروج محترمة وقولتله يلا نتصور.
اتفاجئت إنه اتضايق جدًا وقالي إيه اللي انتي لبساه ده قولتله طيب مش أنت اللي قولت عايز تتصور إيه المشكلةقالى لا انا عاوزك بملابس خفيفه تشد تبين تفاصيل جسمك لم اشوفها كده تغرينى وتشدنى قولتله ما انا كلى معاك اهو مش الصور الحقيقه كلها معاك قالى لا لم بكون بره ومشتقلك اشوفك قدامى وبعد فتره همسحها المهم اتصورنا علشان مش ازعله وتانى يوم اتصورنا بقا الموضوع اتقرر اكتر من شهر كل يوم بملابس مختلفه وبقى يصورنى لوحدى وانا بمسح الشقه وانا نايمه وانا فى المطبخ وهو بيصورنى يقولى كانك مش واخده بالك انى بصورك المهم بعد فتره اكتشفت المصيبه والكارثه
دخل الحمام يستحمه مسكت تلفونه قولت اشوف صورى لقيت رسايل على الواتس والمسنجر كتير الفضول خدنى افتح واشوف لقيته بيبعت صورى للشباب ويخبى وشى ويقولهم ايه رايكم فى المزه دى لو معاك هتعمل فيها اى وكلام خلانى اتجمد مكانى وفى منهم الى بيقولى عاوزها واديك الى عاوزه يقوله قريب هتبقا فى حضنك
الدم نشف في عروقي في ثانية واحدة، وحسيت إن الأرض بتلف بيا والحيطان بتطبق على نفسي. التليفون كان في إيدي بيترعش، وصوت المية في الحمام طالع بهدوء ولا كأنه لسه طالع من مصيبة، وصوت دقات قلبي أنا كان أعلى من أي صوت في الشقة. كنت واقفة مشلولة تماماً. عقلي رافض يستوعب اللي عنيا شيفاه. الراجل اللي اخترته وسلمته نفسي وبيتي، اللي قالي "دي ذكريات ما بينا عشان لما توحشيني بره أشوفك"، كان بيعرضني زي بضاعة رخيصة لصحاب السوء في شاتات مقفولة.
شفت صوري اللي كان بيلقطها على غفلة وأنا بمسح، وأنا في المطبخ بضهر، وأنا نايمة غرقانة في النوم بأمان ومطمنة إن في ضهري راجل بيحميني. كل صورة متداري فيها وشي بملصق سخيف، وتحتها كلام يحرق الدم، مساومات وقذارة وضحك رخيص، وواحد باعتله يقوله: "دي تلزمني بأي تمن"، وهو بكل خسة ودياثة رادد عليه: "اصبر عليا، قريب أوي هتبقى في حضنك ونظبط القعدة سوا".الكلمة دي نزلت على دماغي زي مية النار. "قريب هتبقى في حضنك"؟! يعني مكنش بس مريض تشهير، ده كان بيخطط لمصيبة تانية أكبر، كان بيرتب يبيعني ويستدرجني لحاجة أوسخ من الخيال.
جتلي لحظة انهيار، كنت عايزة أصرخ بأعلى صوتي، أكسر التليفون في وش الحمام، وأطلع أفضحه في الشارع وأخليه ميسواش قشرة بصلة. لكن فجأة، وفي وسط بركان الغضب ده، ظهر صوت بارد وصارم جوايا قالي: اهدي، لو اتكلمتي دلوقتي هينكر، هيقول تليفوني متهكر أو كان بيهزر، وهيقلب الترابيزة عليكي وممكن يمسح كل حاجة وتطلعي إنتي المجنونة. عضيت على شفايفي لحد ما حسيت بطعم الدم عشان أكتم بكايا ووجع قلبي. بصيت لباب الحمام، صوت المية بدأ يخف كأنه بيقفل الحنفية. الرعب والتركيز اتجمعوا في لحظة واحدة. روحت جارية على طرابييزة الصالون وجبت تليفوني الشخصي وإيدي بتنتفض زي ورقة شجر في عاصفة.
فتحت كاميرا الموبايل ورجعت لتليفونه. بدأت أصور الشاشة سكرين ورا التانية، صورة الشات مع الأرقام واضحة، اسم الجروب، الصور بتاعتي اللي باعتها، وكلامه الصريح القذر ورسايله الصوتية وتواريخ الرسايل. كنت بصور بسرعة جنونية وصوابعي متلجة، وعيني رايحة جاية بين شاشة الموبايل وباب الحمام اللي أكرته بدأت تتحرك ببطء. رفعت عيني وأنا باخد آخر صورة للشات اللي فيه الاتفاق الخبيث، والباب بدأ يتوارب وصوته طالع بيدندن من جوة براحة، وقبل ما يطلع بثواني، كنت قفلت تليفونه ورجعته على الشاحن مكانه بالظبط، وخبيت تليفوني في جيبي وأنا باخد نفس عميق وبقول لنفسي: النهاية بدأت دلوقتي، وحقي مش هسيبه.
فكرت وعملت الحساب الوهمي باسم شاب، وحطيت صورة عشوائية وكتبت في البايو كلام يوحي إني واحد من نفس عينتهم القذرة، ومع أول رنة إشعار حسيت قلبي هيقف، بس اتماسكت ودخلتله خاص:"مساء الورد يا غالي.. لمحت صورة المزة الجامدة اللي نزلتها عندك على الجروب وعيني زاغت، بصراحة الصاروخ ده ميتفوتش، هو لسه فيه منها تاني ولا البضاعة خلصت؟"مفيش خمس دقايق ولقيته رادد بلهفة وضحكة رخيصة: "عيب عليك يا باشا، ده إنت جيت في ملعبي.
. الخير كتير واللي يعجبك يجيلك لحد عندك، إنت تؤمر بس".كتبتله وأنا صوابعي بتترعش من كتر الغيظ: "تسلم يا كبير، بس عايزين حاجة من التقيل كده، زوايا تانية من اللي قلبك يحبها عشان السهرة تحلى ونشوف هندفع كام".رد عليا فوراً: "من العين دي، نقيلك بقى من أحدث كولكشن مطلعش بره لسه".#الكاتب_رومانى_مكرم_وبدأ يبعت الصور ورا بعض، ومن عجلته وطمعه في الفلوس والكلام المقرف اللي كان بيكتبه، صوابعه خانته وبعت صورة متفلتة ومخدش باله منها وسط الزحمة.. صورة ليا وأنا نايمة على السرير، بملامحي كلها باينة زي الشمس، وشي كامل من غير أي ملصق يداريه، ومعاها باعت رسالة: "ها.
. إيه رأيك في البطل؟".بصيت للصورة والابتسامة المريرة اترسمت على وشي، وقولت لنفسي: "رجلك جت في الفخ يا بن الناس.. وده الدليل القاطع اللي هيوديك ورا الشمس بوشك وبوشي".مسكت التليفون وصوابعي بتتحرك بتلقائية غريبة، أخدت سكرين شوت للمحادثة بالكامل بيني وبينه، بالصورة اللي وِشي باين فيها، برقم تليفونه، بالوقت والتاريخ، وبالكلام الرخيص اللي كتبه بحروف إيده. رفعت كل الداتا في ثواني على إيميل سري عملته، ونسخة تانية على فلاشة صغيرة كانت عندي في الدرج، وشيلت الفلاشة في بطانة شنطتي الداخلية.
مسحت الأكونت الوهمي ومسحت كل أثر ليه من تليفوني في لمح البصر، ووقفت أتنفس بالعافية، روحي كانت بتتسحب بس عقلي كان في قمة شراسته وتركيزه. خرج من الحمام لافف الفوطة على وسطه، وبيبصلي بابتسامة صفرا ولا كأنه لسه عارض شرفه للبيع بالقطعة:"مالك يا قلبي واقفة كده ليه؟ الأكل جاهز ولا إيه النظام؟"بلعت المرار اللي مالي حلقي، بصيت للأرض عشان مقدرش أداري نظرة الاحتقار اللي طافحة من عيني وقولتله بصوت حاولت أخليه هادي قدر الإمكان:"ماما تعبانة شوية وكلمتني من بدري، هروح أطمن عليها واقعد معاها ساعتين تلاتة وارجع.
"رد باستهتار وهو بيمسك تليفونه ويقعد على السرير:"ماشي يا حبيبتي، متتأخريش بس عشان وحشاني.. وخليكي بلبسك ده وشكلك حلو أوي."الكلمة كانت بتدبحني، دخلت الأوضة لميت دهبي كله في الشنطة، بطاقتي وقسيمة الجواز وأوراقي المهمة كلها حطيتها في قاع الشنطة، ولبست عبايتي وطرحتي وخرجت من الشقة وأنا حاسة إني خارجة من وكر مش من بيت زوجية. قفلت الباب ورايا والدموع اللي كنت حبساها انفجرت في بير السلم، نزلت أجري على الشارع، وقفت تاكسي وركبت وأنا بنهج، كل خطوة كانت بتقربني من بيت أهلي كانت كأنها بتنزع غشاوة من على عيني.
وصلت بيت أهلي، طلعت السلم بخطوات تقيلة، خبطت على الباب وأول ما أمي فتحت وشافت شكلي وشحوب وشي اللي زي الأموات، اتخضت وقالت:"بسم الله الرحمن الرحيم! مالك يا بنتي؟ فيكي إيه؟ وشك مصفور كده ليه وعينك وارمة من العياط؟"دخلت ورميت الشنطة، لقيت أبويا قاعد بيقرأ الجرنال، وأخويا الكبير "محمود" قاعد بيتفرج على التلفزيون. قفلت باب الشقة بالمفتاح وسندت ضهري عليه وانهارت تماماً، بكاء هيستيري وصوتي مكتوم مش طالع غير شهقات بتوجع الصدر.
أبويا قام مخضوض، رمى الجرنال وجري عليا:"في إيه يا بنتي انطقي! عمل فيكي حاجة؟ ضربك؟ حد حصله حاجة؟"محمود وقف وعروق وشه نفرت:"انطقي يا أختي الراجل ده عمل إيه؟! انتم متخانقين؟"أنا مقدرتش أنطق، إيدي كانت بتترعش وأنا بطلع تليفوني، فتحت الفولدر المخفي وطلعت الفيديوهات والسكرينات، وأول صورة كانت صورتي وأنا نايمة ووشي باين، وتحتها المساومة القذرة اللي عملها معايا في الشات الوهمي، وقبلها المحادثات مع أصحابه وكلمته الشهيرة: "قريب هتبقى في حضنك".مديت إيدي بالتليفون لمحمود وقولت بصوت مبحوح ومكسور:"شوف يا محمود.. شوف الراجل اللي جوزتهوني.. شوف بيعرض لحمي إزاي لصحاب السوء في الجروبات.
. شوف بيقول عليا إيه وبيخطط يعمل فيا إيه."محمود مسك التليفون، وبدأ يقلب، وشوفته وهو وشه بيتحول من القلق للذهول، وبعدها للغضب الأسود. عيونه بقت جمر، وأسنانه بدأت تطحن في بعضها لدرجة إني سمعت صوتها، وأبويا واقف جنبه بيبص في الشاشة.. وفجأة، لقيت أبويا حط إيده على صدره ورجع لورا وقعد على الكنبة بيتنفس بصعوبة مش قادر يبلع الريق، وأمي ضربت على صدرها وصرخت بصوت مكتوم:"يا فضيحتنا وسواد ليلنا!
ده؟ ده اللي كان عامل فيها محترم وابن ناس؟! يا نهار مش فايت!"محمود رمى التليفون على الكنبة وجري على باب الشقة وهو بيصرخ:"والله لأروح أذبحه! والله لأشرب من دمه وأغسل عارنا بإيدي النهاردة! الكلب ده ملوش غير الموت!"أبويا بصوته المبحوح التعبان صرخ فيه:"اقف مكانك يا محمود! اقف بدل ما تضيع نفسك وتضيع أختك في داهية!"مسكنا في محمود بالعافية، كان هيمان في دمه، بيتنفس نار، وأنا رميت نفسي على رجلين أبويا وأخويا وقولت:"لو قتلته هتدخل السجن وهو هيموت وخلاص، والناس هتقول قتله في شرف وتلزق فيا التهمة!
أنا مش هسيب حقي بالدم اللي يضيعنا.. أنا عايزة أدفنه بالحيا، عايزة القانون ياخد مجراه ويفضحه فضيحة العمر كله في بلده وأهله وشغله، عايزة ألبسه بدلة السجن وأخليه يتمنى الموت وميطولوش!"قعدنا ساعة كاملة بنرتب خطواتنا بالعقل في وسط النار اللي والعة في البيت. محمود كلم واحد صاحبه من أكبر المحامين المتخصصين في قضايا الجرائم الإلكترونية ومحاكم الأسرة، وحكاله الموضوع على بلاطة.
المحامي جه على طول على بيت والدي، وقعد وشاف كل الإثباتات والسكرينات، وشاف التاريخ والأرقام والصور. المحامي رفع نظارته وبصلنا بنظرة واثقة وصارمة:"الموضوع ده مش مجرد طلاق عادي وخلاص.. اللي قدامنا دي جناية مكتملة الأركان: ابتزاز، وتصوير بدون إذن داخل حرمة مسكن، والاتجار بالبشر وانتهاك حرمة الحياة الخاصة طبقاً لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، ده غير دعوى طلاق للضرر مع الاحتفاظ بكافة حقوقك الشرعية وقايمة المنقولات كاملة والمؤخر وكل مليم.
"المحامي كمل وهو بيكتب الملاحظات:"الأهم من ده كله، هنطلع دلوقتي حالا على مباحث الإنترنت نعمل المحضر الرسمي ونسلم الداتا وتليفونك، ونثبت الأرقام والأكونتات فوراً قبل ما يحس بحاجة أو يمسح الرسايل من السيرفر."نزلنا فوراً، محمود والمحامي وأنا، وركبنا العربية وطريقنا لمقر مباحث الإنترنت، وأنا في طريقي لقيت تليفوني بيرن.. كان هو.. اتصل مرة واتنين وتلاتة، وفضل يبعت رسايل:"انتي اتأخرتي ليه؟ مجيتيش لحد دلوقتي ليه يا هانم؟
"بصيت للشاشة بكل جمود وقولت للمحامي: "أرد عليه؟"المحامي قالي: "اوعي تردي ولا تكتبي حرف، سيبيه يغلي ويستغرب لحد ما البوكس يخبط على بابه على غفلة."دخلنا مقر المباحث، وهناك بدأت الإجراءات، الظابط شاف الدلائل، شاف التفريغ، وشاف الصدمة في الصور، وبدأت أملي أقوالي في المحضر الرسمي بدموع محبوسة وبكل قوة في نفس الوقت، سجلت كل كلمة وكل صورة وكل تاريخ، وإزاي كان بيغفلني ويصورني، والدليل القاطع صورة وشي اللي باعتة بحسابه الشخصي.
المحضر اتفتح رسمي، والمحامي جهز عريضة الدعوى لرفع قضية الطلاق للضرر فوراً في محكمة الأسرة، ومعاها بلاغ للنائب العام بالواقعة كلها. خرجت من المبنى وأنا باصة للسما، حسيت ببرد غريب في قلبي بيهدي النار، وعرفت إن خلاص، خط الرجعة اتقطع تماماً، وحرب كسر العضم بدأت، ومفيش غير السجن والمحاكم هما اللي هيحددوا نهايته.
ثلاث شهور حكايات رومانى مكرم 2
عدت الساعات تقيلة ومخنوقة بعد خروجنا من مباحث الإنترنت، والتليفون مهدّاش رن. مكالمات ورا مكالمات، رسايل على الواتساب بتبدأ بعتاب هادي وبعدها قلبت لعصبية وتوتر، كان باين من نبرة كلامه إنه بدأ يشم ريحة غدر أو يحس إن في حاجة مش طبيعية، خصوصاً لما دخل الأوضة وملقاش الدهب ولا أوراقي الشخصية في الدرج. كتبلي في رسالة:"انتي فين يا هانم؟ واخدة حاجتك ودهبك ورايحة على فين؟ انطقي بدل ما أجيلك بيت أهلك وأعملك فضيحة وأجرجرك من شعرك في الشارع!
"المحامي كان قاعد معانا في صالون بيتنا، بص للمسدج وابتسم ببرود وقال:"ممتاز.. ده تهديد كتابي صريح وصوته طالع فيه عصبية وتخبط، وده بيثبت هروبك خوفاً على حياتك وسلامتك، حطوا الإسكرين ده كمان مع الملحق الإضافي للمحضر."تاني يوم الصبح، النيابة العامة اتحركت بسرعة غير متوقعة بسبب خطورة البلاغ، والأدلة الدامغة اللي اتقدمت والتفريغ الفني اللي أثبت إن الرسائل اتبعتت من نفس الخط ونفس الآي بي (IP) الخاص براوتر الشقة. صدر أمر ضبط وإحضار عاجل من النيابة وتفتيش للشقة ومصادرة كل الأجهزة الإلكترونية والهواتف وأجهزة الكمبيوتر.
في نفس الوقت، كان المحامي رافع دعوى الطلاق للضرر، ومعاها دعوى حبس لتبديد منقولات زوجية لحماية العفش والشقة، ودعوى نفقة ومؤخر. كنا بنشتغل على كل الجبهات في وقت واحد عشان نضيق الخناق عليه ومنديلوش فرصة يهرب أو يتصرف. قوة من المباحث نزلت على شقتنا في نص الضهر. الجيران في العمارة حكوا لأبويا بعد كده إن الدنيا اتقلبت، البوكس وقف تحت العمارة، وأمناء الشرطة طلعوا كسروا هدوء الدور برنات جرس وتخبيط جامد.
فتح الباب وهو مرعوب ومصدوم، وشاف الضابط بيوريه إذن النيابة بالقبض عليه. حاول يتكلم، حاول يزعق ويقول:"فيه إيه يا باشا؟ أنتم داخلين بيت محترم، أنا مهندس وعندي وضعي!"الضابط رد عليه بحزم وقسوة:"الكلام ده تقوله قدام وكيل النيابة يا بطل.. فتش البيت وهات كل التليفونات واللابات اللي هنا، والبس كلبشك وانزل من سكات."الجيران اتلمت على السلالم وفي البلكونات، الفضيحة اللي كان فاكر إنه بيعملها في الخفا ورا شاشات التليفونات بقت علني في عز الضهر، نزل متكلبش وركب البوكس وراسه في الأرض من غير ما ينطق ولا حرف، وسط همسات ونظرات الاحتقار من حراس العمارات وسكان الشارع.
الخبر وصل لأهله زي الصاعقة. أمه وأبوه وإخواته اتجننوا، وفي خلال ساعات كانوا طالعين يجوا على بيت والدي. الباب خبط خبط هستيري، فتح محمود وهو شادد جسمه ومستعد لأي احتكاك. دخل أبوه وهو منهار وبيزعق:"إيه اللي عملتوه ده؟! باعتين الشرطة تقبض على ابني في قلب شقته؟ أنتم اتجننتم؟ دي آخرة الجيرة والنسب؟ تفضحونا وتدخلوا ابننا الحبس؟
"أبويا وقف بكل هيبة، راجل عجوز بس غضبه كان يهد جبال، بصلهم بعين باردة وقال:"ابنك مش محبوس في خناقة ولا شيك، ابنك محبوس عشان عارض لحم بنتي وشرف بيته للبيع في جروبات وسخة على النت، ابنك مصورها وهي نايمة وغفلانة وواقف يساوم عليها زمايله ويقولهم قريب هتبقى في حضنكم!"أمه صرخت ولطمت على خدودها:"كدب! انتو بتتبلوا عليه عشان تطلقوها وتاخدوا القايمة والمؤخر! ابني متربي وميعملش العيبة!
"محمود مسك تليفونه، وبدون ما يتكلم كلمة واحدة، فتح الصور والمحادثات المفرغة وحطها في وش أبوه وأمه وإخواته الشباب. الصالون فجأة سكت، سكون الموتى. أمه عينيها برقت، وإيدها نزلت من على وشها ببطء، وأبوه كان وشه بيسودّ لحظة ورا لحظة وعينيه مفتوحة على وسعها ومش قادر ينطق. أخوه الصغير أخد التليفون وبدأ يقرا الرسايل بصدمة، وشه اتعفر بالخزي ورجع لورا وسند على الحيطة كأنه هيغمى عليه. أبوه دموعه نزلت بقهر، قهر الأب اللي ربى وافتكر إنه عمل راجل، بص لأبويا بصوت واطي ومكسور مكنش طالع منه بالعافية:"هو.. هو ده تليفونه فعلاً؟ ده خط ابني؟
"أبويا رد بكل حسم:"ده خطه، وصوت رسايله، وبنتك اللي قاعدة جوا دي كانت هتكون ضحية لمصيبة أنتم نفسكم متتخيلوهاش. اخرجوا برة بيتي، القانون هو اللي هيتكلم بينا وبينكم، ومفيش بيننا غير ساحات المحاكم."خرجوا من البيت مكسورين، مطاطيين روسهم في الأرض مش قادرين يرفعوا عينهم في حد من الجيران اللي كانوا متابعين الموقف. تاني يوم، كان أول يوم تحقيق في النيابة.
المحامي أخدني ومعايا محمود عشان أحضر الإدلاء بالأقوال وأواجهه لأول مرة من ساعة ما سبت الشقة. دخلت سرايا النيابة ورجلي بتتقل مع كل خطوة، لكن رفعت راسي ومسحت أي أثر لدمعة في عيني. قعدنا في أوضة الانتظار، وبعد نص ساعة الباب اتفتح، ودخل هو متكلبش في إيد عسكري. شكله كان متبهدل، دقنه طالعة، عينيه حمرة وزايغة، وشعره منكوش وهدومه متبهدلة من حجز القسم. أول ما عينه جت في عيني حاول يبصلي بنظرة استعطاف ورجا، همس بصوت مخنوق وهو بيمد إيده بالكلبش:"سامحيني.. والله كانت لحظة شيطان، كنت بهزر معاهم، والله ما كان قصدي حاجة، متخربيش بيتنا عشان شوية كلام تافه!
"محمود هاج وكان هيهجم عليه لولا إن المحامي والعساكر مسكوه، وأنا وقفت قصاده، بصيت في عينيه بنظرة جمدت الدم في عروقه وقولتله بصوت حاد زي السيف:"شيطانك ده هو اللي هيدفنك في السجن يا واطي.. البيوت اللي بتتبني على الرخص بتتهد على دماغ أصحابها، ودلوقتي هتشوف بعينك الشوية التافهين دول هيعملوا فيك إيه."وكيل النيابة نادى علينا لبدء جلسة التحقيق والمواجهة الرسمية، ودخلنا الأوضة، والملف الأسود كان مفتوح على المكتب، وبدأت الجلسة اللي هتقلب موازين كل حاجة. دخلنا أوضة التحقيق، ريحة الأوراق القديمة ورائحة الحبر كانت مالية المكان بهيبة تخلي أي مظلوم يقوى وأي ظالم تنزل عينه في الأرض.
وكيل النيابة كان قاعد وراه علم مصر، وعلى مكتبه ملف ضخم متدبس فيه أحراز وفلاشات وأوراق تفريغ رسمية، وعينيه كانت حادة ومركّزة كأنه بيقرا أفكار كل واحد داخل الأوضة. أنا قعدت على الكرسي قصاده، ومحمود أخويا والمحامي وقفوا في ضهري، وهو دخل مع العسكري، واقف مطأطأ الراس والكلبش بيخبط في بعضه بصوت معدني يرن في الأوضة. وكيل النيابة بدأ يوجهلي الأسئلة بصوت هادي ورصين:"اسمك وسنك.. وإيه بالظبط اللي حصل خلاكي تتقدمي بالبلاغ ده؟
"أخدت نفس عميق وثبتت عيني في عين وكيل النيابة، وبدأت أحكي كل حرف من أول يوم جواز، من أول ما كان بيتحايل عليا نتصور بملابس خفيفة بحجة الذكريات والشوق وهو في الشغل، لحد ما لقطت الرسايل وصور الشات، وكملت وأنا بشاور عليه:"يا فندم هو استغل أماني وثقتي فيه في بيتي وغرفة نومي، كان بيصورني وأنا نايمة وأنا غفلانة، وعرض الصور على أصحابه وساوم عليها في شاتات مقفولة، ولما عملت الحساب الوهمي عشان أتأكد بنفسي عرض يبيعني للي يدفع، وقالي بنفس الحرف هتبقا في حضنك قريب.
. وبعتلي أحدث صورة ليا بوشي كامل بدون أي غطاء."وكيل النيابة دوّن كل كلمة بالحرف، والتفت ليه فجأة وصرخ فيه بنبرة زلزلت الأوضة:"اسمك وسنك ووظيفتك!"رد بصوت بيترعش وبيرتجف: "اسمي.. طارق.. 29 سنة.. مهندس حر يا باشا.""ما قولك فيما هو منسوب إليك من اتهامات بانتهاك حرمة الحياة الخاصة للشاكية، وتصويرها دون رضاها داخل مسكن الزوجية، واستغلال تلك الصور وعرضها على الغير بقصد التشهير والإتجار غير المشروع طبقاً لمواد قانون تقنية المعلومات وقانون العقوبات؟"طارق وشه بهت وعرقه بقى يسيل على قميصه، وبدأ يتلعثم:"والله يا فندم كدب..
الموبايل مكنش معايا في الفترة دي، الشات ده مفبرك، أكيد تليفوني كان متهكر أو حد من صحابي هو اللي عمل كده وأنا بريء من الكلام ده كله!"المحامي بتاعي اتدخل بهدوء وطلب الكلمة:"سيادة المحقق، مرفق في الحرز رقم 4 تقرير المساعدات الفنية لمباحث تكنولوجيا المعلومات، التقرير يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الرسائل أُرسلت من نفس البصمة الرقمية لجهاز المتهم وبنفس الشريحة المسجلة باسمه، وعبر شبكة الواي فاي المنزلية الخاصة بمسكن الزوجية، والصور المرفقة التُقطت بكاميرا نفس الهاتف المحرز برقم التسلسل المصنعي (IMEI) الخاص به.
"وكيل النيابة بص لطارق بنظرة احتقار قاسية، ورفع صورة من الصور المحروزة في وشه:"أنت بتنكر؟ تليفونك متهكر برضه بياخد لقطات لمراتك وهي نايمة جنبك على السرير ويبعتها لأصحابك من شريحتك؟ بتنكر كلامك اللي بتقول فيه لواحد صاحبك 'قريب هتبقى في حضنك'؟! هو ده الشرف اللي دينك وقانونك وأهلك ربوك عليه؟!"طارق ركبه خارت ووقع على ركبه في الأرض، ومسك في طرف المكتب وهو بينهار وبيعيط عياط هستيري:"غلطت يا فندم! لحظة طيش.
. أصحابي هما اللي جرجروني في السكة دي.. كانوا بيراهنوني وبيقولولي إنت متجوز واحدة شكلها عادي، وأنا كنت عايز أثبتلهم إن مراتي حلوة ومزة.. والله ما كان في نيتي أوديها لحد ولا ألمسها أذى، كان مجرد تفاخر وكلام أهبل في شات شيطان وراح لحاله، أبوس إيدك يا بيه متضيعش مستقبلي!"وكيل النيابة خبط بالقلم على المكتب بكل غضب:"تفاخر برحمك ومراتك وعرضك؟! أنت لا راجل ولا تعرف يعني إيه شرف، أنت سلعة رخيصة لمريض ومكانك الطبيعي مش وسط الناس.
"أنا كنت قاعدة ببصله وهو بيترجى وكيل النيابة، منظره وهو متمرمط على الأرض وتحت رجلين القانون كان بيغسل من جوايا قهر الشهور اللي فاتت كلها. مكنش فارق معايا عياطه ولا ندمه المزيف، ده واحد مكنش بيعيط غير عشان اتكشف، مش عشان غلط ولا عشان دبحني. وكيل النيابة رفع راسه ونده على الكاتب:"اكتب يا بني.. بعد الاطلاع على المحاضر والأحراز وشهادة الشاكية واعتراف المتهم الصريح بالواقعة:يُحبس المتهم طارق أربعة أيام على ذمة التحقيقات، ويُراعى التجديد له في الميعاد، مع استدعاء باقي الأطراف والشباب الواردة أرقامهم في المحادثات لضبطهم وإحضارهم فوراً ومصادرة كافة الأجهزة المضبوطة وإرسالها للأدلة الجنائية.
"العسكري شد طارق من دراعه بقسوة، وهو بيبصلي بصرخات مكتومة:"حراااام عليكي يا سمر! سامحيني.. أمي هتموت من الفضيحة! متخربيش بيتنا!"محمود بصله وقاله بصوت مليان غل: "البيت ده اتخرب يوم ما دخلته يا ندل، وسجنك ده قليل عليك."خرجنا من النيابة، ومن سرايا النيابة على المحكمة علطول عشان نثبت قضايا الأحوال الشخصية. المحامي كان شغال كأنه قطار سريع مبيوقفش، قدم مذكرة عاجلة بنسخة من قرار حبس طارق واعترافه في النيابة كدليل قاطع على الضرر الذي لا يُستطاع معه دوام العشرة بين أمثالهما.
جلسة محكمة الأسرة كانت محددة لنظر الشق المستعجل في النفقة وقايمة المنقولات، وهناك في ممرات المحكمة، كانت المفاجأة اللي هزتني أكتر من التحقيق. أهله كانوا مستنيين برة، أمه وأبوه وعمامه وخيلانه.. ملمومين زي العصابة في طرقة المحكمة. أول ما شافوني خارجة أنا ومحمود، أمه اتغيرت 180 درجة، من الصدمة والبكاء للجبروت والشر، قربت مني وهي بتلوح بصوابعها وبتصرخ بصوت عالي وسط المتقاضين:"جاية هنا عشان تتبلي على ابني؟! فرحانة بيه وهو نايم في الحجز زي المجرمين؟ قولتلك ابني مش هيتعاقب على حتة صورة، وهنطلعك من الجوازة دي بشحاتة ومش هتاخدي قشاية واحدة من الشقة!
"عمّه كان راجل سمين لابس جلابية وصوته جهوري، وقف قدام محمود وقال:"اسمع يا بني.. حبل القضايا طويل، وابننا مش هيفضل محبوس، معارفنا كتير وخروجته مسألة وقت.. وبنتكم دي لو مسحبتش المحاضر وفضلت ماشية في سكة الفضايح دي، إحنا اللي هنفضحها، وهنقول إن هي اللي كانت بتبعت الصور بنفسها وبتلف على صحابه، وهنقلب الترابيزة عليكم ونخلي سمعتكم في الطين، لموا الدور وخدوا مؤخرها وبوسوا إيدكم وش وضهر واقفلوا المهزلة دي!"التهديد كان صريح ومقزز، كان محاولة لابتزازنا للمرة التانية، بس المرة دي علني وقدام الناس في قلب المحكمة.
محمود رفع إيده ووقف بينهم وبيني، وأنا خطيت خطوة لقدام، رفعت وشي وبصيت لعمه ولأمه بكل ثبات العالم، وقولت بصوت سمعه كل اللي واقفين في الطرقة:"ابنكم معترف بلسانه وبعترافه جوة التحقيق من نص ساعة، والأجهزة والمحادثات مسجلة وموثقة في مباحث الإنترنت والنيابة العامة.. والتهديد اللي بتقوله ده متسجل بكاميرات المراقبة بتاعة المحكمة ومحاميي هيقدم فيه بلاغ فوري دلوقتي بترهيب الشاهد والمجني عليها. اللي بيني وبينكم مش مجرد ورقة طلاق ولا عفش.. أنا داخلة أطهر حياتي من قذارتكم بالقانون، وابنكم هيتحاكم بتهمة جنائية توديه السجن سنين.. وروني بقى معارفكم هيعملوا إيه في ملف فيه اعتراف رسمي ببيع لحم أهل بيته!
"وشوشهم كلها سقطت، الرعب بدأ يدب في قلوبهم بجد لما عرفوا إن طارق اعترف بنفسه ومقدرش ينكر. أمه قعدت على بنك خشب في الطرقة وبدأت تصوت وتلطم، وعمه تراجع خطوتين لورا وهو بيهرب بعينه من نظرات الناس والمحامين اللي بدأوا يتلموا ويحتقروهم. المحامي دخل على القاضي وقدم طلب عاجل لتمكيني من شقة الزوجية منفردة، وحجز المنقولات تمهيداً لنقلها، وضم صورة رسمية من محضر النيابة لقضية الطلاق للضرر، وقضية تبديد القايمة.
القاضي بص للأوراق ولتقارير النيابة واعتراف الزوج، وهز راسه بأسى وغضب من بشاعة الجرم، وحدد جلسة النطق بالحكم النهائي في قضية الطلاق للضرر، بينما النيابة كانت بتحضر قرار إحالته لمحكمة الجنايات مع المتهمين التانيين اللي أساميهم طلعت في التليفون. رجعنا البيت، قعدت في أوضتي القديمة اللي اتربيت فيها سنين طويلة في أمان وطهارة، بصيت لنفسي في المراية، مكنتش هي نفس البنت المكسورة اللي كانت بتبكي من الخوف لما سمعت صوت المية في الحمام من كام يوم.
أنا كنت واحدة تانية، وحدة خدت طعنة في ضهرها لكن وقفت ودبحت اللي غدر بيها بحبل القانون.. بس الحكاية لسه مخلصتش، لأن الجلسة الحاسمة للنطق بالحكم في الطلاق، ومفاجآت محاكمة الجنايات اللي هتجر معاه شبكة كاملة من أصحابه، كانت على وشك إنها تبدأ وتهز كل كيان فيهم.
ثلاث شهور حكايات رومانى مكرم 3
الأيام اللي تلت قرار حبسه كانت مشتعلة كأنها حرب حقيقية، الأخبار انتشرت في المنطقة وفي دايرة شغله زي النار في الهشيم. الشركة الهندسية اللي كان شغال فيها وصلها إخطار رسمي بوقفه عن العمل والتحقيق معاه بعد ما جالهم استدعاء أمني بخصوص تحريات القضية، والمهندس المحترم اللي كان بيتمنظر قدام زمايله بأخلاقه ومركزه بقى حديث الساعة وعنوان الفضيحة اللي هزت الكل.
مباحث الإنترنت مع قوة من قسم الشرطة مهدتش؛ بناءً على اعترافاته والتفريغ اللي كشف كل الأرقام اللي على الجروب السري، نزلت مأموريات في وقت واحد على العناوين اللي حددتها التحريات. اتقبض على اتنين من أصحابه اللي كانوا أطراف رئيسية في المحادثات المقززة؛ واحد منهم هو اللي كان قايله في الشات "دي تلزمني بأي تمن"، والتاني اللي كان بيحرضه على تنزيل فيديوهات وصور تانية بمقابل مادي.
اتقبض عليهم بتهم الاشتراك والتحريض والاعتداء على القيم الأسرية، ودخلوا التخشيبة معاه، ولما اتقابلوا في الحجز اتخانقوا وشتموا بعض وبقوا يرموا التهم على بعض زي الفئران المحبوسة في مصيدة. في نفس الأسبوع، المحامي خلص إجراءات تنفيذ قرار التمكين وكسر الشقة بحضور محضر المحكمة وقوة أمنية من القسم عشان أستلم كل قايمة منقولاتي وحاجتي قبل ما أهله يحاولوا يخفوا أي مسمار منها. روحت مع أبويا ومحمود وعربيات النقل الكبيرة كانت واقفة تحت العمارة. الجيران اتجمعوا في المداخل والبلكونات، محدش كان قادر ينطق بكلمة لوم واحدة؛ كان الكل بيبصلنا بتعاطف واحترام لأنهم عرفوا تفاصيل الكارثة.
طلعنا الشقة وكسرنا القفل بأمر النيابة، وأول ما دخلت شميت ريحة الخيانة في كل ركن، السرير اللي كنت نايمة عليه بأمان وهو بيغدر بيا، المطبخ اللي صورني فيه وأنا بضهر.. كل حتة كانت بتفكرني بوجعي، بس في نفس الوقت كنت بحس إن كل قطعة عفش بتنزل من الشقة دي كأنها قطعة من هم تقيل بيتشال من فوق صدري.
نزل العفش كله قطة ورا تانية، من أصغر كوباية لأكبر جهاز كهربائي، مسبتش ورايا غير الحيطان العريانة، وأهله كانوا واقفين بعيد في أول الشارع، أمه بتعيط بحرقة وخوف، وأبوه كان ساند على عمود نور في الشارع وعينيه في الأرض مش قادر حتى يقرب ولا يفتح بقه بنص كلمة بعد ما شافوا المحضر والشرطة اللي بتنفذ الحكم بالقوة الجبرية. بعدها بأيام، جه معاد جلسة تجديد الحبس أمام قاضي المعارضات، وجلسة محكمة الأسرة للنطق بالحكم في قضية الطلاق للضرر ومؤخر الصداق.
في محكمة الأسرة، القاعة كانت زحمة، وقف المحامي بتاعي قدام المنصة وقدّم صورة رسمية من تحقيقات النيابة، واعتراف المتهم، وقرارات حبسه الاحتياطي، وقال بصوت هز جدران القاعة:"سيدي القاضي.. إن ما ارتكبه المدعى عليه لا يمت للدين ولا للأخلاق ولا للرجولة بصلة، لقد انتهك أقدس رابطة شرعية، وباع ستر زوجته وعرض بيته، والضرر هنا ليس مادياً أو لفظياً فحسب، بل هو خيانة عظمى تستحيل معها العشرة وتأباها النفوس السوية، ونطلب تطليق المدعية طلقة بائنة للضرر، مع إلزام المدعى عليه بكافة حقوقها المالية من مؤخر صداق ونفقة متعة ونفقة عدة.
"القاضي بص في الأوراق للحظات، وشه كان بيعكس مدى اشمئزازه من تفاصيل المحضر، ونطق بالحكم في نفس الجلسة:"حكمت المحكمة بتطليق المدعية على المدعى عليه طلقة بائنة للضرر، وإلزامه بأن يؤدي لها مؤخر الصداق المسمى بينهما وقدره مائة وخمسون ألف جنيه، وإلزامه بالمصاريف وأتعاب المحاماة."أول ما القاضي نطق بالحكم، حسيت إن روحي رجعتلي، رفعت راسي للسما ودموعي نزلت مش حزن، دموع خفة وراحة ونجاة، اتطلقت منه ورجعت حرة، وأخدت كل مليم من حقوقي بالقانون.
بس اليوم مكنش خلص لسه، لأن على بُعد أمتار في نفس المجمع، كانت جلسة تجديد الحبس الجنائي لطارق وشبكته شغالة. اتحركت مع محمود والمحامي ودخلنا قاعة الجنايات والجنح المستأنفة، ووقفنا في الصفوف الخلفية. بعد دقايق، دخل القفص طارق ومعاه الاتنين التانيين، متكلبشين مع بعض في سلسلة واحدة. طارق كان لابس ترينج الحجز الرمادي، وشه شاحب، خاسس للنص، وعينيه تايهة ومرعوبة، وأول ما لمحني واقفة برة القفص رافعة راسي ولابسة أبيض في أبيض، مسك في أسياخ الحديد بإيديه المرتعشة، ونادى عليا بصوت يائس بيقطع القلب بس مكنش يحرّك فيا ساكن:"سمر!
سمر أبوس رجلك! اسمعيني بس.. أمي جالها جلطة وأبويا مش قادر يرفع عينه في الناس، وأنا حياتي ادمرت وشغلي طردني، هتحبس سنين يا سمر، تنازلي وخدي اللي انتي عايزاه، والله لو عايزاني أكتبلك الشقة وكل ما أملك هكتبهولك بس طلعيني من القبر ده!"المحامي بتاعه حاول يدخل يقدم طلب إخلاء سبيل بأي كفالة مالية معللاً إنه عائل لأسرته وإن الواقعة مكنتش تتعدى هزار عابر، لكن ممثل النيابة العامة وقف واعترض بشدة وصرخ في القاعة:"إن النيابة العامة ترفض إخلاء سبيل المتهم أو شركائه، وتؤكد أن الجريمة المرتكبة هي اعتداء صارخ على المجتمع وقيمه وأعراضه، ونعلن إحالة أوراق القضية رسمياً إلى محكمة الجنايات الاقتصادية بتهم جنائية مشددة، والمتهم وشركاؤه يشكلون خطراً داهماً ويجب استمرار حبسهم.
"القاضي خبط بالشاكوش وصرخ بصرامة:"قررت المحكمة رفض الاستئناف، واستمرار حبس المتهمين جميعاً خمسة وأربعين يوماً على ذمة القضية وإحالتهم إلى محاكمة الجنايات العاجلة."الصوت رن في القاعة، وطارق صرخ ومسك دماغه ووقع في أرضية القفص بيصرخ كأنه اتصاب برصاصة، والعساكر شدوهم للنزول للتخشيبة وهو بيتشد على الأرض ومذلول. خرجت من مجمع المحاكم في شمس النهار، الهوا كان نقي، وأبويا مسك إيدي وباس راسي وقالي: "رفعتي راسنا وخدتي حقك بأدب وبأصل وبقوة القانون يا بنتي.
"ركبنا العربية ورجعنا بيتنا، والكل كان عارف إن الخطوة الجاية هي القاضية، محاكمة الجنايات اللي هتحدد مصيره النهائي في السجن المشدد، والستار اللي هينزل على أبشع كابوس عشته في حياتي. مرت الأسابيع اللي سبقت الجلسة الفاصلة في محكمة الجنايات الاقتصادية وكأنها سنين، لكنها كانت سنين بتبني فيا شخص جديد تماماً. الضعف والخوف اللي حسيت بيهم وأنا بسمع صوت المية في الحمام زمان، اتبدلوا تماماً بقوة وهدوء مخيفين.
في الفترة دي، أهله مسبوش باب إلا وخبطوا عليه. وفود من كبارات عيلتهم، ناس من أصحاب والدي القدامى، وحتى إمام المسجد اللي في منطقتنا جابوه وجه يتوسط. قعدوا في صالون بيتنا، يعرضوا شيكات على بياض، تنازل كامل عن الشقة، وفلوس فوق المؤخر والقايمة أضعاف مضاعفة، وأبوه كان قاعد يبكي بدموع حارقة ويقول لأبويا:"يا حاج.. ابني غلط وأذنب ويستاهل ضرب النار، بس مستقبله هينتهي.. بدلة السجن الزرقا دي لو اتلبسها هيموت بالحيا، والمهنة هتسحب ترخيصه ونقابة المهندسين هتشطبه، استروا عليه ربنا يستر ولاياكم.
"لكن رد أبويا كان ثابت ومفيش فيه مساومة، بصلهم وقال ببرود يقطع الشك:"اللي باع ستر بيته عشان رهان وفلوس رخيصة ميطلبش الستر لما يقع تحت سيف القانون. اللي بيننا مش فلوس ولا شيكات، اللي بيننا حق شرف وكرامة بنتي والمجتمع كله، والكلمة بقت للقضاء مش للمجالس."خرجوا يجروا أذيال الخيبة، وبدأ العد التنازلي ليوم المحاكمة. يوم الجلسة، صحيت من الفجر، اتوضيت وصليت ركعتين شكر وراحة، ولبست هدوم هادية ومحترمة، ونزلت ومعايا والدي ومحمود والمحامي.
مجمع المحاكم كان زحمة، بس القاعة اللي فيها القضية كانت واخدة اهتمام غير عادي، صحفيين من مواقع الحوادث بدأوا يشموا خبر عن القضية اللي بتجمع بين انتهاك حرمة الحياة الخاصة والإتجار بالصور والابتزاز الإلكتروني داخل مسكن الزوجية. أول ما دخلنا القاعة، كانت أسر المتهمين التانيين موجودة كمان، وشوش مكسورة وعيون تايهة، وأمه كانت قاعدة في الزاوية، شكلها هدّه المرض والجلطة اللي خلت مشيتها تقيلة ولسانها بيتلعثم. أول ما شافتني بصتلي بنظرة كلها كسر ورجا، بس عنيا مكنتش بتنزل ولا بتتهز.
اتفتح باب القفص الحديدي، ودخل الحرس المتهمين التلاتة. طارق كان لابس الأبيض الخاص بالحبس الاحتياطي، دقنه طويلة ومهملة، عيونه غائرة وسودة من قلة النوم في الحجز، ورجليه مكنتش شايلاه، متكلبش في إيد زمايله الاتنين اللي كانوا بيتفادوا حتى يبصوا في وشه، وكل واحد فيهم محمل التاني مسؤولية الخراب اللي هما فيه.
دخلت هيئة المحكمة، وهتف الحاجب بصوت جهوري: "محكمة!"الكل وقف، والقاعة سكتت تماماً لدرجة إن صوت تنفس المتهمين في القفص كان مسموع. رئيس الدائرة، مستشار وقور عيونه صارمة وملامحه مفيهاش أي تردد، فتح الملف وبدأ يقرأ أمر الإحالة من النيابة العامة. المرافعة بدأت، وممثل النيابة العامة ألقى مرافعة تاريخية خلت القشعريرة تمشي في ضهر كل اللي في القاعة. وقف ممثل النيابة وبص ناحية القفص وشاور بصابعه وقال بصوت جهوري هز الجدران:"سيدي الرئيس، عدالة المحكمة الموقرة.
. جئناكم اليوم لا لنقتص من جريمة سرقة أو خيانة أمانة عادية، بل لنقتص من خيانة للأرض والعرض والعهد المقدس. متهم خان أمانة مسكنه، واستحل ستر زوجته، وبدلاً من أن يكون الحصن والسند، تحول إلى تاجر رخيص يعرض شرف بيته في مزادات الشاتات المظلمة. المتهمون أمامكم لم يرتكبوا فعلاً طائشاً، بل خططوا، وساوموا، واستدرجوا، وعرضوا أقدس ما في هذا المجتمع للبيع والتسلية الرخيصة. النيابة العامة تطالب بتوقيع أقصى عقوبة نصت عليها المادة 25 و26 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والمادتين 309 مكرر و327 من قانون العقوبات، ليكونوا عبرة لمن تسول له نفسه العبث بالأعراض.
"محامي طارق حاول يدافع، حاول يقول إن المحادثات كانت مجرد 'مزاح ثقيل' لا يرقى لنية الفعل الجنائي، وإن الشاكية كانت تهدف للانتقام الشخصي بعد خلافات أسرية. المحامي بتاعي وقف على طول وطلب الكلمة، ووجه للمحكمة الضربة القاضية:"سيدي الرئيس، أي مزاح هذا الذي ينتهي بتصوير زوجة غافلة على سرير نومها، وإرسالها بحساب شخصي مع تحديد مواعيد للتسليم؟ الأوراق المحروزة وتقارير الأمن العام ومباحث التوثيق والمعلومات لا تحتمل التأويل، والضرر هنا وقع واستقر، واعتراف المتهم في تحقيقات النيابة مدون وموثق بالصوت والصورة، نطالب بالقصاص العادل لحق المجني عليها وحق المجتمع.
"القاضي رفع عينه وبص لطارق اللي كان جوة القفص بيعيط ومنهار، وسأله:"هل لديك ما تقوله للمحكمة يا متهم؟"طارق مسك الحديد بإيديه اللي كانت بترتعش، وصوته طلع مبحوح ومكسور:"سامحوني يا فندم.. ندمان.. والله ندمان ومكنتش في وعيي، حياتي ضاعت ومستقبلي ادمر.. أبوس إيدك ارحمني يا سيادة القاضي!"القاضي بصله بنظرة واحدة باردة وحاسمة، وقفل الملف فجأة، وخبط بالشاكوش على المنصة وقال الكلمة اللي حبست الأنفاس:"رُفعت الجلسة للمداولة وإصدار الحكم.
"الكل خرج يستنى برة في الممر، وطارق رجعوه للتخشيبة مع زمايله وهو منهار وبيضرب دماغه في الحيطة. مرت ساعتين كاملين من الترقب والرعب اللي مالي قلوب أهله، وثبات هادي بيملى قلبي أنا وعيلتي، لحد ما اتفتح باب القاعة من تاني، ودخل الحاجب ينادي عشان النطق بالحكم الأخير والنهائي اللي هيقفل الصفحة دي للأبد. فتحت عساكر الحرس باب القاعة من تاني، ورجعت الصفوف تتملي في ثواني معدودة.
الهوا جوا القاعة كان تقيل ومكتوم، وكل العيون متعلقة بالمنصة وبالقفص اللي رجعوا دخلوا فيه المتهمين التلاتة. طارق مكنش قادر حتى يقف على حيله؛ كان ساند بكتفه على سيخ القفص، ركبه بتخبط في بعضها، وعينيه تايهة بتبص للأرض بخزي وخوف هستيري. أمه كانت قاعدة في أول صف برة، ماسكة سبحة وإيدها بتنتفض، وعينه كل شوية تروح لأبويا ولمحمود اللي كانوا واقفين وقفة جبال مابتتهزش. رن صوت الحاجب في أرجاء القاعة زي الرعد:"محكمة!
"الكل وقف في لحظة واحدة، ودخلت هيئة المحكمة بكامل هيبتها. رئيس الدائرة مسك الأوراق، بص في القاعة بنظرة صارمة خلت الهمس ينقطع تماماً، وقبل ما ينطق بالحكم، وجه كلمتين نزلوا على راس طارق وأهله زي الصواعق:"إن المحكمة وهي بصدد النطق بحكمها، تهيب بالمجتمع أن يرعى الأمانات التي اؤتمن عليها.. فالبيوت عورات، والزواج ميثاق غليظ جعله الله سكناً ومودة ورحمة، لا ساحة للخسة والغدر والمتاجرة بالأعراض. ومن خان ستر أهله وباع حرمة بيته، لا يستحق إلا أن يُجرد من كرامته وأن يذوق وبال ما صنعت يداه ليكون عبرة وآية.
"خبط القاضي بالشاكوش على المنصة ونطق بالحكم بصوت قاطع هز جدران المحكمة:"حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:أولاً: بمعاقبة المتهم الأول 'طارق' بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات، وتغريمه مائتي ألف جنيه، ومصادرة كافة الأجهزة الإلكترونية والهواتف المضبوطة، وإلزامه بالمصاريف الجنائية، عن تهم انتهاك حرمة الحياة الخاصة، وتصوير ونشر مواد خادشة للحياء دون رضاء المجني عليها، واستخدام وسائل تقنية المعلومات في المساس بالأعراض والشرف. ثانياً: بمعاقبة المتهمين الثاني والثالث بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات لكل منهما، وتغريم كل منهما مائة ألف جنيه، عن تهم التحريض والاشتراك. ثالثاً: إحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة للتعويض.
"أول ما القاضي نطق بكلمة "السجن المشدد خمس سنوات"، انفجرت القاعة. صرخة مدوية طلعت من أمه وهي بتقع مغمى عليها في الطرقة، وأبوه حط إيديه الاتنين على وشه وقعد على الأرض يبكي بحرقة وذل. وجوة القفص، طارق صرخ صرخة هستيرية ووقع بطوله على أرضية القفص، العساكر دخلوا شدوه بالكلابشات وهو بيزحف وبيصرخ باسمي بصوت مبحوح ومذعور:"خمس سنين؟! مستقبلي راح! يا سمر ارحميني.. خمس سنين يا سمر ضعت خلاص!"العسكري شده بقسوة من قفاه ونزله في السلم المؤدي للتخشيبة، وهو بيتجرجر زي الشوال، راسه في الأرض، متجرد من كل كرامة ورجولة كان بيتباها بيها كدباً في يوم من الأيام.
أنا وقفت في مكاني، مفيش دمعة واحدة نزلت من عيني. حسيت بهوا بارد ونقي بيدخل صدري لأول مرة من شهور. بصيت للسما وقولت من كل قلبي: "الحمد لله.. حقك يا رب مبيضيعش."محمود مسك إيدي وشد عليا بفخر، وباس راسي قدام كل اللي في القاعة، وأبويا طبطب على كتفي وقال بصوت مليان عزة:"رفعتي راسنا وصونتي نفسك، ودفنتِ الندل بالقانون وتحت جزمته، ارفعي راسك يا بنتي، إنتي حرة وبنت أصول."خرجنا من باب مجمع المحاكم، شمس الضهر كانت دافية وبتنور الدنيا.
اتنفست الهوا بحرية كاملة، سيبت ورايا الخيانة والوساخة وبدلة السجن الزرقا اللي هيلبسها سنين في ظلمات الزنازين مع المجرمين، ومسكت في إيد أبويا وأخويا، ورجعت لحياتي النضيفة من تاني، أقوى وأصلب، وعارفة إن الستر والكرامة أغلى من أي حاجة في الدنيا، وإن اللي يبيعك بالرخص، نهايته الطبيعية يتداس عليه تحت أقدام العدالة.


تعليقات
إرسال تعليق