سكريبت جوزي قال لي إن سلفتي محتاجة حد يقعد مع ابنها وقت الامتحانات، كامله حكايات بسمه
سكريبت جوزي قال لي إن سلفتي محتاجة حد يقعد مع ابنها وقت الامتحانات، كامله حكايات بسمه
«جوزي قال لي إن سلفتي محتاجة حد يقعد مع ابنها وقت الامتحانات، وطلب مني أسيب أولادي وأروح لها. رفضت لأول مرة… وبعدها سمعت مكالمة بينها وبين حماتي، وعرفت إن الامتحانات ماكانتش السبب أصلًا!»
كانت دي المرة الأولى اللي أقول فيها «لأ» بصوت عالٍ ومباشر من يوم ما دخلت البيت ده.
خمس سنين وأنا الملاذ السحري لكل مشاكلهم؛ سلفتي «هدى» تعبانة؟ نهى تشيل الشغل. حماتي عندها عزومة؟ نهى تقف في المطبخ من الفجر. وهدى بالذات كانت بارعة في لعب دور الضحية؛ دائمًا مشغولة، دائمًا مضغوطة، ودائمًا ابنها الصغير عنده أزمة محتاجة تدخل عاجل مني عشان هي «تتحرك براحتها». وكان جوزي «طارق» دائمًا بيكسر أي محاولة مني للاعتراض بكلمة واحدة: «معلش يا نهى، كبري عقلك دي أختنا الكبيرة وبنت أصول، وإنتِ بالذات معندكيش أسباب ترفضي عشانها».
لكن اليوم ده كان مختلف. أولادي الاثنين كانوا طالعين من دور سخونية شديد، محتاجين كمادات ومتابعة، وعندهم مراجعة نهائية في مدرستهم. لما دخل طارق وقالي ببرود: «هدى كلمتني، ابنها عنده امتحان بكرة ومحتاجاكي تنزلي تقعدي معاه طول النهار عشان هي وراها مشوار مهم»، بصيت له بذهول وقلت له بوضوح شديد: «لأ يا طارق.. مش هقدر بكرة بالذات، ولادي تعبانين ومحتاجيني جنبهم».
طارق اتفاجئ، وشه اتغير وزعق: «يعني إيه لأ؟! بقى بتكسري كلمتي عشان ساعة زمن؟ هدى كتر خيرها شايلانا في كل مناسبة، وإنتِ جاية بكرة تتأنعري؟ هتنزلي يا نهى وسيبك من الحجج دي!»
خرج وساب البيت وهو بيبرطم، وساب جوايا نغزة غريبة.. نغزة تقولي إن في حاجة مش مظبوطة في الإصرار المستميت ده.
بعد ساعة، ونزلت على السلم ببطء عشان أشتري دوا للولاد، وأنا معدية من قدام شقة هدى، كان الباب الموارب بيطلع منه صوتها وهي بتتكلم في التلفون وفتحة السبيكر على الآخر.. وقفت مكانتي لما سمعت اسمي بيتردد بنبرة حادة.
كان صوت حماتي جايلها من التلفون وهي بتقول بضيق:
«يعني إيه البت رفضت تنزل؟! هو طارق معرفش يضغط عليها؟!»حكايات بسمة
ردت هدى بقلة صبر وضحكة مستفزة:
«يا حماتي، طارق عمل اللي عليه وزعق، بس هي مسكت في مرض عيالها. المشكلة مش في قعدتها معايا.. المشكلة إن العريس وأهله جايين بكرة الصبح يشوفوا البنت، وجوزي شرط عليا إن نهى بالذات ما تحضرش الرؤية ولا تعرف حاجة عن الجوازة دي بالذات!»
حماتي ردت بنبرة خبيثة:
«عند حق جوزك، نهى لو شافت العريس أو عرفت هو مين، الدنيا هتتقلب فوق دماغنا كلنا، وطارق نفسه لو دري مش بعيد يهد البيت! لازم تبعدوها عن الشقة بكرة بأي طريقة لحد ما الموضوع يتم ونتفق على كل حاجة!»
هدى كملت بثقة:
«أنا هخلي طارق ياخدها هي والعيال يفسحهم بكرة بالعافية، المهم العريس يخرج من هنا ومن غير ما هي تلمحه على السلم حتى!»
الدم اتجمد في عروقي، والذهول شل حركة لساني..
الموضوع ما كانش امتحانات ولا مساعدة، الموضوع كان عزلي تمامًا عن سر كبير بيتدبر في الصالة اللي تحتي، سر حماتي وسلفتي خايفين يكتشفوه.. وسر مرعب لدرجة إنهم مخبيينه عن طارق نفسه!
رجعت شقتي بخطوات هادية، قلبي بيبض بسرعة جنونية.. الصدمة ما كانتش بس إنهم بيمثلوا عليا، الصدمة كانت في الاسم اللي لمحته على شاشة تلفون هدى المتروك على الطاولة جوة الشقة لما أرسلت لها رسالة من رقم غريب عشان أستدرجها!
ولما طارق رجع البيت بالليل وهو بيبتسم ابتسامة مصتنعة وبيقولي: «خلاص يا نهى، أنا فكرت ولقيتك صح.. بكرة هناخد الولاد ونطلع نتفسح طول النهار وننسى زعل الصبح»، بصيت له ببرود، وطلعت ورقة صغيرة من جبي وحطيتها في إيده.
طارق قرا الاسم المكتوب في الورقة، وفجأة وشه اتغير تمامًا، والدم هرب من ملامحه، وبص لي برعب..
انكمش وجه طارق وزالت الابتسامة المصنوعة من على شفتيه في لحظة واحدة، وكأن الأرض انخسفت به. كانت الورقة الصغيرة ترفرف بين أصابعه المرتعشة، والاسم المكتوب عليها بخط يدي اللامبالي لم يكن مجرد اسم.. كان صاعقة ضربت البيت كله في مقتل.
«منين جبتِ الاسم ده يا نهى؟».. خرجت الكلمات من حنجرته بحشرجة خائفة، وهو يتراجع خطوة للوراء وكأنه يرى أمامه شبحاً، لا زوجته التي هضم حقها لخمس سنوات.
لم أصرخ، ولم أستعرض غضبي. التزمت الهدوء المريب الذي يسبق العواصف الساحقة، وبصيت في عينيه ببرود تام وقلت له:
«ده عريس بنت هدى اللي جاي بكرة الصبح.. الاسم ده أنت عارفه كويس أوي يا طارق، وعارف إن وجوده في البيت ده معناه إن في جناية بتترتب من ورا ضهرك، وإن أمك وأختك اللي بتعتبرهم خط أحمر، بايعينك ومستغفلينك لحساب شخص أنت بنفسك قطعت عيشه وطردته من حياتك من سنتين!»
سقطت الورقة من إيده، وجرى على باب الشقة ونزل السلم في قفزات مجنونة وهو بيصرخ باسم أخته وحماتي. الصوت هز العمارة كلها، وأنا مشيت وراه ببطء شديد وبخطوات واثقة، حاملة دوا أولادي في إيدي، ومستعدة للمشهد الأخير من التمثيلية الرخيصة دي.
فتح طارق باب شقة هدى بضربة رجل واحدة هزت الحوائط. كانت حماتي وقاعدين بيتسامروا وبيخططوا للغد بكل أريحية. خضتهم الفجائية خلت هدى تقف مرعوبة، وحماتي تحط إيدها على قلبها وتصعق:
«في إيه يا طارق؟! دخلتك دي دخلة مجانين! طالع زاحف من شقتك كدة ليه؟!»
طرح طارق السؤال اللي كان خايف حتى ينطقه:
«منير؟! منير العريس اللي جاي بكرة لبنتك يا هدى؟! منير اللي نصب عليا في شركتي وكان حاطط عينه على شرفنا ومسحنا بيه أرض الشارع؟ جايين تجوزوه لبنتكم من ورايا، وتستغفلوني أنا ومراتي؟!»
اتبدلت ملامح هدى في ثانية من الاندهاش للذعر، وبصت ناحيتي وأنا واقفة على باب الشقة بمظهر ثابت، وعرفت في لحظتها إن المكالمة والرسالة السرية اللي استدرجتها بيها كانت الفخ اللي وقعت فيه. حماتي حاولت ترقع الموقف وبدأت تصوت وتضرب على صدرها:
«جرى إيه يا طارق! أنت تصدق كلام البت دي؟! دي جاية تولع في البيت وتعمل فتنة بينك وبين أختك! العريس اسمه أحمد ومجرد تشابه أسماء!»
هنا خرجت عن صمتي، وطلعت تلفوني وفتحت التسجيل الصوتي اللي سجلته لهدى بالصدفة لما كنت واقفة على السلم، وضغطت على زر التشغيل. الصوت كان واضح ونقي وهو بيردد على لسان حماتي: (نهى لو شافت العريس أو عرفت هو مين، الدنيا هتتقلب فوق دماغنا.. وطارق لو دري هيsections البيت!)
الهدوء ساد المكان لدقيقة كاملة، كان صوت أنفاس طارق المتلاحقة هو الشيء الوحيد المسموع. كبرياءه كراجل، وثقته الأعمى في أهله، وحقيقتهم اللي ظهرت كمرآة مكسورة.. كل ده انهار في لحظة واحدة قدام عينيه.
التفت طارق لهدى وهو بيجيبها من شعرها من كتر الغضب، والصراخ ملى الشقة، وحماتي بتبكي وتحاول تحميه منها وهي بتقول:
«كان هيستر البنت! كان بيدفع مهر كبير ومؤخر ما يحلمش بيه حد! أنت فاكر نفسك هتقدر تجهز بنت أختك يا طارق وأنت حيلتك إيه؟! كنا لازم نخبى عليك لحد ما نحطك قدام الأمر الواقع!»
تراجعت خطوة للوراء، وبصيت للمشهد من بعيد.. هدى اللي كانت بتعمل فيها القديسة المظلومة بقت بتترجى أخوها، وحماتي اللي كانت بتملي شروطها على الكل بقت بتتوسل عشان الموقف ما يتطورش للبوليس.
لكن الصدمة الأكبر ما كانتش هنا..
بص لي طارق بعيون مكسورة، وقال بصوت مبحوح:
«سامحيني يا نهى.. أنا ظلمتك.. طلعتِ أنتِ الوحيدة اللي صايشة عليا وعلى بيتي، وهم بيبعوني عشان قرشين!»
ابتسمت ابتسامة باهتة وقلت له بوضوح هز أركان الشقة:
«أنا ما كشفتهمش عشان أرقّع لك خيبتك يا طارق، ولا عشان تنقذ أختك.. أنا كشفتهم عشان أثبت لك إن السكوت اللي سكتُه خمس سنين كان بمزاجي مش بضعفي. واليوم اللي تقولي فيه إني بتأنعر أو بفتعل حجج عشان ولادي مرضى، ده اليوم اللي تقف فيه مسيرتي معاك.»
سحبت إيد طارق اللي كانت بتترعش، ورحت ناحية الباب، وقبل ما أخرج التفت لهدى وحماتي وقلت لهم:
«العريس مش هييجي بكرة، لأن المباحث عندها علم بوجود نصاب في المنطقة مستهدف العائلات.. أنا بلغت عن مكان وجوده من ساعة ما عرفت الاسم!»
خرجت وسبتهم في حالة هيستيرية، وطارق واقف مش فاهم هل يلحق أخته اللي انكسرت، ولا يلحق مراته اللي قررت تفتح باب الشقة وتجمع هدومها وهدوم عيالها في شنطة واحدة!
ولما دخل طارق الورايا الشقة وهو بيتحسس طريقه وبيبكي وبيعرق، وجد شنط السفر محطوطة عند الباب، وأنا شايلة ولادي الاثنين بين إيدي ومستعدة للخروج.
وقف قدام الباب وجسمه بيكتنف الارتجاف:
«هتمشي يا نهى؟ بعد ما أنقذتيني وأنقذتِ شرف البيت ده؟»
رديت عليه بثبات أخير:
«أنا أنقذت نفسي وعيالي من بيئة عايشة على الزيف والاستغلال.. أنت اخترت تصدقهم خمس سنين، وأنا اخترت أصدق نفسي النهاردة. ولو عايزني أرجع.. البيت ده لازم يتغير بأكمله، وأول شرط.. إن محدش فيهم يلمح خيال عيالي تاني!»
وقف طارق مش قادر يأخد قرار، وفي اللحظة دي.. ترن الجرس بصوت حاد ومزعج، وكان على الباب شخص ما حدش فينا كان يتوقع وجوده في الوقت ده بالذات!
فتحتُ الباب ببرود وثبات، ليقف على العتبة رجل بأناقة مفرطة وملامح نحاسية أعرفها جيدًا، وخلفه اثنان من رجال الشرطة بالزي المدني. كان هو «منير» بنفسه.. النصاب الذي سلب طارق تحويشة عمره من سنتين، وقدم فيه طارق وقتها عشرات البلاغات التي حُفظت لعدم كفاية الأدلة!
انفصلت الشفاه عن بعضها من الصدمة، وتراجع طارق خطوة للوراء وهو يضع يده في جيبه ويصرخ بنبرة مجنونة:
«منير؟! أنت ليك عين تجيلحد باب بيتي يا مجرم يا واطي؟! جاي تاخد بنت أختي بعد ما خربت بيتي؟!»
تقدم أحد ضباط الشرطة بلهجة حازمة وقاطعه قائلاً:
«هدّي نفسك يا أستاذ طارق.. الأستاذ منير مش جاي يطلب إيد بنت أختك، ولا جاي يتزاور.. الأستاذ جاي مقبوض عليه، وإحنا جايين ننفذ قرار ضبط وإحضار وتفتيش بناءً على البلاغ الصريح اللي أتقدمت بيه مدام نهى من ساعة زمن!»
التفت طارق لي بنظرات ذهول لا تُوصف، وكأن العقل لم يعد يستوعب حجم المخطط. في تلك اللحظة، خرجت هدى وحماتي من الشقة السفلى على صوت الضجة، ولما رأت هدى «منير» وهو مقيد الأغلال في يديه، صرخت صرخة شقت سكون العمارة وأغمي عليها على الدرج!
أخرج الضابط ورقة رسمية وقرأ بثبات:
«البلاغ المقدم من السيدة نهى مدعوم بتسجيلات صوتية ومستندات بتثبت إن المدعو منير كان على تواصل مستمر مع السيدة هدى والسيدة والادتكم، وإن في مبالغ مالية ضخمة أتحولت لحساباتهم منه خلال السنة الأخيرة.. مبالغ كانت غسيل أموال ومقدم لاتفاقات غير قانونية للتستر عليه وتهريبه برة البلد عن طريق مصاهرة عيلتكم!»
كانت المفاجأة كالصاعقة التي ما تبقى من كبرياء طارق. السيدة البارعة في لعب دور الضحية، والحماة التي كانت تتغنى بعفة أختها وبنت أصولها، كانتا شريكتين في النصب على طارق نفسه! هدى لم تكن تضحي من أجل العائلة، بل كانت تقبض ثمن سكوتها وتسهيل دخول النصاب إلى البيت مجددًا تحت مسمى «عريس للبنت»، لاستغلال سجل طارق التجاري القديم في تغطية عمليات جديدة!
انهارت حماتي على الأرض وهي تبكي بحرقة وتتوسل إليّ:
«حرام عليكي يا نهى! فضحتينًا وجرستي ابن عمك ورا الشمس! أختك هدى كانت فاكرة إنه تاب وعايز يستقر ويكفر عن ذنبه! أرجوكي اسحبي البلاغ يا بنتي، البيت ده هيروح في داهية!»
نزلتُ لمستواها على الدرج، وبصيت في عينيها بنظرة حادة خالصة من أي رحمة قديمة:
«خمس سنين وأنا حمارة شغل في البيت ده يا حماتي.. خمس سنين بتستغلوا صحتي ووقفتي في المطبخ ومرض ولادي عشان هدى ترتاح وتدبر مصايبها. أختك اللي كنتِ بتفضليها عليا وبتقولي لي كبري عقلك دي، هي اللي باعت ابنك وطعنته في ظهره عشان شوية فلوس متوسخة! والنهاردة، كل واحد بياخد حسابه بالعدل.»
وقف طارق مذهولاً، ينظر إلى أمه المنهارة، وإلى أخته الملقاة على الأرض، وإلى الرجل الذي دمر حياته المادية وهو يُساق للأصفاد. التفت إليّ وعيونه ملأى بالدموع والرجاء:
«نهى.. أنا آسف.. أنا مش عارف أقولك إيه.. أنا كنت أعمى.. كنت بظلمك وبقسي عليكي عشان أربيهم وأحميهم، وطلعوا هما اللي بيبحوني.. أرجوكي متسبينيش في اللحظة دي.. الشنط دي حطيها جوة، أنا هعمل كل اللي أنتي عايزاه.. هقطع علاقتي بيهم، وهكتب لك الشقة باسمك، بس متسبنيش لوحدي في المزيبلة دي!»
مسكت إيد ولادي الاثنين بقوة، ورفعت رأسي فوق، وقلت له بنبرة صارمة حسمت كل شيء:
«التنازلات اللي كنت بقدمها زمان يا طارق كانت عشان بحبك وبشتري بيتي.. لكن لما توصل إنك تزعق لي وتهينني قدام ولادي المرضى عشان تحمي سر وسخ زيهم، تبقي خسرتني للأبد. الشقة دي مش تلزمني، والفلوس اللي اتسرقت منك أنت اللي تسعى ترجعها.. أنا هسيب البيت ده النهاردة، ومش هتردد خطوة واحدة لورا.»
حاول طارق يمسك إيدي وهو بيبكي بكاء هيستيري، يسألني بحشرجة:
«هتروحي فين بالعيال في وقت زي ده يا نهى؟! هتهدّي كل حاجة في لحظة؟!»
فتحت باب الشقة الخارجي، وخرجت للهواء النقي بعد خمس سنين من الخنق والتمثيل، والتفت له قبل ما أنزل السلم وقلت له بكلمات أخيرة هزت وجدانه:
«هروح المكان اللي كان المفروض أكون فيه من زمان.. المكان اللي فيه ناس بتعرف قيمتي وما بتخلينيش جارية لخايبين. والكرامة اللي اتدست عليها خمس سنين، النهاردة بس رجعت لي كامِلة.. وإذا كنت فاكر إن دي نهاية الحكاية يا طارق.. تبقى لسة ما تعرفش نهى الحقيقية تقبل بإيه وما تقبلش بإيه!»
نزلت السلم بخطوات ثابته وواثقة، وورايا صوت صراخ هدى وحماتي ونحيب طارق وهو بينادي باسمي، وأنا مساكة إيد ولادي وبمشي في الشارع ونسمة الهواء الباردة بتخبط في وشي.. لكن مع كل خطوة، كان في صوت هاتف يرن في جبي برقم مجهول.. ولما فتحت الخط، سمعت صوت شخص غير متوقع تمامًا بيقولي بثقة:
«عملتِ الصح يا نهى.. ودلوقتي جه الدور على الخطوة الثانية اللي اتفقنا عليها!»
حكايات بسمه 2
توقف حركة الشارع من حولي لحظة، وضغطت على التلفون وأنا باسمع الصوت اللي غيّر مجرى حياتي كلها في ثوانٍ. الصوت كان للعميد «رفعت»، رئيس مباحث الأموال العامة والمفتش السري اللي تواصلت معاه من أسبوعين بس، لما بدأت ألاحظ حركة الفلوس المريبة وغياب هدى المفاجئ بشنط ثقيلة من الشقة!
«نهى.. ضربة معلم.».. قالها العميد رفعت بنبرة واثقة وهادية عبر التلفون، وكمل: «منير كان فاكر إنه بأوراق الحصانة المزورة والاسم المستعار هيقدر يهرب برة البلد بكرة الصبح، بس التسجيل الصوتي اللي بعتيهولي من شوية، مع كشف الحسابات اللي صورافيه من شنطة هدى الأسبوع اللي فات، حسموا القضية تمامًا. أفراد القوة دلوقتي في طريقهم للشقة التانية اللي طارق مايعرفش عنها حاجة.. الشقة اللي كانت هدى وحماتك مأجرينها باسم مستعار عشان يحطوا فيها الألماس والذهب اللي اشتروه من فلوس النصب!»
ثلج نزل على صدري، مش صدمة، لكن ذهول من مدى الخسة والغل اللي كان عايش معايا تحت سقف واحد!
قلت بصوت واطي وثابت: «يعني طارق ماكانش مجرد مغفل يا فندم؟ طارق كان المظلة اللي بيغطوا بيها على الجريمة الكبيرة؟»
رد العميد رفعت: «بالظبط يا نهى. طارق كان بالنسبة لهم الكارت المحروق.. النصاب كان مقنعهم إن طارق لو دخل السجن أو لبس القضايا المالية دي، هما هيطلعوا برداء الضحايا وياخدوا التعويضات والفلوس كلها ويطلعوا بيها على تركيا! هدى كانت مجهزة أوراق سفر ليها ولابنها ولماما وللبنت، والتذاكر كانت محجوزة لمعاد بكرة الساعة 8 صباحًا.. يعني بعد الرؤية المزيفة بثلاث ساعات بس! كانوا هيسيبوا طارق لقمة سائغة للديّانة وللشرطة، ويكتبوا نهايته وهو مش فاهم حاجة!»
قفلت الخط، وبصيت لعيالي اللي كانوا ماسكين في إيدي بطفولة وبراءة، مش فاهمين ليه أمهُم وافقة في الشارع بشنط السفر في نص الليل، وليه باب العمارة طالع منه صوت ونحيب يهز الحوائط.
وفجأة.. سمعت صوت خطوات متسارعة ولهثة مجنونة نازلة على السلم.
كان طارق!
طالع يجري في الشارع حافي القدمين، قميصه ممزق، وعيونه حمراء كأنها جمر . مسكني من كتفي بانهيار وهو بيترجاني وبيبكي زي الأطفال:
«نهى! ارجعي معايا يا نهى! الشرطة دخلت شقة هدى تحت وبيفتشوا كل شبر! لقوا خزنة سريّة ورا الدولاب فيها ملايين وأوراق سفر باسم أختي وأمي وأبنائهم بس! اسمي مش موجود يا نهى! اسمي مش مكتوب في أي ورقة سفر! هما كانوا هيهربوا ويسيبوني أتشبس وأتسجن بدالهم؟! قوليلى إن ده كابوس يا نهى! قوليلى إن أمي اللي كبرتني وأختي اللي شيلتها على كتافي ما يعملوش فيا كدة!»
سحبت كتفي من إيده بقوة وخطوت خطوة لورا، وبصيت له بنظرة جردته من كل ذرة كبرياء زادت عنده خلال الخمس سنين اللي فاتوا:
«ده مش كابوس يا طارق.. دي الحقيقة اللي أنت اخترت تغمض عينك عنها خمس سنين! الحقيقة اللي كنت بتخليني أدفع ثمنها من صحتي وكرامتي ونفسيتي! كم مرة جيت لك وأنا بدموعي أقولك أختك بتهينني وبتستغلني، وكنت بتقولي: (دي أختنا الكبيرة وبنت أصول، وكبري عقلك يا نهى إنتِ معندكيش أسباب ترفضي عشانها)؟! كم مرة جيت أقولك أمك بتعاملني كأني خدامة في البيت، وكنت بتزعق لي وتتهمني بإني بعكّر صفو العيلة؟!»
طارق وقع على ركبتيه في الشارع، والدموع نازلة تغرق الشارع، وبيضرب على راسه بإيديه الاثنين:
«كنت غبي! كنت أعمى! وحياة ولادنا أرجوكي ما تمشيش.. أنا ماليش حد غيرك دلوقتي! أمي وأختي المباحث بتاخدهم في عربية البوليس قدام المنطقة كلها! الشارع كله واقف يتفرج علينا! هتسيبيني لوحدي أواجه الفضيحة دي؟!»
في اللحظة دي بالذات، خرجت عربيات الشرطة من الشارع السفلي، وسيرينات النجدة كانت بتصرخ بتدوير حاد. شفت من زجاج العربية حماتي وهدى وهما مقبوض عليهم، ووجوههم شاحبة زي الأموات، وحوليهم جيران المنطقة كلهم واقفين على البلكونات وفي شوارع الحارة بيتهامسوا وبيشاوروا عليهم بذهول. القديسة المظلومة وبنت الأصول بقى ينقادوا بالحديد في إيديهم أمام الكل!
قربت من طارق وهو مرمي على الأرض، ووطيت عليه وقلت له بصوت حاد يخرق العظم:
«الفضيحة دي أنت اللي صنعتها بخوفك وضعفك وطاعتك الأعمى للباطل يا طارق. أنا حميت ولادي وحميت نفسي، وأنت اللي اخترت تكون الكبش المذبوح! الشنط دي مش راجعة البيت ده تاني، ولادي هيتربوا بعيد عن البيئة المسمومة دي.. وأنت، لو فاضل فيك عرق راجل، انزل فُق لنفسك وشوف ديونك والقضايا اللي لبسوهالك قبل ما يجي الدور عليك وتقضى باقي عمرك في السجن بتدفع ثمن طيبتك العبثية!»
وقف طارق وهو بيترعش، وحاول يمسك إيد ابننا الصغير، لكن الطفل انكمش ورجع ورا ضهري وهو خايف من منظر أبوه الهستيري.
المنظر ده كان المسمار الأخير في نعال علاقته بينا. طارق حس إنه اتجرد من كل حاجة في ليلة واحدة: مراته اللي كانت سنده الصامت سابته، وأهله اللي كان بيبديُهم على روحه خانوه وبايعينه، وكرامته بقت على كل لسان في الشارع!
رفعت إيدي ووقفت عربية تكسي، وحطيت الشنط في الشنطة الوراانية، وركّبت ولادي وقعدت جنبهم.
قبل ما السواق يتحرك، طارق مسك شباك العربية وبص لي بنظرة رجاء أخيرة وقال بصوت مبحوح:
«هتروحي فين يا نهى؟ شقة أهلك مقفولة من يوم وفاة أباكي.. هتروحي فين بالعيال في نص الليل؟!»
ابتسمت ابتسامة غموض، وطلعت مفتاح ذهبي صغير من شنطتي ووريتهوله من زجاج الشباك وقلت له:
«الشقة دي مش شقة أهلي يا طارق.. دي الشقة اللي اشتريتها من شغلي الأونلاين اللي كنت بتقول عليه (تسلية ووجع دماغ) طوال الثلاث سنين اللي فاتوا! الشقة اللي أمنت بيها مستقبلي ومستقبل عيالي بعيد عن خيرك وخير أهلك! أنا ماكنتش صابرة عليك عشان محتاجاك.. أنا كنت صابرة لحد ما أقف على رجلي صح.. والنهاردة بس، أنا وقفت!»
شاورِت للسواق يتحرك، والتكسي مشي وترك طارق واقف في وسط الشارع يصرخ باسمي والصوت يبتعد ويضيع مع صوت السيرينات..
وصلت شقتي الجديدة، شقة دافية، هادية، ونظيفة من أي نفاق. نيمت ولادي في أسرّتهم، وغطيتهم بقلب مطمن ولأول مرة من خمس سنين، تنفست هواء نقي ميهوش طعم الظلم.
لكن وقبل ما الفجر يدن، وبينما كنت قاعدة بشرب كوباية شاي وببص من الشباك على أضواء المدينة، تلفوني رن تاني..
وكان الرقم المادي المرة مش للشرطة، ولا لطارق..
كان رقم محامي عائلة النصاب «منير»، واللي قال لي جملة واحدة خلت الدم يهرب من عروقي من جديد:
«مدام نهى.. أنتِ فاكرة إنك قفلتي اللعبة بإنك سلمتي منير وهدى؟ تبقى غلطانة أوي.. الأوراق اللي أنتِ سلمتيها للنيابة فيها توقيعك أنتِ شخصياً على بصمة ضامن للعمليات الأخيرة من غير ما تحسي!»
انسحب الهواء من رئتي لثوانٍ معدودة، واستقرت الجملة في أذني كأنها طلقة رصاص غادرة. التوقيع؟ بصمة ضامن؟!
ساد الصمت على الخط، ولم أسمع سوى صوت أنفاس المحامي الخبيثة وهي تتنفس بثقة عبر الهاتف، متوقعاً أن يسقط التلفون من يدي، أو أن أبدأ بالصراخ والتوسل كما تفعل النساء في موقف كهذا.
لكن المحامي لم يكن يعلم مع من يتحدث. نهى التي خرجت من ذلك البيت الليلة لم تكن نفس المرأة التي دخلته قبل خمس سنوات.
رددت ببرود صلب أربكه على الناحية الأخرى:
«خلصت كلامك يا أستاذ؟ ولا فاضل تهديت أونطة تاني حافظه من قضايا الابتزاز الرخيصة دي؟»
سكت المحامي لحظة، ثم قال بنبرة محاولة للسيطرة:
«أونطة؟! مدام نهى، أنا بتكلم بالقانون! في ورقة ضمان مالي بقيمة أربعة مليون جنيه بتبصم عليها “نهى محمود”، والورقة دي موثقة بتاريخ الشهر اللي فات، وقت ما كنتِ بتمضي على أوراق استلام شحنة البضائع اللي جابتهالك هدى لبيتك وقالتلك دي (هدايا ومستلزمات للمطبخ)! بصمتك المعتمدة موجودة على أصل الورقة يا مدام، ولو البلاغ ده ما اتسحبش خلال أربع وعشرين ساعة، الورقة دي هتوصل للنيابة صبحة بكرة، وهتكوني المتهمة الأولى بالاشتراك في التزوير والنصب، والمرة دي القانون مش هيحميكي عشان إنتِ اللي بلغتي!»
قفلت الخط في وجهه فوراً بدون أن أمنحه شرف الرد.
جلست على الكرسي وأنا أتنفس ببطء. تذكرت ذلك اليوم بوضوح شديد.. منذ شهر تقريباً، عندما جاءت هدى إلى شقتي وهي تحمل أوراقاً كثيرة ومعها صندوق كبير، وادعت أنه طرد خاص بمستلزمات منزلية وأشياء للأطفال، وطلبت مني التوقيع والبصمة على استلام الشحنة لأن «إيدها وجعاها» ولأن الرجل يستعجلها! يومها استغلت طيبتي وحسني نيتي، واستغلت شغلي مع الأطفال ومرضهم لتمرير ورقة مطوية بين الأوراق!
قمت من مكاني بثبات، ونظرت إلى أطفالي النائمين في الشباك. لن أسمح لهؤلاء الأوباش بتهديد مستقبلي أو اللعب بأمني بعد كل ما حققته.
فتحت هاتف وأرسلت رسالة مباشرة للعميد رفعت، وشرحت له المكالمة بالتفصيل الملل.
لم تمر عشر دقائق حتى اتصل بي العميد رفعت بنفسه، وكان صوته يحمل مزيجاً من الحزم والتقدير:
«نهى.. كويس إنك ما اتوترتيش. محامي منير بيلعب بآخره، هو فاكر إنه بالورقة دي هيضغط عليكِ عشان تسحبي البلاغ وتسقطي التهمة عن منير وهدى. لكن هما نسوا حاجة واحدة مهمة أوي!»
قلت بلهفة: «إيه هي يا فندم؟»
رد العميد رفعت بثقة:
«نسوا إننا من أسبوعين، لما بدأنا نراقب هدى، كنا زارعين كاميرا سريّة وتسجيل بطلب نيابة في المدخل وعند باب شقتك! حركة الطرد والدخول والخروج ومحاولة استدراجك للبصمة متسجلة بالصوت والصورة، والورقة دي لو أتقدمت للنيابة هتبقى دليل إدانة جديد ضدهم بتهمة (التزوير والاستغلال الجنائي والابتزاز)! المحامي ده بيلبس نفسه معاهم، والصباح رباح يا نهى.. بكرة الصبح الساعة تسعة تكوني في مكتب النيابة ومعاكي المحامي بتاعك، وإحنا هنقفل الملاية دي عليهم للأبد!»
في صباح اليوم التالي، وتحديداً في تمام الساعة التاسعة صباحاً، كنت أقف في أروقة النيابة العامة.
المكان كان يغلي كالمرجل. على جاني الممر، كانت تتواجد أسر وسماسرة وضباط، وفي الزاوية القريبة من غرفة المحقق، كان يقف طارق!
كان طارق يبدو كمن خرج من قبره للتو. وجهه أصفر كالموت، شعره غير مصفف، وعيونه محاطة بالسواد. كان يحيط به اثنان من المحامين الذين أستأجرهم بفلوس مقترضة، وعلى الكراسي المجاورة كانت تقف حماتي وهدى بالكلابشات، ووجوههما مغطاة بالطرح بعد أن باتتا ليلتهما الأولى في التخشيبة!
عندما رأتني هدى، صرخت بنبرة ملؤها الغل والشماتة:
«جت الشريفة! جت اللي فاكرة نفسها نضفت! تعالي يا نهى.. تعالي شوف ورقتك الأربعة مليون جنيه اللي هتوديكي السجن معانا! فاكرة إنك أذكى منا؟ والله ما هتدخلي السجن لوحدك يا نهى، هتتقفلي معانا في زنذانة واحدة!»
وحماتي بدأت تصرخ وتهدد:
«حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا بعيدة! خربتي البيت وشرضتي ابننا ولبستينا القضايا! بكرة تدوري على القرش وما تلاقيهوش!»
أما طارق، فقد جرى ناحيتي والدموع في عينيه، وتمسك بيدي بضعف شديد:
«نهى! المحامي قال لي إن في ورقة عليكِ بـ 4 مليون! أنتِ بصمتِ على إيه يا نهى؟! هما استغلوكي أنتِ كمان؟ أرجوكي قوليلى إنك ما بصمتيش! أنا مستعد أشيل القضايا دي كلها عنك وعن أختي وأمي بس أنتِ تخرجي منها سليمة!»
نظرت لطارق بنظرة أسف على حاله.. حتى في هذه اللحظة، كان مغفلاً لا يفهم أبعاد اللعبة التي أوقعه فيها أهله.
سحبت يدي من إيده ببرود وقلت له:
«وفر عاطفتك دي لنفسك يا طارق.. لأن اللي جايلك أصعب من اللي فات.»
في تلك اللحظة، خرج رئيس النيابة من مكتبه، ونادى على الأسماء:
«القضية رقم 4582.. متهمين: منير عبد الفتاح، هدى محمد، فاطمة حسن، وطارق محمد!»
وقع الاسم كالصاعقة على طارق!
«أنا؟! أنا متهم يا فندم؟! أنا المجني عليه! أنا اللي اتنصب عليا!».. صرخ طارق بذهول وهو يتراجع للخلف.
تقدم ضابط النيابة وقيد يد طارق بالكلابشات فوراً وهو يقول بصارم:
«أمر ضبط وإحضار صادر من النيابة العامة بناءً على التحريات الأخيرة.. أنت متهم بالمشاركة في التغطية على عمليات غسيل أموال وتسهيل الاستيلاء على أموال الشركة باسمك وسجلك التجاري!»
انهار طارق وسقط على أرضية السيراميك الباردة وهو يصرخ ويئن، بينما كانت أمه وأخته تنظران إليه بنظرات باردة خالية من أي رحمة أو ندامة، وكأن كل ما يهمهما هو الخروج من الأزمة حتى لو كان الثمن هو طارق نفسه!
دخلنا جميعاً إلى غرفة المحقق.
وقف محامي منير بابتسامة خبيثة، وأخرج من حقيبته أصل الورقة المزورة، وضعها على طاولة وكيل النيابة بثقة وقال:
«سعادة المستشار.. بنقدم لسعادتك إقرار ضمان مالي صريح ومبصوم من الشاهدة والشاكية “نهى محمود”، يثبت أنها شريكة أصلية في إدارة المبالغ المالية والشحنات، وأن الشكوى المقدمة منها ما هي إلا كيد محض ومحاولة للتنصل من التزاماتها المالية بقيمة 4 مليون جنيه!»
ابتسمت هدى ابتسامة نصر خبيثة، وبصت لي بنظرة تشفي..
لكن وكيل النيابة نظر إلى الورقة، ثم رفع رأسه ونظر إلى العميد رفعت الذي كان يقف بجانبي بثبات، وقال النيابة بلهجة حازمة:
«أستاذ محامي المتهم.. الورقة دي أنت أتقدمت بيها رسمياً دلوقتي بصفتك ووكالتك؟»
رد المحامي بثقة: «نعم يا فندم، ومستعدين لإحالتها للطب الشرعي للاستكشاف!»
هنا ضحك العميد رفعت بصوت عالٍ هز أركان الغرفة، وأخرج من ملفه قرصاً مدمجاً (CD) ووضعه أمام وكيل النيابة وقال:
«سعادة المستشار.. بنقدم لسعادتك التقرير الميداني والتسجيلات المأذون بيها من النيابة العامة بتاريخ الشهر الماضي. التسجيل ده بالصوت والصورة بيوضح المتهمة هدى وهي بتدخل شقة المجني عليها نهى، وتستغل انشغالها بطفلها المريض، وتقوم بتزوير الإقرار ووضع أوراق متداخلة للبصم عليها تحت الخداع والتضليل!»
واستطرد العميد رفعت بضربة القاضية:
«مش بس كده يا فندم.. التسجيلات بتثبت إن المحامي الحاضر كان على علم كامل بواقعة التزوير، وشارك في ابتزاز الشاكية عبر التلفون فجر اليوم، وبنطلب إحالة المحامي نفسه كمتهم رئيسي في شبكة الابتزاز والتزوير الجنائي!»
اتسعت عيون المحامي برعب قاتل، وسقطت الحقيبة من يده! أما هدى فقد صرخت صرخة مكتومة وسقطت على الأرض مغشياً عليها من هول الصدمة!
نظر وكيل النيابة إلى المحامي بحدة وقال:
«حفظ الورقة كدليل إدانة جديد ضد المتهمين، والقبض على المحامي الحاضر وإلحاقه بالمتهمين على ذمة التحقيق!»
خلال دقائق، كان المحامي يُمقاد بالأغلال بجانب منير وهدى وحماتي وطارق!
خرجت من غرفة التحقيق مرفوعة الرأس، أتنفس الحرية والكرامة التي استرددتها بالقانون والذكاء.
وقف طارق عند باب الخروج، ومقيد بالحديد، وبص لي بنظرة انكسار لم أرها في حياة إنسان من قبل.. دموعه كانت تغرق وجهه، وقال بحشرجة ميتة:
«نهى.. ضعت يا نهى.. ضعت وضيعت نفسي عشانهم.. سامحيني.. أرجوكي سامحيني يا نهى!»
بصيت له بقلب صلب كالألماس، وقلت له كلماتي الأخيرة:
«المسامحة دي بينك وبين ربنا يا طارق.. أما أنا، فحق ولادي وحقي أخدته كامِل مكمل.. ومن النهاردة، اسمك هيمسح من حياتنا للابد.»
تركتهم خلفي في ظلمات أفعالهم، وخرجت إلى نور الشمس المشرقة..
لكن.. وأنا أضع مفتاح شقتي الجديدة في الباب وأستعد لبدء حياتي المستقلة والهادئة مع أطفالي، وجدت مظروفاً أسود صغيراً موضوعاً أسفل الباب!
فتحت المظروف بأصابع مرتعشة، لأجد داخله صورة قدييييمة لي تعود لقبل عشر سنوات.. وخلف الصورة كانت مكتوبة رسالة بخط يد غريب:
«فاكرة إنك خلصتي من الماضي يا نهى؟ الحساب الكبير يلا سيبدأ بكرة.. والشخص اللي ساعدك في الأموال العامة، مش هو الشخص اللي أنتِ فاكراه!»
حكايات بسمه 3
تجمّدت في مكاني أمام باب الشقة، والمظروف الأسود يتزلزل بين أصابعي. كانت الصورة القديمة التي أتمسك بها تعود لأيام دراستي الجامعية، صورة لم أرها منذ سنوات طويلة، وراءها ذلك الخيط المجهول الذي يُهدد بتهشيم الثمن الغالي الذي دفعته لنيل حريتي.
الرسالة كانت واضحة ومسمومة: (الشخص اللي ساعدك في الأموال العامة، مش هو الشخص اللي أنتِ فاكراه!)
دخلتُ الشقة وأغلقتُ الباب بأقفاله الحديدية الثلاثة. جلستُ على الأريكة وأنفاسي تتصاعد، عيناي لا تفارقان المظروف. هل يعقل أن العميد رفعت—الذي أنقذني وخاض معي هذه المعركة الضروس ضد عائلة طارق ومنير—يكون جزءاً من لعبة أكبر؟ أم أن هذه مجرد محاولة أخيرة من بقايا تلك الشبكة لإفقادي الثقة بنفسي وجعلي أتردد؟
أخذتُ نفساً عميقاً، وقررتُ ألا أستسلم للخوف. أدخلتُ المظروف في حقيبتي، وفي صباح اليوم التالي، وتحديداً في الساعة العاشرة، كنتُ أقرب ما أكون لمقر جهاز المباحث.
دخلتُ مكتب العميد رفعت. كان يرتدي زيه العسكري المعتاد، يراجع بعض الملفات وعلى وجهه ابتسامة النصر المعتادة.
«أهلاً يا نهى.. خير؟ النيابة جددت حبسهم جميعاً 15 يوماً على ذمة التحقيق، وطارق للأسف ملوش مخرج بعد ما ثبت توقيعه على ثلاث صفقات مشبوهة. أنتِ في أمان تام دلوقتي.»
لم أبتسم، بل أخرجت المظروف الأسود من حقيبتي ووضعته مباشرة على طاولته الزجاجية.
«أنا جيت عشان أفهم يا فندم.. مين اللي يحط لي المظروف ده تحت باب شقتي الجديدة؟ شقة محدش يعرف عنوانها غيرك أنت والمحامي بتاعي؟»
تغيرت ملامح العميد رفعت فوراً. فتح المظروف، وسحب الصورة والرسالة. رأيتُ في عينيه ومضة قلق وسرعة وبديهة لم ألاحظها من قبل. نظر إليّ بجدية شديدة وقال بصوت منخفض:
«أنتِ سألتيني قبل كده يا نهى.. إزاي أنا اهتميت بقضيتك بسرعة كده لما تواصلتِ معايا من أسبوعين؟ وإزاي وافقت أزرع الكاميرات في عمارة طارق بناءً على بلاغ سيدة عادية؟»
بلعتُ ريقي وقلتُ بثبات: «كنت فاكرة إن ده واجبتكم القانوني لما قدمت لك الدلائل الأولى.»
قام العميد رفعت من خلف مكتبه، وأغلق باب المكتب بالمفتاح، ثم التفت إليّ وهو يقول:
«ده كان واجبي.. بس في سبب ثاني يا نهى. الشخص اللي كشف لي خيط منير وهدى من ستة أشهر، واللي كان بيراقب كل تحركاتهم قبل ما أنتِ تتصلي بيا أساساً.. كان شخص يعرفك كويس أوي. شخص كان عارف إن هدى وطارق بيستغلوكي، وكان مستني اللحظة اللي ترفضي فيها وتكتشفي الحقيقة بنفسك عشان يتحرك ويحميكي!»
وقفتُ من على الكرسي بذهول: «مين؟! مين ده يا فندم؟!»
قبل أن يجيب العميد رفعت، رن هاتفه. نظر إلى الشاشة، ثم رفع رأسه ونظر إليّ بنظرة ذات معنى، وفتح زر السبيكر للجميع.
جاء الصوت عبر الهاتف.. صوت هادئ، وقور، ونبرة فيها حنان أعرفه نبرته جلياً ولكنني لم أسمعه منذ أكثر من عشر سنوات!
«نهى.. متخافيش من المظروف الأسود. المظروف ده كان التنبيه الأخير من رجال منير برة عشان يخوفوكي، بس أنا مسكت اللي حطه تحت بابك من ساعة زمن.»
اتسعت عيناي، وسقطت دمعة دافئة على خدي قبل أن أستوعب، وقلت بصوت يرتجف ويهتز:
«عمي؟! عمي فاروق؟!»
كان عمي فاروق—أخو أبي المتوفي—الذي اختفى خارج البلاد منذ عقد كامل بعد خلافات عائلية ضخمة مع أعمامي الآخرين وحماتي نفسها، الشخص الذي قطعت عائلتي أخبارها عنه وروجت حماتي وطارق لسنوات أنه رجل نصاب وهرّب أموال العائلة!
رد عمي فاروق بنبرة مليئة بالأسى:
«أيوه يا نهى.. عمك اللي حماتك وطارق أقنعوكي إنه مجرم وندل. حماتك وأختها هما اللي سرقوا ورث أباكي الله يرحمه من عشر سنين، وهما اللي زيّفوا المستندات اللي خلتني أبعد عن البلد عشان ما أتسجمش مظلوم! وطوال الخمس سنين اللي فاتوا، وأنا متابع عذابك مع طارق وأهله، وكنت بجمع الأدلة ضد هدى ومنير حبة بحبة، لحد ما إنتِ أخذتِ الخطوة الأولى وشهدتِ بالحق.. يومها بس عرفت إن بنت أخويا صحيت، وكان لازم أتدخل وأحميكي بقوة القانون وأرجع لك كل حق اتسرق منك ومن أباكي!»
جلستُ على الكرسي وأنا أضم رأسي بين يدي. كل شيء كان ينهار ويعاد بناؤه في عقلي. الحقيقة لم تكن فقط أن هدى وطارق خدعاني لخمس سنوات، بل إن العائلة بأكملها كانت تعيش على كذبة كبيرة أكلت ورثي وكرامتي وشبابي!
قال العميد رفعت وهو يضع يده على الطاولة:
«عمك فاروق رجع مصر من شهرين يا نهى برتبة رد اعتبار رسمية من المحكمة، وهو اللي كان يمول التحريات السرية. والمظروف الأسود ده كان المحاولة الأخيرة من عصابة منير لابتزازك، بس دلوقتي المقبوض عليه في التخشيبة اعترف بكل حاجة.»
في تلك اللحظة، جاء صوت صراخ وضجة عارمة من الممر الخارجي للمباحث.
فتح العميد رفعت الباب لنتفقد الأمر. كان العساكر يسحبون طارق وهو يرتدي ملابس السجن البيضاء متجهاً لغرفة التجديد، بينما كانت حماتي تقف على العكاز تحاول التوسل لضباط الأمن.
عندما رأتني حماتي، ورأت العميد رفعت يقف بجانبي، وبجانبنا رجل طويل عريض الكتفين دخل للتو من باب المبنى—عمي فاروق بشخصيته ووقاره—انخسف وجه حماتي بالكامل، وسقط العكاز من يدها وصرخت بذهول يقطر رعباً:
«فاروق؟! أنت رجعت؟! أنت لسة عايش؟!»
تقدم عمي فاروق ببطء وقوفاً أمامها، ونظر إليها بإزدراء شديد وقال بكلمات هزت أركان الممر:
«رجعت يا فاطمة.. رجعت عشان آخد حق أخويا اللي أكلتيه أنتِ وبنتك، وعشان أوريكي إزاي البنت اللي كنتِ بتعامليها كخدامة في بيتك، هي اللي هتورث كل أملاكك بقوة القانون، وأنتِ وابنك وبنتك هتعدوا السنين الجاية في الظلمة اللي صنعتوها بإيديكم!»
التفت طارق وهو مقيد بالأغلال، ونظر إلى عمي فاروق، ثم نظر إليّ، وخرّ ساجداً على الأرض يبكي بحرقة وندم يمزق القلوب، وهو يصرخ:
«خدعوني يا عمي! أمي وأختي خدعوني وخربوا بيتي وضيعوا مراتي وعيالي! يا نهى سامحيني يا نهى!»
لكنني لم أنظر إليه حتى. رفعتُ رأسي، وأمسكتُ بذراع عمي فاروق الواثقة، وسرنا معاً خروجاً من أروقة الظلم والخدع إلى الشارع العريض.
وقفنا في شمس النهار، والتفت إليّ عمي فاروق بابتسامة حنونة وقال:
«دلوقتي يا نهى.. قضية النصب انتهت، وبكرة تبدأ قضية استرداد حقوقك المادية وورث أباكي بالكامل.. جاهزة للخطوة الجاية؟»
بصيت له بثبات وقوة لم أعهدها في نفسي من قبل، وقلت:
«جاهزة يا عمي.. بس في سر أخير أنا اكتشفته في أوراق طارق القديمة البارحة بالليل، والسر ده هيخلي الجوازة دي والبيت ده يتدمروا من الجذور.. سر بيمس أولادي أنا بالذات!»
اتسعت حدقتا عمي فاروق بنشاط وحذر، واقترب مني بخطوات سريعة وهو يلقي بنظرة تفحصية على الممر الخارجي لمبنى المباحث، ثم أخذني من ذراعي باتجاه سيارته الرابضة أمام المبنى ليضمن الخصوصية التامة.
«سر يمس الولاد يا نهى؟! سر إيه اللي لقيتيه في أوراق طارق؟!».. سألني عمي ونبرته مشحونة بالترقب والخطورة.
أخرجتُ من حقيبتي ملفاً أصفر صغيراً، كنت قد سحبته من الخزنة الخشبية القديمة في شقة طارق الليلة التي جمعت فيها ملابسي. كانت أوراقاً مصفّرة، تعود لتاريخ ميلاد طفلي الأكبر «ياسين» منذ أربع سنوات.
فتحتُ الملف ويداي تتلمسان المستندات بصلابة، وقلت بصوت تهتز له الأبدان:
«لما ولادي تعبوا وجاتلهم السخونية الشديدة من يومين، أخذتهم للدكتور وطلب مني تحاليل دم كاملة وفصيلة دم عشان نقل المحاليل.. ووقتها اكتشفت إن فصيلة دم ولادي الاثنين مستحيل تكون ناتجة عن فصيلتي وفصيلة طارق اللي مدونة في عقد جوازنا!»
صُدم عمي فاروق واستند على رأس السيارة بذهول: «أنتِ بتقولي إيه يا نهى؟! قصدك إيه؟!»
أكملتُ ودموع القهر تُحرق جفوني، لكنها دموع قوة لا ضعف:
«رجعت للأوراق القديمة دي يا عمي.. ولقيت إن طارق من أربع سنين، وبأمر من أمه وحماتي، عمل تحليل جيني (DNA) لولاده من ورايا! أمه كانت مفهماه ومغسولة دماغه إن الشك يلعب في قلبه، وإن البت اللي اتجوزها من غير عزوة مستحيل تجيب له عيال يتربوا في بيته من غير ما يضمن نسبهم! عمل التحليل وطلعوا ولاده من صلبه 100%.. لكن البشاعة مش هنا.. البشاعة إن الورقة الثانية اللي مع التحليل بتثبت إن طارق كان عارف إني عندي طفرة جينية ونقص مناعة وراثي بيتنقل للعيال، والدكاترة كاتبين له تحذير طبي صريح إن العيال دول محتاجين رعاية خاصة وطعام معين وأدوية دورية منتظمة، وإلا معرضين لضمور عصبي تدريجي!»
وقف عمي مشدوهاً، غير قادر على استيعاب مدى الوضاعة، فواصلتُ ونبرتي تشق الصخر:
«طارق أخفى عني التقرير الطبي ده أربع سنين كامليين يا عمي! كان بيشوفني بنزل الفجر أقف في مطبخ أمه أعمل عزومات لهدى، ويسيبني أفرك في البيت وأشيل واحط، وهو عارف إن المجهود ده بيضعف مناعتي، وعارف إن التعب اللي بيجي للعيال كل فترة مش مجرد (دور سخونية) زي ما كان بيكذب عليا ويقولي (كبري عقلك واديهم خافض حرارة)! كان مستخسر يصرف على علاجهم أو يجيب لي دكتورة متخصصة، عشان يوفر الفلوس اللي بيديها لأخته هدى تدفع بيها أقساط ورشوة النصاب منير!»
قبض عمي فاروق على قبضة يده حتى أبيضت مفصله، على ظهر السيارة وهو يصرخ بغضب عارم:
«يا أولاد الكلب! بقى يوصل بيهم والنزاسة إنهم يتاجروا بصحة أطفال كبار وشباب زيك عشان يرضوا الست هدى وأمها؟! ده مش مجرد إهمال يا نهى.. دي جريمة الشروع في القتل والإضرار العمد بصحة قصر!»
في تلك اللحظة، خرج محامي طارق الجديد مكسور الجناح من باب النيابة، وهو يحمل أوراق الكفالة التي رفضها المحقق. لما رآنا واقفين، تقدم بخطوات متثاقلة وقال بصوت خافت:
« مدام نهى.. الأستاذ طارق جوة محجوز في التخشيبة، وبيترجاكي تدخلي له دقيقة واحدة بس.. طارق حصله هبوط حاد وضغطه واطي جداً، وبيقول إنه مستعد يوقع لك على البيع والشراء للشقة ولأي حاجة تطلبيها، بس تروحي تطمنيه على الولاد وتسمعيه!»
نظرتُ للمحامي بنظرة سحقته في مكانه، وأخرجتُ التقرير الطبي المخبأ من أربع سنوات، ورميته في وجهه:
«روح أديه الورقة دي لموكلك يا أستاذ! قول له نهى بتقولك إن الشقة والفلوس والقضايا كوم.. والتقرير ده كوم تاني خالص! قول له إن الورقة دي رايحة بكرة الصبح للمحكمة عشان أرفع بيها قضية خلع، وحرمان تام من الحضانة والرؤية لعدم الأهلية والأمانة على أرواح الأطفال، وقضية إضرار عمدي بصحة أطفال صغار!»
شهق المحامي وتراجع للخلف مصدومًا من حجم المفاجأة التي ستعصف بما تبقى من آمال طارق في الخروج من السجن.
أخذني عمي فاروق من إيدي، وفتح لي باب السيارة وقال بصوت صلب كالجبل:
«اركب يا نهى.. من النهار ده مافيش كلام مع المحامين ولا مع طارق. من بكرة أكبر أطباء المناعة والأطفال في مصر هيعالجوا ياسين وأخوه، وكل قرش اندفع في علاجهم أو اتسرق من ورث أباكي هيترد بالقانون والمحاكم.. واللي يفتكر إنه يقدر يظلم يتيمة ويدوس على عيالها، هيدفع الثمن من صحته وحريته وهو محبوس ورا القضبان!»
انطلقت السيارة، ونظرتُ من الزجاج الخلفي لأرى المحامي يدخل ببطء لغرفة التخشيبة ليبلغ طارق بالضربة القاضية الأخيرة.. الضربة التي ستحرمه من رؤية أبنائه طوال حياته، وتجعله يتحسر على اليوم الذي فكّر فيه أن يكسر بخاطري أو يفضل أهله الظالمين عليّ!
وصلتُ إلى شقتي، وقبلتُ أبنائي وهم نائمون بأمان وراحة. نُظفت حياتي تماماً، وردّت كرامتي أمام الجميع..
ولكن.. وقبل أن أغلق ستائر الغرفة لأستريح لأول مرة منذ سنوات، رن جرس الباب رنة واحدة قصيرة ومستعجلة.. وعندما فتحت الباب حذرة، لم أجد أحداً في الممر، لكنني وجدت علبة قطيفة حمراء صغيرة ملقاة على العتبة، وداخلها خاتم ألماني قديم جداً يحمل نقشاً فريداً.. نقش لم يكن يملكه في العائلة كلها سوى شخص واحد فقط كان يفترض أنه مات وغرق في البحر منذ عشرين سنة!
التقطتُ العلبة القطيفية بيدين ترتجفان، وشريط الذكريات المنسية يتداعى في عقلي كالشلال. الخاتم الفضي العتيق، بنقشته الفريدة التي تشبه زهرة اللوتس وتحمل أسطورة عائلية قديمة.. إنه خاتم «خالي إبراهيم»!
خالي الذي قيل لنا ونحن أطفال إنه غرق في رحلة هجرة غير شرعية منذ عشرين عاماً، وانقطعت أخباره تماماً، حتى أقاموا له سرادق عزاء وبكت عليه أمي رحمها الله حتى أوشكت على الفقدان.
كانت داخل العلبة ورقة مطوية بخط يده الدافئ:
(نهى يا بنت أختي الغالية.. أنا مش ميت. أنا كنت الهارب الوحيد من البطش والظلم اللي مارسته عائلة حماتك وأخوها من عشرين سنة. لما خسروني كل حاجة وركبوني الديون، اضطررت أختفي وأبني نفسي من الصفر في الغربة عشان أرجع في الوقت الصح. عمك فاروق كان وسيلة اتصالي الوحيدة طوال السنين دي، وكنت واقف معاه خطوة بخطوة ورا الستار عشان نضمن إن الظلم ده ينتهي للأبد، وإنك تاخدي حقك وحق أمك المرحومة متبوعاً بكرم وكرامة.)
شهقتُ بالدموع، دموع راحة واطمئنان لم أعرفهما طوال حياتي. التفتُ لأجد عمي فاروق يقف عند أول الدرج وابتسامة حنونة تزين وجهه، ويمسك بهاتفه ويزف لي الخبر:
«خالك إبراهيم برة العمارة يا نهى.. رجع البلد رسمياً بعد ما المحكمة برّأته من القضايا القديمة اللي لفقوهاله نفس العصابة!»
في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن السماء تمطر عدلاً ورحمة. لم أكن وحدي قط، كان الله يدبر لي الخلاص ودواعي القوة من حيث لا أحتسب، وكان صبر لخمس سنوات يستعد ليزهر نصرًا مؤزرًا.
ومرت الأيام سريعة كنسيم الصباح..
بعد ثلاثة أشهر فقط، كانت الخريطة قد تغيرت بالكامل، والعدالة قد كتبت كلمتها الأخيرة بأحرف من نور وضياء:
أولاً: طارق وعائلته..
صدر الحكم النهائياً ضد «منير» بالسجن المشدد 15 عاماً بتهم النصب والتزوير وابتزاز الأموال وغسيل الأموال.
أما «هدى» وحماتي، فقد أُدينتا بالاشتراك الجنائي والتزوير، وصدر بحقهما حكم بالسجن المشدد 7 سنوات لكل منهما. أصبحت هدى التي كانت تتأنعر وتلعب دور الضحية تقضي أيامها بين جدران السجن الباردة، وحماتي التي كانت تحرك الخيوط بدهاء تبكي في خشيبة النساء على ما آلت إليه حياتها وحياة ابنها.
أما «طارق».. فقد صدر بحقه حكم بالسجن 3 سنوات للإهمال والتستر والتوقيع على معاملات مشبوهة، بالإضافة إلى صدور حكم بخلعي له رسمياً بحكم المحكمة، وسحب الحضانة والرؤية منه تماماً ومنعه من الاقتراب من الأطفال إلا بإذن قضائي مشدد تحت حراسة، وذلك بعد تقديم التقرير الطبي الذي أثبت تعريضه لحياة أبنائه للخطر.
طارق خسِر كل شيء؛ خسِر شقته التي بيعت في المزاد العلني لسداد ديونه، خسِر عمله وسمعته، والأهم من ذلك أنه خسِر زوجته وأولاده وأصبح يقضي عقوبته وهو يعلم أنه كان مجرد أداة رخيصة في يد أمه وأخته.
ثانياً: استرداد الحقوق والشفاء..
بفضل عمي فاروق وخالي إبراهيم، استرددتُ ورث أبي وأمي بالكامل ومضافاً إليه التعويضات المالية الكبيرة عن السنين الماضية.
بدأتُ رحلة علاج ياسين وأخيه مع أكبر أطباء المناعة، وخلال أشهر قليلة استرد الأطفال صحتهم وعافيتهم، وعادت الضحكة تملأ وجهيهما الصغيرين بعد أن ابتعدوا عن البيئة المسمومة والشحنات السالبة.
ثالثاً: بداية جديدة..
قمتُ بتوسيع مشروعي التجاري الأونلاين، وافتتحتُ مع خالي إبراهيم وعمي فاروق شركة خاصة لتصميم الموضة والأزياء، أصبح اسمها يتردد في السوق بنجاح باهر.
اليوم، وأنا أقوم بفتح شباك شقتي الكبيرة المطلة على النيل، وأرى طفليّ يلعبان ببهجة في الصالة، ويتسامران مع خالي وعمي على طاولة الإفطار.. تنفستُ بعمق وابتسمت من أعماق قلبي.
نظرتُ إلى المرآة، لم أعد «نهى» الضعيفة التي تقف في المطبخ من الفجر لتخدم أناسًا لا يعرفون الرحمة، لم أعد الزوجة التي تُكسر كلمتها بعبارة «كبري عقلك».
أصبحتُ امرأة قوية، صلبة، استردت كرامتها وعزتها بقرار واحد وصوت عالٍ قال: «لأ» في وجه الظلم!
تذكرتُ تلك اللحظة التي رفضتُ فيها الاستسلام، وتأكدتُ أن المرة الأولى التي نقول فيها «لأ» للباطل، هي المرة الأولى التي نبدأ فيها بالعيش الحقيقي!
تنفسنا الحرية.. وانتهت الحكاية بانتصار الحق ورفعة الكرامة.

تعليقات
إرسال تعليق