القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية بين الحب والانتقام الفصل الثاني عشر 12 بقلم نور الهدى حصريه

 

 

رواية بين الحب والانتقام  الفصل الثاني عشر 12 بقلم نور الهدى حصريه 


رواية بين الحب والانتقام  الفصل الثاني عشر 12 بقلم نور الهدى حصريه 



وعد كانت لسه متفاجئة من وجود حازم… حتى مش أخوها يوسف الى توقعته قرب منها وقال

– بتعملي إيه هنا؟


ردّت بتلعثم:

– أنا… كنت بتمشّى شوية… وبشوف تاكسي.

سكتت لحظة وسألت:– إنت اللي بتعمل إيه هنا؟


لاحظ دموعها… عينيها كانت فاضحة رغم محاولتها تخبي.

قال بهدوء:– إنتي بتعيّطي؟


مسحت وجهها بسرعة وقالت:

– لا… كنت بتفرّج على فيلم مؤثر بس.


رفع حاجبه بعدم اقتناع… بس طنش:– كنت بزور صاحبي…

أشار للعربية:– اركبي أوصلك بدل التاكسي.


وعد:– لأ، شكراً.


ابتسم بخفة:– إيه المانع؟


سكتت… مش قادرة تقول إنها مش لاقية مكان تروحه.


فتح لها الباب بإصرار:– مينفعش أسيبك واقفة كده.


همست وهي متوترة:– أنا… مش هروح البيت.


اتفاجئ… قال– طيب… هأخدك المكان اللي إنتي عايزة تروحيه.


قالت بحدة تعبانه:– مش حمل أسئلة من حد.


سكت لحظة…

عقله مليان ميت سؤال فعلاً، لكن صوته كان هادي وهو يقول:

– مش هسألك عن أي حاجة… وعد.


 ركبت بدون كلمة.

ساق حازم السيارة… وخرجوا من المكان كله.

الجو كان صامت… لكن صمت تقيل.


بعد دقائق قال حازم بهدوء:– ممكن أسألك سؤال؟


قالت وعد:– قف.


:– أهدي… أنا قصدي أسألك عن المكان اللي أوصلك عليه.


سكتت وعد شوية…

بعدها همست:

– زايد… ودّيني هناك.


أومأ حازم بدون تعليق…

مع إنه عارف كويس إن المكان بعيد جداً عن بيتها الأصلي…

لكن ما قالش ولا كلمة.


كان سايق بهدوء…

وعينه بتخونه، كل شوية يبص عليها من طرف عينه.


هي ساكتة…باصّة من الشباك كأن الطريق بيبلعها.


لاحظ حاجة…إيدها.فيها جرح… متعورة.


لمحته…وقبل ما يقول أي حاجة، وعد حسّت بنظراته،

فسحبت دراعها بريبة… كأنها تحمي نفسها حتى من مجرد نظرة.


حازم رجّع عينه للطريق…والأسئلة محشورة في زوره لكنه فضل هادي…

خرج منديل من جيبه، ومدهولها بصمت.


وعد اتفاجئت لأنها فهمت نظراته غلط لكن كان بيبص لجروحها… مش بيحكم عليها.


خدت المنديل…وأول حاجة عملتها إنها مسحت دمعة نزلت غصب عنها.


قال حازم – واضح إنك حساسة أوي يا وعد…الفيلم يأثر فيكي بالشكل ده.


سكتت…واتسحبت ذاكرتها فورًا لمشهد أبوها… علي… البيت… الطرد…

وقالت بمرارة هادئة:

– فيلم واقعي…متخيلتش إني في يوم أشوفه…شيء مضحك، مش كده؟


حازم بص لها وسال– في حاجة حصلت معاكي؟


وعد– اتفقنا… مفيش أسئلة.


حازم– عندك حق… بعتذر.


بص قدامه وقال بنبرة صادقة:

– لكن… لما تحبي تتكلمي… أنا موجود.


 وعد – على أساس إننا هنتقابل تاني؟


بص لها… وابتسامته كانت مختلفة.شبه يقين وهو يقول:

– الطرق كلها… بتحطك قدامي يا وعد…


وعد قالت ببرود– لو قصدك على صدفة الطريق… فهي فعلاً مجرد صدفة.


حازم هز راسه:– مش أول مرة.أنا لما شوفتك في الكلية عند نهال… كانت أول مرة أعرف إنك في علوم… وإنك بنت بدران الى اتكلمو عنها.


وعد اتفاجئت:– كنت تعرفني؟!


ابتسم حازم ابتسامة خفيفة:– مش معرفة شخصية…بس من بابا… لحد ما شوفتك بنفسي…وساعتها وافقت على طلبهم لإيدك…مع إني – زي ما بقولك – مش بحب جواز الصالونات.


وعد – انت وافقت؟!


– آه…أنا اللي طلبت إيدك.


وعد نظرت له بعدم فهم:– ليه؟…مده جواز صالونات.


رد حازم بهدوء نادر:

– لما شوفتك… محسّتش كذلك لانى أعجبت بيكي.


الصمت وقع.في اللحظة دي…وعد اتذكرت.

كم مرة رفضت تشوفه…كم مرة قالوا لها “ابن فلان طيار حاي واهله زباره لابوكى ولازم يشوفك” وهي قالت لأ…كم مرة شافته في الجامعة…كل البنات حواليه يضحكوا…هو ببدلة الطيران… كاريزما… وهي قالت “مغرور… وعلاقاته كتير”فتفادته…وما خطرش في بالها إنه هو كان معجب بيها.


صوته قطع شرودها:

– اللي نادالك يومها في الكليه لما كنت معاكي…كان حبيبك؟


وعد بصتلـه فجأة… افتكرت على

قال حازم–  صح…… مش كده؟


وعد قالت وهي تحاول تهرب من السؤال:

– بتقول إيه؟


حازم بهدوء منطقي:– نظرته ليكي… ونظرتك ليه… تدل على كده.

أو إنه قريبك؟!


وعد بانفعال واضح:– خلاص… كفاية كلام.


سكت حازم فورًا.احترم حدودها… وسكت وركز فى قيادته


وعد لفت وشها ناحية الشباك. الظلام برة… بس جواها كان أظلم.


الطريق كله بعدها… صمت.لا موسيقى، لا كلام…

فقط صوت أنفاسها المتقطعة، ونبض قلبها اللي بيحاول يستوعب إنها دلوقتي… وحيدة.


وصـل.العربية وقفت قدّام فيلا زايد.

نزلت وعد…وقفت لحظة…بصّت له من الشباك قبل ما يقفل.


كان يستحق كلمة شكر… يمكن أكثر من شكر.

قالت بهدوء – شكرًا يا حازم.


حازم بهدوؤ – العفو.


بص للفيلا فهل هتعقد فيها لوحدها متكلمش وبعدها حرّك العربية ومشي.


وعد وقفت لوحدها… قدام الفيلا.الليل سكن…الهواء بارد…والفيلا صامتة بشكل مخيف.فتحت الباب…دخلت.


الصمت يوجع.مفيش أصوات…مفيش أرواح…كانت دى الفيلا اللي كانوا بيقضوا فيها الإجازات زمان…بقت دلوقتي… ملجأ الهروب.


والسؤال اللي خبط عقلها بقوة:> "لو بابا عرف إني هنا…هطرد تاني؟

ولا المرة دي…هي..قتلني؟"

الفيلا كانت نضيفة… مرتبة… فيها ريحة نشاط حديث.يعني حد بييجي هنا…

حد بينضف…حد ممكن يدخل في أي لحظة.

وهنا الخوف ضرب قلبها.لو الفيلا مراقبة…بابا هيعرف إنها هنا…

بابا اللي كان زمان يعني "أمان"…اللي كانت متأكدة إنه هيقف معاها حتى لو غلطت…اللي كانت واثقة إنه مش هيسيب الفاعل الحقيقي…


دلوقتي…بقى هو التهديد.نص الظلم اللي اتعرضت ليه… جه منه.


دمعة نزلت…بس مش دمعة بس…كانت وجع، خزي، خذلان.


حست إنها اتظلمت من الكل.من علي…من أهلها…من الدنيا…ومن نفسها كمان..ترجع تقول

"أنا السبب؟"

لو مكنتش حبيته… لو مكنتش صدقته…


لكن عقلها يرد:> لو مكنش حصل كده…هل كنتِ هتعرفي نظرة أبوكِ الحقيقية ليكي؟هل كنتِ هتعرفي إنه شايفك أقل… بسبب أصلك؟


تذكرت الكلمة اللي قت.لتها أكثر من أي صفعة:

"كان لازم أعرف إن دم أمك لسه بيمشي فيكي…

كان لازم أعرف إن معندكيش شرف…بتفضلى بنت تربية ملاجي."


الجملة دي…رُشِقَت في قلبها زي سكينة.

هي؟!اللي عمرها ما قللت من حد اللي كانت بتحترم أبوها…اللي كانت شايفة إنها غالية عنده…يطلع شايفها "بنت ملاجي"؟

وهو…جرّدها من لقب "بنتي".ووسط كل دا…

تسمع صوته جوا دماغها لعلي


> "أنا محبتكيش أصلااا."


الجملة دي خلت روحها تتجمد.إزاي،إزاي قالها ببرود؟إزاي استقوى عليها وهو أكتر واحد عرف ضعفها؟


دموعها نزلت بصمت…عيونها بتسأل:


> أنا عملتلك إيه يا علي؟ ليه دمرتني بالشكل دا؟ ليه رميتني لوحدي؟

ليه خليت كلهم ضدي؟

الحيطان كانت الشاهد الوحيد على انهيارها…الصمت كان مخنوق…

الهوا بارد…نامت على الكنبة…بدون لحاف… نامت بنت كانت أميرة في بيتها…

والنهاردة… مشردة.


نامت في برد الخريف برد الجو…وبرد القلوب.

وهي بتغمض…كان آخر إحساس في قلبها:

> "أنا لوحدي…طول عمرى كنت لوحدى"

---------


في المكتب… كان الدخان مالي الجو.بدران قاعد على الكرسي ووشه واجم، قدامه الطفاية مليانة… ١٥ سيجارة متطفية فيها.


فتح الباب دخل يوسف.


بدران (من غير ما يبص):مش قولت محدش يدخللي؟


يوسف (واقف قدامه بثبات نسبي):بابا… لازم نتكلم بخصوص وعد.مش ملاحظ إن اللي حصل غريب؟


بدران بعصبية:متذكرليش اسمها!


يوسف:الموضوع فيه حاجة نش مفهومه… وبعدين طردك ليها غلط.


بدران مسك اختبار حمل ورمهوله وقع على الأرض عند رجله 


بدران (بصوت مبحوح من الغضب):عارف إيه الغلط؟إني مقتلتهاش على اللي عملته!بس… أول ما أعرف مين عمل فيها كده…هشرب من د..مه.


يوسف -وعد غلطت… جامد غلطها انا ذات نفسي يخلينى مش قادر اصدق الى حصل.. بس كلنا عارفين علاقتها بـ علي…وكانوا قريبين جدًا،إزاي فجأة بقوا بيحدفوا التهم على بعض كده؟


بدران بيرفع صوته-عشان كشفهاااااا!


وقف من مكانه بغضب، عينه مولعة.

بدران: عارف الحرامي لما يسرق ويتكشف…أول حاجة يعملها؟يرمي التهمة على غيره!وده اللي هي عملته!


يوسف بحزم:بس هي رمتها على عمي…كان لازم نسمعلها.


بدران ساخر ومرير:نسمع لكدبها؟مين شافها غير علي؟هو الوحيد اللي كان معاه دلايل!هو أدّاني حقيقة كلامه…هي كان معاها إيه؟ولا حاجة.


يوسف فتح بقه… لكن سكت.

بدران: هي نفسها اتخرست…لما لقت نفسها اتكشفت قدامنا!


سكت يوسف، شد نفسه : أنا بدوّر عليها…وحبيت أعرفك.بدران رفع عينه له… نظرة نار من بدران ويوسف خرج منغير ولا طلمه وقفل الباب وراه

بدران خبط إيده بكل قوته على المكتب…

عينه كانت حمرا….

--------

نادين ـ الأسبوع ده الفرح؟!.. بسرعة دي؟

قال علي بهدوء متماسك ـ اعتراضك إيه؟


قالت نادين : ـ اعتراضي عمره ما كان عليك، بس أنا عايزة أعمل كل حاجة زي أي بنت تانية… مش معنى إني ف التلاتين أتجوز بالسرعة دي زي...


قاطعها علي ـ مين قالك إني همنعك؟ كل حاجة هتتعمل زي ما تحبي.


قالت نادين بدهشة: ـ في أسبوع؟!


قال علي وهو بيبص في ساعته كأنه بيحسب كل ثانية:

ـ آه… لو في اعتراض تاني، بلّغيني بسرعة، عشان وقتي...


قالت نادين بسرعة وهي بتحاول تمسك أعصابها:

ـ تمام يا علي… أنا هسافر معاك، مش كده؟


بصّ لها وقال بجديّه ـ ماعنديش حتّة أسيب فيها مراتي في بلد وأسافر أنا لبلد تانية.


ابتسمت نادين ابتسامة صغيرة، الكلمة علقت في ودنها: "مراتي"…

لكن قبل ما ترد، رنّ تليفونه.


بص علي للشاشة…

"مالك".


قام يمشي شوية بعيد وردّ:ـ عملت إيه؟


جاله صوت مالك - أنا… مش لاقيها.


وقف علي مكانه، وشه اتبدّل، وعينه بقت حادة جدًا:

ـ يعني إيه مش لاقيها يا مالك؟


– دوّرت عليها في كل الشوارع القريبة من الفيلا… اختفت. ممكن تكون ركبت تاكسي، مش عارف بالضبط.


ابتلعت كلامه كلمة واحدة حادة من علي:– حالًا أعرف مكانها ومع مين.


قال مالك مترددًا:– ممكن تكون راحت لحد من معارفها.


أمره علي بصوت جليد:– لو عند «الجن الأزرق» اعرفوهولي فورًا.


قفل علي التليفون وهو ماسكه بقوة، مشي من مكانه في اللحظة دي شاف يوسف خارج ياخد عربيته وبيتكلم ف التليفون

– اعرفلي مكانها وسيب اللي في إيدك وروح دور عليها.


انطلق يوسف بالسيارة، والحراس فتحوا البوابة بسرعة. علي وقف للحظة ينظر للخارج، اتأكد أن يوسف خرج فعلاً ليبحث عن وعد


---

صحيت وعد في اليوم التاني على وجع غريب، حطت إيدها على بطنها بتوجع، وقعدت على السرير مش فاهمة مالها.

قالت بصوت متقطع:

– ب... بابا؟


مفيش رد.

زادت شهقتها وقالت بصوت متألم:

– آه... بابا، الحقني...


بس مفيش أي صوت بيرد عليها.

بصّت حواليها، شافت المكان... الفيلا دي مش بيتها!


الدموع لمعت في عينيها، وقالت بصوت مخنوق:

– يو... يوسف؟


ماحدش رد. الإحساس بالوحدة كان بيزيد معاها كل ثانية.

قامت بصعوبة، وهي بتحاول تاخد نفسها وسط الوجع اللي لأول مرة تحس بيه بالشكل ده. دخلت الحمام، غسلت وشها، والمية نازلة على عيونها اللي كانت مولّعة من كتر البكا.


كانت حاسة إنها موجوعة من كل حاجة... من الألم اللي في جسمها، ومن الوحدة اللي وجعاها أكتر.

حتى جوزها، سابها... ساب اللي زرعه فيها وراح، وخلّاها تواجه مصيبتها لوحدها.


فجأة، سمعت صوت من برّه.

اتشدّ جسمها كله وقالت بتوتر:

– مين؟


خرجت من الحمّام بخطوات مترددة، ولما وصلت لباب الأوضة... اتفاجئت بحدّ واقف قدامها وبصت بدهشه

-------


في فيلا بدران، رجع يوسف من برّه. أول ما دخل، قابل والدته رانيا في الصالة، بصّ لها شوية وقال بنبرة فيها قلق:

– أوضاع البيت إيه؟


ردّت رانيا – زي ما انت شايف، هدوء غريب... كأنه الهدوء اللي قبل العاصفة.


دخلت الخدامة وقالت بهدوء:

– الفطار يا هانم.


قالت رانيا وهي بتقوم:– يلا، عشان تاكل كويس، كويس إنك جيت.


لكن يوسف كان واضح مضايق، قال وهو بيقعد:

– مش عاجبني الوضع يا ماما... أنا بَدور على وعد من امبارح.


ردّت رانيا – ممكن تسكت؟ أبوك لو سمع اسمها هيتضايق.


يوسف – متنسيش إنها بنته... يعني أختي. قد ما نارى منها كبيرة، بس نارى الأكبر من اللي عمل فيها كده... ثم بابا كان يقدر يعاقبها بطريقة تانية، بس مش بالطرد.


قالت رانيا – وده مش عقاب يعني؟


قال يوسف – مش عارف... بس حاسس إن بابا طردها عشان يحميها منه.


رانيا :– يحميها؟! لو معرفكش كنت حسيت إنك طيب زيادة يا يوسف.


ابتسم يوسف بسخرية وقال بهدوء:– وأنا أول مرة أعرف إنك متفهميش دماغ بابا، تفكيره مش بسيط زي ما انتي فاكرة.


رانيا فضلت تبصله باستغراب من كلامه، وهو راح ناحية السفرة. هناك كان علي لسه نازل، ونادين قاعدة على الكرسي. أول ما شافته قالت له:

– خرجت امبارح يا يوسف؟


رد عليها وهو بياخد مكانه على السفرة:– آه، خرجت.


قعدوا على السفرة، يوسف بص لعلي، وعلي كان بيبصله هو كمان.

قال علي ببرود:– عايز تقول إيه؟


رد يوسف – انت خرجت امبارح بالليل؟


نادين قالت بهدوء:– آه، كان عنده شغل.


يوسف – من بعد اللي حصل مباشرة؟


علي – متوقع إن شغلي يستنى؟ انت أول واحد لو جتلك مكالمة إن الشركة بتولع هتجرى؟


في اللحظة دي رن تليفون يوسف، اتخض وبص لعلي بشدة، وعلي كان مبتسم عليه بسخرية. رد يوسف وهو بيرفع السماعة:

– ألو، يا محمود؟


رد محمود:– علي بيه، شركته قدرت توثقنا من برّه، والتوكيل اتقدم في الافتتاح. حاولت أبلغ بدران.


قال يوسف بهدوء: – تمام، هبلغه.


قفل يوسف التليفون ورجع يبص لعلي، حتى رانيا كانت قاعدة معاهم. قالت

– يوسف، روح قول لوالدك هيفطر امتى، مش عايزة حد يزعجه.


سكتوا كلهم لما جه بدران، وقاطع حديثهم بدخول صامت وقوي. خد كرسيه المعتاد وقعد عليه بكل هدوء، وقوة فيها قسوة من بروده. بص للجميع نظرة صادمة، محدش كان متوقع إنه هيفطر معاهم. بعد شوية قال بصوت صارم:

– فين القهوة؟


قالت رانيا – هخلّيهم يحضروها حالًا.


شاورت للخدامة، اللي أومات لها فورًا وراحت. في اللحظة دي بدران بص ليوسف وقال بصوت ثابت:

– هتدخل الافتتاح؟


رد يوسف – آه، شركة عمي هتوثقنا من أمريكا، فهنقدر نقدم الافتتاح السنة دي من غير ما نبان إننا اتهزّينا بعد ضربة السرقة اللي حصلت لنا في السوق.


بدران حوّل نظره لعلي وسأله – راجع أمريكا؟


قال علي – لسه، بعد ما أخلّص شغلي هنا.


دخلت نادين في الكلام بابتسامة:– وجود علي مهم في الشركة دلوقتي، وكمان... فرحنا هيكون الجمعة الجاية.


بصّوا لها الكل بدهشة، يوسف قال :– الجاية؟!


رانيا رفعت حاجبها وقالت: – بالسرعة دي؟


نادين قالت بثقة: – هسافر مع علي، هكون مراته خلاص.


سكتوا كلهم، والجو اتبدّل في لحظة. الصمت بقى تقيل وغريب، كأن في حاجة مش طبيعية بتحصل. بدران كسر الصمت وقال بنبرة عملية:

– القرار ليكم. المهم تكون موجود يا علي في الموسم... المنافسين كلهم في السوق، والحماس السنة دي زايد عن العادة.


رد علي وهو بيأكل بهدوء واضح: – متقلقش، أنا هكون أول واحد يحضر.


قالها وهو بيعض الأكل بأسنانه الحادة، نبرته هادية لكن فيها قوة.

بدران رجع لطبيعته كأن اللي حصل امبارح ما كانش، وكأن كل حاجة اتنسيت.


كل حاجة في البيت كانت غريبة... الهدوء، الكلام، حتى النظرات.

ما فيش حاجة صحيحة في البيت ده.

--------


وعد اتصدمت، عينيها اتّسعت وقالت بنبرة متلخبطة:

– ط... طنط فاطمة؟ انتي هنا؟ من إمتى؟


قالت فاطمة بهدوء وهي متأثرة:

– من امبارح، يا وعد.


استغربت وعد وقالت بنبرة مترددة:

– من امبارح؟


فاطمة هزّت راسها وقالت بهدوء:

– لما حصل اللي حصل امبارح... وخرجتي من البيت، أنا...


سكتت لحظة، مش قادرة تقول الكلمة اللي وعد عارفاها كويس، الكلمة اللي معناها "باباها طردها".

كملت بصوت حزين:

– خرجت وراكي، فضلت ماشية لحد ما شوفتك داخلة فيلا. استنيتك تخرجي، تابعتك، بس ضيّعتك ف النص... فضلت أسأل عليكي، وأسأل لحد ما وصلت هنا. لما لقيتك نايمة، خوفت أصحيكي، فسيبتك تنامي براحتك.


بصّت لها وعد بعيون ممتنة وقالت بدهشة:

– خرجتي ورايا... وفضلتي تسألي لحد ما عرفتي مكاني؟


ابتسمت فاطمة ابتسامة حزينة وقالت:

– ماقدرتش أستحمل أقعد في الفيلا بعد اللي حصل. لما جتلي الفرصة أكون معاكي... خرجت، وجيت.


عين وعد دمعت، وصوتها اختنق وهي تقول:

– طنط فاطمة...


قربت فاطمة منها وقالت بحنان وقلق:

– مالك يا وعد؟ سمعت صوتك، كنتي بتتوجعي.


في اللحظة دي، وعد ما استحملتش، اترمَت عليها وحضنتها بقوة.

قلب فاطمة وجعها، بادلتها العناق وربّتت على ضهرها بحنان.


قالت وعد بصوت مبحوح: – انتي اللي لحقتيني... مجاش منهم حد.


مسحت فاطمة على ضهرها وقالت بحنان: – خلاص يا حبيبتي، اهدي.


بس وعد بعدت عنها، بتتنفس بصعوبة، بتحاول تلم نفسها، وقالت بوجع مكتوم:

– بابا طردني... مش مشاني، أنا عارفة معنى الكلمة. متكسفيش تقوليها، دي الحقيقة.

أنا... بحاول أستوعبها لحد دلوقتي، بس ماكنتش متوقعة تكون دي النتيجة.


قالت فاطمة وهي بتحاول تطبطب عليها:

– اهدي يا حبيبتي، كل حاجة هتتصلّح.


وعد خدت نفسها بصعوبة، مسحت دموعها وقالت بصوت مبحوح:

–  جوايا بركان، مش عارفة إزاي قادرة أكتمه جوايا.


مشيت ببطء وقعدت على الكنبة، لحقِتها فاطمة وقالت بقلق:

– شكلك تعبان يا بنتي، أنا دخلت على صوتك، وجيت أشوفك مالك.


وعد رفعت نظرها باستغراب وقالت:

– دخلتي؟! مش انتي قولتي إنك هنا من امبارح؟


فاطمة ارتبكت شوية، بصّت بعيد وقالت بسرعة:

– آه... بس يمكن ما شُفتيش وأنا بصحيكي. كنت برّه بجيب شوية حاجات للبيت.

لما شُفت كل حاجة فاضية قولت أحضّرك الفطار قبل ما تصحي، بس دخلت لما سمعت صوتك بتتوجعي.


بصّت وعد حواليها وشافت فعلاً أكياس فيها أكل وخضار وفاكهة، بس الإحساس بالوجع رجع يذكرها، وضغطت بإيدها على بطنها


قالت فاطمة بسرعة وهي بتقرب منها:– مالِك يا وعد؟


قالت وعد– هكون كويسة...


ثنّت ركبتيها شوية ناحية بطنها، كأنها بتدور على الوضع اللي يخفّف الألم.

وبنبرة هادية، كأنها بتحلل حالتها كطبيبة، قالت:

– ده تمدد بسيط في جدار الرحم... بسبب التغيّرات الهرمونية.


قالت فاطمة بخوف:– لازم تشوفي دكتور، يا وعد.


هزّت وعد راسها رفض، لأنها في جلستها دي خدت وضع الجنين اللي مريحها نسبيًا، حسب معرفتها الطبية.


قعدت فاطمة على الكرسي اللي جنبها، بصتلها بحنان ممزوج بشفقة، وقالت بهدوء– و... وعد؟


ردّت وعد بسرعة وهي مغمضة عينيها:

– متبصليش النظرة دي... هتكرهيني أقعد معاكي، ويمكن أقولك امشي.


سكتت لحظة، وبعدين فتحت عينيها وقالت بنبرة فيها وجع وعتاب لنفسها:

– ليه عملتِ كده يا وعد؟ ليه عملتِ في نفسك كده؟


سكتت وعد شوية، وصوت أنفاسها كان بيتهزّ من كتر الوجع.

قالت فاطمة وهي بتكتم غضبها ودهشتها:

– يستاهل تعملي في نفسك كده عشانه؟ وتكوني هنا بسببه؟


رفعت وعد عينيها المليانة دموع وقالت بصوت مبحوح:

– لا... ما يستاهلش.


فاطمة قربت منها وقالت بحيرة:– طب ليه؟ ليه يا وعد؟


انفجرت وعد وهي بتتكلم بحرقة: – عشاااان حبيته!


نطقت الكلمة كأنها بتطلع معاها كل اللي وجعها.

بصّت لفاطمة وقالت بانفعال موجوع:

– عارفة يعني إيه بحبه؟هو كان عندي رقم واحد...كان كل حاجة في حياتي.


ابتلعت ريقها وهي بتكمل بصوت مكسور:

– انتي عرفتي كل حاجة، ومش هكدب وأقولك كنت معترضة عليه... لا، أنا كنت عارفة إن اللي بعمله غلط، بس استمريت.

علشان لحظة واحدة وأنا معاه... كنت بتمنى متخلصش.


دمعة نزلت من عينها ببطء، دمعة خذلان مش ضعف، وقالت بصوت خافت:

– حبيته أكتر من أي حد، لدرجة إن لما الوجع جه منه... وجعني بزيادة.

ولما الوجع جه من بابا وعيلتي... ثبت الوجع جوايا.


سكتت شوية، وبصت لفاطمة بعينين باكيات وقالت:

– أنا اعترفتلك، انتي الوحيدة اللي عرفت مشاعري ليه... وشُفتي حبي ليه في عيني فليه مستغربه


فاطمة قالت بحدة مكبوتة:

– بس ماقلتيش إنك على علاقة بعلي بيه... ومتجوزاه في السر!


وعد – كان ده اتفاقنا في البداية...


فاطمة قاطعتها بدهشة:

– اتفاق؟ اتفاق على إيه؟


وعد بتردد – كنا متجوزين عرفي.


اتجمد وش فاطمة من الصدمة، سكتت ومقدرتش تنطق، كأن الكلام خبطها.

وعد كملت وهي بتحاول تدافع عنه بعينين موجوعة:

– كان عنده ظروف تمنعه، صدقيني يا طنط، هو كان ناوي نتجوز رسمي... كان مستعد يعمل كده.


قالت فاطمة وهي تهزّ راسها بحزن عميق:

– ولسه... لسه بتبرري له بعد كل اللي عمله؟


سكتت وعد، مش لأنها اقتنعت، لكن لأنها بدأت تحس إنها ما كانتش بتبرر له... كانت بتبرر لنفسها.

اللي عملته، مش اللي عمله هو.


عينها سرحت، وافتكرت كلماته اللي كانت لسه بتدور جواها زي صدى موجع:

"مستعد تثقي فيّ يا وعد؟ ظروفي تمنعني أتجوزك رسمي... بس جوازنا العرفي مش غلط، طول ما إحنا موافقين."


قالت وعد وهي بتحاول تتماسك:– قال لي جوازنا العرفي مش غلط... طالما إحنا موافقين.


فاطمة بصت لها بصدمة وقالت بحِدّة حزينة:– وعد، عقلك كان فين يا بنتي؟!


بصت لها وعد بعينين ضايعين، مش قادرة ترد.

قربت منها فاطمة وقالت بوجع واضح في صوتها:– مفيش حاجة اسمها جواز عرفي... ده اسمه ز...نا، يا وعد.


كلمة وقفت الدنيا في ودان وعد.

اتجمدت مكانها، نظرتها فرغت من أي تعبير، كأن صوت فاطمة كسر جواها حاجة كانت بتحاول تحافظ عليها.


فاطمة كملت وهي بتحاول تهدي نبرتها:

– سواء بالموافقة أو من غيرها، ده مش جواز حقيقي... دي مش ورقة معترف بيها في الحكومة، ولا دليل على شرعية العلاقة.

دليلها الوحيد... إنك كنتي معاه. مش كده؟


وعد بصوت واهي، كأنها بتحاول تبرر آخر خيط عندها:

– كانت في فيلته... أنا سيبتها هناك.


فاطمة اتوترت وقالت بسرعة: – راحت فين الورقة دي؟


مردّتش وعد.قربت منها فاطمة، صوتها هادي بس حاد في نفس الوقت:

– وعد، انتي ذكية... إزاي وفقتي على كده؟ حتى لو كان تحت اسم الحب؟


سكتت وعد.مش عارفة تقولها إن اللي حصل ما كانش حب، كان ضعف.

إن أكرم لما شافها منهارة وسكرانة بعد اللي حصل بينهم، “أكرمها” بجواز عرفي علشان يسكتها...

بس هو ما كانش إكرام، كان استمرار للذنب.

عملت الغلط، وبعده عملت عشر زيه.


قالت فاطمة بنبرة فيها وجع وغضب مكبوت:

– الحب ليه حدود يا وعد... ليه ضوابط وليه عقل يتحكم فيه.

انتي ذكية، دكتورة، فاهمة... انتي كبيرة كفاية.


غطّت وعد ودانها بإيديها وصرخت:– كفاااايه... أرجوكي كفااااااايه بقى!


سكتت فاطمة.ولما اتكلمت وعد، كان صوتها بيتهز من البكاء:

– معرفش عملت كده إزاي... كنت عارفة إنه غلط.

بس هو قالّي إنه معترف بجوازنا، وإن الورقة دي يقدر يقدّمها للعالم كله.

قال إن ظروفه بس اللي مانعاه من التوثيق...

هو نفسه قال معترف بجوازنا، ليه يبقى باطل؟


فاطمة – معترفش بده قدام أهلك ليه؟


سكتت وعد.

قالت فاطمة بهدوء موجع:– طالما مفيش توثيق، ولا إعلان قدام أهلك... فالجواز ده...


سكتت، مش قادرة تقول الكلمة اللي هتكسر وعد أكتر.

لكن نظرة وعد لوحدها كانت كفيلة تقول إنها فهمت.


فاطمة همست:– وعد...


قاطعها صوت وعد المبحوح:– خلاااص... سبيني لوحدي.


فاطمة قامت، قلبها واجعها عليها.ما زعلتش منها، بس كانت عاجزة تعمل أكتر من كده.


فضلت وعد قاعدة مكانها، ضامّة رجليها لصدرها كأنها بتحاول تحمي نفسها من النار اللي جواها.

دفنت وشها، ودموعها نزلت بحرقة.


كانت دموع استدراك...

ندم، ذنب، وتأنيب.


دلوقتي بس، العقل رجع من غيابه،

والقلب اللي كان بيقودها اتكسر لميت حتة.


النهارده، العقل احتل مكان التفكير والاستيعاب،

والقلب غِفَى...

يمكن في دوامة علاج طويلة.

بس السؤال الحقيقي:

هل هيتشافى الجُرح؟

ولا الأثر هيفضل عمره كله؟


---


فى الليل فاطمة كانت في المطبخ من بدري.

جهّزت أكل دافي، ريحته مالية المكان، ورجعِت بيه للصالة.

وعد لسه قاعدة في نفس مكانها، نفس الوضعية، ساكتة، عينها مطفية.


قالت فاطمة بنبرة فيها حنية:– عملتلك أكل دافي، يرمّ عضمك شوية.


بصتلها وعد وقالت بهدوء:– انتي اللي جبتي الأكل ده؟


ردّت فاطمة، وهي بتقلب في المفرش قدامها:– بتسألي ليه؟


قالت وعد بصوت خافت فيه وجع:– عشان ماعنديش فلوس أدفعلك...

حتى قعادك هنا وخدمتك ليا، أنا ماعنديش أديكي مقابلهم.

أنا ماعدتش "وعد" اللي كانت أميرة نفسها.


طلعت بطاقتها من جيبها، نظرت فيها وقالت بسخرية حزينة:– أول ما فلوس الفيزا دي تخلص، مش هيبقى معايا جنيه واحد.ده لو بابا ما وقفهاش من الأساس.


تنهدت فاطمة وقالت وهي بتبص عليها بعِتاب حنون:– اخس عليكي يا وعد، فكراني قاعدة هنا علشان فلوسك؟


رفعت وعد نظرها وقالت بمرارة:– أمال جايالي ليه؟ سبتي شغلك وجيتي ورايا وأنا مش هفيدك في حاجة.


ابتسمت فاطمة ابتسامة خفيفة وقالت بهدوء: – أنا مش عايزة منك حاجة،

كل اللي عايزاه أكون معاكي... أرعاكي، زي ما كنت بعمل دايمًا.


وعد بصتلها، نظرة فيها تعب وسخرية في نفس الوقت:– آه؟ وده ليه بقى؟


قالت فاطمة ببساطة، وهي بتقرب منها وتمدّ إيدها على كتفها: – عشان بحبك يا وعد...وبعتبرك زي بنتي.


ابتسمت وعد ابتسامة وجيعة، فيها كسرة:– لسه مش قادرة تقتنعي إن حتى بابا نفسه رماني؟


تنهدت فاطمة، قربت منها أكتر وقالت بهدوء دافي:– وعد، أنا هفضل معاكي...

وصدقيني، رنا كانت هتسيب الشغل كمان لما عرفت انها تقدر هنكون معاكى


فاطمة بصراحه – بس أنا قولتلها تِفضل في الشغل، لأنها محتاجاه، أما أنا كده كده كنت هقعد في البيت…بس كنت مكمّلة الشغل علشانك إنتي ورنا.إنتي كنتي أكتر واحدة بتعاملنا كويس هناك…وده بالنسبالي كفاية أوي يا وعد هانم.


وعد بسخريه موجوعه: – هانم؟!

 فاطمة – وهتفضلي ست الهوانم العمر كله، يا بنتي.


نزلت دمعة من عين وعد، وقالت بصوت مكسور:– أنا غلطت... غلطت أوي يا طنط فاطمة.


ما ردّتش فاطمة، كانت عارفة إن غلط وعد لا يتوصف،فاكتفت إنها تبصّ لها بعين مليانة رحمة.


قالت فاطمة بعد لحظة صمت: – ناوية تعملي إيه يا وعد؟


هزّت وعد راسها وقالت وهي بتتنفس بصعوبة:– معرفش...أنا في مصيبة كبيرة، ومفيش حد معايا،ولا حد بيساندني.


قالت فاطمة بهدوء وهي بتحاول تخفف عنها:– انتي لسه في الأول،بس بعد شهر ولا اتنين...بطنك هتبتدي تبان...ولما...


سكتت فاطمة، الكلمات وقفت في حلقها،ماقدرتش تقول عنه ابن حر.ام أو طفل غير شرعى

مدّت إيدها على إيد وعد وربّتت عليها وقالت:– كلي يا بنتي... ربنا يسهل.


قالت وعد وهي بتهز راسها:– مش عايزة آكل.


قالت فاطمة بحزم لطيف:– لا، مفيش الكلام ده.انتي لازم تاكلي،انتي محتاجة الأكل أكتر من أي حد.


قالت وعد بصوت خافت:– مش قادرة... مليش نفس.


ابتسمت فاطمة بحنية وقالت:– الأكل ملوش دعوة بالنَفَس يا وعد،

بعد إذنك... كلي.أنا عاملاه مخصوص ليكي، من قلبي.


سكتت وعد، أومأت بخضوع وقالت بصوت خافت:

– ممكن تسيبيني لوحدي يا طنط؟


قالت فاطمة وهي بتبتسم بحنية حزينة:– هتاكلي أكيد.

بس ما ضغطتش عليها،وقالت قبل ما تخرج:

– لو احتجتي أي حاجه... ناديلي


خرجت فاطمة بهدوء،ولما بقيت وعد لوحدها،

مدت إيدها للتليفون اللي كان على الترابيزة.فتحته،

كانت الشاشة سابته على آخر رقم كلمته... علي.


كل شويه كانت تفتحه وتشوف الرقم...كأنها مستنية منه معجزة.

تنهدت وقالت لنفسها:– إمتى هصحى من الكابوس ده؟أنا عارفة إنه بيحبني...

(سكتت لحظة) بيحبني؟وضربت كفها على راسها بحدة وهي تهمس بحرقة:

– أي حب؟!... ده عمل فيا اللي العدو ما يعملوش.


رن إشعار فوق الشاشة... اسم نادين.

اتجمدت وعد، فتحت السوشيال ميديا اللي كانت قافلاها،وشافت أول بوست...

صورة جديدة لنادين فـ أكبر محل مجوهرات،بتبتسم وهي بتقيس خاتم ماسي ضخم،خاتم باين عليه الغلو... والغرور.


لكن اللي وجعها مش الخاتم...كانت الساعة اللي جنب نادين على الطاولة.

نفس ساعة علي.هي عارفاها كويس.


همست وهي بتكتم شهقة وجع:– يعني... معاها. 

معاها بيختاروا شبكة جوازهم...وهي هنا، بتنهار لوحدها. 

قفلت الموبايل بسرعة،وعيونها اتمالت دموع،مش مصدقة إن اللي كان من يومين بيقسم لها بحبه...بقى في يوم واحد بيختار شبكة لواحدة تانية. 

قلبها وجعها كأنه بيتفتح من جديد،الجرح لسه نازف،ومفيش ندم جاي منه،

ولا حتى لحظة تفكير فيها. 

كانت بتنهار بهدوء...كأنها بتغرق فـ صمت موجع.

-----------


في محل الجواهر، كانت نادين قاعدة جنب علي، عينيها بتلمع وهي بتجرب أطقم الماس قدام المراية.قالت بسعادة ظاهرة:

– الطقم ده تحفـة، بس أكتر حاجة عجباني الخاتم... شوف يا علي، مش شايفه إنه تحفة؟


بصت له وهي بتمد إيدها قدامه، والخاتم بيبرق في ضوء المحل.

رفع علي عينه من التليفون وبص بسرعة، قال بهدوء وهو بيرجع نظره للشاشة:

– ده الى عجبك.


ابتسمت نادين، المدير قال

– تمام كده يا علي بيه؟


أومأ علي بإشارة خفيفة، طلع الكارت من محفظته وسلّمه للمدير اللي سحب المبلغ بابتسامة وقال:– ألف مبروك يا فندم، ربنا يتمم على خير.


كان مالك داخل وقتها، وقف قريب وهو بيبص لعلي بنظرة فيها استفسار.

استأذن علي من نادين بخطوة بسيطة وراح ناحيته، وقال وهو بيحاول يخفض صوته:– كل حاجة تمام؟


رد مالك بهدوء، لكن عيونه فيها قلق:– آه، في الفيلا تمام... بس بصراحة، كنت خايف لو هي معرفتش تتصرف، تتهور إنت وتروحلها.

(سكت لحظة)

– ساعتها كل اللي عملته يضيع، والناس تصدق كلامها هي مش كلامك.


بص له علي بطرف عينه بنظرة تحذير واضحة،

فسكت مالك فورًا، بلع ريقه وقال بسرعة:

– أنا مقصودش، بس الوضع متوتر شوية... وانت، يعني، مش هتقدر تسيبها بسهولة.


قال علي ببرود ثابت:– عملت اللي قولتلك عليه؟


رد مالك:– آه، متقلقش... هي دلوقتي لوحدها تمامًا.


ابتسم علي ابتسامة صغيرة مافيهاش لا دفء ولا ندم، وقال:

– كويس.


رجع لعند نادين اللي كانت بتجرب العقد قدام المراية وتضحك بخفة،

وهو حس للحظة إن انعكاس صورته جنبها في الزجاج باهت...

كأنه مش هو.


في السيارة، كان علي سايق بصمت تام

قالت نادين – حاسة إننا اتسرعنا شوية.


بصلها علي، وهي قربت منه، ابتسمت وقالت بنعومة:

– مش مصدقة إنك هتكون ليا.


مدّت إيدها بهدوء ولمست دراعه، وقربت وشها منه بخطوة خفيفة،

لكن في لحظة،انتفض غرائز عليه الحاسيه ،السيارة انحرفت فجأة،وضغط على الفرامل بقوة!


صرخت نادين بخضة، وبعد ما وقفت العربية، بصت له بعينين مصدوماتين:

– علي! في إيه؟!


قال بصوت خشن ومتوتر: – إياكي... إياكي تقربي مني يا نادين.


اتسعت عينيها بدهشة: – إزاي يعني؟


قال بجمود واضح وصوت خافت فيه تهديد:– تصرفاتك... احسبيها قبل ما تلمسيني.


ضحكت بسخرية وقالت:– قصدك على المتلازمة اللي عندك دي؟!


علي سكت،وشه اتبدل،صوته اتقطع،وإيده شدت الدركسيون بعصبية،العروق في إيده كانت باينه كأنه بيحاول يمسك نفسه بالعافية.


قالت نادين – أوف، ده كله عشان لمستك يا علي؟... أمال لما نتجوز هنعيش إزاي؟أنا هكون مراتك مش غريبة عنك!


ماردش،قالت بنغمة متحدية:

– علي، احنا هنتجوز... فاهم معنى الكلمة دي؟ ولا الجواز عندك هيبقى بس ورقة؟


لف وشه عليها بحدة – نـــــاديـــــن!!!


قالت نادين : "منتا لازم تفهمني يا علي، أنا مش واحدة تجرّها وراك زي ما انت عايز، ولا انت فاكر إنك ما تسمحش لحد يقرب منك غيرها؟"


بصّلها علي باستغراب، فقالت هي بحدة أكتر:"وعد... اللي واكلة عقلك وتفكيرك عني."


اتسعت عينه بدهشة، وقال : "بتقولي إيه؟"


ردت نادين "مضايق من قربي؟ طب وهي؟ لما كانت بتقرب منك كانت اللحظة بتكمل ولا لأ؟"


شدّ علي نبرته وقال بغضب مكتوم "اتكلمي عدل من غير لف ولا دوران يا نادين."


ضحكت بسخرية وقالت: "وعد يا علي... أنا عارفة إن بينكم حاجة كبيرة."


قاطعها بعصبية "نادين كفاية."


لكنها كملت وكأنها بتسكب الزيت على النار:

"يوم الملعب، ممشيتش زي ما افتكرت... شوفتك وانت بتكلمها، كانت قريبة منك جدًا، مفيش حتى مسافة بينكم، كلامكم وهمسكم كان واضح... دي مش علاقة بنت بعمها، دي علاقة واحدة بحبيبها."


قال علي وهو بيكتم غضبه: "خلصتي؟"


 نادين ببرود وقالت: "كلامها عنك كان حقيقي مش كده؟ بينكم علاقة، ولما حسّيت بالخطر، رميت كل الحمل عليها... خلت بدران يطردها ويقول إنها خانته وشرفه، وهي فضلت تبرر، وهو مصدقك... مصدقك لدرجة إنه عمره ما تخيّل إنك أنت السبب في اللي حصل لبنته."


كانت امرأة ذكية بطبعها، وخبيثة كفاية لتستنتج كل ده، لكن علي ما اهتزّش، ظل ساكن تمامًا، عيونه مركزة فيها وكأنه بيقراها.

قال بهدوء بارد:"وبعدين؟"


نادين باستغراب وقالت:"يعني إيه وبعدين؟ بتحنلها ولا إيه؟"


مدّ علي إيده لتليفونه، عمل مكالمة، وهي بتبص له باستغراب.

قالت: "بتعمل إيه يا علي؟"


قال بثقة: "عايزك تسمعي بنفسك لبدران... يمكن الكلام اللي انتي متأكده منه يطلع صح."


بس قبل ما يكمل، أول ما بدران رد وقال "ألو"، نادين اتوترت وقفلت الخط بسرعة.

بصلها علي بنظرة فيها تحدي وقال بهدوء خطر:

"مالك سكتّي؟ المفروض إنك كنتِ عارفة الحقيقة الكبيرة دي، صح؟ ليه ما قولتِهوش؟"


قالت وهي بتحاول تبرر: "أنا سكت عشان جوازنا... بس كده."


ضحك علي بخفوت وقال ساخرًا: "خوفتي اتجوزها؟"


سكتت نادين لحظة، عارفة إنه دايمًا سابقها بخطوة، نظراته بتسبق كلامها، ذكاؤه مرعبها.

قالت بارتباك:"انت... متجوزها؟"


سكت علي ثواني، صمته كان أثقل من أي رد، وبعدين قال بصوت منخفض وجاد جدًا: "هعتبر نفسي ما سمعتش الكلام السخيف اللي قولتيه... بس لو اتكرر، إحنا هننتهي."


قالت بعناد وهي بتحاول تثبت نفسها:"وعد كانت بتقول الحقيقة يومها."


بصلها علي ببرود، وقال وهو بيقفل النقاش نهائي:"انتهينا يا نادين."


لكنها ما سكتتش، "أنا لازم أعرف أنا هتجوز مين بالظبط... أوقات بحس إنك... إنك عندك انفصام يا علي، شخصيات متعدده جوا بعض!"


قال علي بصوت هادي لكنه حاد:"الحقيقة هي اللي إحنا فيها دلوقتي."


سكتت نادين لحظة، وتنهدت وهي بتحاول تهدّي الموقف، وقالت بصراحة:

"أنا بحبك، وحبي ليك ساعات بيخليني أرتكب غباوة."


بصّ لها علي "غباوة زي إيه؟"


قالت نادين "اللي عمرك متتوقعه."


اقترب منها علي شوية، وبص في عيونها بعمق وقال بصوت منخفض:"تقتلي عشانّي."


ارتجفت نادين بخوف من نبرته المخيفة، لكنه أكمل وهو بعيد عنها شوية:

"سكّتي."


تنهدت، وبعدين قال بهدوء شديد: "علاقتنا هتكون سلسة يا نادين، أكتر مما تتخيلي، هتمر باللمح البصر."


نظرت له بارتباك وقالت: "أنت كمان بتحبني ولا لا؟"


ابتسم علي بابتسامة قصيرة وقال: "جوازنا جواب كافي."


ابتسمت نادين بخفّة، ثم اقتصر الصمت، علي شغّل السيارة ومشيوا بهدوء.

---


في اليوم التالي، وصلت وعد الجامعة ماشية بصمت، وراحت على المدرج، قابلت صحابها اللي كانوا قاعدين هناك:

– "وعد تعالى احنا هنا."


كانت وعد محتاجة شوية هدوء، عايزة تقعد لوحدها.

دخلت دكتورة نظرت لهم جميعا وبالذات وعد استغربت وعد من نظرتها

قالت الدكتوره- ممكن كلمه يا دكتوره وعد

بص الجميع لوعد عارفين إن علاقتهم مش حلوه عشان يكون ف بينهم كلام، نزلت وعد من المدرج ولما راحتلها قالت

- نعم يا دكتوره نهال

قالت نهال - ف صديق استقصدنى ف خدمه وانا باديها

استغربت وعد من الى بتقوله وقبل ما تتكلم، قالت نهال

- متحضرين محضرتى وروحى ع السكشن

استغربت قالت وعد- بس ليه أنا معملتش حاجه

قالت نهال - انا مقولتلكيش إنك عملتى حاجه متقلقيش مش هغيبك عندى

سكتت وعد وبصيت لصاحبها الى كانو بصينلها، خرجت وعد والباب اتقفل وراها قالت الدكتوره

- نركز هنا يدكاتره


وعد راحت على السكشن دخلت ملقتش حد هناك قعدت لوحدها مش فاهمه ليه خرجتها وليه جبتها هنا، تنهدت وفضلت تبص فى الساعه لقيت حد بيحسب كرسي وبيعقد قدام واتفجأت لما لقيته حازم بصيتله بشده

قال حازم- كنت فاكر نهال هتاخد وقت أكتر معاكى عشان كده اتأخرت

قالت وعد- انت بتعمل اى هنا

قال حازم- عايز أتكلم معاكي ف موضوع

قامت وعد وراحت عند الباب قال حازم - راحت فين

قالت وعد- انا عندى محاضره

قال حازم- أهدى انا إلى قايل لنهال تعفيكى من محاضرة النهارده

بصيتله وعد بشده معقول خرجتها عشانه، قالت وعد- وده ليه

قال حازم- انا هاجي ،وغرى معاكى يا وعد، بمناسبه الموضوع إلى كنت عايزك فيه من اسبوعين وحبيبك قاطعنا

بصيتلت باستغراب قال حازم- انا عايزك تفكرى ف موضوعنا تانى

قالت وعد بدهشه- موضوع اى

حازم- تتجوزينى






قال حازم بنبرة هادية لكن وراها قرار واضح:

— نتجوز.


وعد بصتله بشده من غير ما تنطق، قلبها دق بسرعة، مش عارفة ليه حسّت إنها أول مرة تتخطب بجد. المرة دي مش أبوها اللي بيتكلم ولا أهلها اللي بيوافقوا، دي منه هو شخصيًا... كراجل بيطلبها بنفسه.


قرب منها خطوة وقال بصوت واثق:

— المره دي الطلب مختلف


قالت وعد وهي بتحاول تسيطر على ارتباكها:

— منين بتقول عندي حبيب، ومنين جاي تطلبني للجواز؟


رد حازم:

— أعتقد هو لسه مقدمش طلب رسمي، ولا حتى فكر في خطوة حقيقية تجاهك يعنى فيه فرصه تكونى مراتى


بصتله وعد من غير ما ترد، فكمّل هو:

— مش عايز ردك دلوقتي.


بعدت عنه خطوة وقالت بنبرة مكسورة:

— اللي بتقوله... مينفعش.


استغرب وقال:

— ليه مينفعش؟


قالت وعد بسرعة:

— لا.


رجعت لورا، تبصله كأنها شايفة قدامها حياة كاملة راحت منها. لو كان في وقت تاني، في ظرف مختلف... يمكن كانت وافقت


قال حازم بحيرة:

— مش فاهم، يعني بترفضي؟


هزت راسها ومشيت. ناداها حازم بفضول — بترفضي عشانه؟


ما ردّتش. فزاد صوته شوية وقال:

— بتحبيه؟


نظرت وعد لحازم بنظرة صامتة، وقالت بهدوء وهي تحاول تخفي حزنها الىىظهر ف عينها من اسالته:

— اعرف إن رفضي ده خير ليك.


استغرب حازم من كلامها، فقالت وعد تكمل:

— تستاهل واحدة أحسن مني.


ابتسم حازم ابتسامة خفيفة وقال بسخرية

— بلاش عبارات الرفض الذوقية دي، انتي اكتر واحده مش بتشوفى حد أحسن منك أصلًا... اللي أنا أعرفه إن كبريائك عالى يا وعد بدران.


سكتت وعد، يمكن لأنه عنده حق، يمكن كانت مغرورة فعلًا. زمان كانت شايفة نفسها أميرة، وكبريائها عالي.

لكن دلوقتي... بتشوف نفسها أقل من أي بنت ممكن تقابلها.


لفت ومشيت من غير ما ترد، سابته واقف مكانه.

ناداها حازم — وعد!


ما بصتش حتى، خرجت وسابته وراها.


رجعت للمحاضرة بسرعة، دخلت وهي متوترة.

نهال رفعت عينيها وبصتلها باستغراب من اندفاعها، وعد قعدت في مكانها من غير ما تنطق ولا حتى تقول "عن إذنكم".

كل الطلبة بصّوا على نهال مستنيين تشوف ردّها على عدم استأذانها لكن وعد بتبصلها بكل قوه وجرأه لان لو نهال اتكلمت فهى مش هتسكت وهتقول انها خرجتها من المحاضره باتفاق من صحابها

نهاب كملت شرحها كأنها تجاهلت الموقف.


بس في نظرتها كان واضح إنها لاحظت إن مقابلة وعد مش كانت لطيفة.

خلصت المحاضرة، وعد بدأت تلم حاجتها بهدوء،

وقتها لفيت ياسمين وقعدت جنبها قالت

 – بحسبك مجتيش؟ مشفتش السواق والعربية؟"


ردّت وعد بهدوء: – "جيت بتاكسي."


قالت ياسمين بابتسامة فيها لمحة فضول "السواقين عندكم شكلهم مشغولين بترتيبات الجواز."


بصّت لها وعد بنظرة مستغربة، فقالت ياسمين بخفة دم:"إيه؟ كنتِ فاكرة إني مش هعرف؟"


قالت وعد "بتقولي إيه؟"


قالت ياسمين وهي بتحاول تفهم رد فعلها: "عمّك مش اسمه علي الهواري؟ أنا فاكرة شكله كويس أوي من النايت... مقدرش أنساه. مش هو هيتجوز يوم الجمعة؟ هو و... نادين، أخت مامتك، أظن كده اسم العيلة واحد؟"


اتسعت عيون وعد وقالت بذهول: "أممتي!؟"


ضحكت ياسمين بخفة وقالت: "هو انتي متعرفيش؟ ولا بتمثّلي؟"


قالت وعد بصوت مبحوح: "تاريخ إيه... يا ياسمين؟"


اتبدّل وجه ياسمين، فهمت إن وعد مش بتهزر وقالت بسرعة:

"الجمعة الجاية يا وعد... كتب الكتاب الجمعة الجاية."


سكتت وعد لحظة، قلبها وقع مكانه، حسّت كأن الدنيا لفت بيها.الجمعة الجاية؟!

يعني بعد يومين؟هيتجوزها فعلاً؟ بعد كل اللي بينهم؟

إزاي قدر بسرعة كده ينسى، ويمشي يكمل حياته عادي كأنه ما عملش فيها حاجة؟


قامت فجأة، خدت شنطتها ومشيت بسرعة من المدرج، نادت وراها ياسمين وهي مستغربة:"وعد! رايحة فين؟!"


بصّوا صحابها لبعض وقالوا بخفو "هي مالها؟ شكلها اتغيّرت فجأة!"


قالت ياسمين بهمس وهي بتبص مكان وعد خرجت:"غريبة... جدًا!"

-------


كانت وعد ماشية بسرعة، تليفونها في إيديها، عيونها مدمعة، قلبها بيقلب جوه صدرها.

لما فتحت التليفون، لقيت فعلاً خبر جواز علي ونادين معلن للجميع، صورة ورا صورة.

نادين، اللي كانت معروفة كويس باسمها كنائبة شركة بدران—أبوها وعد—معلنة الخبر بكل فخر.

إيدها تلجت ودموعها نزلت بسرعة وهي بتقرا الكلام، الصدمة كانت أقوى من أي كلمة تتخيّلها.

فتحت استورى ع صفحة نادين على طول، لقت فيها عنوان معرض أزياء مشهور


استوعبت وعد بسرعة، وركضت على أول تاكسي. أعطت السائق الصورة وقالت:

"وديني العنوان ده فوراً."


السائق بص لها باستغراب "بس ده بعيد أوي..."


قالت وعد "مستعجلة أوي، لازم أوصل."


أومأ السائق منحالتها، وركبت بسرعة، 

---


في أوضة مكيفة وراقية، كان علي لابس بدلة أنيقة، فيها دبوس ماسي على الجاكيت.

كانت البنت اللي بتساعده هناك هتقرب منه لكنه منعها

قالت البنت بابتسامة حذرة "هساعدك ؟"


قال مالك، اللي كان واقف جمبه: "ابعدي من فضلك."


خرجت البنت من الأوضة، وبعدها علي جلس على الكنبة بهدوء كعادته.

دخل مالك وقال:

"نادين خلصت في الدور اللي فوق."


أومأ علي بدون كلمة.رنّ تليفونه، قام يرد، وفك أول زرار من بدلته.

لكن قبل ما يكمل المكالمة، الباب اتفتح فجأة.

بصلها في انعكاس المراية... كانت هي.وعد.

واقفـة عند الباب، عيونها مليانة دموع وملامحها مرهقة، كأنها مشيت الدنيا كلها لحد هنا.


اتجمد مالك مكانه، وبص لعلي بقلق.شاور له علي بإيده من غير ما يتكلم:

"اخرج."


خرج مالك وقفـل الباب وراهم بإحكام. الهدوء خيم، بس قلب وعد كان بيصرخ.


قال علي بصوت واطي لكنه حاد: "بتعملي إيه هنا يا وعد؟"


قالت وهي بتحاول تمسك دموعها، "جيت أشوفك... أشوف حبيبي وهو بيتجوز واحدة غيري."


كلمة «حبيبي» خبطت ف قلب علي زي سهم. كانت الكلمة فيها لسه طاقة، فيها نبضة وجع لسه عايشة جواه، نبضة بيحاول يدفنها .


قربت وعد بخطوات مترددة، وقفت قدامه تبصله من فوق لتحت، نظرتها اتعلقت بالبدلة، بعينيه، بكل تفصيلة هو لابسها كأنها بتودّع حلم.

قالت بصوت مبحوح:

— شكل البدلة حلو عليك... كان المفروض نختارها سوا.


بصلها علي ببرود قاتل وقال بنبرة جافة:

— وعد...


قالت وهي عيونها بتلمع بالدموع:

— إزاي اتغيرت كده؟ الأسبوع اللي فات كنت معايا... كنت بتقولي إنك بتحبني، ليه فجأة الحب ده بقى حب مسموم؟ وجعني أنا بس...


كانت بتتكلم عن حبهم، عن لحظاتهم، مش عن جرحه ليها.

كأنها بتحاول تحيي اللي مات.


كملت بصوت مخنوق:

— كان المفروض أنا أكون مكانها... المفروض تكون ليا أنا لوحدي.


سكت علي، وصمته كان أقسى من أي كلمة.

دموعها نزلت بهدوء وهي بتشاور على صدرها وقالت:

— في نار هنا، نار بتحرقني كل يوم... وإنت الوحيد اللي يقدر يطفيها.

قعدت على الكرسي، كأن رجليها خلاص مش شايلة وجعها، وقالت بصوت مكسور:

— ليه عملت فيا كده؟ ليه قسيت عليا؟ ليه غدرت بيا؟ ليه أذتني؟

رفعت عينيها عليه والدموع غرقاها،

— الأذية تيجي منك إنت؟ أنا عملتلك إيه يا علي؟ قولّي... عملت إيه

قربت وعد منه بخطوات مهزوزة، والدموع بتغرق وشها، قالت بصوت بيرتعش:

— اتغيرت معايا كده ليه؟ عينك اللي كنت بلاقي فيها حب، بقت مليانة قسوة... قسوة عمرى ما توقعتها منك، ليه سبتني وأنا كده يا علي؟


قال علي ببرود مؤلم:

— امشي يا وعد من هنا.


صوته كان قاسي، كلمته بردت الدنيا حواليها، قالت وهي بتحاول توقفه:

— وقف اللي بتعمله يا علي... أرجوك، متتجوزهاش.


سكت علي، بس سكوته كان بيكسرها أكتر.

قالت وعد وهي بتحاول تلحق أنفاسها:

— أنا والله ما خدعتك، كل اللي كان في قلبي حب ليك... معقول يكون عندك شك إن اللي في بطني ابنك؟


بصّلها علي، ودموعها نزلت بحرقة وهي بتحط إيده على بطنها وقالت بصوت مختنق:

— والله ما حد لمسني غيرك يا علي... ده ابنك، بحلفلك بحبي، عمر محد عمل اللي إنت عملته معايا.


علي عيونه احمرت، بريق دمع ظهر فيها غصب عنه.

قالت وعد وهي بتترجاه:

— حس بيه، لو عايز تتأكد اتأكد، بس وقف الجواز ده.


سحب إيده منها بعنف وقال بصوت عالي متحشرج:

— كفااااية بقى! خلاص... بقولك امشي!


بصّت له وعد بنظرة مكسورة، والدموع بتغلبها قالت بهمس باكي:

— مش هقدر أستحمل إنك تتجوزها يا علي... قولتلك متأذنيش في غيرتي، متكسرنيش كده.قربت وعد منه بخطوات ضعيفة، وصوتها مليان وجع:

— إيه اللي حصلك يا علي؟ حتى بعد كل اللي عملته معايا، بقولك وقف أرجوك...


قربت أكتر، عينيها بتدور على أي رحمة فيه، وقالت بنبرة مكسورة:

— بتسيبني ليه؟ قولّي، أنا عملت إيه غلط؟ رد عليا، عملت إيه غلط؟


صوتها اتكسر أكتر وهي تكمل:

— أنا كنت بسمع كلامك في كل حاجة، حرفيًا كل حاجة كنت بتقولها كنت بعملها، ودي النتيجة اللي أنا فيها دلوقتي...


دموعها نزلت بغزارة وهي بتنشق الهواء بصعوبة:

— أنا هنا بسببك يا علي، حملت... وانت جاي ترميني؟ وده كله ليه؟


نزلت دموعها أكتر وهي تهمس بكسرة قلب:

— عشان ماعرفتش أقولك لا... عشان ماعرفتش أبعدك عني

في لحظة ظهر ضعفه، مسكها من إيدها بقسوة وقال ببرود:

— امشي يا وعد، امشي حالاً من هنا. كلامنا خلصان. إنتي مفيش عندك كرامة. كفاية بقواك. امشي!


سحبها وفتح الباب وطردها برة كأنه بيطردها من حياته ومن كل اللي جمعهم.

فلتت إيدها بغضب وصوتها اشتد:

— أوووعى... سيبني! أوععي!


بس قبل ما تمشي، وقفت مواجهة له بنظرة أخيرة، عيونها مولعة بالقهر والانكسار:

—  مش هنسى ياعلى، اوعدك انى هندمك..هخلى ندمك ياخدك. هخلي كل كلمة جارحة قولتها لي ترجع تكسّرك. هخليك تترجاني والدموع ف عينك... وده وعد من واحده حبت واتكسرت بخسارة حياتها كلها


كلام كان جاد تهديد قوى رمته وخليت قلبه يحس بالخوف من معناه ومشيت وشابته وهو قفل الباب بتجاهل، تترنح وعد من شدة الوجع. قلبها ما بقى ليه وجود، اتفتت وكل حاجة جواها اتكسرت. دموعها غمرت وشها؛ جاتله بقلب مكسور وحب مليان عذاب، لكن القسوة كانت أكبر من اللي تقدر تتحمله.

لفّت ومشيت من المكان، سايبة وراها آخر حاجة كانت بتملكها... كرامتها.

--------


كانت فاطمة قاعدة فى الصالة، كل شوية تبص فى الساعة وتتنهد بقلق:

– اتأخرتي ليه يا وعد؟


الليل بدأ يحل، وهي لسه قاعدة مش مطمنة.

فجأة سمعت صوت الباب، قامت بسرعة وخرجت تشوف.

شافت وعد داخلة...


بصتلها وقالت باستغراب:

– وعد! اتأخرتي ليه؟


لما وعد رفعت وشها، عيونها كانت حمرا، وشها مرهق وتعبان.

اتخضت فاطمة وقالت بخوف:

– إيه ده؟ مالك يا بنتي؟


عيون وعد اتملت دموع، ولما سمعت السؤال، الدموع انهمرت أكتر.

قربت منها فاطمة بسرعة وقالت بلهفة:

– مالك يا وعد، في إيه؟


اترمَت وعد فى حضنها وبكت بحرقة.

قلب فاطمة انتفض، حضنتها وقالت بقلق:

– وعد، قولي في إيه؟


قالت وعد بصوت متقطع من العياط:

– جرحني أوي... خانني وراح يتجوزها!

اتخلى عني... وكسرني!


فاطمة ربتت على ضهرها بهدوء وقالت:

– اهدي يا وعد، اهدي يا بنتي...


لكن وعد رفعت راسها وهي بتبكي وقالت بحرقة:

– قلبي بيوجعني أوي... ليه عمل فيا كده؟

أنا معملتلوش حاجة وحشة... أنا حبيته بصدق، وهو خدعني!

مثل الحب عليا... وأنا صدقته!


عيون فاطمة اتمالت حزن، حضنتها تاني وقالت بنبرة أم:

– اهدي يا حبيبتي، مفيش حد يستاهل دموعك.


لكن وعد كملت ببكاء:

– أنا خسرت كل حاجة يا فاطمة... خسرت عيلتي، خسرت نفسي،

وآخر حاجة كرامتي... خسرتها بغباي لما روحتله!


قالت فاطمة بصدمة:

– روحتيله؟!


ردّت وعد وهي بتبكي ودموعها بتغرق وشها:

– أيوه... روحتله. كنت عايزة أوقفه، كنت عايزة أسأله "ليه؟"


بصلها فاطمة قلة حيلة – ورد عليكي بإيه؟


قالت وعد بصوت مكسور:

– مدّانيش جواب... غير إني عرفت إنه عمره ما حبّني.

في عينه شوفت الجفاف اللي عمري ما كنت متخيلاه.


فاطمة بصتلها بحزن وقالت بهدوء:

– ليه وجعتي قلبك كده يا وعد؟ ليه؟

هو بعد كل اللي عمله... كنتِ فاكرة لسه هيكون حب؟!


هزّت وعد راسها وقالت بحرقة:

– أنا اللي عشت معاه مش إنتِ،

أنا اللي شُفت حبه، وكان حُب حقيقي... على الأقل بالنسبالي.


في اللحظة دي، بصتلها عبير بحدة من بعيد، ودموع وعد نزلت أكتر.

قالت وهي بتكتم نشيجها:

– كنت بحاول أدور على سبب، كنت فاكرة في حاجة خلّته كده...

بس طلعت أنا المغفّلة! أنااااا!

وانهارت تمامًا، بكاها كان موجع،

زي إنسانة اتكسرت بعد ما خسرت كل حاجة...

حسّت إن مفيش حاجة في الدنيا تقدر تعيش عشانها تاني.

--------


نزل حازم من عربيته قدام فيلا كبيرة، ودخل بهدوء.

جوه، كان فيه راجل قاعد على الكرسي في الحديقة، بيشرب قهوته وبيقرأ الجرنال.

قرب منه حازم وقعد جنبه وقال بابتسامة خفيفة:

– إزيك يا بابا... لسه كنت بتكلم مع وعد.


رفع أبوه عينه من الجرنال وقال بهدوء:

– كويس... والنقاش خلص على إيه؟


 حازم – مش موافقة...أعتقد اعتراضها مش علشان إنها مبتحبنيش زي ما كنت متخيل،اعتراضها شخصي أكتر.


قال الأب بنبرة فيها ثبات:

– يعني رفضتك.


رد حازم 

– آه، من غير سبب. حاولت أفهمها، حاولت أتكلم تاني... مفيش فايدة.


قال الأب وهو بيحط الجرنال على الترابيزة قدامه:

– مفيش مانع تحاول مرة كمان يا حازم.

شركة بدران وصلت للقمة، ولما نناسبهم ده هيكون دعم قوي لشركتنا،

خصوصًا بعد الأسهم اللي وقعت في الفترة اللي فاتت.


قال حازم – عارف يا بابا... بس وعد مقفلة كل الأبواب،

مش سايبالي حتى فرصة أدخل منها... لأنها في حياتها راجل.


نظر له الأب بثقة وقال:

– وممكن تكون مجروحة، وده يخليك الحل الأنسب ليها.

ابقَ جنبها، خليك داعم... هتعرف تدخل قلبها بالعقل مش بالعاطفة.


وبينما بيكلمه، حط الجرنال قدامه وقال وهو بيشير على الصفحة الأولى:

– اقرأ الأخبار... افتتاح الأسواق، وشركة بدران هتكون مؤسسة رئيسية.

جوازك من وعد بنت بدران مش مجرد زواج، دي نقلة مهمة لينا كلنا.


بص حازم لأبوه وقال بثقة هادية:

– عارف يا بابا... وبشتغل على ده.


ابتسم أبوه بخفّة وقال:

– أنا واثق إنك مش هتخذلني يا حازم.


---


في بيت فاطمة

كانت فاطمة واقفة عند باب الأوضة، بتخبط عليه بإلحاح:

– يا وعد... يا بنتي، افتحي الباب، اطلعي كلّمينى.


من ساعة ما رجعت وعد، وهي قافلة على نفسها،

ولا خرجت، ولا نطقت بكلمة.

فاطمة قلبها واجعها ومش عارفة حصل إيه جواها.


فجأة الباب اتفتح ببطء، وخرجت وعد بوشها المحمّر وعنيها باينة إنها بكت كتير.

بصتلها فاطمة وقالت بقلق:

– وعد، إيه كل ده يا بنتي؟


وعد كانت ماشية بتتارجح كأنها هتفقد توازنها.

استغربت فاطمة وقالت بسرعة:

– مالِك يا وعد؟


مدّت وعد إيدها على بطنها، كانت بتتألم بوضوح.

قالت فاطمة بخوف:

– أطلّبلك الدكتور؟


هزّت وعد راسها وقالت بصوت واهي:

– لأ... أنا خارجة شوية، متلحقنيش.


قالت فاطمة بسرعة:

– خارجة فين لوحدِك وانتي كده؟


ردّت وعد بعصبية، وانفعال– كده إزاي؟! شايفاني مجنونة خلاص؟!!


سكتت فاطمة من صدمتها وقالت بهدوء وهي بتحاول تمسك نفسها:

– أنا مقصدش كده يا وعد... أنا خايفة عليكي بس.


لكن وعد ما ردتش، ومشيت بسرعة،

خرجت من الفيلا كلها كأنها بتهرب...

من حياتها، من وجعها، من نفسها اللي اتكسرت.


تسير وعد فى طريقٍ لا تعرفه...

تسير رغمًا عنها، وكأن خطواتها تقودها إلى المجهول.

كل كلمة قالها "علي" ترنّ فى أذنها، كل وعدٍ، كل نظرةٍ، كل لحظة صدّقتها فيها.


تتذكر صوته وهو بيقول لها:

"أنا بحبك إنتِ يا وعد... أنا بكون معاكِ على حقيقتي."


كانت الجملة دي بالنسبة لها وطن...

كانت تحسها بالأمان وهو بيقولها وهى ف حضنه،

لكن دلوقتى، الشخص ده نفسه بقى أكتر حد أذاها،

أكتر حد دمّرها، مثل عليها... وكدب.

وطردها من حياته بجملة واحدة كسرت قلبها:

"خلاص يا وعد... الحكاية خلصت."


اتلمعت دمعتها، وبقت تحس بحرقة جوّا صدرها.

الشارع حواليها مليان عربيات رايحة جاية،

الأضواء بتخترق عينيها وهي ماشية شريدة...

زي المجانين اللي ضاع منهم كل شيء.


وقفت قدام محل منور، أضواءه مالية المكان بالبهجة.

رفعت عينيها ناحية الباترينة...

ومن ورا الزجاج، شافت مانيكان لابسة فستان زفاف أبيض جميل جدًا.


وقفت وعد مكانها، عينيها غاصت فى المانيكان...

تخيّلت نفسها مكانها، بالفستان الأبيض،

فى فرح بسيط... يوم كانت بتحلم بيه من غير دموع ولا خيانة.


نزلت دمعة دافية على خدها وهي تدرك الحقيقة المرّة...إن اليوم ده مش هييجي.مش بعد اللي حصل..، تتمنى ترجع للماضة تتمنى حياتها هادئه

واقفه باصه للفستان كالفاقده، دمعه بتنزل من غير ما تحس، ومشاعرها ملخبطة بين وجع وخيبة.

وفجأة، وقفت عربية جنبها، ولما بصّت، اتصدمت... كان حازم.


نزل من العربية قال:

– روحت الفيلا، واحدة قالتلي إنك لسه خارجة، مشيت أدور في الشوارع ولقيتك هنا.


بصّتله وعد، ودمعة كانت لسه سايبة أثرها على خدها.

قال حازم 

– انتى كويسة؟ بتعيّطي كتير انتى يا وعد.


ردّت – إنت بتلحقني؟!


اتفاجئ حازم وقال بهدوء:

– ليه بتقولي كده؟


قالت وعد بصوت بيتهز:

– عدّى ساعات على آخر كلام بينا... ممكن أفهم روحت الفيلا ليه؟


قال حازم وهو بيبص لتليفونه:

– رنيتي عليا.


استغربت وعد:

– أنا؟ رنيت عليك؟!


فتحت موبايلها بسرعة، وقفت مصدومة لما شافت مكالمة فعلاً باسم "حازم".

تمتمت وهي مش مصدقة:

– بس أنا... ما عملتش كده!


قال حازم بهدوء:

– مش بلحقك زي ما فاكرة يا وعد.


رفعت عينيها ليه وقالت – وانت جيتلي أول ما شفت الرنة؟


ردّ وهو بيتنفس ببطء:

– رنيتي، والمكالمة قطعت عشان مفيش شبكة، قلقت... وجيت.


سكتت لحظة وبصت حواليها، الشوارع فاضية والهواء بيخبط في شعرها، ثم سألها هو – بتعملي إيه هنا يا وعد؟


وعد مردتش على سؤال حازم، ومشيت بخطوات بطيئة.

وقف مكانه لحظة، بيبص عليها وهي بتبعد عنه، لكن فجأة لفتله وقالت بصوت واهي شوية:

– ممكن توصلني العيادة؟


قال بسرعة وقلق باين في صوته:

– أكيد... بس عيادة إيه؟


سكتت لحظة، وبعدين نظرت له وقالت بخفوت:

– نَسا.


اتجمد مكانه، نظراته اتبدلت، بس مقالش ولا كلمة.

----------


في العيادة، كانت الدكتورة بتكشف على وعد بهدوء وقالت:

– كنتي بتاخدي أي حاجة قبل الحمل؟


سكتت وعد شوية، ثم أومأت وقالت:

– حبوب منع الحمل.


رفعت الدكتورة عينيها وقالت بنبرة فيها لوم خفيف:

– ما تعرفيش إنها غلط جدًا، خصوصًا لو حصل حمل؟


قالت وعد بسرعة وهي متوترة:

– فيه إيه يا دكتورة؟


ابتسمت الدكتورة محاولة تهدئتها:

– انتي كويسة، والجنين كويس الحمد لله... مفيش أي خطر دلوقتي، بس...


قالت وعد بقلق:

– بس إيه؟!


تنهدت الدكتورة وقالت بصراحة:

– الاحتمال الأكبر إنه يكون فيه تشوه خَلقي


صمتت وعد، كلامها اتخنق في حلقها، ودمعتها وقفت على طرف عينها.

أكملت الدكتورة:

– هكتبلك فيتامينات تمشي عليها لو هتكملي الحمل ده، خدي بالك من نفسك كويس. ولو هتجهضى ف حالتك هيكون افضل عشانه


ما ردتش وعد، قامت بهدوء وخرجت من العيادة.

برا، كان حازم لسه مستنيها. لما شافها، وقف وسألها بهدوء:

– ممشيتش ليه؟


قال ببساطة:

– مش لما أروّحك؟

بصّت له وعد بنظرة فاضية، من غير كلمة، وبدأت تمشي جنبه في صمت...

صمت تقيل، مليان وجع وأسئلة مش لاقية إجابة.

-------


في الطريق، كانت وعد قاعدة جنب حازم، ساكتة، عينيها معلقة في الطريق اللي قدامها، ودمعة نزلت ببطء على خدها.

شافها حازم بعينه،قال بصوت هادي:

– هو السبب في دموعك؟


ما ردتش وعد، فضلت ساكتة، وصوته اختفى بعد السؤال ده.

الدنيا كانت هادية، بس جواها دوشة وجع.


بعد لحظات، قالت وهي بتبص قدامها:

– مش هعرف أتجوزك، عندي ندبة كبيرة في حياتي.


بصلها حازم وقال بهدوء:– ممكن أعرف الندبة دي إيه؟


اتنهدت وعد وقالت:– ممكن أسألك أنا؟ ليه عايز تتجوزني برغم إني رفضتك؟


سكت حازم، ماعرفش يرد، فاكر إن جوازهم وراه مصالح كتير، بس قال ببساطة:

– فيه حاجات كتير يا وعد.


ابتسمت وعد ابتسامة خفيفة كلها وجع وقالت:– ولا حاجة.


سكتت لحظة وبعدين قالت وهي لسه بتبص للطريق:

– فيه راجل دخل حياتي... حبيته... وثقت فيه، ومكنش لازم أثق فيه.


ابتلعت غصتها، والدموع رجعت تلمع في عينيها، بصّت له وقالت بصوت مبحوح:

– هو خلاني أحس بالخذلان، جرحني، وخلاني أعيش في خوف دايم لحد دلوقتي.


نظر لها حازم في صمت، ملامحه اتبدلت.

أكملت وعد بصوت واهي:

– ومعتقدش إني هتخطّى... لأني جرحي كبير... أكبر من إنك تتصوره.


قال حازم وهو بيبصلها بهدوء صادق:

– أعتقد إن الحل معاكي... انتي قولتي إنك معملتيش حاجة معيبة، وإنه هو اللي خلاكي تحسي بالخذلان وجرحك.


دموعها بدأت تسيل ببطء وهي بتقول بصوت مبحوح:

– أنا عملت حاجات كتير غلط... حبي ليه كان أكبر غلط.


اتكسرت ملامحها، والنشيج طلع من بين شهقتها المكبوتة، وقالت بصعوبة:

– هو عمل معايا كل حاجة تخليني أكرهه... وأكره نفسي.


بصلها حازم، عينيه وقفت عند دموعها الساكتة.

مد إيده بتردد، وربّت بخفة على كتفها.

ولما لمسها، رفعت وعد عينيها له بسرعة، ونظراتها فيها حرج ودهشة.


اتسحب حازم بإيده بسرعة وقال وهو مرتبك:

– مفيش حاجة تستاهل تبكي عشانها.


ما ردتش وعد، اكتفت ببصّة صامتة للطريق، وفضل حازم ساكت، مركز في السواقة.

بس جواه كان بيتغير، يمكن لأول مرة شافها بعين تانية،

مش كبنت بيعمل جوازه منها مصلحة... لكن كإنسانة موجوعة، جرحها كبير أوي،

أكبر من إنه يتقاس أو يتنسى.


----------


وقف حازم قدام بيتها وقال بهدوء:– اهتمي بنفسك يا وعد.

قالت وعد وهي بتبصله بتعب:– شكرًا.

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:– العفو... ولو احتجتي أي حاجة، كلميني.


أومأت له بإيماءة سريعة وهمّت تمشي،

لكنه ناداها قبل ما تفتح الباب:– فكّري في جوازنا يا وعد.

نظرت له وقالت :– قولتلك مينفعش... وبعدين إيه إصرارك ده؟ عندك بنات كتير غيري يا حازم.

رد بابتسامة غامضة:– لو صارحتيني بأسبابك، هقولك أسبابي أنا كمان.

قالت وعد وهي بتشيح بوجهها:– لو فعلاً مستعد تسمع... تعالى بكرة.

دخلت الفيلا وسابته وراه واقف في صمت


دخلت وعد جوه، شافت فاطمة واقفة بتبصلها بنظرات مش مفهومة، مزيج من قلق وتساؤل.

بس وعد كانت مرهقة... ما بقتش عندها طاقة لأي كلام.

عدت من جنبها بخطوات بطيئة، وطلعت على أوضتها.


فتحت الباب،ولسه بتدخل...وقفت فجأة.

اتسعت عيونها بدهشة ورعب لما شافت حد متوقعتش تشوفه واقف قدامها!

قبل حتى ما تستوعب،إيد امتدت من وراها...وشكة سريعة في رقبتها...


صوت أنفاسها اختفى، وجسمها ارتخى فجأة.

وقعت في حضن الشخص اللي كان قدامها مسكها فورا قبل ان تقع وحملها على زراعيه بحرص

--------------


علي واقف في نص الأوضة، صوته أنفاسه بس اللي مسموع، قبضته متشنجة وعروقه ظاهرة كأنه بيحاول يكتم وجعه. من ساعة ما مشت وعد وهو ثابت مكانه، بس كل حاجة فيها لسه حواليه... ريحتها، صوت بكاها، نظرتها الأخيرة اللي كسرت فيه جزء عمره ما اتكسر.

بص للفراغ وهو بيتنفس بصعوبة، تهيأله صوتها وهي بتحلف له إن اللي جواها ابنه، الكلمة اللي قلبت كيانه، الكلمة اللي بدل ما تهديه خلته يشك... ويسيبها.

رمى كل اللي حواليه، كسر الإزازة اللي على الترابيزة، مسك البدلة ورماها على الأرض بدون ما يبص لقيمتها، وكأنه بيحاول يتخلص من كل حاجة ليها علاقة بيها.


كان مالك واقف عند الباب، مش قادر يدخل ولا يسيبه لوحده. بص لعلي، لمح دمعة واقفة على جفنه.

هو عارف إن علي عمره ما بكى، بس المرة دي مختلفة... دي مش دمعة، دي وجع متكتم جوه راجل اتعلم يخبي ضعفه.


قال مالك بهدوء:

— انت كويس يا علي؟


رد علي بصوت مبحوح:

— مش قادر يا مالك... مش قادر أستحمل أكتر من كده. حاسس إني غرقان في وسخ نفسي، مش قادر حتى أبص ف المراية. بقيت أكبر ظالم في حياتها... أكبر خيانة هي أنا.


قال مالك وهو بيحاول يهديه:— هي متعرفش الأسباب.


رد علي — مفيش سبب يشفعلي يا مالك... لو عرفت الحقيقة، ساعتها هتتحول من حبيبتي لعدوتي.


مالك بصله وقال بهدوء: — وانت شايف إنكم لسه متحولتوش لعداوة؟


علي سكت، لمّ إيده اللي كانت راجفة، وبص للأرض، صوته نزل منخفض:

— انت مش فاهم يا مالك... أنا وصلتها لدرجة متتوصفش. أنا كسرتها... بإيدي.قعد علي ماسك راسه، وراسه مطأطأ، وصوته خافت لما قال مالك وهو جالس قصاده:

— مشاعرك بتغلبك على شخصيتك يا علي، وبترجع تختفي لحظة ما يسيطر عليك الانتقام وهدفك الحقيقي.


مالك قعد قدامه، بصوب له بعينين فيها حزن وفهم:

— أنا عارف إنك متضايق من اللي عملته، بس لما بتعمل كده كان هدفك دايمًا تشيل نقطة سودا ممكن تدمرّك. وعد كانت السبب، وده اللي كنت بقصده لما حذّرتك منها ومن حبك ليها... حبكم ده مستحيل يكمل.


بصله علي بصمت، ومالك كمل بصراحة مرة:

— دي الحقيقة، يا علي. أنت عبد لانتقامك.


رد عليه علي بنبرة مقطوعة:— خلي بالك من كلامك.


 مالك:— أنا معاك دايمًا، يا علي. معاك لحد ما تحقق هدفك وتحرر نفسك... وتحررها كمان. حرر حقها اللي انت عايش عشانه. بلاش تفكر في حاجة تانية. إنت زي نظام؛ لو دخل عليه تحديث زى اسم "وعد" النظام كله يتلغي.


وقوف مالك كان نهاية الكلام؛ قام ومشى وقفل الباب وراه.

فضل علي قاعد لوحده، الصمت حوالينه ضاغط، لحد ما أرخى جسمه على الكرسي، رفع عينيه للسقف وبص بعيون ملطّخة بالوجع والندم.


------------

قبل اسبوع

-----------


على كان سايق عربيته بسرعة، ماسك الموبايل على ودنه وبيتكلم مع بدران.

بدران قال – أيه يا علي؟


علي بجديه:– عايز أتكلم معاك ف موضوع مهم.


– موضوع إيه؟


قبل ما علي يرد، الموبايل رن برقم تاني... بص لقاه رضوان.

بدران أعاد السؤال:

– موضوع إيه يا علي؟


علي قال وهو بيبص على الشاشة:– هكلمك بعدين، سلام.


قفل معاه ورد على رضوان:– ألو.


رضوان قال من غير حتى سلام:– تعالى.


علي:– عندي مشوار مهم دلوقتي.


رضوان قال بنبرة حادة وواثقة:– تعالى يا علي فوراً... أنا عارف إنت رايح فين وبتعمل إيه، وبقولك تعالى.


استغرب علي من نبرة رضوان، بس قفل معاه وهو حاسس إن الموضوع كبير.

كلام وعد فضل يرن في دماغه، لما كانت بتقوله "استعجل يا علي، الوضع اللي أنا فيه ممكن يورطني لو حد عرف".

شد نفسه وغير مسار الطريق، رايح يقابل رضوان ف طريق مقطوع بعيد عن الناس.


وقف العربية ونزل منها قال– عايز إيه يا رضوان؟


رضوان بصله بنظرة فيها غضب وقال:– إنت ووعد... في بينكم علاقة؟


علي شد حواجبه وبصله بحدة، قبض إيده وقال بصوت منخفض بس فيه تهديد:

– وانت بتتكلم عنها... خد بالك من كل كلمة بتقولها، عشان ممكن تقصر وقت حياتك.


رضوان اتنرفز وقال بغضب:

– إنت بتهددني يا علي؟ عشان البنت دي؟!

دي وعد! أنا مش قادر أصدق إنها تعمل غلطة زي دي!


قال علي – عرفت إيه يا رضوان؟


رد رضوان بثقة:– عرفت كل حاجة... من أول ما هي حامل منك، ومن أول ما حددتوا معاد الجواز.


علي شد نفسه، الغضب كان باين ف عينه، قرب خطوة منه، بس رضوان ما اتحركش وقال بتحدي:

– كلامي صح ولا لأ يا علي؟بإمارة إنك كنت رايح تكلم بدران عنها!


علي قال بحدة:– اخرج من الموضوع يا رضوان.


رضوان رفع صوته وقال:– مش هخرج منه!أنا كنت سايبك تكمل ف سبيل هدفك الحقيقي... الانتقام، بس اللي أنا شايفه إنك ماشي عكس كده.


علي رد وهو بيحاول يمسك أعصابه:– وعد بره الدايرة دي يا رضوان.


رضوان بصله بدهشة ساخره قال:– يعني إيه بره الدايرة؟يعني كل اللي عملته كان لعبة لهدفك، وبعدين دلوقتي بقيت تقول بره الدايرة؟


سكت علي لحظة، وبعدين قرب منه وقال بنبرة تقيلة:

– كنت معاها ليه يا علي؟ كل ده فكرك بتخطط عليها....لو مش علشان انتقامك... يبقى علشان إيه؟


علي بصله بثبات وقال الكلمة اللي خلت الدنيا تسكت لحظة:

– أنا هتجوزها.


رضوان اتجمد مكانه، الصدمة باينة على وشه، مش مصدق اللي سمعه.

بس علي كمل وهو بيقرب منه أكتر:

– ابعد عن وعد يا رضوان...وبلاش تشوف مني وش هتندم إنك شُفته.


رضوان قال بنبرة فيها استغراب واتهام:– يعني إيه هتتجوزها؟!إنت بتحبها يا علي؟


علي ما ردش... لفّ وبدأ يمشي، بس صوته اتوقف لما سمع بدران بيقول من وراه:

– استنى هنا! قف... أنا بكلمك!


علي ما ردش برضو، كان ماشي بخطوات تقيلة، بس رضوان صرخ بصوت عالي:

– هتضحي بحق منى عشانها؟!


توقف علي في مكانه، جسده اتجمد للحظة.

قال رضوان بحدة– هتنسى انتقامك و...


قطع كلامه صوت علي العالي، حاد ومليان وجع:

– أنا عايش عشان لحظتها... بس!


رضوان قرب منه بخطوة وقال بحدة:

– وازاي هتتجوز وعد يا علي؟ بص... أنا مش هقولك تعمل إيه، عارف إنك هتعاندني،بس اختيارك لوعد... معناه إنك هتتنازل عن حق منى.


علي بصله بعيون حمراء، الشر باين في ملامحه أول ما سمع اسمها.

الجانب اللي بيخافوا منه الكل ظهر.


رضوان اتراجع خطوة وقال بنبرة مترددة:– علي...


علي قاطعه بسرعة:– وعد ملهاش دعوة.


رضوان رفع صوته:– لأ، ليها!وليهـــا كمان يا علي!


علي زعق فيه:– أنا مش قولتلك متتدخلش؟!وفاكر إنك هتأثر عليا؟ يبقى انسـى.


رضوان بصله بثبات وسأله للمرة الأخيرة:– بتحبها يا علي؟


علي رد من غير تردد، بصوت جدّي وواضح:– بحبها.


ابتسم رضوان بسخرية خفيفة وقال بهدوء قاتل:– وهي كمان... بتحبك.!؟؟


بصّ علي لرضوان من سؤاله، عينيه ضيقة:– قولت إيه؟


رضوان قافز عليه بكلامه من غير مقدمة، بصوته هادي لكن فيه قتال:

– هي بتحبك... أكتر من أبوها.


علي اتلخبط، قال باستخفاف نصفه غضب:

– عايز تقول إيه بالضبط؟


رضوان قرب منه لحد ما همس في ودنه:

– لو هتقدر تروح وتقولهالها الحقيقة... اتجوزها.وهتقدر تقولها إن هدفك في الحياة كله إنك تنتقم من أبوها وعيلتها كلها؟


علي ماردش، الصمت عمل فجوة.

رضوان كمل بثقة قاسية:– عندك القدرة والثقة إن حبها ليك هيخليها تختارك وتقف جنبك؟ حتى لو إنت بتأذيها قدام أبوها؟لو عندك الشجاعة دي... الطريق قدامك.


علي يعرف إن وعد بتحبه حب شديد، بس مش للدرجة اللي بيقولها رضوان. وقف رضوان جنبه، ونظراته كلها حقد وتحدي.

رضوان قال وهو بيميل عليه بالكلام كأنها همسة حرب:

– عندك الجرأة تقولها الحقيقة؟ تقوللها إنك دخلت جوه عيلتها عشان تدمّرها؟ تقوللها إنك مش عمها ولا مصدر أمان زي ما هي فاكرة؟ أنت القنبلة اللي لو وقتّتها هتفجّر فيهم كلهم... وأولهم هي. هتقدَر تقولها؟ ولا أقولها أنا؟


علي انقطعت أنفاسه من كلمة "قنبلة"، وصرخة صغيرة نادت اسم واحد:

– رررضوااان...


رضوان غاضب في نفس الوقت:

– إيييه؟! دلوقتي؟! بقيت متعصّب وبتسيبني في حرقة الدم ورايح تتجوز بنت بدران؟


علي اشتدّ لسانه وقال بحزم:

– انت مالكش دعوة... وإياك تدخل في حياتي الشخصية.


رضوان ما اترحمش، طلع له الكلام كله دفعة واحدة:

– حياتك الشخصية؟ حياتك قدامي زي كتاب مفتوح! فاكر لما اتفقنا الأول وانا دخلتك بيت بدران عشان أحطك على السكة اللي هتفجّر؟ كل اللي عملناه كان علشان هدف واحد


قال علىى- إنك تدمر بدران. وهو د٧ اللي هيحصل.


قال رضوان بصوت مليان غضب:

ـ مش هيحصل! بنت بدران لحستلك عقلك، زي ما خليتك تنسى مبدأك، وتنسى إن عيلته كلها أعداء ليك، بل كل اللي في البيت ده عدو ليك!

قمت تحب بنته؟ ورايح تتجوزها؟ رايح تناسب اللي كان سبب في موتي؟!


مسك إيد علي بقوة وقال بصوت غليظ:ـ وعد نسيتك؟ أنا هفكرك.


صاح علي وهو بيحاول يفلت منه:ـ ابعد عني يا رضوان!


لكن رضوان شدّه بعنف، ورماه جواه العربية غصب عنه، وقفل الباب بسرعة، وركب هو مكان السواق وانطلق بأقصى سرعة.


صاح علي وهو ماسك في الباب:

ـ وقف العربية يا رضوان!


رد رضوان بحدة وهو مركز في الطريق:ـ هودّيك ليها... هي اللي هتفكرك بنفسها.


علي بان عليه الغضب والخوف في نفس الوقت، صرخ بأعلى صوته:

ـ بقووولك وقف العربية يا رضواااان!


لكن رضوان تجاهله تمامًا، زوّد السرعة أكتر، عارف إن علي ممكن يحاول ينط، فمحطش قدامه أي سبيل للهرب من مصيره الحقيقي.


وقفت العربية قدّام مبنى ضخم، هيئته كانت أشبه بمستشفى خاص، واجهته لامعة وهادئة بطريقة مريبة.

نزل رضوان من العربية، وتبعه علي بخطوات متوترة. دخلوا جوّه المبنى، وكانت الطرقات ساكنة لدرجة تخوف، لا صوت ولا حركة... كأن المكان مهجور.


وفجأة، بدأ يظهر رجالة واقفين على أطراف الممر، ملامحهم جامدة كأنهم حرّاس.

المشهد بقى واضح إن المكان مش عادي... فيه حاجة كبيرة مستخبية جواه.


توقفوا عند باب غرفة مقفول، رضوان بصّ لعلي وقال بنبرة غامضة:

ـ كنت بتيجي هنا لوحدك، بس أول مرة أنا اللي أجيبك.اعتبرها تذكرة... مني ليك.ادخل يا علي، قابل "مني".


قرب منه وربّت على كتفه بخفة، فعلي بص له، وعيونهم اتقابلت لحظة طويلة، مليانة حيرة وغضب ووجع.


اتفتح الباب بهدوء، وكان جوه ممرض لابس كمامة، ملامحه مش باينة.

اتجه ناحية ثلاجة معدنية كبيرة، فتحها ببطء، وبدأ يخرج منها ما بالداخل.


دخل علي بخطواته البطيئة، كأنه في عالم تاني، عيونه معلقة بالمشهد قدامه، كأن في مغناطيس بيشده ناحية هناك...

لحد ما وصل للدرج المعدني، ومدّ إيده المرتعشة، رفع الملاءة البيضاء...


وظهر جسد مغطى بالكامل، السكون لف العالم في اللحظة دي.

رفع علي إيده المرتعشة، ومسك طرف الملاءة، رفعها ببطء عن الوجه اللي كان غارق في سكون غريب...

كانت فتاة، ملامحها هادئة كأنها نائمة بسلام، لكن بشرتها باهتة، يغمرها برود الثلج في كل إنش من جسدها.


اقترب منها، ووجهه ارتجف، وسقطت دمعة من عينه... ذلك الذي فقد قدرته على الإحساس، انهمرت دموعه فجأة كأنها شلال عمر ضايع.

مدّ إيده يلمس خدّها، لم يكن يلمس جلدًا دافئًا، بل جثة متجمدة عبر زمن، كأن الزمن وقف عند اللحظة اللي ماتت فيها.


قال بصوت مبحوح، يخرج بصعوبة:

ـ منى...


وفي لحظة، انفجرت الذكريات في دماغه كأنها شريط بيتعرض قدّامه.


بين الحب والانتقام


هينزل فصل كمان بعنوان "منى"




بيت بسيط، جدرانه قديمة، ورائحة الخبز فيه كانت دايمًا بتفكره بالدفا.

كان علي وقتها عنده ٢٠ سنة، راجع بالليل بعد ما خلص شغله في محل بقالة صغير بيشتغل فيه وقت متأخر.

فتح باب البيت بهدوء... بس أول ما دخل، وقف مكانه مصدوم.

الدخان مالي البيت، خنقه أول نفس، وقلبه بدأ يدق بجنون ورمى شنطته


صرخ بأعلى صوته وهو بيجري جوا:

ـ منى!


جرى علي ناحية المطبخ وهو بيصرخ:

ـ منى!


ما لقاش حاجة... خرج بسرعة برا، وصوته بيتقطع من القلق:

ـ منننى!!


فضل يدور في كل الأوضة، لحد ما عينه وقعت عليها... كانت قاعدة في ركن أوضتها، جري عليها علي، وهو بيقول بخوف:

ـ منى! في إيه؟


رفعت إيدها المرتجفة، وأشارت ناحية المكواة.

بصّ علي في الاتجاه اللي أشارت عليه، واتصدم...

المكواة مولعة في التيشيرت بتاعه، واللي بقى ملزوق في السجادة، والنار بدأت تنتشر!


جري بسرعة، فصل الفيشة وسحب المكواة بعيد، وفتح الشبابيك عشان الدخان وريحة الحريقة يخرجوا.

التفت ناحيتها وقال بصوت عالي لكنه مليان وجع:

ـ مين قالك تشغّلي المكواة يا منى؟!


كانت البنت جميلة... ملامحها رقيقه ناضجه كأنها أنثى شابة، لكن عينيها وتصرفاتها كانوا زي طفلة صغيرة، لا تتجاوز التلات سنين.


قرب منها علي وقال بهدوء وهو بيحاول يسيطر على خوفه:

ـ يا منى، أنا سايبك نايمة... قولتلك متقربيش من حاجة.

استني لما أرجع من الشغل.


قالت بصوت متقطعـ ا... آسفة يا علي.


قال بنبرة حزينة لكنه غاضب:

ـ انتي عارفة اللي عملتيه ده غلط؟

النار مش لعبة، المكواة دي ناااار يا منى!

مش عارفة تقعدي هادية لحد ما أرجع؟


قالت بخوف:ـ أنا...


صرخ فيها علي من كتر التوتر:

ـ انتي إيه يا منى؟! انتي إيه؟


قعد علي على الأرض، وضرب بإيده على ركبته بضيق... كان القلق والخوف لسه ماليه.

قامت منى بهدوء، كأنها طفلة بتخاف من عقاب والدها.


راحت ناحية المكتب، جابت ورقة صغيرة، وقربت منه بخطوات مترددة.

مدّت إيدها ليه، فرفع علي عينه وبصّ في الورقة...


كانت رسمة بسيطة: شاب لابس قميص مهندم، وبنت صغيرة واقفة جنبه وفرحانة.

رسم بريء جدًا، لكنه مليان إحساس.

وعلي، رغم إنه عمره ما حب الرسم، إلا إنه دايمًا كان بيفهم لغة منى من خلاله.


كان مكتوب فوق الرسمة بخط طفولي:

"أحبك أخي"


بصلها علي، وفهم كل حاجة من غير ما تتكلم...

هي كانت بس بتحاول تكوي له القميص عشان يفرح بيها.


قالت منى بصوتها المتقطع وهي بتقرب منه بخجل:

ـ ع... علي يكون حـ... حلو.


تنهد علي، ومدّ إيده يمسح على شعرها بحنان:

ـ كنتي بتعملي كده عشاني؟

بس ده خ..طر يا منى... النا..ر مؤذية، فاهمة؟


سكتت وهي باين عليها الحزن، شكلها كبير، لكن تصرفاتها طفلة لسه مش فاهمة الدنيا.


قالت بنبرة ضعيفة:

ـ علي... مش زعلان مني؟


قال علي بنبرة حازمة لكنها هادئة:

ـ ما تعمليش كده تاني يا منى، تمام؟


أومأت له بطاعة، وحطت إيدها على قلبها كعادتها، كأنها بتديله عهد مقدس.

ابتسم علي بخفة، لأنه هو اللي علّمها الإشارة دي، وكان عارف إنها لما توعده كده، عمرها ما بتخلف وعدها...

منى ما بتكذبش، قلبها صادق زي طفلة ما تعرفش الشر.


لكن علي لاحظ فجأة احمرار في إيدها، مسكها بخوف وقال بسرعة:

ـ إيه ده؟! إيه اللي حصلك؟


اتألمت منى لما لمسها، فبصّ لها علي بقلق أكبر:

ـ ده من المكواة، صح؟


خفضت عينيها، وما نطقتش... خافت يتعصب منها.

تنهد علي بضيق وقال بنغمة عتاب فيها وجع:

ـ منى...


رفعت إيدها الصغيرة وحطتها على بقها، بمعنى "ما تتكلمش"، كأنها هي اللي بتطمنه دلوقتي.


قام علي بهدوء، جاب مرهم من الصيدلية الصغيرة اللي عنده في الأوضة، ورجع قعد قدامها، وحط المرهم على جرحها برفق شديد، صوته ناعم وهو بيقول:

ـ بتوجعك؟


هزّت راسها بالنفي، وابتسمت بخفة وقالت:

ـ علي خايف على منى؟


بصلها علي بعين مليانة حنان وقال:

ـ أنا... مش بخاف على حد غيرك يا منى.


ابتسمت، وظهر لؤلؤ أسنانها البيضاء، ابتسامة بريئة وجميلة، خالية من قسوة الدنيا اللي دايمًا وجعتهم هما الاتنين.

---------


في ليل اليوم التالي، كان علي خارج من البيت في هدوء، رايح شغله.

الكل نايم، والشوارع ساكتة، حتى صوت الهواء كان خفيف كأن الدنيا كلها نايمة إلا هو.


وفجأة، سمع صوت بيناديه من بعيد:

ـ عااااالي!


وقف مكانه بدهشة، لفّ وعيونه اتسعت...

كانت منى واقفة عند الشباك، بتشاور له بحماس.


اتوتر علي وقال بصوت عالي شوية:

ـ منى! ادخلي فورًا!


انكمشت من رد فعله، خافت، فتنهد علي وحاول يطمنها، عمل بإيديه علامة إكس، وهي الإشارة اللي علمها ليها دايمًا بمعنى "خطر".


رجعت منى شوية للورا، واختبأت نصها خلف الشباك، لكنها فضلت تبصّ عليه من بعيد وهي بتشاور له بخجل.

غصب عنه، ابتسم علي وقال بنبرة حنونة بلغة الاشاره:

ـ نامي يلا يا منى.


أومأت بابتسامة صغيرة، وقفلت الشباك...

بس علي وهو بيبعد، لاحظ ظلها لسه واقف ورا الزجاج، كأنها مش ناوية تنام قبل ما تشوفه ماشي.ضحك بخفة منبرائتها انه مش هيشوفها كده


وفجأة، سمع صوت من وراه:

ـ شكلها بتحبك قوي يا علي.


اتلفت بسرعة، لقى عم جمال، راجل مسن لابس جلباب رمادي، بيبتسم له.

قال علي وهو بيرد عليه بودّ:

ـ إزيك يا عم جمال؟


ضحك الرجل العجوز وقال:

ـ بخير يا ابني... رايح تصلي الفجر جماعة؟


ابتسم علي وقال بأسف:

ـ للأسف، هصلي في المحل، عشان متأخرش... صاحب المحل بيتضايق لو اتأخرت.


مشوا سوا في هدوء على الطريق، وعين علي كل شوية تبص على شباك منى بقلق.

هو عارف إنها ما بتعرفش تتصرف لوحدها...

ولو فضلت صاحيـة، الخطر أكبر، لكن لو نامت، بيبقى مطمن شوية.

منى كانت زيه تمام... طفلة في جسد كبير، تعبث أحيانًا، لكنها ما تعرفش غير البراءة.


قال عم جمال وهو ماشي جنبه بهدوء:

ـ أختك منى عاملة إيه يا علي؟


رد علي بابتسامة خفيفة:ـ بخير الحمد لله.


سكت شوية، وبص له وقال:ـ هي متجوّزة؟ ولا مخطوبة؟


منى كانت أكبر من علي بثلاث سنين، يعني عمرها حوالي ٢٢ سنة.

هزّ علي راسه وقال:

ـ لا، عمرها ما ارتبطت قبل كده.


قال عم جمال وهو بيحاول يكون لطيف:

ـ آه، أصل قليل لما بشوفها بتخرج... دايمًا الباب مقفول عليها.


تنهد علي وقال بجدية:

ـ ماينفعش تخرج لوحدها،. لازم أكون معاها.


بصّ له عم جمال بنظرة فيها شفقة وقال:

ـ من ساعة ما جيتوا الحي ده، وانتو منعزلين عن الناس... بقالكم كام سنة كده؟


رد علي بهدوء:

ـ تمانية تقريبًا.


سأله عم جمال باستغراب:

ـ ليه كده؟ فين أهلك؟


قال علي بنبرة حزينة وهو بيبص في الأرض:

ـ أنا ومنى أيتام... أبونا وأمنا ماتوا وإحنا صغيرين، واللي ربّتنا كانت جدتنا.


قال عم جمال:

ـ وراحت فين هي كمان؟


تنهد علي وقال بصوت منخفض:

ـ اتوفت... كنا عايشين في بيتها، بس لما حصل هدم في المدينة، نقلونا هنا.


هزّ عم جمال راسه بأسف، وقال:

ـ طب وإنت يا ابني... مش بتدرس؟


قال علي:

ـ كنت واخد الثانوية، بس ما كملتش.


سأله الراجل العجوز بدهشة:

ـ ليه يا ابني؟باين عليك ذكى اوى


رد علي ـ المسؤولية كبيرة... لازم أشتغل عشان منى. يمكن أرجع أكمل دراستي، ويمكن لا... الله أعلم.


ضحك عم جمال بخفة وقال:

ـ بس شكلك كده يدي إنك الكبير، مش هي!

ما شاء الله، سابق عمرك يا ابني.


قال علي ـ منى أكبر مني بثلاث سنين، يا عم جمال.


رد عم جمال وهو بيهز راسه: ـ عارف... راوية، مراتي، كانت قعدت معاها قبل كده.

قبل طبعًا ما تبقى بتقفل الباب عليها بالشكل ده.

بس بصراحة، اليوم ده كانت منى خايفة جدًا، ومراتي ما كانتش تقصد تتطفّل، صدقني.


قال علي وهو مطمنه:

ـ عارف يا عم جمال، منى قالتلي وقتها.


ابتسم الرجل العجوز وقال بصوت فيه شجن:

ـ أنا ومراتي ربنا ما أنعمش علينا بنعمة الخلفه... الحمد لله على كل شيء.

بس منى كانت أول مرة تنسب حد ليها، وتقول عليها بنتها


سكت علي، وابتسم ابتسامة هادئة، وهو يتذكّر كلام منى القديم، بصوتها الطفولي وهي بتحكي له يومها:


> "طنط راوية طيّبة أوي... لعبت معايا، منى حبتها، بس مش أكتر من علي."


وصوت عم جمال قطعه من التفكير وهو بيقول وهو واقف عند باب المسجد:

ـ بلاش تحبسها يا علي... أنا عارف إنك خايف عليها، بس السجن حتى لو بحب... بيفضل سجن.


بصّ له علي بعين حزينة وقال:

ـ يا عم جمال، العالم بره متوحّش، ومنى... منى زي الملاك.


سكت لحظة، صوته بدأ يرتجف وهو يكمّل:

ـ أنا خوفي عليها مش منها خوفى من الناس

تنهد وهو بيفتكر - زمان... كانوا البنات بيتريقوا عليها، ويتنمّروا بسبب إنها أحلى منهم...أنا مش عايز كلمة تجرحها تاني.


اتنفس علي بعمق، ورفع عينه للسما وقال بهدوء مبحوح:

ـ منى عندي الدنيا كلها...

منى الحياة اللي أنا عايش عشانها.


ابتسم جمال ابتسامة بشوشة وقال:

ـ ربنا يخليكم لبعض يا علي، ويحفظهالك من ولاد الحرام.


رد علي بإخلاص:

ـ يا رب.


بص جمال في ساعته، وقال وهو يضحك بخفة:

ـ يلا يا ابني اجري، أنا أخرتك أوّي...

لف على فصاحة به جمال - اجرى، دانا ياما جريت في شبابي.


ابتسم علي ثم ركض فعلًا وهو بيلوح بإيده، وجمال فضِل باصص له بابتسامة راضية، قبل ما يخلع حذاءه ويدخل المسجد وهو بيسمّي باسم الله.


---


في السوبرماركت، كان علي واقف ورا الكاشير، بيرتّب الحسابات.

دخل ولد صغير ماسك إيد أمه، وكان بيقول لها بحماس:

ـ عايز أدفع أنا يا ماما!


ضحكت الأم وقالت له بلطف:

ـ ماشي يا حبيبي، خُد الفلوس.


مدت له الفلوس، والولد راح لعلي، سلّمه النقود وهو رافع راسه بفخر طفولي.

ابتسم علي وهو بياخد منه الفلوس، ومد له توفي محبّة صغيرة، الطفل بصّ لأمه مستأذنها، فقالت له بإشارة خفيفة:

ـ خُدها، قول شكراً.


قال الطفل وهو سعيد:

ـ شكرًا!


خرجوا من المحل مبسوطين، دخل رجل طويل، ملامحه فيها جدية وقال ـ الحنية كويسة، بس بحسها مش لايقة عليك يا علي.من ساعة ماشوفتك وانت غضبان، بتتحوّل لشيطان رجيم.


رفع علي عينه قال ـ إزيك يا أستاذ إسماعيل؟


قال إسماعيل وهو بيقف جنب الكاونتر بابتسامة بسيطة:

ـ بخير يا علي، بحب فيك حاجة جدًا... إنك بتتعامل مع الزباين بطريقة تخرجهم مبسوطين من عندنا، وده أهم من أي حاجة.


رد علي وهو بيكمل ترتيب البضايع:

ـ لما اتخانقت يومها، كان عشان شُباب جايين بيضايقو بنت، وده طبيعي، مش شيطان ولا حاجة زي ما بتقول.


ضحك إسماعيل بخفة وقال بنبرة أبوية:

ـ أنا مقدّر شهامتك، بس برضو يا ابني... متجبش المشاكل لنفسك، خلّيك في حالك.


سكت علي، ماردش، لكنه فعلا مش بيدافع عن حد بس وقتها افتكر منى مكانها فقلبه ولع


كتم أنفاسه وقال بهدوء:

ـ ممكن أمشي دلوقتي؟ الساعة بقت واحدة، وأنا المفروض كنت همشي من ١٢، بس استنيت حضرتك.


قال إسماعيل وهو بيقلب في الورق:

ـ آه امشي، بس استنى...


مد إيده بورقة مالية وقال:

ـ خد يا علي.


بصّله علي باستغراب:

ـ إيه ده يا أستاذ إسماعيل؟


قال إسماعيل بابتسامة صافية:

ـ إنت قعدت ساعة إضافية، وده حسابك. وبعدين، إنت بتتعب كتير وشايل معايا المحل على كتافك. خد يلا وامشي، عشان متتأخرش.


علىـ متشكر، تصبح على خير.


رد إسماعيل:

ـ وانت من أهله يا ابني.


خرج علي من المحل وهو بيحط الفلوس في جيبه، 


 الطريق كان هادي والليل ساكن كأنه بينصت لأنفاسه.

لما وصل البيت، فتح الباب بهدوء ودخل.

مفيش صوت… لا حركة… بس سكون مطبق.


قال بصوت واطي:

ـ منى؟


مفيش رد.

راح ناحيّة أوضتها وفتح الباب بهدوء.

كانت منى نايمة، وملامحها غارقة في براءة طفلة، ناعمة، كأن الزمن وقف عندها.

قعد علي على طرف السرير، وحط الشنطة اللي كان جايبها، جواها شوية حاجات بسيطة ليها.

مدّ إيده ومسح شعرها بحنية وقال بصوت خافت:

ـ عارف إني حارمِك من حاجات كتير… ومقيّد حريتك، بس غصب عني والله.


اتحرّكت منى في نومها، وببطء فتحت عينيها.

لما شافته، ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت بصوت متقطع:

ـ ع... علي.


ابتسم هو كمان وقال برقة:

ـ صحيتك؟


وسّعت له مكان جنبها، وشاورت له بإيدها كأنها بتقوله "تعالى".

مد إيده، ومدد جنبها بهدوء.

حضنته منى بكل براءة، كأنها طفلة بتدور على الأمان وسط عالم قاسي.


رغم إنها الأكبر، إلا إن الحياة كانت ظالماها...منحتها جمال انثى، لكن سرقت منها اكتمالها.


قالت منى بصوت واهي وهي بتدفن راسها في صدره:

ـ عايزة أخرج.


رد علي وهو بيطبطب على ضهرها:ـ هنخرج النهارده… نتعشى بره، ماشي؟


بصت له منى بعنيها الواسعة، حضنته أكتر وقالت بصدق طفولي:

ـ على معايا؟


ابتسم علي وقال:

ـ وأنا معاكي يا منى... دايمًا.

 باظلها العناق باكتافه الضخمه وكأنه إنش من قطعه ضلع فىىصدره يخبأها داخل قلبه من جديد


---


وفجأة...

قفزت الذكريات في عقل علي كأنها سيل جارح،تحولت تلك الذكريات إلى ذكرى أخرى.. صورة قديمة غارقة في الألم،

على كان الدم يغطي هدومه،والسماء بتصرخ بالرعد...

عاصفة مرعبة بتخبط في كل شيء، كأنها بتشارك حزنه وغضبه.


كان علي بيحمل منى على دراعيه،

جسدها ساكن... بارد...

والدم بيقطر منها بغزارة،

كل خطوة بيجريها كأنها حرب ضد القدر نفسه.


صرخ بصوت مبحوح:

ـ ليه عملتِ كدهـ منى! افتحي عينِك 


صوته بيتكسر مع كل حرف،

أنفاسه متقطعة، ووشّه ممزوج بالمطر والدموع والدم.

الطريق كان طويل ومليان طين


-انا اسف

كان صوته مبحوح يرتجف أعين تملأها الذعر والدموع القاهره

وقع علي وهو شايلها، بس خاف تقع معاها،

فاحتضنها فورا بجسمه كله، يخبّيها من وجع الأرض ومن برد الدنيا.


الناس حوالينهم بيبصوا بخوف،لكن ولا حد قرب يساعد...

كأنهم بيشوفوا مشهد من فيلم، مش إنسان بيموت قدامهم.


استند علي على ركبتيه،

حضنها أكتر،

الدموع سالت من عينيه،

اختلطت بدم المطر... وبدم منى.


كانت اللحظة دي فراق حياته...مش بس موت أخته،

دي اللحظة اللي مات فيها هو كمان — من غير ما يدفن.

--------------


ليفيق علي فجأة، يعود من دوامة الذكريات إلى واقعه المرير

 واقف أمام جثتها التي ظل يحتمي بها وكانه معاهد بعهد قطعَه لها منذ خمسة عشر عاماً.


انحنى أمام الجسد، نظراته غارقة في الانكسار؛ عيونٌ لم تظهر من قبل إلا في تلك اللحظة، تقرأ في الوجع ما لا تقوى الكلمات على حمله.


سالَت دموعه بغزارة وهو ممسكٌ بيدها المتجمِّدة، التي اشتعلت ثلجاً تحت قبضته. ولم يشعر بالبرودة، او الالم بل كان يمسك بها وكانه يتدفى فيها

 كان يظن أن قلبه تجمّد معها، فإذا به ينزف حنيناً بدل الدم: دموعه كانت كأنها نُزيف من قلبٍ لا يزال ينبض بالألم.


اقترب رضوان بخطوات بطيئة، وقف على بُعد خطواتٍ قليلة، وعيناه ثابتتان على علي، قال بصوت هادئٍ مُحشوٍ بالتهديد:

ـ بصّ لها كويس يا علي... ده انتقامك وهدفك الحقيقي. بصّ على اللي هتعمله.


لم يجب علي بكلمةٍ واحدة. بقي صامتاً، يداه ممسكتان بيدها، والعالم من حولهما خافتٌ من أن يُحرّك هذا الصمت أي حركة — كأن اللحظة نفسها تنتظر قراراً لم يُكتب بعد.


اقترب رضوان بخطوات بطيئةـ يوم ما اتفقت معاك كان اتفاق واحد — تدمير بدران في عينك. كانت النار اللي جواك قادرة تشغل حرب عالمية، بس دلوقتي شايف النار اتهمدت.


وقف قدّام ثلاجة الجثة، وبصّ لها نظرة طويلة قبل ما يكمل:

ـ التلاجة دي... أنا كنت بدفع عشان تحفظ جثة أختك فيها، بعيد عن أي انس أو جن يشوفها.


نظراته اتجهت لعلي، لملامحه اللي ما بقتش بتعرف نفسها:

ـ كنت بتيجي هنا، لكن رجلك اتغيرت؛ من ساعة ما بقيت تنسى حقيقتك، الشخصية المزيفة بقت تسيطر عليك.


لمس رضوان ودن علي بقربه، كلامه همس لكنه موجع:

ـ فوق يا علي... اعرف نفسك الحقيقية، اعرف انت مين وهدفك كان إيه.

ـ عيلة بدران؟ دي ممكن تكون وسيلة، بس مش عيلة.


أشار برأسه للجثة وقال بصوت مملوء سخرية وتهديد:

ـ بصّ لها كويس يا علي. بصّ قد إيه انت بتدفع هنا علشان تحافظ عليها لحد ما تاخد حقها وتنتقم للي عملوا فيها كده، وصلّوك انت وهي لهنا...


عيون علي ما زالت عالقة في الجسد الثلج، وكأنه يحاول يقرأ بين ثناياه وعدًا أو سببًا للوجود. رضوان جمع كلامه بصرامة أخيرة:

ـ لو كنت نسيت شكلها... هل هتضيع حقها؟ هل اللي انت بتعمله يستاهل إنك تتراجع عن معاناتها ومعاناتك؟ تضمن إن وعد هتكفيك بحقك أختك ودم.ها... جوابك هيحدد مصيرك


قال رضوان ذلك وخرج، ساب علي جوّه لوحده، وعيون رضوان تلمع بالدموع كأن نارًا داخليّة بتشعل قلبه. انحنى ظهره كما لو أنّ ثقل العالم عليه، همس في نفسه:

ـ حقك هيرجع.


رجعت عيناه تلمعان بنار الكراهية والدمار، وصار صوته قاضياً وحازماً:

ـ اللي عمل فيكي كده... هخليه يركع. هخليه يكفّر بوجود ربه علشان يسامحه. هخليه يتمنى ما اتولدش، وما يعيشش إللي هعيشهوله.


نزلت دمعة من عينه، ويده بقت مثلجة كايدها، بقت زرقاء من البرد أو من الجُرح. قعد جنبها تاني، وكأنه جثة بتحتضن جثة، سكون المكان مغشى عليه بوجع قاتل. ما تحرّك من هناك.


كان في المكان إنسان حي، لكن جوّه كان كله ألم وحريق وقهر — ظلم وانتقام مولع. رنّ تليفونه باسم "وعد"، لكنه ما ردّش.


قضى علي يومًا كاملًا جنب ثلاجة الجثة مقفول الباب عليه لم يخرج


ورضوان ظل واقف برة، لحد ما فتح الباب ورجعت الدنيا شوية: علي طلع منها، ورضوان بصّ له بتمعّن. كانت ملامح علي قد تغيّرت — حاجة في عينه رجعت لها رشدها، بقت زي ذئب جريح صاحي. رضوان لَمَح في وجهه حزمًا جديدًا، فسأله 

ـ ناوي على إيه؟


ردّ علي بصوت بارد، كأنه يعلن عهدًا لا يُنقَض:

ـ المرة الجاية وقوفك في وشي... هتبقى إعلان رسمي إنك عدوي.


وقف رضوان قدّام علي، بنبرة هادئة لكنها كلها تهديد:

ـ أنا كنت بحاول أرجّعك لنفسك.


ردّ علي بصوت بارد ومافيه أي تردد:

ـ أنا وإنت عارفين كل واحد عايز إيه. ولو انت عدّيت حدودك وعملت حاجة من دماغك، مش هتردد — هأتخلّص منك.


قالها ومشي، ورضوان واقف يبصّ له وهو مش متوقّع الرد ده. كان عايز يرجّعه لطبيعته، للشموخ اللي كان فيه زمان، علشان هدفه ما يتهدّش، لكن واضح إن علي بقى أشدّ وأشرس من أي حد كان يتخيّله.

---------


فى الفيلا دخل علي، وكان رجّالته واقفين عند الباب. تخطاهم بخطوات سريعة، دخل لجوه. أول ما قابل مالك، كان الأخير بيرن عليه.

لفّ مالك وشافه، وقال بنبرة فيها توتر:

– علي بيه... كنت فين؟


ما نطقش علي، وتقدّم منه فجأة، ونزل ببوكس قوي على وشه خلّى مالك يترنّح من قوته.

لسه مالك بيتعدل، قال بضيق:

– عليي..!


لكن علي رفع مس.دسه فى وشه، ومالك اتصدم، عيونه اتسعت وهو شايف نظرة القتل فى عين صاحبه.

قال مالك بصوت متقطع:

– بتعمل إيه يا علي؟


رد عليه علي بنبرة مليانة غضب وكراهية:

– خاين.


سحب الزناد ببطء، ومالك بصله بقوة وقال وهو بيحاول يفهم:

– هتقت.لني؟ فهمني على الأقل! أنا خونتك في إيه؟ مش مستحق حتى تفهمني قبل ما تموتني؟


قال علي وهو بيقرب أكتر:

– إنت عارف كويس اللي عملته.


في اللحظة دي دخل سيف بسرعة، عيونه راحت بينهم بشك وقلق.

قال – علي بيه؟


رد مالك بسرعة، وهو بيبص له من غير ما يزيح عينه عن علي:

– ارجع يا سيف، ملكش دعوة... دي خناقة بين اتنين صحاب.


نظر له علي وقال بصوت منخفض بس مليان تهديد:

– حذّرتك تتكلم عنها.عرفتك باللي بعمله بعيد عن عين الكل... لأنّي كنت مستأمنك، ومعرفش إنك الخاين اللي رضوان معيّنه ينقله كل حاجة بعملها!


مالك رفع صوته وهو متوتر:

– أنا متكلمتش عنك يا علي! مجبتش سيرتك، لا إنت ولا هي! صدّقني، أنا...


قاطعه علي بغضب:

– أنا مبصدّقش خونة! ومتحاولش تكدب، لأن مفيش غيرك يعرف عنها حاجة!


اتدخل سيف بخطوة للأمام وقال بحذر:

– علي بيه، أرجوك اسمعني بس...


رمقه علي بنظرة قاسية وقال مهددًا:

– لو اتكلمت، هتحصله إنت كمان.


هتف مالك بسرعة وهو بيحاول يبعد سيف بإيده:

– خليك بعيد يا سيف! قولتلك، دي بيني وبينه.

بص لعلي وقال بنبرة فيها وجع:

– علي... عارف إنك مضايق، بس والله سِيرتها مجتش على لساني مع حد! مش أنا اللي قلت لرضوان، والله ما أنا!


بصله على قال مالك – رضوان حط حد من رجّالته بين رجّالتنا... هو اللي دور ونقل كل حاجة.

رفع صوته شوية وهو بيقرب: –  كان بيتجسّس عليك في كل حاجة لما بتكون هنا معاك؟


حاول يبرر مالك اتنفس بصعوبة وقال – أنا حتى مكنتش أعرف بحملها، مكنتش أعرف إنك هتعلن وتجوزها... إنت معرفتنيش أي حاجة من دي يا علي! فأنا ازاى الى قولت لرضوان


علي كان واقف صامت، عيونه مهيبة ومرعبة لدرجة خلت المكان كله يسكت.

مالك بصله وقال بنبرة فيها صدق وتعب:

– علي، أنا متعاهد من زمان، من أول ما كنت واحد من رجالتك، إني أحميك... الشغل بينا اتقلب من "وفاء عمل" لـ "وفاء صحوبية".


علي رفع حاجبه وقال ببرود:

– عرفت منين إن في حد من رجالة رضوان؟


رد مالك – عشان مسكته وهو بيكلمه، بينقله كل حاجة بتحصل.


هنا علي أخفض سلاحه بهدوء، وسيف تنفّس الصعداء أول مرة من ساعة ما دخل.

قال علي بصوت حازم:

– هاته حالًا.


سيف مشي فورًا، من غير حتى ما يستأذن مالك.

قرب مالك من علي وقال بنبرة حذرة:

– حصل حاجة؟


علي بصله بنظرة جامدة وقال:

– خليك مكانك... لحد ما أتأكد من حقيقة كلامك.


اتراجع مالك باحترام ووقف في مكانه، وبعد لحظات رجع سيف وهو ماسك راجل مربوط من إيده ورجله.

أول ما شاف علي، الراجل رجله اتخبطت في الأرض من الرعب، حاول يفلت، بس سيف جرّه قدامه بالعافية.


بصله علي نظرة طويلة وصوته نزل غليظ ومهيب:

– إنت اللي نقلت لرضوان معلومات عني؟


الراجل نفى بسرعة وهو بيترجّى


علي قرب منه خطوة وقال :

– اتكلمت عنها؟ كنت بتتجسّس عليا لدرجة إيه بالظبط؟


سحب مالك الشريط من على بُقّ الراجل، فالتقط أنفاسه وقال بخوف:

– محصلش يا علي بيه، والله أنا مخلص ليك!


بصله علي ببرود يسبق العاصفة وقال:

– شوفتها معايا.


سكت الراجل وكانه بيفتكر، عيونه اتسعت، وبص لعلي بخوف قاتل انه وقعه ف الكلام.

قال علي بصوت هادي لكنه مليان غضب مكتوم:

– كنت ممكن أسامحك على إنك نقلت معلومات...

بس إنت اتعدّيت حدودك، ودخلت هنا وهي موجودة!


عمر علي سلاحه، والراجل قال بسرعة وهو بيترجّاه:

– والله ما كنت مركز معاها، مكنتش بشوفها!

أنا بس كنت بسمع حديثكم...


قبل ما يكمل، دوّى صوت الطلقة.

كتمت الرصاصة صوته، واخترقت دماغه في لحظة.


اتسعت عيون سيف ومالك من الصدمة، بصّوا لعلي بعد ما شافوا سرعة فعله اللي وصلت للقتل.


عودة إلى الواقع


رجع علي فيلا بدران خطواته كانت هادئة لكنها تحمل ثقل التفكير اللي جواه.

ولما طلع على أوضته، وقف فجأة...


باب الأوضة اتفتح، وخرجت منه رانيا.

لما شافته، وشّها اتلوّن، وابتسمت ابتسامة مرتبكة.


نظر لها عليّ بنظرة حادة وقال ببرود:

– كنتي بتعملي إيه عندي؟


اتلخبطت رانيا وقالت بسرعة:

– مفيش، كنت بتأكد من تنظيف الخدم للأوضة.


رفع حاجبه، وبص في ساعته:

– الخدم بينضفوا الصبح... معتقدش إنك بتفكّري فيّي بعد نص الليل عشان بس تراجعي شغلهم.


بلعت ريقها وقالت بنبرة فيها محاولة للسيطرة:

– قولتلك كنت بتأكد من النظافة، عشان انت موسوس منها... ومش عايزة حاجة تضايقك وانت عريس.


بصلها عليّ شوية، وبعدين ابتسم ابتسامة خفيفة وغامضة:

– لو كده... شكراً يا رانيا على اهتمامك بيا.


ابتسمت وقالت وهي بتلف:

– تصبح على خير يا علي.


لكن قبل ما تمشي،

إيده امتدت بسرعة،

ومسك إسورة إيدها وشدّها لورا بحركة عنيفة،

اتقلبت رانيا واتفاجئت من قوته.


قالت بانفعال وهي بتحاول تفلت:

– علي! بتعمل إيه؟!


اقترب منها، وصوته نزل غليظ وهادي في نفس الوقت:

– افتحي إيدك... مش عايز تجيلى الحالة لو لمستك وخدتها غصب عنك.


قالت بسخرية خفيفة رغم ألمها:

– لدرجة دي التلامس عندك صعب؟


قال علي بصوت منخفض لكنه حاد:

– معاكِم


رانيا باستغراب:– يعني إيه؟!.. أوعى، سيبني يا علي، إيدي وجعتني! مفيش حاجة معايا!


لكن عليّ شدّ على الإسورة أكتر، ضغطها بقوته لحد ما فتحت كفها غصب عنها.

وقع شيء صغير معدني، التقطه بسرعة من غير ما يرد عليها.


اتراجعت رانيا بخوف وقالت بانفعال:

– كانت عندك بتعمل إيه؟!


بصلها عليّ بنظرة جامدة وقال بهدوء قاتل:

– تصبحي على خير يا رانيا.


لكنها ما سكتتش، قالت – بيعمل إيه عندك لوجو شركة رضوان الشافعي؟!


 عليّ وقف،ثم رفع عينيه ببرود عجيب وقال:

– وانتي عايزة إيه بالضبط يا رانيا؟


قالت بعصبية واضحة:

– أوراق تعاقد شركتك في أمريكا مع شركة رضوان... ده معناه إيه؟

رضوان عدو كبير لينا، والكل عارف بكده! وأولهم إنت!


ابتسم عليّ – معاكي حق... رضوان عدو لينا، بس الكلام ده... ما بيتطبقش عليكي.


– قصدك إيه؟!


اقترب منها بخطوات بطيئة وقال بنبرة غامضة:

– عرفتي لوجو شركة رضوان الجديد منين يا رانيا؟


حاولت تخفي ارتباكها وقالت بسرعة:

– مش حاجة صعبة، أي حد ممكن يعرفه...


قاطَعها عليّ بابتسامة جانبية:– اللوجو لسه منزلش للعامّة...إلا لو انتي بتدوري بنفسك وبتتابعي تطورات شركته.


صوت أنفاسها ارتجف وهي تقول:

– قصدك إيه يا علي؟ ما توهّشنيش، وقلّي معنى اللي شوفته ده إيه؟!


وقف عليّ قدامها، نظراته سكنها في عينيها بثبات،

وصوته نزل بنغمة باردة تخفي خلفها العاصفة:

– انتي اللي هتقولّي، يا رانيا... معنى ده إيه.


قال علي "بعيدًا عن إنك دخلتي وفتّشتي ورايا بقالك فترة، وأنا ساكت، بس متوصّليش إنك تاخدي حاجة من عندي..."


 رانيا وقالت:"لو مكنتش دورت، مكنتش عرفت خيانتك لبدران!"


ابتسم علي بسخرية، وقرب منها خطوة وقال بنظرة ثاقبة:

"خيـانتي أنا؟ ولا إنتِ؟"


تجمدت مكانها، قالت بعصبية:

"إنت بتقصد إيه؟!"


قال علي ببرود:

"رضوان عدوّ واضح لينا، وكونه عدوّ لازم أدرسه كويس... والتعاقدات اللي شفتيها دي مجرد أوراق اختبار، لا أكتر ولا أقل."


هزّت رانيا راسها بعدم تصديق:

"مش هبلع الكلام ده يا علي، الورق واضح وصريح."


قال علي وهو يعدّل ساعته كأنه بيختم الحوار:

"دي حاجة ترجعلك... بس أوعى تدوري ورا رضوان تاني، وقتها بدران هيشك إن الخيانة مش من برّه... من جوّه."


قالت رانيا بغضب:

"اتكلم عدل، قصدك إيه؟!"


ردّ عليها بنبرة جافّة، قاطعة:

"قصدي إن لو دخلتي أوضتي تاني... متلوميش غير نفسك.

ده أول تحذير... والآخير."


صمتت رانيا للحظة، وهو دخل أوضته وقفل الباب في وشها.بصّت للباب، وشدّت قبضتها وقالت بغيظ مكتوم:

"أقطع إيدي لو ما فيش حاجة كبيرة وراك يا علي... وده مش من دلوقتي، من زمان أوي.

ولو فعلاً صح... تبقى كارثة على بدران."

--------


كان علي واقف تحت المية، نازلـة على جسمه بتغسل تعب الأيام عنه...

غمض عينه، لكن اللي شافه ما كانش سكون...

كان مشهد وعد، قدامه، بنفس النظرة اللي عمره ما قدر ينساها، وهي بتقوله بصوت مكسور:

"متأذينيش في غيرتي يا علي... وقف جوازك منها، حتى بعد كل اللي عملته فيا، أنا جيالك وبقولك كفاية اللي بتعمله."


مدّ إيده ومسح وشه، لكن الذكرى التانية خبطت في عقله بقوة...

وعد كانت ماسكة إيده، بتحطها على بطنها، ودموعها بتنزلق بصمت:

"ده ابنك انت...والله حامل منك... مفيش حد قربلي غيرك، لو شاكك، اتأكد... بس بالله عليك، بلاش تأذيني أكتر من كده."


افتكر اللحظة دي... إحساسه لما لمس بطنها، والنبض اللي حسه هناك، كأنه بيحس بروحه جوّاها... جزء منه بيتكوّن.

تنفس بصعوبة، وفتح عينه بحدة، المية نازلة من شعره على صدره وكتافه، بتغطي ملامحه الجامدة.


افتكر نظرتها الأخيرة، المكسورة، قبل ما يطردها بعد ما طفح الكيل...

كانت النظرة دي كفيلة تقتله من غير ما تلمسه.

هي مش هترجعله...

هو اللي كسرها، وكسّر كل حاجة بينهم.


رفع راسه للمية وقال بهمس كأنه بيكلمها:

"الوقت الحالي بس يا وعد...

الوقت ده وقتي أنا."

-------


في المكتب كان يوسف لسه في الشركة، الأضواء الخافتة منعكسة على شاشة اللاب توب اللي قدامه.

قاعد يراجع العرض الإعلاني الضخم لمشروع شركتهم الجديد، مشروع بيضم صور المهندسين، والمخازن، ومشاهد من مصانعهم، وتصميمات للسفن الحديثة اللي هتكون واجهة المؤسسة الدولية.

كل حاجة كانت بتتضبط بعناية... إعلان افتتاح هيمثل نقلة عالمية.


أنهى يوسف آخر تعديل، وسحب نفس سيجارته ببطء، نفث الدخان للأعلى وهو بيقول لنفسه بابتسامة رضا:

"هانت... كلها كام يوم، والحلم يتحقق."


الحفل المنتظر... الحدث اللي هتهتز ليه الساحة كلها، كان خلاص على الأبواب.


رنّ تليفونه فجأة، قطع عليه لحظة انتصاره.

مد إيده بسرعة ورد:

– "ألو."

جاءه الصوت من الطرف التاني متلهف:

– "لقيتها يا باشا."

يوسف شدّ نفسه للأمام وقال بحدة:

– "فين؟"

الرد جاءه بهدوء غريب:

– "في فيلا في زايد... تبع بدران بيه."


استغرب يوسف من الكلام... إزاي راحت هناك؟!

الفيلا دي ممكن أبوه يشوفها فيها، بس واضح إنها ما لقتش مكان تاني تروحه.

قفل المكالمة بسرعة، خرج من المكتب، ركب عربيته، واتجه على طريق زايد.


كان المطر لسه بينزل خفيف، وهو سايق بيبص في تليفونه، يسمع فجأة ارتطام قوي على الزجاج الأمامي.

رفع عينه... قطرات المطر كانت بتخبط بإيقاع غريب، كأنها أنفاس حد بيدق على الباب.


شغّل المسّاحة، لكن الإيقاع زاد.

الصوت بقى أشبه بقرع طبول الحرب.

وفجأة...

تحولت القطرات العذبة قدامه إلى دم.


اتسعت عينه من الصدمة، كل المطر اللي بينزل على العربية بقى نوافير دماء، بتتصارع فوقه، بترتطم بالزجاج، تصنع صوتًا مخيفًا...

كأن الحق نفسه بيستأذن بالدخول.


أصبح الدم يحيط بيه من كل ناحية، والنور الأحمر بيعكس على وشه من ضوء الطريق...

ثم ظهر وميض قوي جدًا قدامه!


يوسف لفّ الدركسيون بسرعة، حاول يتفادى العربية اللي كانت جاية، بس فقد السيطرة...

العربية انحرفت بقوة وارتطمت في شجرة على جانب الطريق.


الصمت ساد.

صوت المطر بقى طبيعي تاني.


يوسف فتح عينه، الدم بينزل من جبينه، والمطر العادي بينزل بلطف على الإزاز.

ولا دم، ولا أصوات، ولا نوافير...كله اختفى كأنه هلوسة واقعية جدًا

لكن المطر دايمًا كان تذكار...تذكار سنوي لشيء ما، لذكرى محفورة جواه، صوتها الأنثوي بيرن في عقله كل ما المطر ينزل:

– "السما بتمطر."

– "بتحبي المطر؟"


وقتها، كانت عيونها البنية المسحوبة بتبصله بابتسامة بريئة – "بحبه."


رفعت راسها للسماء، والمطر بينزل بخفة على وشها، وقالت كأنها بتردد حكمة متوارثة:

– "المطر يعني الفرج... والفرج من عند ربنا... فتح أبواب السما، ورفع الظلم، ونزول الحق للمظلوم."


ابتسمت بعدها، وضاقت عينيها وهي بتبصله، وقالت:

– "قالتها جدتي زمان."


كانت جملة بسيطة، لكنه ما قدرش ينساها أبدًا.

فضلت الجملة دي عايشة جواه، كل مرة يشوف فيها أجواء الشتاء "اللعينة" — زي ما بيسميها هو — بيرجع يسمع صوتها.


***


وصل يوسف الفيلا أخيرًا، ونزل من عربيته، الدم اللي كان نازل من راسه نشف على خده، وقف لحظة قبل ما يدخل، يتنفس العمق الثقيل في صدره.


فتح باب الفيلا، دخل جوه...

سكون غريب بيملأ المكان، نادى – "وعد؟"

لم يسمع يوسف صوتها.

نادى مرة تانية بقلق واستغراب – "وعد؟"


مافيش رد.

طلع الدرج وهو ينادي تاني، صوته بيختفي جوه السكون الكئيب.

وقف قدام أوضة باين إنها متوضبة بعناية.

دخل جوه ببطء، نظر حواليه...

كل شيء في مكانه، مرتب، هادي، بس خالي من الحياة.


خطواته كانت بطيئة لحد ما عينه وقعت على كوباية شاي أخضر على الترابيزة الجانبية.

مسكها بين إيده — كانت باردة، وباين إنها معمولِة من ساعات.

ده معناه إنها كانت هنا فعلًا...

لكن السؤال: فين راحت؟


خرج يوسف من الأوضة، عيونه بتتحرك في كل زاوية كأنه بيدوّر على طيفها،

بس الفيلا كانت صامتة كأن فيها حدث حصل قبل ما ييجى

-------


فى اليوم التالى استيقظ علي فجأة، فزعان، عيونه مفتوحة على الآخر، أنفاسه متقطعة.

رفع عينه للسقف وهو لسه بيستوعب الحلم اللي صحاه.

مسح وشه بإيده الثقيلة، قام من على السرير بخطوات مرهقة.


مد يده ناحية القنينة اللي على الكومود، فتحها وشرب منها جرعة كبيرة.

الخمر كان بيحرق حلقه، لكنه محتاجه... محتاج يسكت بيه الضجيج اللي جواه.


خبط الباب.

دخل مالك نظر لعلي اللي كان قاعد على طرف السرير، عيونه شارده.

قال مالك – "مالك يا علي؟"


رفع علي عينه له، وقال وهو بيحاول يسترجع نفسه من الكابوس:

– "حلم... متشغلش بالك."


بص مالك للكباية اللي فإيده وقال – "بتشرب على غيار ريق؟"


على– "عادة اضطريت عليها... بس هتوقف قريب."


بصله علي بثبات وقال:– "قول، جاي ليه؟"


مالك– "بعت الدعوات بالأسماء زي ما قلت يا علي، ناقص تقوم وتجهز نفسك لبُكرة... كتب كتابك."


رفع علي عينه له، نظره كان بارد كأنه بيرفض الكلمة من جواه.

 مالك – "أنا هقابل رضوان النهارده، بعتلك مسدج بيأكد فيه على الخطة... شكله خايف تغدر بيه."


 علي قال

– "خليه خايف... ده اللي أنا عايزه."


قال مالك:– "يعني متطمنوش؟"

رد علي بابتسامة جانبية وهو بيلبس قميصه:

–  على قد ما تقدر."


خرج مالك وسابه لوحده،

علي بدأ يبدل هدومه، قلع التيشيرت وهو بيتجه ناحية الدولاب...

وفجأة الباب اتفتح من غير استئذان،

دخلت نادين بابتسامة كلها ثقة.


قالت وهي بتقف في النص بخفة:

– "كنت عارفة إنك مش هتكون نايم، خصوصًا في يوم زي ده."


رفع علي نظره ببرود وقال:

– "فيه باب يا نادين."


بصيتله باستغراب وقالت:– "المفروض أخبط عليه؟ خلاص يا علي، بكرة هتكون جوزي... الباب مش هيبقى بينا بعد كده."


قربت منه بخطوات بطيئة، والكلام بيطلع منها بإغراء متعمد:

– "مقلتليش... آخر البُعد ده إيه؟"


مدت إيدها ناحية كتفه، منغير ما تلمسه وتنتظر ان تلمسه...ةبص على ورا شاف يوسف معدى مسك إيدها، خلاها تلمسه بنفسه.


نظرت له نادين بدهشة، قالت

– "علي..."


قال علي – "تقدري تلمسيني."


دق قلبها بعنف، ابتسمت بخفة،

قربت منه أكتر واحتضنته بحماس وقالت بصوت متهدج:

– "متعرفش كنت مضايقة إزاي من بعدك..."


وفي اللحظة دي، كان يوسف واقف، عيونه مثبتة على المشهد قدامه...

علي واقف قُرب نادين، واللحظة اللي بينهم كانت كفاية تخلّيه يصدّق إن شكوكه السابقة كانت مجرد أوهام.

نزلت نظرة يوسف عنهم ببطء، شد نفسه وسار بخطوات ثابتة، كأنه بيحاول يهرب من مشهد وجعه أكتر مما ريّحه.


علي لمحه وهو ماشي، نادين بعدت عنه بخفة،

مدّت إيدها تمسح على وشه، وقربت تبوسه،

لكن علي وقفها بيقول بصوت مبحوح متماسك:

– "كفاية."


نظرت له نادين باستغراب:– "مش فاهمة؟"


قال علي – "لما تبقي مراتي."


سكتت نادين لحظة، نظرتها كانت مترددة، لكن في النهاية ابتسمت بخفة وقالت:

– "ماشي يا علي... اللي تشوفه."

وقربت من الباب وأضافت بدلع فيه تهديد لطيف:

– "بكرة حفلة كتب الكتاب، وبعدها الفرح... كنت جاية أفكّرك بس، عشان لو فكّرت تهرب... هجيبك."


ابتسم علي ابتسامة ميتة، من غير كلمة.نادين خرجت بابتسامتها الواثقة،

وسابته واقف لوحده في نص الأوضة، أنفاسه بتتقطع، عروقه ظاهرة في رقبته...كأنه الهواء نفسه بقى ضده.


دخل الحمّام بخطوات سريعة،فتح الميه بعنف، خلى الموج ينهال عليه،

غسل وشه، لكن ولا حاجة اتغيّرت...فضل ينظر في المراية، في وشه، في كل إنش من جلده لمسته، ثم وقف تحت الدش، والمية بتضرب جسمه بعنف.


بدأ يفرك نفسه كأنه بيحاول يزيل حاجة مش بيشوفها غيره، كأن لمستها حفرت علامة جوه جلده.


أنفاسه كانت مضطربة،وصدره بيتحرك بسرعة غريبة...مجرد فكرة إنه لمسها كانت كفيلة تخنقه،بس علي... علي كتم كل ده،وصمد كعادته، كأنه بيتعذب بصمت... وممنوع عنه حتى حق الصراخ.


نزل يوسف السلالم وعقله مليان صور متداخلة من اللي شافه فوق.في نفس اللحظة، قابلته رانيا في الصالة، اتخضّت أول ما شافته وقالت بقلق:

– "إيه ده؟! إيه اللي في دماغك يا يوسف؟ ده دَم!"


مدّت إيدها على رأسه، والقلق مالي ملامحها.

يوسف تراجع وقال بهدوء:

– "خَبطة خفيفة يا ماما، متقلقيش."


لكن عينيها كانت بتقوله إنها مش مصدّقة.

قال بسرعة، وهو بيحاول يغير الموضوع:

– "المهم... بابا فين؟"


قالت رانيا باستغراب:

– "بدران؟! مرجعش من امبارح."


يوسف وقف لحظة، الاستغراب باين على وشه:

– "يعني مشفتيهوش خالص؟"


هزّت رانيا راسها وقالت:

– "يمكن في الشركة."


رد يوسف – "لا، أنا كنت هناك لحد بالليل... يمكن خرج مشوار، على العموم أنا رايح الشركة هشوفه."


قالت – "رايح فين؟! مش المفروض تحضيرات الحفلة شغالة؟"


 يوسف قال:– "حفلة؟ إحنا عندنا حفلة فعلًا... بس حفلة من نوع تاني."

سكت لحظة، ونبرته بقت هادية وباردة:

– "الافتتاح؟ أيوه... أعتقد علي هيقدر، ما هو حاطط فرحه في ميعاد أزمة الصراحة."

ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة ومشي.

------------

في اليوم التالي،

كانت الحديقة تتحول إلى لوحة راقية استعدادًا لحفل بسيط لكنه أنيق.

الجرسونات بيجهزوا الطاولة الطويلة اللي هيتكتب عليها عقد القران،

الزهور البيضاء متوزعة بدقة، والموسيقى الهادية بتملأ الجو.


وقف علي قدام المراية وهو بيظبط جاكت بدلته،

صوته ثابت، لكن عيونه فيها بُعد غريب.

دخل مالك عليه وهو يلهث – "كنت فين كل ده؟!"

ردّ علي بهدوء وهو بيربط زرار الجاكت:

– "الطريق؟"

قال مالك بابتسامة باهتة:

– "متأخرتش صح؟"


علي رفع نظره له وقال بابتسامة خفيفة فيها حذر:

– "لسه بدري يا مالك... كل حاجة لسه بتبدأ."


رنّ تليفون علي.مدّ مالك إيده وخده منه وهو يقول:

– "هيكون معايا لحد ما تخلص اليوم."

اومأ علي بتفهم، ثم خرج من الغرفة.

قابله يوسف وجهًا لوجه، قال:

– "شكلك عريس بجد."

تجاهله علي من غير تعليق وسأله مباشرة:

– "فين؟"

ردّ يوسف – "لو بتسأل عن بابا، فأنا من اول امبارح مشفتهوش

بصله على باستغراب قال يةسف بيكمل-بس ماما قالتلى انه جه الصبح ونام فكتقلقش يعنى انت الوحيد الى مش بيسيبه لوحده


من وقت حادثة وعد، وبدران بقى قليل الكلام كأنه شخص تاني.

دوّى صوت ضوضاء خفيف من أسفل، فاتجه علي ناحية السلم ونزل بهدوء.


المساء كان عتم، والإضاءة في الحديقة خافتة، راقية، كلها ذوق وهدوء.

شاف نادين واقفة بالفستان الأبيض رقيق، ملامحها كلها فرحة وابتسامة كبيرة وهي تبصله.

جنبها كانت رانيا، واقفة بنظرة غريبة تجمع بين المراقبة والحيرة.


قرب علي بخطوات ثابتة وقال لنادين:

– "نزلتي بدري؟"

ردّت بابتسامة خفيفة:

– "الشيخ جه والناس كمان... انت اللي اتأخرت."


بص علي في ساعته وقال بنبرة جامدة:

– "أنا متأخرتش."

نظرت له رانيا بنظرة كأنها بتحاول تقرأ وِشّه، أما نادين فتنهدت وقالت بابتسامة متصبرة:

– "ماشي يا علي."


تحركت رانيا وسابتهم سوا.نظرت نادين لعلي جه المصور اقترب منهم وقال بلُطف:– "صورة، من فضلكم."


لفّت نادين إيدها حوالين دراع علي، وابتسمت

بص لها علي لحظة، ثم نظر للمصور وابتسم ابتسامة باهتة، كأنها مجرد رد فعل مشاعر ميّتة.

لكن وِشّ علي ما كانش وِشّ عريس،كان وِشّ راجل واقف وسط المعادلة الغلط،

كان الجميع يوجّه أنظاره ناحية علي ونادين، والابتسامات مرسومة على الوجوه.جلس العروسان أمام الشيخ، اللي فتح دفتره الكبير ورتب أوراقه، ثم سحب منديله يمسح عرقه الخفيف قبل ما يبدأ.


نادين كانت بتبتسم لرانيا، نظرة فيها فرحة وأخت بتشارك أختها اللحظة المنتظرة.في اللحظة دي، دخل بدران بخطوات واثقة، وجلس جنب علي.

نظر له علي، فابتسم بدران وقاله 

– "نسيت إن أنا اللي هجوزهالك يا علي؟...وبس ده ما يمنعش إنك أخويا قبل أي حاجة... ولا اى

ردّ علي بابتسامة – "أخويا يا بدران."


بدأ الشيخ في قراءة الفاتحة، وصوته الهادئ سيطر على المكان...

لكن عيون علي ما كانتش بتتابع الكلام، كانت معلّقة في البعيد.

شاف مالك جاي بخطوات سريعة، ملامحه متوترة.


اقترب منه وهمس – "تليفونك."

– "ماله؟ مش المفروض معاك؟"

رد مالك – "مكنش قصدي أفتحه، بس جاتلك مكالمة من وعد من الصبح... وبعدها بعتتلك مسج صوتي."


علي -هاته

 قال مالك بتوضيح -انا بعرفك بس عشان متقولش انى مقولتلكش...كمل ونشوف الموضوع بعدين

– "التليفون فين يا مالك؟"

مالك بص له، وبعدين للناس اللي بدأت تبصلهم مستغربة إنهم بيتهامسوا وسط الكلام المقدس.

مدّ التليفون ليه ولسا هيقوله متقومش لكن علي قام. وقفه يوسف قال

– "رايح فين يا علي؟"

رد علي – "هعمل مكالمة..."


بص له يوسف وقال باستغراب:

– "هو ده وقته يا علي؟ مكالمات في نص كتب كتابك؟"


لكن علي ما ردش وبعد بدون اهتمام لكلامه، فتح التليفون مكالمة فائتة.

رقمها.اسمه خرج من بين شفايفه بصوت خافت:

– "وعد..."


فتح الرسالة، ضغط على التسجيل.جاله صوتها... كان غريب، متكسر، فيه وجع ما سمعهوش قبل كده.


– "مبروك يا علي... على جوازك منها."


نَفَسه تقطع، وملامحه تجمدت.

كأن الهواء نفسه اتسحب من حواليه.


استمر التسجيل...

– "واضح إنك مشغول... حياتك مهمة برضو، أهم من حياتي أنا."

سكتت ثواني، وبعدين صوتها رجع أهدى... أخطر:

– "وأنت بتسمعني دلوقتي، هكون أنا في حتة تانية... في مكان انت مش فيه."


صوتها الموجوع بقى أوضح، حاسم، لا يشبه وعد اللي يعرفها:

– "اديْتك كلمة... وأنا هوفي بيها. كنت ضعيفة في اللي فات، بس دلوقتي... بثبتلك إني قوية زي ما كنت بتقول."


لكن التسجيل كمل، يخترق روحه زي سكين:

– "هسيبك يا علي... هبعد عنك للأبد. هخلص نفسي من اللي أنا فيه... من العذاب اللي أنا ما اخترتوش."


قلبه وقع في صدره، أنفاسه اتقطعت.

كانت الجملة الأخيرة كالطعنة:


– "حكايتنا ما خلصتش يا علي... حكايتِي أنا ابتدت دلوقتي...

أنا وعد...نفسها اللي كنت بتقولها بحبك،نفسها اللي بتقولك دلوقتي... إنك قتلتها.

إنت قتلت وعد...الحِمل اللي كان عليك انتهى...سلام... يا علي."


الصوت توقف، لكن الصدى لسه بيرن في ودانه،الصدمة كانت باينة على وش علي، لونه اتغير في ثانية، وعينيه اتسعت كأنه شاف كابوس قدامه.

في لحظة، جرى قدام الكل بدون ما ينطق بكلمة.


نادين وقفت مذهولة:– "علي!"

صوتها اتكسر، بس هو ما التفتش...ما شافش حد، كأنه الدنيا كلها اختفت من حواليه.


الكل وقف بدران ليةسف– "شوف رايح فين فورًا!"


يوسف ما ترددش، جري وراه بسرعة.

خرج علي من المكان كله بخطوات متوترة وسريعة، عينيه تايهة، أنفاسه متقطعة.الحراس قربوا منه باستغراب، لكن ما استنّاش حد منهم، فتح باب عربيته بعنف، ركب، وضرب على البنزين بأقصى سرعة.


في اللحظة دي خرج مالك وهو بينادي:– "علي! استنى!"


لكن علي ما سمعش...العربية اندفعت قدامه بسرعة مجنونة، كانت هتخبط مالك لو ما رجعش بسرعة لورا.


وقف مالك مصدوم، عيونه متسعة، بيبص للعربية اللي اختفت عن الأنظار وهو بيهمس بخوف:– "إيه اللي جرالك يا علي؟..."


كان علي سايق بجنون، رجله مضغوطة على البنزين لآخره، والعربيات حواليه بتزمر بهستيريا.عينيه متشنجة، والتليفون في إيده بيرتعش من كتر ما بيحاول يتصل. فتح الخط، لكن الصوت الآلي قتله من جوه:

"الهاتف الذي طلبته غير متاح حاليًا..."

رمى تليفونه بضيق – "وعد! لا... استنينى!"


الطريق قدامه ضبابي، عقله بيجري وبيرسم ما لا يمكن توقعه

الهواء بيصفّر حواليه، وصوته بيتهدج من الخوف،كل لحظة بتمر كانت بتزيد سرعته كأنه فهد بيجري ورا طيفها.


عيونه فيها لمعة غريبة... خليط بين الرعب والجنون.ما بقاش شايف الطريق، ولا بيسمع صوت العالم.


وفجأة...ظهر كمين قدامه، والضابط بيرفع إيده يشاورله يوقف.

لكن علي ما شافش...دخل في الحواجز بعنف، صوت التصادم دوّى والناس اتجمدت مكانها.


الكل اتصدم، عيونهم بتلاحق العربية اللي طارت من الكمين كأنها هاربة من الموت.

بس الحقيقة... الموت كان هو اللي بيطارد علي.


وصل علي الفيلا وهو سايق بجنون، فرمل قدام البوابة ونزل قبل ما العربية حتى توقف كويس، جرى فورا للداخل

لكن قبل ما يتحرك خطوه...صوت ارتطام مرعب دوّى في المكان، حاجه وقعت من فوق — وارتجت الأرض تحت رجليه كأن زلزال ضرب فجأة.


تصلّب مكانه، أنفاسه اتقطعت، وكل حاجة حواليه سكتت.وكأن الزمن توقف 

لفّ ببطء... عينه بتترجّف، ووشه اتبدّل للون رمادي من الخوف.


نظره وقع على عربيته...

كانت متهشمة بالكامل، والسقف غارق في الدم.


وفوقها...

جسد مرمي، شعره منسدل ودمه بينزل على الزجاج المهشّم.


اتجمد علي.

ما قدرش يتحرك ولا حتى يتنفس.

الهواء اختفى، وصوته مات في حلقه.


عيونه فتحت على الآخر، سقطت الكلمة من بين شفايفه، ومعاها وقع كل شيء جواه.

قلبه توقف لحظة... وروحه كأنها انسحبت منه.


كانت هي... وعد.

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا



تعليقات

التنقل السريع
    close