رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الخامس وخمسون 55بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات
رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الخامس وخمسون 55بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات
ـ ٥٥ ~ بين الحياة ... والموت !! ~
أفاقت نغم على وقع ثِقَلٍ غامض يضغط على رأسها، كأن ضبابًا كثيفًا ينسدل داخل جمجمتها. فتحت عينيها ببطء، فاستقبلها بياضٌ ساطع يملأ الغرفة، ورائحة مطهّرات نفّاذة أكّدت لها أنها في مستشفى.
ولكن .. كيف ومتى ؟! فآخر ما تتذكره أنها كانت بغرفتها حين بلغها حسن بذلك الخبر المشؤوم، ولا تتذكر ما حدث بعد ذلك ، إذًا كيف وصلت إلى هنا ؟!
حاولت رفع رأسها، لكن موجة دوار اجتاحتها فأغمضت عينيها من جديد.. وبدأت الكلمات التي سمعتها قبل أن تفقد وعيها تتسلل إلى ذهنها من جديد .
ـ فريد … هتفت بها وهي تنهض فورًا وتحاول أن تتمسك بوعيها وألا تفقده من جديد ، ثم سارت نحو الباب وأخذت تتلفت حولها ببطءٍ واهن، إلى أن وقعت عيناها على زينب التي تجلس إلى جوار حسن على مد بصرها، فانطلقت تشق خطاها نحوهما على عجل .
ما إن رآها حسن وزينب وقد خرجت من الغرفة مترنّحة، تستند إلى الحائط بخطوات غير متزنة، حتى نهضا إليها على الفور. سبقت زينب الجميع وركضت نحوها قائلة:
ـ إيه اللي خرجك وانتي دايخة كده يا نغم .. تعالي ارتاحي.
لكن نغم لم تجب، كانت نظراتها هائمة مضطربة، تبحث عن شيء واحد فقط. و تمتمت بصوت ضائع :
ـ فين فريد؟! أنا عايزه أشوفه دلوقتي حالا.
اقترب حسن ليسندها قائلاً:
ـ طيب تعالي ارتاحي…
غير أنها أزاحت يده بعنف يائس، وصرخت بإصرار:
ـ فين فريد يا حسن؟!
تنهد حسن، وأدرك أن لا سبيل لتهدئتها بالكذب، فقال أخيرًا:
ـ فريد في العناية… مش هنا. في الدور اللي فوق.
تحركت نغم فورًا، وكأن الكلمات أعادت الدم إلى عروقها:
ـ أنا رايحة له.
أوقفها حسن قبل أن تخطو خطوتين:
ـ مش هيدخلوكي… أنا حاولت أدخل له محدش رضي…
ثم خفّف نبرته، وأشار برفق:
ـ تعالي بس اقعدي واصلّبي طولك الأول… وبعدين هخليكي تشوفيه والله.
نظرت إليه بعجز، ثم تبعته باستسلام. جلست على المقعد، وأسقطت رأسها بين كفيها، لتنفجر في بكاء حارّ .
أسرعت زينب وجلست جوارها، تُطوّق كتفيها بذراعٍ حانية، تهدهدها كطفلة مذعورة.
بينما وقف حسن على بُعد خطوات قليلة، كان يحدّق في نغم بعينين يملؤهما الشفقة والتعاطف، غير قادر على احتمال رؤيتها منهارة على هذا النحو. لكنّ قلبه لم يستطع أن يستقر في صدره، فبدأ يتحرّك في الرواق جيئة وذهابًا، خطواته سريعة متوترة، كمن يحاول الهروب من فكره ولا يستطيع.
كانت الأحداث تتدافع في رأسه بعنف… ما قاله عمر، وكيف تطورت المشاجرة، وكيف انتهى كل شيء بانهيار فريد وسقوطه. اشتعلت الدماء في عروقه من جديد، وارتفع الأدرينالين في جسده حتى شعر بأن رأسه يكاد ينفجر من الغضب. راوده شعورٌ طاغٍ بضرورة رؤية عمر فورًا… ليس للعتاب، بل ليُعلّمه درسًا مريرًا قد يظلّ يذكره ما عاش.
ظلّ على حاله، يتحرك بعصبية واضحة، يضغط كفيه، ثم يفتحهما، ثم يعاود الضغط كمن يحاول ضبط نفسه فلا يفلح. كان يغوص في دوامةٍ من التفكير لا يعرف لها مخرجًا، إلى أن اخترق أذنيه صوتُ حركة غير معتادة.
انتبه إلى ضجة خفيفة في الرواق… فرفع رأسه بسرعة، ورأى نغم تقف بجوار إحدى أفراد طاقم التمريض، تتحدث إليها بانفعالٍ ظاهر رغم ضعفها. لم ينتظر لحظة، وانطلق نحوهما على الفور ..
ـ أرجوكي .. خليني أشوفه ولو دقيقة واحدة.
هتفت نغم برجاءٍ يقطّع نياط القلب، فالتفتت إليها الممرّضة بنظرة يغلب عليها الهدوء المهني، وقالت بلهجة حاسمة:
ـ أنا آسفة حضرتك بس المريض حالته لسه مش مستقرة ومحتاج هدوء تام.
لم تتراجع نغم، بل مدّت يديها المرتجفتين وأمسكت بذراعي الممرّضة، تتوسّل بعينين غارقتين في الذعر:
ـ لو سمحتي، والله ما هعمل له إزعاج ولا هخليه يحس بوجودي أصلا، بس أشوفه وأخرج.
إلا أن الممرّضة ردّت هذه المرة بصرامة لا تلين:
ـ مش ممكن.. انتظروا لحد ما يتنقل على أوضة تانية بكرة، ووقتها هيكون مسموح ليكم بزيارته.
رمق حسن نغم بنظرة يملؤها القلق حين رآها تكاد تفقد أعصابها من شدّة التوتر، ثم التفت إلى الممرّضة محاولًا التفاهم معها:
ـ معلش يا آنسة.. خليها تدخل خمس دقايق حتى، مش هيجرى حاجة يعني إن شاء الله.
وبحركة مرتبكة، أخرج مبلغًا من جيبه، ونظر حوله بحذر، ثم دسّه في يدها وهو يقول بصوت خفيض:
ـ مشيها.. ده الناس لبعضيها.
تجمّدت الممرّضة في مكانها، ونظرت إلى النقود في قبضتها بصدمة، قبل أن تهتف بغضب مكتوم:
ـ إيه ده يا أستاذ إنت؟! هو حضرتك مفكر نفسك إيه بالظبط ولا مفكر نفسك فين؟!
ارتبك حسن، ورفع يده في محاولة لتهدئتها، لكنه فوجئ بها ترفع صوتها أكثر:
ـ إحنا هنا مستشفى محترم..!
مرّر حسن كفّه على مؤخرة رأسه بتوتر، وقال معتذرًا:
ـ لا مؤاخذة.. مخدتش بالي.
رمقته بغضب وامتعاض وهي تقول :
ـ مخدتش بالك إنك في مكان محترم ؟!
زم شفتيه بضيق ونفاذ صبر وهو يقول :
ـ ما خلاص يا عروسة قلت لك لا مؤاخذة مخدتش بالي، اسكتي بقا متعمليش حوار وشوفي شغلك من سكات.
طالعته بانزعاج واضح ثم أشاحت بوجهها وهي تقول :
ـ دي تعليمات مفيش فيها نقاش أو تفاوض .. عن اذنكم.
في تلك اللحظة شعرت نغم بأن الأرض تدور بها مجددًا، وانسحبت كل ألوان العالم من حولها. تمايل جسدها قليلًا وكادت تسقط، لولا أن حسن وزينب أسرعا وأمسكا بها قبل أن تهوي، ثم أجلساها برفق على مقعد قريب حتى استعادت أنفاسها المرهقة، بينما كان حسن ينظر إليها وقلبه يقرع صدره بشدة خوفًا عليها.
حينها حدقت الممرّضة في وجه نغم بعينين تمتلئان بالتعاطف، وقالت بنبرة رقيقة تخفف من توترها:
ـ تعالي معايا الأول خليني أجهزك.
سارت نغم خلفها بخطوات متثاقلة، وكأن الأرض تهتز تحت قدميها. ومع كل خطوة تقترب فيها من جناح العناية المركّزة، يزداد انقباض صدرها، وتشعر بثقل يضغط على رئتيها حتى كاد يمنعها من التنفّس.
توقّفت الممرّضة أمام غرفة جانبية صغيرة وفتحت الباب، مشيرة لها بالدخول، ثم قدّمت لها ثوب العناية الأزرق، وغطاءً للرأس، وكمامة طبية، وقالت وهي تلاحظ ارتجاف أصابعها :
ـ شيلي أي إكسسوارات… وعقّمي إيديكي كويس قبل الدخول.
ببطء يكاد يكون موجعًا، خلعت نغم محبسها، ثم سلسالًا رقيقًا يحمل اسمها. ثم رفعت نظرها نحو الممرّضة بصعوبة، وسألت بصوت يتهدّج خوفًا:
ـ هو… حالته سيئة للدرجة دي؟
تردّدت الممرّضة قليلًا قبل أن تجيبها بلطفٍ حرصت أن تُطمئنها به:
ـ الحالة مش حرجة أوي الحمد لله… لكن لسه مش مستقرة. علشان كده الزيارة خمس دقايق بس.
أومأت نغم بطاعة مذعنة، بينما تابعت الممرّضة:
ـ وطبعًا ممنوع تلمسي المريض… وحافظي على هدوئك قدر المستطاع.
لم تتمكّن نغم من الرد. فقط أومأت وارتدت الكمامة بيدين مرتعشتين، كأنهما لا تنتميان إليها.
قادتها الممرّضة خارج الغرفة نحو ممرّ العناية المركّزة…
وما إن فُتح الباب، حتى اجتاح مسامعها صوت الأجهزة:
صفير أجهزة الإنذار…
نبضات القلب الإلكترونية…
أزيز أجهزة التنفس…
تلك الأصوات التي تُذكّر بأن كل من في هذا المكان يقف على حافة رقيقة بين الحياة والموت.
توقّفت الممرّضة أمام باب غرفة فريد، نظرت إلى نغم نظرة عميقة تحمل تعاطفًا صامتًا، ثم فتحت الباب ببطء شديد… كأنها تخشى عليها من الصدمة.
وما إن خطت نغم أول خطوة داخل الغرفة، حتى شعرت بأن الهواء انقطع عن رئتيها فجأة.
الغرفة أمامها ساكنة… سكون مخيف يسبق العاصفة.
الإضاءة الخافتة تلقي دائرة نور ضيقة فوق السرير… والباقي غارق في ظل خفيف.
وفريد…
مُسجّى بلا حراك.
الأنابيب ممتدة إلى ذراعه.
جهاز التنفس إلى جانبه يصدر أنينًا خافتًا.
وشاشة القلب تعرض خطوطًا خضراء مستقرة… لكنها بطيئة حدّ الوجع.
تجمّدت نغم.
اهتزت قدماها حتى خشيت أن تسقط.
مدّت يدها نحو فريد بارتعاش فاضح… ثم اقتربت خطوة بعد أخرى حتى أصبحت بجواره.
وقفت تتأمّل ملامحه الشاحبة… الوجه الذي لطالما كان سندًا لها ولهم جميعًا.
ذلك الرجل الذي كان جبلًا من القوة… يتحمّل عن الجميع أوجاعهم… يقف أمام العواصف وحده.
ها هو الآن… راقد في صمت، يصارع الموت بلا سلاح.
رفعت نغم يدها من جديد… تمنّت أن تمسك بيده، أن تُخبره بأنها هنا، وأن وجودها قد يعيد إليه الطمأنينة التي كان يمنحها لها دومًا.
لكن خوفها من أن تؤذيه جعلها تضم يدها إلى صدرها، وتكتفي بالوقوف قربه… تبكي بصمت خافت، كأنها تخشى أن تزعجه حتى بدموعها.
وقفت إلى جواره تنتحب بصمت، تمرّر عينيها على ملامحه المنهكة، ذلك الوجه الشاحب الغارق في اللاوعي، والصدر الذي يرتفع ويهبط ببطء تحت تأثير الأجهزة، كأن كل نَفَسٍ ينتزع انتزاعًا .
اقتربت أكثر حتى صارت تكاد تلمس حافة السرير، وانكمشت أصابعها على طرف معطفها محاولة كبح رعشتها، بينما كانت عيناها تجولان بين الخطوط الخضراء البطيئة على الشاشة، وبين وجهه المسجيّ أمامها، كأنها تبحث عن أي علامة صغيرة تقول إنه ما زال يسمعها… يشعر بقربها… أو يستشعر خوفها عليه.
كانت لحظة كفيلة بأن تخلع قلبها من مكانه.
تقدّمت خطوة أخرى، ثم همّت بمدّ يدها من جديد، تودّ لو تحيط كفّه بكفّها، علّ دفء يدها يصل إليه فيعيده إليها…
لكن فجأة شقّ السكون صوتُ صافرةٍ قصيرة حادة انطلقت من الجهاز الملاصق للسرير، فارتجفت نغم في مكانها وتراجعت خطوة إلى الخلف، وكأن الصافرة صفعت قلبها مباشرة.
التفتت بعينيها المذعورتين نحو الشاشة، فرأت الخطّ الأخضر يرتجف ويهبط قليلاً..
لم تفهم ما يحدث…
هل ساءت حالته؟
هل اقترب من الخطر مرة أخرى؟
شهقت بفزع، وتراجعت خطوة بلا وعي، قبل أن يُفتح الباب بعنف، ويهرع طبيبان وممرّضتان إلى الداخل.
أمسكتها الممرّضة من ذراعها برفق، وقالت بحزم:
ـ لو سمحتي اتفضلي دلوقتي..
سارت نغم إلى الخلف بخطوات متعثّرة، وكل خلية في جسدها تصرخ ألا تتركه، لكن الباب أُغلق في وجهها قبل أن تتمكن من قول كلمة.
وقفت خلف الزجاج، تبكي بصوت مكتوم وهي تراقب من خلف الباب الأطباء وهم يلتفون حوله، أحدهم يبدأ الإنعاش القلبي الرئوي بضغطات منتظمة فوق صدر فريد.. والآخر يثبت جهاز الصدمات.
انكمشت حول نفسها، كأن أحدهم ينتزع قلبها من صدرها… وضعت كفّيها على الزجاج، وأخذت تضربه بأنامل مرتعشة، وهي تهتف بصوت مختنق:
ـ فريــــــــــــــد!! أرجوك … عشان خاطري .
انفلت صوتها عاليًا، مجروحًا، مبحوحًا، حتى أن ممرّضًا اضطرّ إلى إبعادها خطوة ولكنها لم تتحرك قيد أنملة،
حيث أنها لم تكن تسمع سوى الصوت الرتيب القادم من الجهاز:
صافرة، ثم — صمت — ثم صافرة طويلة ممتدة .
اقتربت ممرضة أخرى وحاولت سحبها بعيدًا عن الزجاج لكن نغم ظلت راسخة كالجبل في مكانها، وعيناها معلّقتين بفريد، بصدره الذي انقبض تحت أول صدمة كهربائية، يعلو ويهبط كجسدٍ في صراع مع الموت.
انقطع صوتها، حتى بكائها تلاشى.. وقفت تحدق فيه تحديق الموتى وهي ترى جسده يهتز للمرة الثانية… كأن روحه تُنتزع أمامها.
شعرت وكأن الهواء انحسر من صدرها بالكامل… اختنق بصرخة لم تخرج… ثم انفجرت باكية، بصوتٍ عالٍ مرتجف، فأسرعت الممرضة تمسكها من ذراعها وتسحبها إلى خارج ممرّ العناية بالكامل، بينما تجرّ نغم نفسها جراً وهي تلتفت كالمجنونة، تبحث عنه ولو بنظرة واحدة.
وما إن خرجت إلى الردهة الواسعة حتى خارت قواها تمامًا وخرّت على ركبتيها، تمسك صدرها كأن شيئاً يحترق في قلبها.
لاحظاها حسن وزينب، فالتفتا معاً…
وما إن رآها حسن حتى نهض كالسهم، واندفع نحوها يهتف مذعورًا :
ـ نغـــم! إيه اللي حصل؟!
خرج الصوت من حنجرتها كطعنةٍ في قلبه..
صرخة حادة مزّقت السكون وارتجّ لها الممر كله.
انتفض واقفًا كمن لدغه عقرب، لم يحتج إلى تفسير؛ صرختها وحدها قالت له كل شيء… كل ما كان يخشاه.
اندفع بجنون نحو ممر العناية المركّزة، يفتح الباب ويدخل دون وعي، يبحث بعينيه عن أي وجه يطمئنه، قبل أن تعترض طريقه الممرضة وتسدّ عليه الممر.
حاول الإفلات منها وهو يهتف بصوتٍ مضطرب:
ـ أخويا جراله إيه؟!
أشارت له بلهجة حازمة:
ـ اتفضل بره لو سمحت…
لكن الكلمة لم تعُد تكفي.
رفع حسن صوته المتهدّج، وكأن ما تبقى من روحه يخرج معه:
ـ أخويا…
انهار صوته في آخرها، وانزلقت دمعة ساخنة على خده، ليلثم كفّه فمه كمن يخنق حسرة أكبر من احتماله.
دفعته الممرضة للخارج برفقٍ شديد وحزمٍ أكبر قائلة:
ـ لو سمحت… استنى برا وأنا هطمنك عليه.
خرج حسن مرغمًا، لا يشعر بقدميه، فقط قلبه الذي يهبط إلى قاع لا قرار له.
وقف في منتصف الممر، محاصرًا بين جهتين كلتاهما تنزف:
أمامَه… بابٌ مغلق خلفه يقاتل أخوه بين الحياة والموت.
وخلفَه… نغم مطروحة على الأرض، وزينب تحاول تهدئتها والاحتفاظ بوعيها.
أحسّ برأسه يشتعل، كأن جمرةً استقرت داخل جمجمته. رفع يديه ليمسك رأسه بقوة، كأنها كرة نار يريد إخمادها، بينما عيناه تدوران بذهول لا يدرك معه أي كارثة يركض إليها وأي كارثة يبتعد عنها.
وقف عاجزًا…
مشلولًا…
يتنفس بصعوبة وكأنه يختنق، وقلبه ينهار بين خوفٍ على أخيه… وفزعٍ على نغم التي فقدت وعيها من جديد أمامه.
رأى الطبيب يغادر باب العناية فجأة فاندفع نحوه بعينيه قبل كلماته، وسأله متلهفًا :
ـ طمني بالله عليك يا دكتور ..
نظر إليه الطبيب بعينين مرهقتين وملامح مشدودة، وقال بنبرة آسفة :
ـ كنا على وشك فقدان المريض لكن ربنا لطف، عملنا إنعاش للقلب والحمدلله استجاب في آخر لحظة .
انهزمت ملامح حسن وسالت دمعاته بحسرة، بينما ربت الطبيب على كتفه وهو يقول بإيجاز :
ـ هو حاليًا تحت الملاحظة والساعات الجاية هي اللي هتحسم كل شيء ، ادعوا له .
༺═────────────────═༻
جلس عمر في صمتٍ ثقيل، صمتٍ يشبه الفراغ الذي بدأ يتسرّب إلى صدره حتى كاد يخنقه.
ينظر إلى الهاتف الملقى بجواره وهو يصدح باتصالات عدة، والدته، شقيقته، ثم ميرال ..
فيعود ويتجاهل كل شيء ويغرق في صمته وشروده مرة أخرى، يسترجع ما حدث، وما قيل، وكيف كان على قدر عالي من الحقارة بحيث يطعن أخيه بهذه الكلمات.
أسند مرفقيه إلى ركبتيه، وشبك يديه أمام وجهه، محاولًا أن يستجمع أنفاسه، لكن صدره كان يعلو ويهبط باضطرابٍ لا يستطيع السيطرة عليه.
الندم كان ينهش صدره بلا رحمة، وتلك الصفعة التي تلقّاها من أخيه تؤلم قلبه بعمق… ليس لأن أخاه مخطئ، بل لأنه أدرك ـ لأول مرة ـ كم كان أعمى. أدرك أن فريد لم يصرخ في وجهه إلا بعدما ضاقت به كل الحِيَل، بعدما حاول طويلًا أن ينتشله من فوضاه، وبعدما لم يجد أمامه سوى الحقيقة العارية ليضعها بين يديه.
كان قلبه يوجعه لأن فريد كان على حق…
ولأنّه هو، وحده، من كان يسير في الطريق الخطأ طوال الوقت.
شعر كأن الكلمات التي قالها أخوه ما زالت تتردّد في رأسه، تضرب جدران قلبه بقسوة. وكلما تذكّرها، غصّ حلقه بمرارة لا يعرف كيف يتخلّص منها. لقد أسرف في العناد، وأسرف في الظن السيّئ، وأسرف في الهروب من نفسه… حتى لم يبقَ أمامه الآن سوى مواجهة الحقيقة: أنه خذل أخاه الذي لم يخذله يومًا.
ولأول مرة منذ زمن، أحسّ بعجزٍ حقيقيّ… عجز ابن ضلّ الطريق، وفقد من كان له خير صديق ورفيق .
وها هو في النهاية، بعدما ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، لم يجد سوى ذلك المنزل ليركض إليه، منعزلاً عن الجميع، راغبًا في الاختباء من نفسه قبل أن يختبئ من العالم. جلس في صمت ثقيل، كأن الجدران تحاصره بأسئلته، وكأن الهواء من حوله يضيق شيئًا فشيئًا، حتى لم يعد يجد متنفسًا يهرب إليه. كل شيء في داخله كان يصرخ، لكنه لم يجد شجاعة كافية ليواجه صوته الداخلي؛ فاختار الصمت، يلوذ به كآخر ملجأ يمكن لرجل منكسر أن يختبئ داخله.
ولأول مرة، أدرك معنى أن يكون الإنسان محاطًا بالناس لكنه في داخله مُفرغ من كل سند.
تسلّل الخزي إليه بخطوات بطيئة ومؤلمة.
كلامه لأخيه عاد يقرع رأسه كالمطرقة… كلمة وراء أخرى، نبرة وراء أخرى، كلها الآن تبدو له جارحة بشكل لم ينتبه إليه وقتها.
تذكّر كيف كان فريد دائمًا خلفه؛ يتحمّل، يدافع، يصلح، يحاول أن يخفف عنه ..
وانكمش قلبه وهو يهمس في نفسه متسائلًا : كيف استطاع أن يكون بتلك الحقارة معه !
لكن… لم يتركه الندم طويلًا.
تقدّم شيطانه بخبثٍ ناعم، ينسج له مبررات ويلقيها في ذهنه كأنها حقائق:
أن ما قاله كان نتيجة ضغط… أنهم هم من حمّلوه فوق طاقته…
أنه لم يكن يقصد، وأنه هو أيضًا يحق له أن ينهار، أن يثور ..
ولثوانٍ معدودة، كاد يصدق هذا الصوت.
كاد يُقنع نفسه أنه لم يخطئ، وأنه كان مظلومًا.
لكن الحقيقة كانت أقوى.
سقط رأسه بين يديه، وزفر زفرة طويلة كأنها تُنتزع من عمق روحه، واعترف بصوتٍ لا يسمعه أحد: أنه قد خسر أخاه قبل أن يخسر أي شيء آخر… خسره يوم سمح للغضب أن يعمي بصيرته، ويجرح قلب الإنسان الوحيد الذي لم يتخلَّ عنه يومًا.
وبين الندم ومحاولات التبرير، ظلّ عمر تائهً، لا يدري أي صوت يتبعه… ولا يعلم كيف سيواجه أخاه بعد كل هذا.
كان يظنّ نفسه رجلًا ناضجًا، قادرًا على إدارة حياته كما يشاء، واتخاذ قراراته دون أن يرجع لأحد. كان يردد دائمًا أنه كَبِر، وأنه لم يعد بحاجة إلى من يوجّهه أو يسند ظهره.
لكن ما إن وقف في وسط البيت الجديد، يدور حول نفسه كمن يبحث عن شيء ضائع، حتى انكشفت الحقيقة أمامه كصفعة ثانية أشدّ مرارة من الأولى.
تلفت بعينين تائهتين، يتأمل الجدران التي اعتقد أنها دليل استقلاله… ليكتشف أنها مجرّد وهم. لم يسبق له يومًا أن اتخذ قرارًا حقيقيًا وحده، ولا أدار شأنًا من شؤون حياته دون أن يكون فريد في الصورة.
حتى هذا البيت… البيت الذي ظنّه بداية استقلاله، تذكّر أنه لم يدفع فيه جنيهًا واحدًا. فريد هو من دفع ثمنه بالكامل، وهو من أصرّ أن يكون له مكان يلجأ إليه إذا ضاقت به الدنيا.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، ابتسامة رجل أدرك متأخرًا كم كان ساذجًا. ضحك بخفوت، ضحك يشبه البكاء أكثر مما يشبه الفرح، ثم مسح وجهه بكفّيه كمن يحاول إخفاء انهياره.
كل هذا… كل مظاهر القوة التي كان يتشبّث بها…
لم تكن سوى قشرة رقيقة، انكسرت في اللحظة التي أدرك فيها أنه لم يعِش يومًا معتمدًا على نفسه، ولا اتخذ طريقًا دون أن يمدّ أخوه له الضوء في نهايته.
وفي تلك اللحظة، شعر أن الجدران تضيق عليه من كل جانب، وأن اعترافه لنفسه أقسى من أي عقاب:
أنه لم يكن كبيرًا كما ادّعى… وأن فريد كان — وما زال — السند الوحيد الذي لم يشعر بقيمته إلا بعد أن خسره.
هبّت في صدره موجة صامتة من الانكسار، ومرّ شريط سريع في ذهنه: ذكريات عديدة من طفولتهما.. فريد وهو يُسانده، يمدّ له يده ليخرجه من كل ضيق، يدافع عنه، يبرّر أخطاءه، ويحاول إصلاح ما يتركه خلفه من فوضى. ومع ذلك… كان ردّه الوحيد على كل هذا أن جَرَحه بكلمات لا تُقال.
للحظةٍ تجمّد مكانه، كأن الزمن عاد به سنوات كثيرة دفعة واحدة.
رأى نفسه طفلًا في السابعة، صغير الجسد واسع العينين، يتسلل إلى مكتب والده بثقل فضوله البريء.
كان المكتب يومها أكبر من عالمه كله، وكل ركن فيه يغري أصابعه الصغيرة بالاكتشاف. اقترب من مكتب والده وجلس على مقعده، فتح أحد الأدراج وشرع يقلب الأوراق مبتهجًا كأنه عثر على كنز، إلى أن سمع وقع خطوات أبيه الثقيلة.
تجمّد في مكانه، حاول إغلاق الدرج بعجلة، لكن سالم كان قد وصل، دلف والغضب يشتعل في عينيه.
وما إن رأى عمر أمامه حتى رفع يده جاهزًا لأن يهوي بها على خده.. لكن فجأة، ظهر فريد. وقف بينه وبين والده بلا تردد، بلا تفكير، بلا خوف من العقاب. تلقّى الضربة بدلًا عنه، واستقبل الألم بصمت، ثم سحب عمر من يده وأخذه خارج المكتب ..
عاد عمر من ذكرياته على وخزٍ قاسٍ في قلبه. الزمن دار دورته الغريبة… وها هو اليوم يتلقى الصفعة ذاتها من أخٍ لم يتوقف يومًا عن حمايته. صفعة لم تكن عقابًا، بل حقيقة، وتنبيهًا، وصحوة واجبة.
وللمرة الأولى أدرك أن فريد لم يصفعه ظلمًا… بل لأنه على حق. لأن الحقيقة التي تهرّب منها عمر عمرًا كاملًا، كانت تقف أمامه بلا تجميل: أن فريد ظل الدرع الذي يحميه منذ طفولته، بينما هو لم يعرف يومًا كيف يقف وحده، أو كيف يدير حياته دون أن يسنده أحد.
ضحك وفي الوقت ذاته بكى لأنه اكتشف الحقيقة متأخّرًا… لأنه أدرك حجم غبائه… لأنه وجد أنه، رغم كل ادعاءاته بالقوة… لا يزال عاجزًا، فارغ اليدين، وممتنًّا—رغمًا عنه—لأخٍ كان دومًا بمثابة أب .
༺═────────────────═༻
كان سالم يجلس في مكتبه رفقة نادر، بينما يخيم على وجهه ظلّ ثقيل من الشرود والوجوم. لم يكن يُقلّب في الأوراق أمامه ولا يلتفت إلى حديث نادر ؛ فقط يحدّق في العدم كأن أفكاره معلّقة بين خوفٍ وقلقٍ وشيء من الأسى.
لاحظ نادر صمته الطويل، فمال نحوه قليلًا ونظر إلى ملامحه المرهقة قبل أن يسأله بصوتٍ خافتٍ متوجس:
ــ مالك يا باشا؟! حالتك مش عجباني النهارده.
أغمض سالم عينيه لثوانٍ، وكأنه يجمع شتات روحه قبل أن يفتحها ببطء ويرفع رأسه في ضيق، ثم زفر زفرة ثقيلة خرجت من أعماقه.. قال بصوتٍ منخفض، كأن كل كلمة تخرج منه محمّلة بثقل جبل:
ــ قول لي يا نادر… لو عمر أصرّ إنه مش هيعترف بالواد… ساعتها ممكن إيه اللي يحصل؟!
رفع نادر حاجبيه قليلًا، ثم اعتدل في جلسته كمن يستعد لإلقاء رأي قانوني، وقال بجدية واضحة:
ـ الفيصل هو الـ DNA يا باشا ، وطالما التحليل قال إن الولد ابن عمر فكده خلصت خلاص، حتى لو عمر رفض يعترف .. المحكمة هتثبت نسب الولد ليه .. القانون في النقطة دي واضح .
أومأ نادر كمن يرتب أفكاره ، وقال :
ـ يعني حتى لو راح للمحامي الهلس اللي اسمه نجيب الزفت ده مش هيعرف يعمل حاجة .. مش كده !
تنهد نادر ، ثم شبك أصابعه سويًا وألقى بنبرة العارف :
ـ على الأغلب .. نجيب هيلجأ للمراوغة القانونية .. يعني يا إما هيقدم طعن على أوراق الإثبات ويشكك في صحة التحليل ، أو هيحاول يقنع لاتويا إنها تتنازل عن القضية ويتفاوضوا بعيد عن المحكمة .. وممكن وقتها يوصل معاها لتسوية مالية، أو يعرض عليها إنها تسجل الولد باسمها بس مقابل مبلغ مالي كل شهر مثلا ..
وزفر زفرة طويلة ثم تابع :
ـ ده غير إنه هيحاول يأثر عليه نفسيًا وأعتقد إن عمر فعليًا والدته وچيلان مسيطرين عليه بنسبة كبيرة .
أومأ سالم بضيق، ثم أسند يديه على ذراعيّ المقعد وهو ينظر أمامه ويقول :
ـ يبقى الحل إنك تتصرف مع نجيب ده بمعرفتك .
ونظر إلى نادر نظرة صامتة لكن نادر التقط منها المغزى على الفور وقال :
ـ أمرك يا باشا .. نجيب ده أصلا بلاويه كتير ومش محتاج غير قرصة ودن صغيرة وهيعمل اللي احنا عايزينه ويشيل ايديه من الموضوع خالص .
هز سالم رأسه بموافقة، ثم تابع :
ـ وعايزك كمان تتواصل مع المحامي بتاع السفارة وتفهمه إن الموضوع منتهي بالنسبة لنا ومفيش من نحيتنا أي رفض أو تمطيط ..
ـ طيب و عمر ؟!
هز سالم رأسه بلا اكتراث وقال :
ـ لا عمر سيبهولي .. انا عارف هتصرف معاه إزاي، لو مكانش هيوافق بعد اللي عمله أخوه فانا هخليه يوافق والجزمة فوق دماغه ..
ـ ناوي على إيه يا باشا ؟! إسمحلي أتدخل .. أنا شايفك متحمس للولد وعايز تعترف بيه .
رمقه سالم بهدوء وقد انقبضت ملامحه قليلا، وقال :
ـ أومال هرميه يا نادر ؟ ده حفيدي ..
ـ بس ده مكانش رأيك من الأول سعادتك..
ـ أنا معاك .. بس في الأول كنت مخضوض و متفاجئ ، لكن لما قعدت مع نفسي وفكرت لقيت إن لا يصح الا الصحيح .. إحنا مش هنخلف ونرمي .. ده حفيدي.. من دمي .. إزاي هتخلى عنه ؟!
ثم تنهد بهدوء وقال :
ـ وبعدين ما انت شايف أهو .. فريد كسر ال ٣٥ سنه وهو واقف محلك سر .. وحسن هيحصله وهو لا بيفكر يتجوز ولا يتنيل هو كمان .. والعمر بيجري يا نادر وأنا اللي فاضل في عمري مش كتير .. عايز أشيل أحفادي قبل ما أموت .
ـ ربنا يبارك في عمرك يا باشا وتفرح بيهم وتشيل ولادهم إن شاء الله .
شرد سالم قليلا ثم رفع عينيه إلى نادر، وفي نظراته قلق لم يخفه :
ـ ما علينا .. عايزك تحاول توصل للاتويا دي وتحاول تقنعها إنها تيجي عشان عاوز أتكلم معاها .. لازم تحس بالأمان وإني واقف في صفها عشان نقدر نأثر عليها ونخليها تنفذ طلباتنا بسهولة .
ـ ناوي على إيه يا باشا ؟!
ـ بعد ما تخلص القضية لازم تسيب الولد وترجع على الخرابة اللي جت منها .. بس ده طبعا لازم يحصل ودي بينا بعيد عن المحاكم .. بس زي ما قلت لك لازم أحسسها اني في صفها الأول .
رفع نادر حاجباه قليلا قبل أن يتساءل :
ـ وهل هي هتوافق تسيب ابنها وتسافر ؟!
ـ لازم توافق مفيش بديل .. مش معقول يعني حفيد سالم مرسال هتربيه واحده زي دي ! وبعدين على حد علمي إنها مشهورة وليها فضايح كتير يعني مش صعب إننا نخوفها ونخليها تخضع لرغبتنا ..
وزفر زفرة متعبة وتابع بإيجاز :
ـ هاتهالي انت بس وأنا هتفاهم معاها بطريقتي .
أومأ نادر بطاعة مطلقة وقال :
ـ اللي تشوفه يا باشا .
قاطع حديثهما طرقات خفيفة على باب المكتب، ومن ثم دلفت أحلام وهي تحمل علبة الدواء الخاصة به، ناولته إياها ومن بعدها كأس الماء وهي تقول بثبات حاولت التظاهر به :
ـ ميعاد الدوا يا سالم باشا .
التقط منها الحبة وقام ببلعها، ثم ناولها الكأس وأشار لها بالخروج فخرجت، ومن ثم نظر إلى نادر وأخبره بصوتٍ خفيض :
ـ مش عارف ليه عندي إحساس إن نادية مجنداها لحسابها .
قطب نادر حاجبيه متعجبًا وقال :
ـ تقصد الممرضة ؟
أومأ سالم مؤكدًا وقال :
ـ أيوة .. من يومين وأنا براجع الكاميرات بالصدفة لقيت نادية خارجة من أوضة أحلام ، وبعدها خرجت أحلام وهي مرتبكة ومش على بعضها .. حاسس إن في بينهم لعبة أنا مش فاهمها ..
وزفر وهو يدلك جسر أنفه بتعب ويقول :
ـ على العموم هيبان .. كله هيبان .
تنحنح نادر بحرج ثم قال :
ـ هو أنا آسف إني بتطفل على خصوصياتك يا باشا ، بس ليه متمسك بيها لحد دلوقتي ؟! ما تطلقها وتريح دماغك.
رمقه سالم بهدوء ثم أشاح عنه وهو يقول :
ـ مينفعش أطلقها .. نادية شيطانة وملهاش أمان، لو طلقتها هتتحول لعدو جبان بيضرب من تحت لتحت، لازم تفضل قدام عنيا علشان أبقا عارف نواياها ..
وتابع بتهكم :
ـ إذا كانت هي مراتي وتحت عينيا وأنا مش عارف هي بتفكر في إيه ولا ناوية على إيه .. ما بالك بقى لو طلقتها واتحدت هي وبنتها أم ناب أزرق .. مش بعيد وقتها ياخدوا عمر تحت جناحهم وينسوه أهله وينسوه نفسه كمان ..
رمقه نادر بنظرة متفحّصة، ثم اعتدل في جلسته قليلًا وقال بنبرة خبير يعرف دهاليز النفوس قبل القوانين:
ـ مش عارف أقوللك إيه يا باشا .. كلامك صح فعلا .
بينما تابع سالم بنبرة من يقر أمام نفسه قبل غيره باعترافٍ ثقيل :
ـ يلا .. أديني عايش معاها بكفر عن ذنب ناهد واللي جرالها بسببي ، كفاية عليا الذنوب اللي هتسأل عنها لما أموت .
قالها وأسقط رأسه للخلف قليلا بتعب، بينما نهض نادر يستعد ليغادر وهو يقول :
ـ ربنا يديك الصحة و طولة العمر يا باشا .. أنا هستأذن أنا علشان اشوف موضوع المحامي ده ..
وقبل أن يستكمل حديثه.. رن هاتفه فإذ به يطالعه متعجبّا وهو يقول محدثًا ذاته :
ـ ده صالح النجاري مدير مستشفى الحكمة ! خير يا رب .
ثم استقبل الاتصال قائلا :
ـ مساء الخير يا أستاذ صالح ، إزي حضرتك ؟
وصل إلى مسامعه صوت صالح وهو يجيبه بهدوء عملي :
ـ كله تمام يا متر ، الحقيقة أنا تواصلت مع حضرتك بصفتك مدير الشؤون القانونية الخاص بعائلة مرسال لأننا عندنا استفسار إداري بخصوص بشمهندس فريد مرسال ..
ضيق نادر عينيه باستغراب وهتف مستفهمًا :
ـ مش فاهم ، ماله فريد بيه ؟!
ـ في الواقع إحنا عندنا عقد من شركة تأمين خاصة برجال الأعمال ، علشان كده محتاجين نعرف ، هل عايزين بشمهندس فريد يستفيد من التغطية دي ولا يفضل العلاج على نفقته الخاصة ؟!! علشان نجهز الإجراءات على حسب اختياركم ؟!
استغرق الأمر لحظات من نادر، كان خلالها يحاول أن يستوعب كلمات مدير المستشفى ويرتبها في ذهنه، لكن الصدمة شتّتت تركيزه تمامًا. ارتفع صوته بتوتر وهو يعدّل نظارته الطبية، بينما عيناه تتجهان غريزيًا نحو سالم الذي بدا على ملامحه الترقب والقلق.
ـ ممكن توضح أكتر .. تغطية إيه ؟! هو فريد عندكم في المستشفى ؟!
امتد صمت الرجل للحظات قبل أن يتساءل بنبرة متوترة :
ـ هو حضرتك مفيش عندك علم ؟!!
ـ علم بإيه ؟! فريد ماله يا أستاذ صالح ؟!
زفر الآخر زفرةً آسفة، ثم قال :
ـ للأسف بشمهندس فريد وصل المستشفى النهارده الصبح في وضع حرج وخضع لعملية جراحية في القلب، وهو دلوقتي في العناية المركزة تحت رقابة طبية مشددة .
ازدادت ملامح نادر اضطرابًا، وارتفع صدره بقلقٍ مكتوم، بينما سالم يتابعه بعينين متسعتين تشيان بأن الخوف بدأ يزحف في داخله.
ـ أنا جاي بنفسي يا أستاذ صالح .. مع السلامه.
أنهى نادر الاتصال على عجل، واستدار إلى سالم الذي كانت ملامحه قد تحولت بالكامل، وكأن شيئًا ما سُحب من تحت قدميه، فتساءل بخوف :
ـ ماله فريد يا نادر ؟!
شعر نادر بثقل كالجبال يجثم فوق قلبه وهو ينطق بتلك الكلمات :
ـ صالح بيقول ان فريد وصل عندهم المستشفى في حالة حرجة وعمل عملية في القلب وهو دلوقتي في العناية المركزة .. أنا رايح على هناك فورا وهبلغك بآخر التطورات يا باشا..
وهم بالخروج سريعا، ثم أسند يده على كتفه وهو يقول :
ـ متقلقش .
دوى الطنين في أذني سالم كأنه صفارة إنذار اخترقت جمجمته، وتشنّج جسده للحظة لم يستطع فيها استيعاب أي شيء… فقط كلمات نادر التي ارتطمت بروحه ارتطامًا موجعًا: فريد … في حالة حرجة !!!!
تجمّد الهواء في صدره، وكأن رئتيه رفضتا الحركة. ارتفع كتفاه وانخفضا في محاولة يائسة لالتقاط نفسٍ واحد، لكنه لم يأتِ.
امتدّ أمامه المكان كأنه يطول ويتسع ويتفرغ من كل شيء إلا من خوفه.
وبالرغم من كونه عاش طوال عمره رجلًا صلدًا، قاسي الملامح، لا يلين ولا يُظهر ضعفًا. جدارًا من صخر لا يسمح للعاطفة أن تتسلل عبره. اعتاد أن يرى أبنائه بنظرة الرجل الذي يُحاسِب ولا يُحِب، الذي ينهر ولا يحتضن، الذي يفرض ولا يُظهِر حنانًا.
وبالرغم من أنه ظن لسنوات أن القسوة حماية، وأن الشدة تُقيم عوج الأبناء.
لكن الآن…
الآن فقط أدرك كم أنه هشًّا من الداخل، كم كانت تلك القشرة القاسية مجرد حماية زائفة تخفي قلبًا يرتجف لأول مرة بلا خجل.
اجتاحه شعور خانق… شعور الأب الذي يُنتزع ابنه من بين يديه وهو يقف في مكانه عاجزًا… مشلولًا… محبوسًا داخل جسده قبل أن يكون محبوسًا داخل واقعه.
ولوهلة، لم يكن الألم فقط على فريد… بل كان نقمة طاغية على حاله هو، على هذا الجسد الذي لم يعد يطاوعه، على رجليه اللتين خانتاه في أكثر لحظة احتاجهما فيها.
شعر وكأن الزمن يركض أمامه وهو واقف بلا حول، يرى ابنه يسقط بعيدًا عنه ولا يستطيع أن يتحرك خطوة واحدة نحوه.
تمنى أن ينهض… أن يجري… أن يصرخ… أن يخترق الجدران ويصل لابنه،
لكن الحقيقة صفعته بقسوتها:
هو لم يعد ذلك الرجل القوي الذي يهز الأرض تحت قدميه… بل أصبح أسير كرسي، أسير لحظةٍ لم يختَرها.
تحت وطأة العجز والنقمة والوجع…
مال برأسه إلى الأمام، يغالب أنفاسه التي تثور عليه،
وكأنه يصارع العالم كله… يصارع دمعاتٍ مُرّة تجمّدت في عينيه لسنين، ترفض أن تنزل، ترفض أن تعلن ضعفه، رغم أن قلبه الآن ينهار بكل ما فيه.
كانت الدموع تقف على حافة جفونه، لا تريد أن تسقط،
وكأنها — مثل صاحبها — تتعلم القسوة منذ زمن طويل.
لكنها كانت تهتز، تثقل، توشك أن تهرب منه،
فالألم الذي يعصف بصدره.أقوى من أي صلابة تدرّع بها طوال عمره.
حاول أن يبتلع غصته… ففشل.
حاول أن يتمسك بصلابته… فخذلته.
حاول بكل ما تبقّى فيه من قسوةٍ قديمة أن يمنع الدمع، أن يستعيد وجهه الصلب الذي عاش به عمره… لكن شيئًا ما في داخله انكسر.
تقلّصت عضلات وجهه كما لو أن الألم يجرّها قسرًا، وارتجفت أنفاسه الثقيلة، ثم… سالت الدموع.
لم يصدر منه صوت بكاء…
إنما اهتزت كتفاه هزة مكتومة، كمن يخشى أن يسمع العالم سقوطه.
كان يمسح دموعه بسرعة، بعنف، كما لو أن وجودها جريمة… لكنها كانت تعود وتنهمر .. !؛
كان بكاءه قاسيًا…
قاسيًا لأن كل دمعة خرجت كأنها تُنتزع من روحه عنوة،
قاسيًا لأنه لم يعرف معنى البكاء إلا حين صار ابنه بين الحياة والموت ..
قاسيًا لأنه أدرك – أخيرًا – أن كل ما بناه من قسوة لم يحمه من الوجع… ولم يحمِ ابنه منه !!!!!
༺═────────────────═༻
وقف كلا من حسن وزينب داخل تلك الغرفة الصغيرة، تلك التي وُضعت فيها نغم بعد نوبتي الإغماء المتتاليتين. كانت الغرفة مضاءة بضوء خافت، لكن الهدوء الذي يلفّ المكان لم يستطع أن يخفّي الاضطراب الذي ينهش الاثنين.
تمدّدَت نغم فوق السرير، بشرتها شاحبة كأن الدم تراجع عنها، أنفاسها خفيفة متقطعة، وإحدى الممرضات تقف إلى جوارها تُثبّت المحلول في ذراعها بحركة خبيرة.
رمقت الممرضة الشاشة أمامها، ثم نظرت إليهما وقالت بنبرة هادئة تطمئنهما وتشرح الوضع في الوقت ذاته:
ـ ضغطها واطي جدًا… طبعا الصدمة النفسية القوية اللي اتعرضت لها مع الإعياء والتوتر اللي كانت فيه… طبيعي يحصل إغماء بالطريقة دي. لما الضغط يرجع لمعدّله الطبيعي هتفوق إن شاء الله.
ابتلع حسن ريقه بصعوبة وهو يرمق نغم الساكنة فوق السرير بلا حول ولا قوة، شعر وكأن قلبه هو الذي ينكمش فوق السرير وليس جسدها.
تقدّم خطوة نحو الخارج، يحاول البحث عن الهواء الذي يظنه انقطع عنه، وضع كفه على صدره بغيظ مكتوم، يشعر بالعجز ينهش ضلوعه وهو يراقب أخيه الغائب عن الوعي في غرفة، ونغم في غرفة أخرى .
أما زينب فلا زالت واقفة إلى جانب السرير، أصابعها متشابكة في بعضها بتوتر، تنظر إلى وجه نغم بشفقة تكاد تُبكي الحجر. تهمس بخوف متوسلةً، بينما عيناها تلمعان بدموع تترنح على الأطراف، بينما قلبها يدق بعنف كمن ينتظر حكماً فاصلاً.
بعد أن غادرت الممرضة الغرفة، خرجت زينب بدورها وبينما هي تبحث بعينيها عن حسن فإذا بها تجده جالسًا على أحد المقاعد ، يسقط رأسه بين يديه بتعب، فجلست بجواره ومدت يدها تربت على ظهره وهي تقول :
ـ سيبها لله يا ابني .. ربنا هينجيهم إن شاء الله .
رفع رأسه ونظر إليها بهدوء وهو يقول :
ـ إيه أخرة الي إحنا فيه ده يا زينب ؟! أنا مبقيتش عارف ولا فاهم حاجه.. ليه كل ده بيحصل معانا ؟
تنهدت تنهيدة طويلة حملت معها الكثير منا لم تستطع قوله خاصةً في ذلك الوقت الحرج ، ثم قالت بهدوء :
ـ فريد طول عمره شايل فوق طاقته يا حسن .. واللي شافه من أبوه مش قليل ، ده لو جبل كان اتهد من زمان .
أومأ مؤكدًا، والتمعت عيناه بغضب وهو يقول متوعدًا :
ـ معاكي حق .. طول عمره شايل هم ناس متستاهلش أصلا .
شعرت بأن هناك مغزى من كلماته فسألته بقلق :
ـ هو إيه اللي حصل بالظبط يا حسن ؟! فريد تعب فجأة ولا فيه حاجة حصلت ؟! ده أنا كنت بجهز الغدا على أساس إنه قايل لنغم هيتغدا معانا ..
ونظرت إليه باستنكار وقالت :
ـ هو اتخانق مع سالم تاني ؟!
هز رأسه نافيًا وهو يردف بمرارة :
ـ مع عمر .
ـ عمر !!!
أومأ مؤكدًا، وتابع وعيناه تقدحان شررًا داميًا كأن النار تتلظّى فيهما:
ـ عمر غلط في نغم غلط جامد قدامنا كلنا… وقال عليها حرامية!
قطبت زينب حاجبيها بذهول، وانقبض وجهها بغضب ودهشة في آن واحد، ثم هتفت بصوت مرتجف لا يكاد يصدق ما سمعه:
ـ إيه؟! قال إيه؟!
زاد احمرار وجه حسن، وبدت عضلات فكه بارزة من شدة الغيظ وهو يقول:
ـ مكنتش أتخيل إنها تيجي منه هو ويطاوعه قلبه يجرح أخوه بالشكل ده… ! يا ريتها جت فيا .. لو كان قاللي إيه كان أهون .. إنما فريد !! إزاي قدر يكسره كده ؟! مطمرش فيه ولا حاجه من اللي عملها فريد علشانه ؟!
زفرت زينب بحرقة، ثم أدارت وجهها وملامحها تنكمش بالألم وهي تقول :
ـ ملوش عزيز .. صحيح ابن نادية .
تدلى كتفي حسن فيما يشبه الهزيمة، ثم أطرق برأسه بتعب وهو يقول وكأنما يحدث نفسه :
ـ أنا عارف إنه معذور .. وعارف إنه مصدوم وعامل زي الغريق اللي بيتعلق بقشة ، بس مش لدرجة انه ييجي على فريد بالطريقة دي..
نظرت إليه زينب بتعجب وتساءلت :
ـ إيه الموضوع يا حسن ؟! أنا مش فاهمة حاجة .
نظر حسن إلى زينب نظرة مثقلة بالهمّ، كأن صدره يحتبس أسرارًا لا يريد البوح بها، لكنه مُجبَر. بدأ يروي لها ما جرى مع عمر… الحكاية القاتمة التي خرجت من بين طيّات الأيام فجأة: الطفل، لاتويا، ورفض عمر الاعتراف بالولد، والجرح الذي انفجر في وجه الجميع دون سابق إنذار. سردها مختصرة، مشدودة، لكنها كافية لتزلزل قلب من يستمع.
كانت زينب تُنصت، ومع كل كلمة كان لون وجهها يبهت أكثر، كأن الحقيقة تهبط فوق روحها حجرًا بعد حجر. شعرت بشيء غريب… غضب قديم يتحرك، ومرارة دفينة ترتفع من أعماق ذاكرتها، ذكريات لسالم وهو يطعنها بكلمات لا تُنسى، كلمات تحوّلت لندوب لا يراها أحد سواها. الرجل الذي لم يتوانَ يومًا عن وصفها ببنت الحرام، وإلصاق العار بها، والتقليل والتحقير من شأنها وكأنها نكرة ، وهي لا ذنب لها سوى أنها وُلدت تحمل خطيئة لم ترتكبها.
والآن… ينكشف له حفيدٌ من الحرام ليتجرع مرارة نفس الكأس الذي أذاقها منه طويلا ..
شعرت زينب في تلك اللحظة أنّ القدر يُعيد ترتيب كفّتي الميزان أمام عينيها؛ وكأن يدًا خفية تسحب الغطاء عن عدلٍ مُخبأ. لم يكن شماتة، بل دهشة… دهشة من حكمة الأيام حين تُقرّر أن تُعيد الحق بطريقتها. وكأن الله أراد لها أن ترى بنفسها أن الظلم لا يدوم، وأن من يجرح الآخرين دون رحمة، سيُجرَح من حيث لا يحتسب.
ارتجفت أنفاسها وهي تستوعب… ليس فقط ما فعله عمر، بل كيف سقط قناع سالم أخيرًا، وكيف عاد إليه ما كان يلقيه على غيره طوال السنين. لحظتها أدركت ـ ولو بصمت ـ أن الدنيا ليست فوضى كما ظنّت، وأن الحقّ حين يتأخر… إنما يأتي أقوى.
من خلال تفرسه في ملامحها التي تجمّدت فجأة، ومن خلال ملاحظة ذلك الشرود الذي سحب بريق عينيها إلى مكان بعيد … أدرك حسن تمام الإدراك ما الذي دار في خاطر زينب في تلك اللحظة.
أدركه دون أن تنطق، دون أن ترفع حاجبًا أو تُسقِط دمعة.
فالوجع الذي يسكن زينب ليس وجعًا خفيفًا يمكن إخفاؤه… بل هو الوجع الذي يعرف طريقه إلى الملامح، حتى لو تعلّم صاحبه طول العمر كيف يصمت.
لم يكن غافلًا عن ذلك.
رأى الصراع في عينيها قبل أن يكتمل، وشعر بأنفاسها التي اختنقت في صدرها، وعرف تمامًا أنها لحظة تمزّق داخلي لا يشبه غيرها.
اقترب منها في هدوء… ذلك النوع من الهدوء الذي يحمله رجلٌ جرّب الألم وحفظ لغته.
مد يده وربّت على كتفها برفق، لم يقل كلمة، ولم يحاول تبرير شيء؛ فهناك جروح لا تُجبر بالكلام ..
ثم تركها في سكونها، يمنحها المساحة التي تحتاجها.
اتجه إلى الخارج بخطوات مثقلة، بحثًا عن نسمة هواء أو لحظة صمت تُهدهد صدره هو الآخر.
أشعل سيجارة، ليس رغبةً فيها، بل كأنّه يشعل معها شيئًا من ضيقه… من ثقل الموقف… من وجعٍ لا يعرف أين ينتهي.
وقف في الممر، ينفث دخانًا ممتزجًا بالهمّ، محاولًا أن يُخفّف عن روحه ..
قلبه لا يزال محاصرًا بالخوف على أخيه، وبالقلق على نغم، وبالشفقة على زينب… وحتى ذلك المعتوه عمر ! لا يسعه إلا أن يشعر بالشفقة والخوف عليه بالرغم مما حدث .
كان المشهد كله أكبر من احتماله… لكنه تحمّله.
تملّكه شعور عميق، كأن يدًا خفية وضعت فوق كتفيه عبئًا جديدًا وقالت له: الآن دورك.
أحسّ تلك اللحظة أن عليه أن يكون أقوى مما كان، وأن يحمل ما كان فريد يحمله دومًا… أن يصبح ظهرًا، وكتفًا، وسندًا، ومسؤولًا عن الجميع .
تنفّس بعمق، شدّ على أسنانه، ومسح على وجهه بكفه كأنه يثبت نفسه في مكانها.
لم يكن على ما يرام، بل كان على وشك الانهيار مثلهم، لكنه أجبر نفسه على الثبات الذي لم يعد يملك بديلًا عنه .
༺═────────────────═༻
بمجرد عودتهما إلى المنزل، بعد ساعاتٍ طويلة قضياها في جولات التسوّق وتناول الغداء ثم العشاء خارجًا، دخلا أخيرًا في منتصف الليل وقد نال منهما التعب.
توجه عاصم مباشرةً إلى غرفته ليبدل ثيابه ويأخذ حمامًا سريعًا، ولما خرج وجد الغرفة خالية تمامًا. لم يحتج وقتًا طويلًا ليستنتج أين اختفت نسيم؛ فالأمر واضح… لا بد أنها الآن في المطبخ، تقف وجهًا لوجه مع صندوقيّ البابايا اللذين أصرت على شرائهما بعناد طفولي.
وبالفعل، ما إن دخل المطبخ حتى رآها واقفة أمام صندوق يكاد ينتهي بالكامل، تتناول حبّاته واحدة تلو الأخرى بنهمٍ مستفزّ ولذيذ في آنٍ واحد…
ارتسمت على شفتيه ابتسامة لا إرادية وهو يراقبها في صمت، تستبدّ بها شهيتها، تصدر أصواتًا متلذذة تكشف عن استمتاعها الغريب بمذاق البابايا رغم أنها غير مكتملة النضج.
ثم شاهدها تنتقل إلى الطاولة بعدما أرهقها الوقوف الطويل، فجلست تُكمل وليمتها الصغيرة، وضعت الصندوق الثاني أمامها واستعدت لبدء الجولة الجديدة، لكن عاصم انتفض فورًا ومنعها قائلًا بحزم:
ـ استني عندك ..
التفتت إليه ببراءة، فمدّ يده مبعدًا الصندوق عنها وهو يقول:
ـ كفاية كده، خلي حاجة لبكرة ..
طالعته بغيظ واضح، فحاول هو كبح ابتسامته من شكلها المضحك وهي غاضبة، وقال وهو يرفع حاجبيه:
ـ صدقيني أنا خايف عليكي والله .. وبعدين مش عارف عاجبك طعمها ازاي وهي مش مستوية كده .. سيبي الصندوق ده لبكره هنكمره يكون استوى ..
أبعدت يده تحاول الوصول إلى الصندوق الآخر وهي تقول :
ـ لو سمحت متتعبش أعصابي يا عاصم وسيبني دلوقتي أنا مش في المود ..
فهتف معترضا :
ـ أكلتي صندوق بابايا ومش في المود ! أومال هتبقي في المود إمتا ؟! لما تقضي على المخزون الاحتياطي للبابايا في العالم ؟!
قلبت عينيها بملل ونظرت إليه في تبرم وهي تقول :
ـ عاصم أرجوك بلاش استخفاف بيا وبالحالة اللي أنا فيها.. إنت مجربتش تحمل وتتوحم .. الموضوع خارج عن إرادتي صدقني .
تنهد بقلة حيلة وهو يقول :
ـ نسيم .. أنا خايف عليكي انتي بقيتي عايشة على البابايا ليل ونهار .. لا أكل ولا شرب .. كده غلط عليكي صدقيني.
رمقته بنظراتٍ هادئة مستسلمة، ثم نهضت واقفةً بينه وبين الطاولة، تلتقط يده برفق وتضعها فوق بطنها، فيما تنظر إليه بعينين تستدرّان عطفه.. وتقول :
ـ طيب حط نفسك مكاني .. أعمل إيه وولادك بيلحوا عليا عاوزين بابايا عاوزين بابايا ..
قطب جبينه وهو يهز رأسه مستنكرا :
ـ هما قالولك عاوزين بابايا عاوزين بابايا ؟! انتي سمعتيهم قالوا كده بذمتك يا كدابه ؟!
أومأت بلطف وهي تزيد من جرعة دلالها، مستغلةً ضعف قلبه أمامها، ثم مررت أناملها على وجنته بدهاء واضح في محاولة للسيطرة على الموقف. وقالت بصوتها الرقراق :
ـ عاصم أرجووووك ..
حدّق عاصم فيها قليلًا، ثم وقعت عيناه على فمها الملطّخ بصبغة برتقالية امتدت حتى أنفها وجانب حاجبها، فهتف مستنكرًا بينما علامات الانبهار والضحك تكاد تسبق كلماته.
ـ استغفر الله العظيم .. ترجوني إيه بس يا نسيم وانتي في الحالة دي ..
وفتح الصندوق الذي بين يديه وأخرج منه ثمرة، وقدّمها إليها محاولًا إنهاء المعركة الدائرة بين شهيّتها الجامحة وصبره المحدود.. ويقول :
ـ خدي مشي نفسك بدي للصبح ..
لكن نظراتها الغاضبة لاحقته، فردّت عليه بحدّة :
ـ هو إيه ده يا عاصم هو انت شايفني مدمنة قدامك وبتحايل عليك تديني شمة ؟!
جعلته هو الآخر يشتعل بعناد مماثل :
ـ ما تقولي لنفسك .. كلتي صندوق بابايا عاوزة ايه تاني ؟! وبعدين إيه ده ؟!!
قال الأخيرة وهو يقترب منها ليكتشف المزيد من آثار الغزو الباباياوي على وجهها، فأشار إلى أنفها وجانب حاجبيها بدهشة مضحكة، وقال :
ـ انتي ملغوصة وشك كده ليه ؟! إيه اللي جاب البابايا جنب حواجبك ومناخيرك ؟! انتي بتغطسي بوشك في قلب الصندوق ولا ايه يا نسيم ؟!
انفجرت بالضحك، فابتسم مرغَمًا، ثم اتخذ نبرة آمرة محمّلة بالحنان وهو يقول:
ـ يلا يا هانم على الحمام .. خدي شاور وتعالي نامي علشان تعبتي النهارده من المشي .
تابع سيره خارج المطبخ وهو يحمل صندوق البابايا تحت ذراعه كمن يصادر سلاحًا خطيرًا من مُدان معتاد الجريمة، فهتفت بحنقٍ طفولي يشي بشغفها الشديد:
ـ انت واخده معاك فين طيب ؟
نظر إليها بجدّية تحمل مسحة هزل، رافعًا حاجبه وهو يقول:
ـ هحطه في الخزنة وأقفل عليه للصبح ..
وقفت تحدّق فيه بذراعين معقودتين أمام صدرها، نظرة ازدراء صريحة لا مجال للهزل فيها. تبادل معها النظرات بتحدٍّ واضح، يزيد من غيظها عمدًا، قبل أن يقول وهو يردف إثارةً لحَنَقها:
ـ كان حد قاللك اني مليونير علشان أجيب كل يوم بعشر آلاف جنية بابايا ؟! ده انتي بنت سالم مرسال جدااا ..
زفرت بضيق يتسلل تدريجيًا إلى ملامحها، بينما هو يستمتع تمامًا برؤية ذلك، حاملًا الصندوق تحت ذراعه وهو يعلّق مطمئنًا نفسه:
ـ ماله الكيوي ؟! على الاقل موجود في السوق طول السنة والواحدة بـ ٢٥ جنيه .
قاطعتْه بحدة، واقفةً في مكانها ويديها على خصرها:
ـ والله ؟! هو أنا هتوحم على مزاجك ولا إيه إن شاء الله ؟!!
فارتفع صوته بانفعال مشابه:
ـ مقولتش تتوحمي على مزاجي بس اتوحمي على حاجة رخيصة شوية ..
جلست متعمدة إظهار قدرٍ من التعالي المصطنع، وهي تقول بإحباط مغلّف بادعاء الأرستقراطية:
ـ حبيبي يظهر إنك نسيت أنا مين .. أنا نسيم مرسال يعني متربية على الغالي طول عمري .. ولازم ولادي هما كمان يتربوا على الغالي علشان يطلعوا حاجة كبيرة .
كان قد أوشك على دخول الغرفة، إلا أن كلماتها أوقفته وأعادته خطوة بخطوة، ليقف أمامها من جديد وهو يرميها بنظرة تهكّم لم يُخفها، قائلاً:
ـ أهي الفشخرة الكدابة اللي جيباكم ورا .. وبعدين إيه علاقة إنهم يتربوا على الغالي فيطلعوا حاجة كبيرة ؟! ما أنا قدامك أهو .. أمي كانت بتتوحم فيا على الفول الحراتي وطلعت ملاكم قد الدنيا وكسبت ١٢ بطولة دولية في وقت قياسي .. انتي فاهمة الموضوع غلط على فكرة .
حاولت إخفاء ضحكاتها منحرفة بوجهها إلى الجانب، فيما هو يلوّح بيده بلا مبالاة، ويعود هذه المرّة إلى الغرفة دون أن ينتظر ردّها، وصوته يعلو من الداخل:
ـ حطيت لك هدومك في الحمام .. خدي شاور وتعالي نامي.
دخلت الحمّام بعد لحظات، وتوقفت أمام المرآة تتفحص وجهها الملطّخ، فرأت آثار أناملها ممتدة فوق أنفها وحاجبها، فهتفت وهي تكتم ضحكاتها بلا جدوى:
ـ إيه ده فعلا ؟!
وبعد أن انتهت من حمّامها الدافئ، خرجت إلى الغرفة بخطوات هادئة، فإذا به جالس أمام حاسوبه يتابع شيئًا ما بتركيز شديد. وما إن شعر بوجودها حتى رفع رأسه نحوها مبتسمًا وهو يقول:
ـ أيوة كده ..
أغلق الحاسوب في لحظة واحدة، ونهض يسير باتجاهها بخفة مازحة وهو يعلق قائلاً:
ـ يا أرض احرسي ما عليكي ..
لم تستطع كتمان ضحكتها وهي تتجه إلى الفراش، فسارع بالاستلقاء إلى جوارها وجذبها لتستريح فوق ذراعه، بينما يحيط وجهها بكفه الأخرى بحنان ويقول:
ـ أنا مش عارف أوصف مدى سعادتي بالخبر بتاع النهارده يا نسيم .. حاسس إني طاير من الفرحة .
تنهدت وهي تنساق تلقائيًا إلى حضنه، قبل أن تقول بصوت خافت يغلبه الشوق:
ـ وأنا كمان .. نفسي أغمض عينيا كده وأفتحها ألاقيني ولدت وهما جنبنا .
أومأ وهو يشعر بفيضٍ من العاطفة يجتاح قلبه، ثم قال:
ـ على الأقل أترحم من شرا البابايا كل يوم ..
انطلقت ضحكتها عالية، فضحك بدوره وهو يهز رأسه مستسلِمًا، فبادرت تقول:
ـ ما انت مش هتشتري بابايا بس هتشتري طلبات تانية كتير .. وهتقول يوم من أيام البابايا ..
ابتسم ابتسامة واسعة وهو يتخيل نفسه أبًا لطفلين، ثم مرّر يده على ذراعها برقّة قائلًا:
ـ عايز أجيبلك واحدة تساعدك في شغل البيت من هنا ورايح.
لكنها ردّت بحدة لم يتوقعها:
ـ لأ ..
نظر إليها مستغربًا:
ـ لأ ليه ؟
ـ مش لازم .. أنا مش حابة ان واحدة غريبة تدخل بيتي .. مش هكون مرتاحة .
ـ بس انتي في الشهور الأخيرة من الحمل مش هتعرفي تعملي حاجه لوحدك .
ـ هتعود يا عاصم .. هم يعني كل الحوامل عندهم حد بيساعدهم ؟! أكيد لأ .
هزّ رأسه مستجيبًا مع رغبتها، وقال بلطف:
ـ طيب اللي تشوفيه .. أهم حاجة تكوني انتي مرتاحة .
اقتربت منه وعانقته بشدة، ثم رفعت وجهها قليلًا وزرعت قبلة رقيقة على وجنته قبل أن تهمس:
ـ أنا هنام بقا .. تصبح على خير .
هتف مستنكرًا :
ـ لأ تنامي فين .. متهزريش .
وطالعها بعينين نهمتين، تعرف مقصدهما جيدًا، فهتفت بحدة وقالت :
ـ يظهر إنك مسمعتش تعليمات الدكتورة !
اقترب منها أكثر، وأحكم ذراعيه حول خصرها كمن يخشى أن تفلت منه، وهمس عند أذنها بنبرة تفيض بالشوق:
ـ دكتورة على نفسها… مش عليّا.
ضحكت وهي تحاول أن تتنصل من بين ذراعيه، لكنه لم يتزحزح؛ كانت عيناه معلّقتين بها، بنظرة رجل عاشق يعرف أن قلبه صار يسكن بين ضلوع امرأة واحدة فقط. انحنى نحوها، يلتقط ملامح وجهها كأنها كنز يخشى أن يضيع، ثم ضمّها إليه في دفءٍ يعلن شغفه بها دون كلمة.
انسابت أنفاسهم، وتلاشت الحدود بينهما تدريجيًا… لم يكن بينهما سوى ذلك الوجد الصامت، وتلك اللمسات التي تحكي أكثر مما تفعل كل الكلمات. تبادلَا القُرب الذي لطالما كان وسيلة صامتة للتعبير عن عشقٍ خالص ..
لكن… وفي خضم الهُدنة التي تحولت إلى اشتعالٍ هادئ… انقطعت أنفاس نسيم فجأة.
تشنّج جسدها بين ذراعيه، وارتفع صدرها بحدة قبل أن تطلق صرخة قصيرة، تلاها صرخات حادة مع ملامح شاحبة باهتة لكنها واضحة حدّ أن تُميت قلبه من الفزع .
ابتعد عنها في لحظة واحدة كمن صُعق بالكهرباء، وقد اتسعت عيناه بذهول مرعوب وهو يقول :
ـ في إيه مالك ؟
ـ خدني على المستشفى بسرعة يا عاصم ..
ـ مستشفى ليه .. حاسة بإيه طيب ؟!
لكنها لم تكن تجب… قبضت على بطنها بكلتا يديها، تتنفس بعمق متقطع، وهجمة من التقلصات تكاد تحنيها من شدة الوجع.
ــ حاسة بمغص ووجع في ضهري .. انت السبب !
هتفت بها وهي تشير نحوه باتهام حاد فانحسرت الدماء عن وجهه حتى أصبح شاحبًا ..
أخذ ينظر إليها وهي تنحني وتحتوي بطنها بذراعيها، وتتلوى بألم جعل الذعر يلتهمه التهامًا… أسرع يلتقط ثيابًا ساترة من الخزانة ، ألبسها إياها مسرعًا، وارتدى أول ما رآه أمامه بسرعة جنونية، حملها من على السرير دون تفكير، ثم ركض خارج الغرفة متجهًا صوب الباب .
لكن فجأة تذكر مفاتيحه وهاتفه، فعاد مسرعًا إلى الغرفة بينما صرخاتها لا تنقطع، وضعها للحظة على السرير، التقط أشيائه، وحملها مجددًا وركض نحو الخارج، ليقف مرة أخرى عند الباب ويصرخ قائلاً:
ـ نسيت المحفظة ..
عاد مسرعًا، التقط جزدانه، واندفع من جديد نحو الباب، ففتح السيارة ووضعها على المقعد الخلفي، ثم التفت ليستقل المقعد الأمامي، وأدار المحرك، ووضع قدمه على دواسة البنزين، لكنه توقف فجأة، ملتفتًا نحوها:
ـ نسيت ألبس الجزمة ..
نظرت إليه وهتفت من بين صراخها وبكاءها :
ـ هو ده وقته !!!
ليجيبها بانفعال مماثل من فرط توتره :
ـ يعني هروح المستشفى حافي !!
دلف مجددا، وبسرعة جنونية انتعل حذاءه، وعاد إلى السيارة ، انطلق بها صوب أقرب مشفى بسرعة عالية ، وهو ينقل بصره بين الطريق وبينها وملامحه كلها تصرخ بالذنب والخوف، وهو يقول :
ـ معلش يا نسيم اتحملي .. خمس دقايق ونوصل .
لكنها كانت تضم بطنها بيديها وهي تصرخ قائلةً :
ـ أنا خايفه ولادنا يحصل لهم حاجة يا عاصم .. والله العظيم لو حصل ما هسامحك أبدا طول عمري .
طالعها بخوف وهو يهز رأسه رافضًا وقال محاولا طمأنة نفسه :
ـ إن شاء الله مش هيحصل حاجه .. أكيد جالك cramp بسبب المشي اللي مشيتيه النهارده .. حالا هنوصل والدكاترة هيعملوا اللازم وهتبقي زي الفل إن شاء الله .
دعس دواسة البنزين بكل قوته كمن يسابق الريح، حتى وصل أمام أول مشفى ظهر في طريقة "مشفى الحكمة".
ترجل مسرعًا واستدعى طاقم الطوارئ بسرعة الذين أسرعوا بحملها ونقلها إلى غرفة الطوارئ على الفور .
ــــــــــ
ظل واقفًا أمام الغرفة ، يتحرك بعشوائية يمينًا ويسارًا بخوف، يرفع عينيه إلى السماء متوسلا، يدعو الله مرارا وتكرارا ، يناجيه ويستغفره ويرجوه أن يحفظ له عائلته .
مات وبُعث في مكانه ألف مرة وهو يشعر بالذنب يجثم على صدره حتى بات يخنقه، إلى أن انفرج الباب أخيرا وظهر الطبيب الذي بدا عليه الهدوء قليلا .. فهتف عاصم بخوف :
ـ طمني يا دكتور لو سمحت !
وضع الطبيب يده على كتف عاصم بود وهو يحاول احتواء الموقف وقال :
ـ متقلقش .. الحمدلله قدر ولطف .. المغص والوجع اللي حست بيهم زوجتك دي " تقلصات رحمية " شبيهة بالتقلصات اللي بتحصل قبل الولادة لكن بدرجة أخف شوية ، والحمدلله إنها أخف لأنها لاقدر الله كانت ممكن تتسبب في حدوث اجهاض للتوأم .
بهتت ملامح عاصم وهتف بغير تصديق:
ـ اجهاض !!
أومأ الطبيب آسفًا وقال :
ـ كويس إنك جبتها المستشفى بسرعة وعملنا اللازم .. هي دلوقتي بيتعلق لها محلول علشان نظبط الضغط .. وهنتابع حركة الأجنة باستمرار وهتفضل تحت الملاحظة ٢٤ ساعة كاملين ، بعدها هنعملها سونار تاني ونطمن.. لو التقلصات اختفت والحالة استقرت هتخرج .. لو لأ هتفضل معانا ٢٤ ساعة تانيين .
أومأ عاصم وهو ينظر نحو الباب بعينين غائرتين، بينما قال الطبيب بهدوء :
ـ متقلقش .. دي حاجات وارد تحصل والحمدلله انها اتلحقت .. إحنا أهم حاجة عندنا دلوقتي نظبط الضغط ونحافظ عليه مستقر ، وبعدها كل حاجه سهلة إن شاء الله .
ـ إن شاء الله .. طيب هو أنا ممكن أعرف السبب في اللي حصلها ده ايه ؟!
ثم تابع بتردد ولمحة ندم تلوح في عينيه:
ـ ممكن بسببي فعلا ؟
هز الطبيب رأسه يمينا ويسارا في تفهم ثم قال :
ـ مش بالضرورة يكون ده السبب ، ممكن مجهود عنيف أو حالة نفسية سيئة ..
وصمت قليلا ثم أضاف ببساطة وكأن ما سيقوله أبعد احتمال :
ـ أو نوع أكل فيه كمية عالية من مادة اللاتكس مثلا ، ده بيسبب انقباض للرحم وأعراض إجهاض .
استرعت كلمات الطبيب انتباه عاصم، فهتف مستفهما :
ـ أكل زي إيه مثلا ؟!
ثم عاجله متلهفًا :
ـ ممكن البابايا تعمل كده ؟!!
على الفور نزع الطبيب يديه من جيبيه بانتباه، ونظر إليه باهتمام أكثر وقال :
ـ هي أكلت بابايا ؟!
ليجيبه عاصم بنبرة حادة :
ـ دي كل يوم بتاكل صندوق بابايا لوحدها .
اتسعت عينا الطبيب بذهول ، وفتح الباب على الفور وهتف إلى الممرضة بصرامة :
ـ اديها سوايل كتير وقرص Buscopan كل ٦ ساعات .
وأغلق الباب ، ثم نظر إلى عاصم وهتف بحدة :
ـ ازاي يا أستاذ محدش يقول معلومة ضرورية زي دي ؟!
ليجيبه عاصم بقلة حيلة :
ـ مانا مكنتش أعرف إن البابايا السبب يعني يا دكتور !
ـ طبعا البابايا السبب .. وإزاي الدكتوره المشرفة على حالة زوجتك مقالتلهاش معلومة زي دي ؟!
ليجيبه عاصم مجددا بنفس النبرة :
ـ ماهو أكيد مكانتش تعرف إنها بتتوحم على بابايا يعني يا دكتور .
ـ وازاي محدش فيكم يعرفها ؟!
شبك عاصم كفيه أسفل بطنه وهو يجيب الطبيب بنفاذ صبر :
ـ ماهو أكيد مجاش في بالنا إنها خطر على الحامل يعني يا دكتور ..
زفر الطبيب بضيق وانزعاج، ثم أومأ وقال :
ـ على العموم حصل خير .. أنا همر عليها كل ساعتين وإن شاء الله الحالة تستقر .
وتركه وانصرف، فتهاوى عاصم إلى المقعد من خلفه وجلس محيطًا رأسه بيديه بتعب وهو يتمتم :
ـ ماشي يا نسيم .. أدي أخرة قلة سمع الكلام .
༺═────────────────═༻
جلست زينب، وإلى جوارها حسن، وفي المقعد المقابل جلس نادر ، يتابع عبر الهاتف مع سالم الذي هتف بانفعال:
ـ شوف أحسن دكاترة يا نادر وخليهم ييجوا مخصوص يتابعوا حالته ، ولو المستشفى دي مش كفاءة انقلوه مستشفى تانية .. هو انتوا مستنيين لما أقولكم ؟!
حاول نادر احتواء الموقف وقال متفهمًا خوفه وقلقه :
ـ متقلقش يا باشا .. الدكاترة اللي هنا كفؤ جدًا وقايمين بواجبهم على أكمل وجه، محدش مقصر متقلقش، والدكتور عز الغباشي رئيس وحدة العناية المركزة بنفسه اللي بيشرف على حالته وطمني من شوية إن الحمدلله الحالة بادئة تستقر .
تنهد سالم بأسى، ثم قال :
ـ مين اللي معاك ؟!
نهض نادر، سار خطوات حتى يتسنى له الحديث بحرية، ثم قال :
ـ حسن وزينب .. ونغم كانت مغمى عليها ومعلقين لها محاليل هي كمان بس من شويه بدأت تفوق ومصممة تدخل تشوفه .
صمت سالم قليلا، ثم تساءل :
ـ و عمر ؟!
ـ غالبًا ميعرفش لأن لو يعرف أكيد كان هييجي .
أومأ سالم وقال متهكمًا :
ـ طبعا .. هو داري بروحه أصلا .
ثم زفر بضيق وتابع:
ـ على العموم خلي بالك منه كويس .. ووصي الدكاترة يهتموا بحالته ، وبالنسبة للفلوس ادفع التكاليف كلها من حسابي .
ـ اللي تؤمر بيه يا باشا .. ربنا يطمنا عليه إن شاء الله .
تنهد سالم تنهيدة حارة وقال :
ـ يا رب .
أنهى الاتصال ، فعاد نادر حيث كان ، فإذ به يراهم يتجادلون مع نغم التي تصر على رؤية فريد .
ـ يا حبيبتي انتي لسه مش قادرة تقفي على رجليكي ومش هينفع تدخلي .. افرضي وقعتي من طولك جوه .. !
قالتها زينب وهي تحاول مهادنة نغم التي نظرت إليهم بإصرار وقالت وهي تحاول التحامل على تعبها :
ـ متخافيش مش هيحصل حاجه .. والممرضة هتدخل بعد خمس دقايق اصلا عشان تخرجني يعني لو وقعت من طولي هتخرجني ..
ألقت قولها بضيق ونفاذ صبر ، ثم سارت نحو الممر المؤدي للعناية المركزة ، بينما قال حسن مستوقفا إياها :
ـ طيب متتأخريش علشان أخدك انتي وزينب و أوصلكم البيت .
التفتت إليه بحدة وأردفت :
ـ أنا مش همشي من هنا غير مع فريد .
زفر بحدة مماثلة وقال :
ـ إحنا مش عارفين هيخرج بكره ولا بعده ولا بعد كم يوم ..
هزت رأسها بلا اكتراث وقالت :
ـ حتى لو قعد شهر .
هز رأسه يائسًا، ونظر إلى زينب وقال :
ـ طيب يلا يا زينب عشان أوصلك وأرجع تاني ..
هزت زينب رأسها برفض وقالت :
ـ أنا مش هسيب فريد ونغم وأمشي ..
فإذ به يهتف بحدة وانفعال :
ـ هو في إيه .. ما حد فيكم يسمع الكلام ، وبعدين هي كانت مستشفى أبونا ؟! احنا بقينا نص الليل ومش هيسمحوا غير بمرافق واحد اللي هي نغم .. وأنا هستنى تحت لحد ما يصبح النهار .. انتي بقا هتفضلي فين ؟!
ـ هفضل معاك ..
أجابته بتلقائية فتنهد وهو يمسح على وجهه بغضب وقال:
ـ زينب .. على الأقل انتي متتعبيش قلبي وتخليني أتكلم كتير ..
وأشار نحو نغم التي طالعته بعناد وكأن الكلام لا يمسها، فتنهدت زينب بإذعان وقالت :
ـ طيب .. أمري لله .. بس الصبح هاجي .
أومأ موافقا، فاقتربت تودع نغم وتوصيها بالاعتناء بنفسها، ومن ثم قالت :
ـ خلي بالك من نفسك وخدي علاجك وارتاحي .. اتفقنا ؟
هزت نغم رأسها بطاعة، فتابعت زينب :
ـ محتاجة حاجه أجيبهالك الصبح معايا ؟!
شردت نغم قليلا ثم قالت :
ـ ابعتيلي مع حسن حاجة ينفع أصلي فيها ..
أومأت زينب وابتسمت ابتسامة صافية ، فتابعت نغم :
ـ و عايزة مصحف كمان .
ربتت على ذراعها بحنو وقالت :
ـ حاضر يا حبيبتي من عنيا ..
نظر نادر إلى حسن وقال :
ـ مفيش مشكلة يا حسن ممكن أنا أخد زينب معايا وخليك انت مع نغم بدل ما تروح وترجع في الوقت ده .
رمقه حسن بنظراتٍ هادئة ولكنها شديدة اللهجة، عبرت باستفاضة عن عباراتٍ كتمها حسن بصعوبة نظرًا الموقف وقدسية المكان ، وهتف مستنكرا باستهجان واضح :
ـ تاخد زينب معاك ازاي يعني ؟
ظهر الاستهجان كذلك على وجه نادر الذي تعجب حدة حسن، وقال بنبرة مضطربة قليلا :
ـ أقصد أوصلها .. !
ـ لأ شكرا .. أنا هوصلها واتفضل انت طريق السلامه .
هز نادر رأسه متعجبًا حدة واندفاع ذلك البربري الذي حقق طفرة في تاريخ العائلة .
༺═────────────────═༻
كانت الذكريات تتقاذف داخله بلا ترتيب، لحظاتٌ تتداخل مع أخرى في فوضى عاطفية غامرة، كل شعور يجر وراءه إحساسًا آخر، وكل إحساس يلامس قلبًا متعبًا يكافح للبقاء واقفًا على قدميه وسط تيارٍ عاصف.
في وسط هذا السيل المتشابك من الذكريات، شعر بلمسة يدٍ غامضة، لم يستطع تحديد صاحبها في البداية، لكنها سرعان ما وجدت طريقها إلى أعماق جهازه العصبي، فأشعلت فيه ذكريات وحنينًا قديمًا. رائحة مألوفة ارتدت إلى ذهنه بلا سابق إنذار، فأدرك على الفور أن تلك الرائحة تعود إلى أمه… حبيبته الأولى، وأمانه الذي فقده منذ زمن.
رآها بوضوح، صورة غابت عن عينيه لسنوات طويلة، تحتضنه برقة، وتمسك بيده محاولةً اللحاق به، تمد له ذراعها ليظل متمسكًا بالحياة، محاولًا النجاة من الهوة السحيقة التي تكاد تبتلعه.
رآها تبكي بحرقة، تنتحب بلا توقف، تسقط رأسها على صدره وتناديه، تتوسل إليه أن يثبت ويعود قويًا كما عهدته دائمًا.
شعر بالدفء يغمره، إذ شعر بالقرب الكبير من أمه، لكنها فجأة ارتفعت رأسها عن صدره، وإذا بها لم تعد والدته، بل تبدلت إلى أخرى… نغم.
نغم، تنظر إليه بعينين مرهقتين ووجه شاحب، تحدق فيه مترجيةً أن ينجو من أجلها، تقول له بصوت خافتٍ ومليء بالخوف: «عُد… عُد إليَّ، فما زال في روحي متّسع لك، وما زال في قلبي حديث لم أبح به بعد.»
في تلك اللحظة كان عقله غارقًا في حالة من اللاوعي، لكن قلبه حاضرًا وبشدة.. ينبض بإيقاع خافت ولكنه ثابت، يعج بشوقٍ متين وحنين لا يهدأ.
أراد أن يفتح عينيه، أن يعود إلى الواقع بأي شكل، لكنه لم يستطع. الأصوات حوله، بعيدة وكأنها صادرة من قاع بئر عميق، كانت الوحيدة التي تذكره بأنه لا يزال على قيد الحياة: همسات الأطباء، صدى خطوات الممرضين، صوت الأجهزة التي تراقب قلبه ورئتيه.. ثم اختفى كل شيء وعاد السكون ليملأ المكان.
وبعد دقائق قليلة، اجتاح حواسه شعور غريب ومفاجئ.. التقط أنفه رائحة مألوفة، وأذناه أصوات أنين خافت، بينما قلبه المرهق رغم التعب، استجاب لكل ذلك وكأنه يعرف من هي..
وفجأة، انتبهت حاسة اللمس لديه حين مدت يدها وأمسكت بيده ، ثم تركت له قبلة عميقة على ظهر كفه.
شعر بها بلا شك، بلا جدال.
لو استطاع أن يفتح عينيه قسرًا ليراها، أو يمد يده ليضمها كما يتمنى، لكان فعل.. لكنه عاجزًا، محاصرًا داخل جسد لا يستجيب، وبرغم أنه عاجز عن الحركة، لم يمنع ذلك قلبه من النبض بقوة، ولم يمنع عقله من التقاط كل تفاصيلها: رائحة شعرها، دفء لمستها، صوت بكاءها الخافت الذي يخترق أعمق طبقات وعيه، حتى ولو لم يكن قادرًا على الرد أو الكلام.
ـ فريد .. أرجوك متسيبنيش ، أنا مليش غيرك .
سمع همسها الباكي فشعر فجأة بأن كل جزء منه يستجيب لها، كما لو أن جسده الصامت يشارك قلبها العاطفة نفسها.
شعر بقربها بطريقة لم يشعر بها من قبل، وبكلماتها البائسة تتغلغل داخل أعماقه، ولكم كان يتمنى أن يرفع يده ويربت عليها، أو يزيل دمعاتها، أن يضمها، أن يطمئنها أنه موجود رغم الألم، رغم ضعف جسده. لكنه اكتفى بأن يشعر بها، بأن يسمعها، بأن يعيش لحظة قربها رغم كل قيود اللاوعي.
༺═────────────═
#يتبع
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق