القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل السادس وخمسون 56بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات

 

رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل السادس وخمسون 56بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات





رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل السادس وخمسون 56بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات



 


 

 


ـ ٥٦ ~ خطايا لا تغتفر


مع أوّل خيطٍ للفجر، حين بدأ الليل يرفع ستاره عن السماء، وقفت نغم في ركنٍ هادئ من غرفتها بالمشفى …


وقفت كما لم تقف منذ سنواتٍ طوال، سنواتٍ أثقلتها الهموم وأبعدتها عن الطريق، حتى نسيت كيف تكون السكينة، وكيف يكون الوقوف بين يدي الله.


ارتجفت أطرافها وهي ترفع يديها، شعرت بثقلٍ غريب في صدرها، كأن كل تلك السنوات التي ضاعت في الغفلة تجمّعت فوق كتفيها.


خجلت… خجلت خجلًا مريرًا، تعرف أنها قصّرت، وأن يديها اللتين ترفعهما الآن إلى السماء كانتا غافلتين طويلًا. كأنها طفلة ضالة عادت تطرق بابًا غادرته منذ زمن.

ومع ذلك… كانت توقن أيضًا أن الله لا يغلق بابه، وأن الروح — مهما ابتعدت — تعرف طريق الرجوع حين يكسِرها الخوف، أو يهزمها الألم .


تكاد تهتز وتتعثر، كأنها تتعلّم من جديد… كانت تقرأ الفاتحة بصوت مرتجف، تتلعثم في الآيات، لكنها تشعر بكل كلمة تخترق قلبها، تشعر بقربٍ لم تذقه منذ زمن.


في الركوع… انحنت روحها قبل أن تنحني ركبتيها، وكأنها تعترف بكل وجعها وذنوبها وتشتتها. كانت تبكي بلا صوت، دموعًا دافئة تنساب من كثرة ما خبّأته في داخلها، من خوفها على فريد، من شعورها بالعجز، من رغبتها الصادقة في النجاة من هذا الضياع.


وفي السجود… وجدت نفسها تبكي كما لم تبكِ من قبل، تُغمض عينيها وتتوسّل من أعماقها أن ينجو فريد… فقط أن تمرّ هذه المحنة، أن يعود إليها كي تعود روحها إلى جسدها من جديد .


كانت تصلي وكأنها تُسلم قلبها كله لله، وكأن كل سجدة هي اعتراف، وكل دمعة هي توبة، وكل دعاء هو أمل لا تملك غيره.


وفجأة تبدو الصلاة أمامها نجاة، وملجأ، وذراعًا تُنتشل بها من الغرق.

أدركت حينها أنها كانت تحتاج الصلاة كما يحتاج الغريق إلى الهواء…

وتحتاج ذلك الاطمئنان كما يحتاج الجرح إلى ضمادة…

وفي تلك اللحظة، كانت أقرب ما تكون إلى الله، رغم كل سنوات البعد.


كأن الفجر كله وُلد داخلها من جديد.


بعد أن أنهت صلاتها كانت تشعر وكأنها خرجت من ظلمةٍ طويلة… كأن بابًا صغيرًا قد انفتح في صدرها وبات يسمح لنور دافئ أن يتسلل ببطء.


لم يعد الخوف ينهشها كما كان، بل انحسر قليلًا، وترك خلفه سكينة غريبة… سكينة من يعرف أنه قد وضع حمله عند قريبٌ مجيب .


كانت لا تزال تبكي، لكن دموعها هذه المرة لم تكن دموع فزع، بل دموع راحة…


جلست على طرف السرير، تحاول السيطرة على ارتجاف يديها، تضم راحتيها إلى صدرها كأنها تحاول احتواء قلبٍ يوشك أن يتشقق من الخوف.


نهضت ببطء، واقتربت من الكيس الذي يحوي متعلّقات فريد، ذلك الكيس الذي سلمهُ إليها حسن ..


فتحت الكيس بتوجّس، فاستقبلتها رائحته… رائحة فريد التي كانت دائمًا تبث السكينة في روحها العاصفة. كانت ملابسه مطوية بعناية كما اعتاد دائما؛ بنطال وقميص نظيفان، كأنهما ما زالا يحتفظان بآخر أثر لدفء جسده.


مدّت يدها نحو القميص، قربته إلى أنفها ببطء، وأغمضت عينيها تستنشق رائحته كأنها تستنشق هواء الحياة ذاته. ثم ضمّت القميص إلى صدرها، فخانت دموعها صمودها وسالت في هدوءٍ موجع.


ثم التقطت ساعته… تلك الساعة التي طالما رأته يرفع معصمه لينظر إليها، وهو يعقد حاجبيه حين يتأخر أو يتذكر موعدًا ..


وقعت عيناها على محبسه… محبس خطبتهما. لحظة واحدة كانت كافية لينهار ما تبقى من صلابتها. رقة غريبة غمرت ملامحها، وبابتسامة مرتجفة حملت المحبس، نظرت إليه طويلا قبل أن تضعه في بنصرها بحذر . وما إن استقر في إصبعها حتى انفلتت منها ضحكة خافتة امتزجت بدمعة تحاول الهرب ؛ فلقد كان يدور في إصبعها بحرية، كطفلٍ يرتدي معطفًا أكبر من مقاسه .


ثم مدّت يدها إلى هاتفه. فتحته… فظهرت صورتها التي وضعها خلفية للشاشة.

صورتها… صورتها في قلب يومه، أول ما تراه عيناه كلما أمسك هاتفه.


عندها لم تستطع أن تمنع نفسها…

أغمضت عينيها، وضمت الهاتف إلى صدرها بقوة، كأنه هو… وانهمرت دموعها من جديد .


استمعت إلى طرقات خفيفة على الباب قبل أن تدلف الممرضة إلى الغرفة، تحمل جهاز قياس الضغط بين يديها، ونظرة ودودة ترتسم على وجهها. وهي تقول بابتسامة خفيفة:

ـ صباح الخير يا مدام نغم.. جيت أطمن عليكي وأقيس الضغط نشوف اتظبط ولا لسه.


هزّت نغم رأسها بعجلة، وهتفت بصوت مرتعش:


ـ أنا كويسة.. المهم فريد عامل إيه دلوقتي ؟


تقدمت الممرضة بخطوات هادئة وجلست على طرف السرير، محاولة تهدئتها قبل الإجابة. وضعت جهاز الضغط جانبًا وقالت بلطف:

ـ اطمني .. حالة فريد بيه مستقرة الحمدلله. العلامات الحيوية ثابتة، والتنفس اتحسّن شوية عن امبارح. والدكاترة متابعينه لحظة بلحظة.


تنفست الصعداء بهدوء،وكأن قلبها تلقى جرعة أمل مفاجئة، ثم تمتمت بصوت يملؤه الرجاء :

ـ يعني…ممكن يفوق ويخرج من العناية النهارده ؟


أومأت الممرضة وقد شرعت بقياس ضغطها، وقالت:

ـ ده وارد جدًا مع الاستقرار اللي حاصل في حالته دلوقتي


مسحت نغم دمعتها بحركة سريعة، بينما تكمل الممرضة وهي تنظر إليها وتقول بابتسامة ودودة:

ـ أهم حاجة لما يفوق إن شاء الله يلاقيكي واقفة على رجليكي.. مش منهارة. علشان كده لازم تخلي بالك من نفسك .


تنهدت نغم طويلًا، ثم أومأت وقالت :

ـ إن شاء الله ..


نظرت إليها الممرضة وقد أنهت قياس الضغط وقالت :

ـ الحمدلله ضغطك أحسن من امبارح بكتير ..



هزت نغم رأسها بإيماءة خفيفة، ثم قالت :

ـ هو أنا ينفع أشوفه دلوقتي ؟!


أجابتها الممرضة بابتسامة خافتة وهي تنظر في ساعة معصمها وتقول :

ـ للأسف دلوقتي مش هينفع لأن ده وقت الفحص والمتابعة ، وقت الزيارة تقدري تشوفيه .


أطرقت نغم رأسها، وانسابت أنفاسها الثقيلة كأنها تتشبث بأي خيط طمأنينة، هزت رأسها بإذعان، فقالت الممرضة بلطف :

ـ ألف سلامة عليكي .


وغادرت على الفور لتباشر عملها، بينما بقيت نغم في مكانها للحظات، تحدّق في الفراغ بعينين زائغتين لا تستقران على شيء.

ثم خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة، وسارت في الرواق الطويل الممتد أمامها .


كان الهدوء طاغيًا… رواقٍ موحشٍ شبه خالٍ، أضواؤه الباردة تنعكس على الأرضية اللامعة، وصوت الأجهزة المنبعث من الغرف هو فقط ما يقطع السكون بين حين وآخر.


خطواتها وحدها كانت تتردد في المكان… خطوات قلقة، قصيرة، مترددة… وكأنها لا تعرف أين تذهب .


جسدها يتحرك، لكن عقلها غارق في مكان آخر تمامًا.


وفجأة… سقطت على قلبها ذكرى قديمة.

تذكرت كيف كانت تمشي في مثل هذه الممرات وهي تمسك بيد خالتها وترافقها، تنظر وقتها لكل شيء بفضول وخوف معًا… وخالتها كانت تمسك يدها بقوة، تطمئنها تارة، وتستند عليها تارة أخرى.


توقفت فجأة…

أسندت ظهرها إلى الحائط البارد، ضمّت ذراعيها حول جسدها كمن يحاول أن يحتمي بشيء لا يملكه.

ارتفع صدرها وهبط ببطء… ثم أسرع… ثم تباطأ.

وعينها لمعت بدموع حاولت كتمها لكنها انسابت رغمًا عنها.


في تلك اللحظة أدركت الحقيقة المرّة:

أن الإنسان مهما بدا قويًا… مهما بدا ثابتًا… هناك لحظة واحدة قادرة على كشف ضعفه كله، لحظة تهتز فيها قدماه ويفقد توازنه، ويكتشف أنه من الممكن أن يسقط بسهولة شديدة.


تمنت أن يا ليتها كانت تستطيع الآن أن تلتفت فتجد خالتها خلفها، تمسك يدها كما الماضي…

لكنها تقف وحدها.

وكل ما تملكه هو قلب يرتجف وقلق يأكلها… ودعاء لا ينقطع أن يخرج فريد من هذه المحنة سالمًا.


…..


انقضت ساعات الليل وهو يجلس في فناء المشفى،  ساكن الملامح، مشتّت الفكر، يراقب دخان سيجارته وهو يتصاعد نحو الضوء البازغ كأنما يحمل معه ما يضجّ به صدره من قلق.. يطارد شروده بنفَسٍ من سيجارة وأخرى، حتى بدا وكأنه يستهلك نفسه معها.


وفي تلك اللحظات الصامتة، تدفّق إلى ذهنه صورة عمر.


تبادل مع نفسه أسئلة لم يجد لها جوابًا، ودار في خلده:

لماذا لم يتصل عمر؟ هل يجهل ما حدث؟ أم علم… ولكنه لم يسأل؟


لم تَرُقْ له الفكرة، فحرّك رأسه نافياً، ثم قال في سرّه بنبرة مريرة: نعم… عمر غبي، ولكنه ليس قاسي القلب. مستحيل أن يعلم بأمر فريد ثم يبقى صامتًا. هو طفل كبير… أهوج لكنه طيب القلب، متهور ولكن حنانه سابق لغضبه. هو مزيج من الحماقة والحنان، ولو وصلته الحقيقة لجاء جريًا إلى أخيه.



تنهّد، لكنه لم يجد في صدره سوى وجعٍ ثانٍ، وقرارٍ يتشكّل في داخله بحزم أكبر.

حتى لو جاء. حتى لو ركض ليطمئن عليه… لن يسمح له.


ليس هذه المرة….

يكفي ما ضيّعه من فرص وما تركه وراءه من خيبات.


أطرق بصره إلى الأرض، وشعر بثقل العبء الذي انزلق فوق كتفيه دون أن يستعد له ..

إن لم يتولَّ أحدٌ تقويم عمر… فمن إذن؟ فريد لم يعد قادرًا الآن. وهو.. لا بد أن يحمل عنه ما كان يحمله دائمًا.


رفع رأسه ببطء، وكأن القرار استقام داخله، واستقام معه ظهره الذي ظلّ محنيًا وقتًا طويلًا.

إن اللين لم يجدِ نفعًا معه، والرفق لم يغيّر فيه شيئًا… إذن فقد آن وقت الحزم. آن أن يكون الأخ الأكبر… حين يعجز فريد عن القيام بدوره.


وبينما أطفأ حسن سيجارته الأخيرة، كان قد حسم أمره تمامًا…

أصبح هو من سيقف في مواجهة عمر، لا ليعاقبه، بل ليُعيد إليه الطريق الذي ضلّه…


أمسك هاتفه، وقام بالاتصال برقم كريم حيث كان قد أخذه مسبقًا من فريد، وما إن وصله صوت كريم حتى تنحنح وقال :

ـ صباح الخير يا متر .. معاك حسن مرسال .. أخو فريد .


رد كريم بنبرة لبقة، هادئة :

ـ صباح الخير يا أستاذ حسن .. إيه الأخبار !


ـ الحمدلله على كل حال .. أولا أنا آسف لو بتصل بدري .. ثانيا ..


تنهد وهو يستشعر ثقل ما سينطق به، ثم استرسل بهدوء :

ـ للأسف فريد تعبان شوية وعامل عملية في القلب ..


على الفور هتف كريم بنبرة متعجبة، يملؤها الاستياء والضيق :

ـ فعلا ؟! لا حول ولا قوة الا بالله .. إمتا ده حصل وهو عامل إيه دلوقتي ؟!


ـ الحمدلله على كل حال هو لسه في العناية ، بس عشمنا في ربنا كبير إنه يتحسن ويخرج النهارده .


ـ ألف سلامة عليه، ربنا معاه ويعافيه، فريد قدها إن شاء الله .


تنهد حسن تنهيدة مثقلة بالخوف والتمني، ثم قال :

ـ إن شاء الله .. الحقيقة أنا كلمتك علشان اتابع معاك آخر المستجدات في قضية نادر وجيرالد وأعرف لو في جديد .. وكمان لأن فريد كان طلب مني أقابلك أنا وعمر أخويا ونعملك توكيل بس اللي حصل فجأة غيّر كل حاجة.


ـ بالنسبة لموضوع نادر وجيرالد ، أنا فعليًا كنت هكلم فريد النهارده علشان أبلغه .. من شوية وصل مكتب نادر إنذار رسمي تم إخطاره فيه ببدء الإجراءات ضده بتهمة التلاعب بموكليه والإضرار بيهم عمدًا .. أما بخصوص جيرالد فانا قدمت نسخة من السجل الجنائي وأكدت إن فريد مكانش عنده أي علم بيه، وإن العقد اللي بينهم قائم على التدليس، علشان كده من حقنا نطالب ببطلان العقد .


ثم تابع بجدية :

ـ الخطوة الأهم دلوقتي إننا أخدنا موافقة المحكمة فعلا لفتح التحقيق، وده معناه إن القضية هتمشي في مسار رسمي وواضح، احنا دلوقتي أخدنا أول خطوة فعلية، ولسه الخطوات الجاية هتكون أسرع، خصوصًا لما فريد يقوم بالسلامة ويوّقع بنفسه على باقي الأوراق.



ـ بإذن الله .. طيب لو في أوراق ضرورية بمجرد ما يقوم بالسلامة إن شاء الله أنا ممكن أجيلك المكتب وأخدها منك ..


ـ لا لا .. أنا بنفسي إن شاء الله هزور فريد بكرة وأجيب معايا الأوراق اللازمة ، أتمنى من هنا لبكرة يكون حاله بقا أفضل ونطمن عليه .


ـ يارب إن شاء الله ..


ـ أما بالنسبة للتوكيل بتاعك انت وعمر فانا هحتاج بس البطاقة الشخصية وبعدين هنحدد يوم نروح الشهر العقاري ، بس مش أقل من أسبوع لأني مسافر بكرة بالليل وهرجع آخر الأسبوع الجاي إن شاء الله .


ـ تمام يا متر .. يبقا اشوفك بكرة ونتكلم إن شاء الله.


ـ بإذن الله .. مع السلامة .


أنهى الاتصال وهو يشعر ببعضٍ من الارتياح، ثم نهض أخيرًا ليصعد للطابق الذي ترقد فيه نغم، لكي يطمئن على فريد وعليها، ولكنه لمح في طريقه إلى بوابة الدخول شخصًا جعله يتسمر في مكانه.


كان عاصم يخرج من البوابة … منهكًا، شاحبًا، يسحب قدميه وكأنه يتحامل على روحه ذاتها. لم ينتبه لوجود حسن، لكن حسن رآه، ورأى معه كل احتمالات الخطر تنقضّ على صدره دفعة واحدة.


اندفع نحوه بسرعة، وقال بصوتٍ مشحون بالخوف:

ـ انت هنا ليه؟! نسيم فيها حاجة؟!


لم يكن يعرف كيف عرف… ولكنه حدس الأخ الذي يستشعر أي خطر قد يداهم أخته، نصفه الآخر !


رفع عاصم نظره إليه، رمقه بنظرة باردة، مرهقة، بلا طاقة للشرح.. ثم تابع سيره كأنه لم يسمع.


لكن حسن لم يتحمل ذلك، فتقدّم خطوتين واعترض طريقه، ثم أمسك بذراعه بقوة وهتف بصوتٍ ارتجف غيظًا:

ـ بقولك نسيم فيها حاجة؟!!!


توقف عاصم.

أنزل نظره إلى يد حسن المطبقة على ذراعه، ثم رفع عينيه ببطء إلى عيني حسن، مد يده ونزع قبضته عن معصمه بعنف هادئ، وقال بصوتٍ منخفض لكنه حاد:

ـ تعبانة شوية.


وحاول تجاوز حسن مرة أخرى، لكن الأخير حال دون ذلك بصدره، وتناثرت الأسئلة من فمه قبل أن يجيب عاصم عن أي منها:

ـ تعبانة مالها؟! هي فين؟!


تنفّس عاصم بعمق، وكأنه يجمع ما بقي من صبره، ثم قال ببطء ثقيل:

ـ في قسم النسا.


قالها ومضى… لم يلتفت، لم يشرح، فقط مرّ من خلال البوابة واتجه إلى من ينتظره بالخارج — شخص ما لم يستطع حسن تمييزه، ولم يهتم أصلاً.


كان كل ما يهمه الآن… هو أخته.


وفي اللحظة التالية كان يجري صعودًا إلى الطابق العلوي، يكاد يسقط من استعجاله، يتعثر من شدّة اللهفة، أنفاسه متلاحقة، وصدره يعلو ويهبط كأنه يطارد ظلًّا خفيًا .


كان الممر الطويل يمتد أمامه بلا نهاية، وكل خطوة يخطوها كان يشعر معها أن دقات قلبه تعلو أكثر.



توقف عند أول ممرضة رآها، وسألها بصوتٍ مضطرب :

ـ لو سمحتي… نسيم مرسال فين؟!


رفعت الممرضة عينيها إليه وبدت ملامح التعجب واضحة عليها من شدّة توتره، فأجابته بهدوء مهني:

ـ مين حضرتك ؟


ـ أخوها .


قالها وهو يلهث، فرمقته بهدوء، وقالت :

ـ آسفة بس مش هينفع تشوفها دلوقتي ، ده مش ميعاد الزيارة وهي تعبانة ومحتاجة ترتاح .


ـ معلش ربنا يكرمك .. دقيقتين اتنين هطمن عليها وأخرج .


ـ مش هينفع يا أستاذ .. ولو سمحت اتفضل ده قسم النسا، يعني مش مسموح بوجود رجالة أصلا غير في وقت الزيارة الرسمية .


تنفس بعمق مضطرب، ثم التقط هاتفه، وهمّ بالاتصال بها ولكن الممرضة منعته على الفور حين قالت :

ـ لو سمحت بلاش تزعجها لأنها تعبانة ولازم ترتاح ..


ابتلع ريقه في وجل وسألها :

ـ تعبانة مالها ؟!


ـ في احتمال تجهض البيبي .. وبنحاول نسيطر على الوضع .. عن اذنك .


هوى الخبر فوق صدره كصخرةٍ باردة، أفقدته القدرة على التقاط أنفاسه للحظة. اتسعت عيناه في ذهول صامت، وكأن الكلمات لم تجد طريقها إلى عقله من فرط فظاعتها. شعر بوخزةٍ حادة في قلبه، وخيطٍ ساخن من الألم يشد صدره إلى الداخل.


لم يصرخ، لم ينهار… فقط وقف ثابتًا، يتشبث بآخر ذرة تماسك فيه، بينما لونه يشحب شيئًا فشيئًا. رمش بعينيه محاولةً منه لطرد الدموع التي لم يسمح لنفسه بالسقوط فيها، لكنه لم ينجُ من ذلك الشعور الطاغي الذي اجتاحه… شعور بأن الأرض ضاقت فجأة، وأن الهواء من حوله صار أقل مما يكفيه ليعيش.


تخيّل أخته وهي تتألم… تخيّل خوفها، وحدتها، جسدها الصغير وهو يواجه ما لا طاقة له به. وتذكّر في اللحظة ذاتها فريد الراقد بين الحياة والموت… فشعر كأن القدر ينهش طرفي قلبه معًا.


رفع يده إلى جبينه ومسح وجهه في حيرة عاجزة، ثم تمتم بصوت مبحوح ورجاءٍ خافت لا يكاد يُسمع .


لم يشعر بشيء بعدها سوى أن قدميه حملتاه رغماً عنه… كأنه اندفع بالجسد وحده بينما روحه معلّقة بين خوفين لا يعرف أيهما أشد وطأة عليه.. وغادر الطابق مرغمًا، جر قدميه حتى وصل إلى الطابق العلوي حيث توجد نغم بغرفتها، وفريد بوحدة العناية المركزة .


كان الحزن ينهش صدره نهشًا، يمضي به كالمخمور بالصدمة لا يعي خطواته ولا الأصوات من حوله. تقدّم في الممرّ الطويل، رأسه يثقل كتفيه، وأنفاسه تعلو وتهبط على وتيرة مضطربة، حتى وقعت عيناه عليها، تتنقّل أمام غرفتها بخطوات قصيرة متوترة، تائهة الفكر. وما إن لمحته بتلك الحال حتى هرعت نحوه، يتقدّمها القلق.. وسألته :

ـ حسن .. انت كويس ؟


لم يجب، فقط جلس على أقرب مقعد وكأن الأرض انسحبت من تحته، وانحنى يسقط رأسه بين يديه، يتنفّس بعمق محاولًا كبح ما اشتعل في صدره من خوف وغضب وعجز، فهتفت مجددًا :

ـ حسن ؟؟؟ اتكلم .. في حاجة ؟؟



سألته بإلحاح لا يخلو من الفزع. فرفع رأسه أخيرًا، ويداه لا تزالان تضغطان جانبي رأسه كمن يحاول تثبيت ما يتداعى داخله، وقال بصوت خافت منكسر:

ـ نسيم ..


هتفت بذعر :

ـ مالها ؟!


ـ هنا في المستشفى .. في احتمال تجهض وحاطينها تحت المتابعة ..


شهقت بهلع، ومدت كفها تكمم فمها بينما الذعر قد امتد لعيناها اللتان اتسعتا بخوف، وهمست :

ـ مش معقول !! هو إيه اللي بيحصل ده بس !!


أطرق مجددا وشبك أصابعه أمام جبينه وهو يردد بقلة حيلة:

ـ مش عارف .. مش عارف حاجة ولا فاهم حاجه .


نهضت على الفور وهي تقول :

ـ أنا هنزل أشوفها .


هز رأسه وقال :

ـ مفيش زيارة دلوقتي مش هيدخلوكي .


جلست من جديد، ونظرت أمامها بشرود وامتلأت عيناها بالدموع من جديد ، ثم نظرت إليه وكأنها تداركت شيئا ما، فقالت:

ـ بس لو شافتنا هنا هتعرف إن فريد تعبان، وبالشكل ده ممكن تتعب أكتر .


التفت نحوها ببطء، وأومأ مؤكدًا، ثم قال بصوتٍ خفيضٍ يغلّفه الإدراك الثقيل:

ـ صح ، بس كده ولا كده هتعرف .. خبر زي ده مش هيستخبى .. وخصوصا جوزها ممكن يعرف ويقولها .


قالت بسرعة، ولهجتها تميل إلى الاعتراض:

ـ لأ .. أكيد يعني مش هيقولها خبر زي ده في ظروفها دي .. هو مش غبي للدرجة دي .


رمقها بنظرة حادة وقال :

ـ مين اللي قالك ؟! مين اللي يضمن أصلا إنه مش هو السبب في اللي هي فيه ؟! ما يمكن ضربها ؟!!


التفتت إليه، واتّسعت عيناها غضبًا، وهتفت بحدةٍ تكاد تقطع الهواء:

ـ ضربها ؟!!! إنت مفكر الناس كلها همج زيك ؟!


قالتها ثم نهضت، وكأن ازدرائها عاد ليرتدي ملامحها القديمة التي يعرفها جيدًا؛ فابتسم بسخطٍ خافت، وقد أدرك أنها نغم ذاتها التي يعرفها منذ ربع قرن. فقال بضيقٍ مماثل:

ـ لأ أكيد الناس كلها مش همج زيي .. علشان كده أنا مضطر أصبر لحد ما أشوفها و أسألها إيه اللي حصل بالظبط .. ولو اتضح إنه مد ايده عليها يمين بالله لأخليه يعرف يعني إيه همجية فعلا .


حدقت فيه بغيطٍ بالغ، ثم هزت رأسها في تعجبٍ مصطنع وقالت:

ـ طبعا .. ما انت من زمان معتزل الإجرام، أكيد نومة الحجز وحشتك .


بادلها النظرة ذاتها، وقد اشتعلت عينه بوميض عناد، وقال:

ـ وحشتني فعلا .. عدّي يومك بقا .


نظرت إليه بعناد وهتفت :

ـ اتكلم معايا كويس .


ورمقته من طرف عينها بازدراء، ثم زفرت بضيق وهزت رأسها بيأس، تحركت بعشوائية يمينًا ويسارًا بنفاذ صبر ، ثم نظرت إليه من جديد وقالت بغضب:

ـ هو ايه اللي حصل بالظبط ؟! فريد اتخانق مع أبوه مش كده ؟!


نظر إليها وعقله يسترجع تلك اللحظات بصمت، بينما هي تابعت :

ـ ولا اتخانق معاك انت ؟!!


هز رأسه وهو يتمتم مستغفرًا بنفاد صبر. بينما هي اقتربت منه حتى صارت أمامه تمامًا، وأشهرت سبّابتها في وجهه وهي تقول:

ـ تعرف يا حسن لو كنت انت السبب في حالة فريد ، هعمل إيه ؟!


نهض فجأة، فتراجعت خطوة للخلف بذعر قديم لم تستطع إخفاءه، بينما سألها بنبرة عاجزة :

ـ هتعملي إيه ؟!


ابتلعت ريقها بوجل وهتفت بنبرة حادة مهزوزة :

ـ مش هسامحك اللي باقي من عمري .


تنفس بعمق، ثم قال وهو يتطلع حوله بشرود :.

ـ مش أنا .. عمر .


ـ عمر ؟!


قطبت جبينها بتعجب ، فأومأ بضيق وقال :

ـ أيوة .. شدوا قصاد بعض وفريد تعب، ستر ربنا إني كنت معاه وقتها وعرفت ألحقه .


التمعت عيناها بغضب، وهتفت :

ـ علشان موضوع الولد مش كده ؟


التفت نحوها فجأة متعجبا، وقال :

ـ انتي تعرفي موضوع الولد ؟!!


أومأت وهي تمط شفتيها بثقة وتقول :

ـ أكيد يعني .. فريد مش بيخبي عليا حاجة .


تنهد وهو يوميء موافقا، ويحرك رأسه من جديد ، ثم قال :

ـ أيوة عشان كده .


مسحت على ملامحها المرهقة، وقالت :

ـ وبعدين ؟


ـ وبعدين إيه ؟!


ـ وبعدين إيه اللي حصل ؟!!


رمقها بتوتر، وهتف بانفعال محاولا التهرب من ذلك الحوار وقال :

ـ ولا حصل ولا وصل .. اتخانقوا مع بعض وفريد اتعصب وبعدها تعب وجينا على المستشفى .


رمقته بغضب من جديد وهتفت مرة أخرى :

ـ انت بتزعق ليه ؟! اتكلم معايا كويس !!


ظلّ يحدق في وجهها بعينين مطفأتين، بلا تعبير. ثم، وبلا مقدمات، ضحك… ضحك رغماً عنه وهو يرى ملامحها الحادة، عنادها القديم، غضبها الذي يشبه أيامهما الماضية. تذكّر تلك اللحظات التي كانت تقف فيها أمامه بنفس النظرة… نظرة امتزج فيها الخوف بالعناد بالازدراء والاحتقار، وكانت —رغم قسوتها— تثير ضحكه دائمًا، معتبرًا إياها مجرد رعونة طفلة كبيرة.


أما هي، فبعد أن أطلقت نحوه نظرات حانقة، استدارت تتجول بخطوات ضيقة مضطربة، ثم التفتت إليه بغتة وهتفت بصوت حاد يغلي:

ـ هو ماله أصلا ؟! بيتدخل ليه ؟!


هز رأسه مستفهما، وقال :

ـ مش فاهم ؟!


لكنها لم تُصغِ، وكأنها عالقة داخل دائرة مغلقة لا مخرج منها. أخذت تخطو في الرواق ذهابًا وإيابًا بعصبية ظاهرة، تشابكت يداها أمام صدرها وهي تلهث من الضيق، ثم توقفت فجأة، التفتت نحوه بعينين يلمع فيهما الغضب والدموع معًا، وهتفت بصوت حاد متوتر:

ـ هو فاكر نفسه هيصلح الكون ؟! هو هيعمل إيه ولا إيه ؟! كل إنسان له طاقة .. وهو شال فوق طاقته كتير ومفيش حد بيطمر فيه أصلا .


رفعت يدها إلى خُصلاتها بعنفٍ، كأنما تحاول انتزاع الغيظ العالق بين أناملها، ثم هتفت بصوتٍ مرتجف يخالطه البكاء المكبوت:

ـ هو عارف إنه تعبان، وعارف إنه المفروض يبعد عن أي ضغط أو مشاكل .. ما يسيب اللي يتحرق يتحرق، عمر مش صغير .. عمر بيستعبط وعامل فيها لسه عيل صغير لأنه لاقي اللي بيلم وراه دايما وبيصلح أغلاطه ، سواء أمه أو أبوه أو فريد .. علشان كده مش عايز يشيل مسؤولية ، ماهو لاقي أخوه بيشيل عنه طول عمره ، مش مهم بقا أخوه ده جاب أخره ولا لأ، تعبان ولا لأ، صبره نفد ولا لأ .. المهم نفسه وبس .. عمر ده إنسان في منتهى الأنانية وانتوا اللي عملتوا فيه كده .



توقفت فجأة، كأن الكلمات قد خرجت أثقل مما ظنّت، ثم أطبقت شفتيها وأغمضت عينيها باستياء من نفسها، بينما صدرها يعلو ويهبط في محاولة فاشلة لتهدئة نفسها.


أطرق حسن للحظة، لا اعتراض ولا دفاع.. فقط صمت رجلٍ يتلقى الحقيقة بوجومٍ ثقيل. ثم رفع بصره إليها ببطء وقال بصوت خافت :

ـ يمكن كلامك صح .. بس مهما عمر عمل هيفضل بالنسبة لفريد أخوه الصغير اللي متربي على ايديه، الموضوع مش سهل يا نغم .. إحساس فريد بالمسؤولية ناحية عمر مزروع جواه من صغره .. مهما فريد يكبر وعمر يكبر هيفضل يبص له على إنه ابنه مش أخوه بس .. عشان كده مش هيقدر يتخلى عنه مهما عمل .


ـ طب وأنا ؟!


نظرت إليه فجأة وأشارت نحو نفسها ودمعاتها تسيل رغمًا عنها، وقالت :

ـ صعب إنه يتخلى عنه، طب وأنا ؟! مفكرش لو جراله حاجه أنا هعمل إيه من غيره ؟!


واقتربت خطوة وهتفت بحدة وصوت مهزوم :

ـ حسن أنا مليش غير فريد .. !


تقبل الحقيقة برضا، أومأ موافقا وأشاح عنها قليلا، بينما هي تابعت :

ـ كلكم عندكم البديل .. أنا عارفة إن فريد محدش ممكن ياخد مكانه في حياة أي حد مننا.. لكن .. لكن كل واحد عنده حياته .. انت مثلا ، عندك عمر ونسيم .. عندك أبوك، عندك شغلك وحياتك.. عمر، عنده انت ونسيم وچيلان، عند أمه وأبوه .. نسيم عندها انت وعمر وأبوها.. عندها جوزها وابنها .. أنا ليا مين غير فريد ؟! أنا حياتي كلها واقفة عليه ، لا عندي أهل ولا صحاب غيره ..


لمحت في عينيه مرارة لم يخفها، فهتفت :

ـ عارفة إنك موجود .. وعارفه إنك عمرك ما هتتأخر عني لو احتاجتك .. بس أنا حتى مبقيتش عارفة أشوفك غير حسن مرسال .. أخو فريد ..


وصمتت لحظة ثم قالت :

ـ  نسيم ؟؟ نسيم أصلا مش معترفة إننا ولاد خالة .. يعني لو بتحبني فهي بتحبني عشان فريد بيحبني .


ونظرت إليه وقالت باستسلام :

ـ أنا مليش غير فريد يا حسن .. هو كل أهلي وصحابي .. انا حتى مش بعرف أعمل حاجة من غيره، مش بحس إني عايشة وبتنفس غير وهو قدامي .. محدش حبني ولا كان حنين عليا قده، محدش خاف عليا وإهتم بيه زي فريد، من غيره حاسة إني ضايعة ومش لاقية نفسي .. أنا حتى إحساس اليتم كنت نسيته معاه .


زفر نفسًا بائسًا ، وأسقط رأسه في صمتٍ ثقيل، بينما هي انشغلت بكفكفة دموعها، وتخطي تلك الحالة المزرية، ثم جلست على مقعد قريب وهي تشعر بالإعياء والتعب، ومن ثم دار بينهما صمتٍ طويل ، لم تقطعه سوى هي عندما قالت بصوت هاديء:

ـ أنا حاسه اني أنانية أوي بعد اللي قلته .


نظر إليها وتنهد ثم قال :

ـ لأ بالعكس ..


التفتت إليه بعينين دامعتين وقالت بمرارة:

ـ أنا آخر واحدة المفروض أتكلم .. لأن تلت ارباع المشاكل اللي في حياته بسببي أصلا .


وتنهدت بسخرية من حالها، وقالت :

ـ من يوم ما عرفني وهو شايل هموم زيادة فوق اللي عنده، ومع ذلك عمره ما حسسني إني عبء عليه .



أطرقت رأسها وأخذت تبكي في حسرة، فتنهد وقال:

ـ انتي مش عبء عليه يا نغم. فريد لو كان شايل همومك كلها فوق كتافه.. فهو شايلها برضاه. فريد بيحبك بجد .. انتي روحه. 


قال الأخيرة بصوتٍ متهدج، ببقايا جرح قديم، ثم أدار وجهه جانبًا، كأنما الهروب من عينيها يخفف ثقل ما يشعر به. أما هي فكلماته جعلتها تبكي بقهرٍ أشد.. نعم هي تعرف أنه يعشقها، تعرف أنها روحه، ولكن هذا لا ينفي أنها فعلا عبئا ثقيلا.. وأنها، ساهمت بشكل كبير في همومه .


تنهد تنهيدة بائسة وهو يراها بهذه الحالة، فنهض يحاول الهرب وقال أخيرًا بصوت متماسك تحته زلزال مكتوم:

ـ أنا هنزل أجيب حاجة للفطار .. عايزة حاجة معينة أجيبهالك ؟!


هزت رأسها بهدوء وقالت :

ـ مش عايزة حاجة خالص .


تنهد وتركها، ثم غادر إلى الفناء مجددا، ومن ثم أشعل سيجارة أخرى ووقف يدخنها وينفث دخانها بإرهاق شديد ، فإذا به يتلقى اتصالا من والده .


أخذ ينظر إلى الهاتف بتردد، ثم أجاب في النهاية :

ـ الو ..


ـ أيوة يا حسن، طمني على فريد ! الدكاترة بيقولوا إيه ؟!


تنهد حسن وقال :

ـ الحمدلله ، لحد دلوقتي مفيش أخبار بس إن شاء الله حالته مستقرة يعني ..


ـ يعني هيخرج من العناية النهارده ؟!


سحب نفسًا من سيجارته، وزفره على مهل وهو يقول :

ـ لسه مفيش حاجة واضحة، دلوقتي هنتكلم مع الدكاترة ونشوف هيقولوا إيه .


زفر سالم زفرةً محمومة ثم قال :

ـ طيب .. أول ما تطمن عليه ويفوق قوللي علشان أكلمه .


ـ حاضر ..


ـ مفيش أخبار عن عمر ؟


تساءل بضجر .. فتنهد حسن مطولا ثم قال :

ـ الأخبار عندكم  .


ـ مرجعش البيت من امبارح، كالعادة هربان ومش داري بحاجة .. يعمل العملة ويجري يستخبى زي الفار .


أومأ حسن ثم قال بضيق :

ـ على فكرة .. نسيم كمان في المستشفى لو عاوز تكلمها تطمن عليها .


صمت سالم قليلا، ثم قال بنبرة مضطربة :

ـ نسيم في المستشفى !! ليه ؟!


تنهد حسن ومد يده يمسح على وجهه بضيق وقال:

ـ مشاكل في الحمل …  ربنا يعديها على خير .


ـ هي حامل !!


هتف بنبرة متعجبة، تمتزج فيها الشفقة بالذهول، فقال حسن :

ـ أيوة .. أنا شوية كده هدخل أطمن عليها ، بس قلت أبلغك يمكن تحب تكلمها بنفسك تطمن عليها .


لم يصل إلى مسامعه سوى تنهيدة طويلة مثقلة، ثم من بعدها أُغلق الخط .


ـــــــــ


أنهى سالم الاتصال، ومدّ يده ليلقي بالهاتف فوق سطح المكتب بإهمال، ثم أرخى ظهره إلى المقعد وحدّق أمامه في الفراغ. كان الألم يتسلل إلى أطرافه الثقيلة، ألمٌ حادّ اجتاح قلبه فجأة، كأنه يوقظ فيه شيئًا ظلّ ساكنًا، باليًا، مهمَلًا منذ زمن بعيد.


أغمض عينيه ببطء، محاولًا ابتلاع الغصّة التي ارتفعت في حلقه وهو يفكّر طويلاً… فريد، ذلك الغضوب المتمرد..


رغم كل شيء…

رغم الخلاف المستمر، رغم الجفاء، رغم العناد، ورغم ذلك الشرخ القديم الذي لم يُرمَّم يومًا… يظلّ ابنه.


ابنه… قطعة من روحه، وظلّ من أيامه الماضية، وامتداد عمره الذي ظنّ أنه طواه مع قسوته وصرامته.

وفجأةً، وجد نفسه عاجزًا عن إنكار الحقيقة التي لطالما دفنها تحت طبقات الصلابة:

إن سقوط فريد هو سقوط جزءٍ منه… وإن وجعه يفتح في داخله بابًا حاول إغلاقه عمرًا كاملًا.


ارتجف قلبه واضطربت أنفاسه ..

رفع يده إلى صدره، كأنه يحاول منع الألم من شق نفسه إلى نصفين. رفعت الذكرى القديمة رأسها في عقله: يوم ولد فريد، يوم حمله لأول مرة بين ذراعيه، يوم نظر إليه وقال في سره إنه سيكون مجده وفخره.… لكنه لم يملك يومًا الشجاعة ليخبره بذلك.


والآن…

الآن ينهض داخله خوفٌ معتم، يشبه ظلًا أسود يحجب أنفاسه ويهدّد بأن ينتزع هذا الابن من حياته انتزاعًا، بلا تمهيد، بلا فرصة لتدارك ما انكسر، ولا لحظة واحدة يقدر فيها أن يقول له ما عجز عن البوح به سنواتٍ طويلة.


ونسيم…

تلك الابنة التي ضيّق عليها حتى أغلق كل باب في وجهها، قساوةً وجفاءً لم يكن يدري أنهما سيعودان اليوم ليطعنانه هو.

تلك التي حرمها من الحياة كما يجب أن تُعاش، ثم تركها تتخبّط وحدها في اختياراتها حتى سقطت في أحضان عدوّه وتزوجته، والآن تحمل من دمه طفلاً…

وبرغم هذا الخذلان كلّه، وبرغم تمرّدها المستمر عليه، وبرغم كل ما فعَلَته…

يجد قلبه اليوم يلين لها على نحوٍ غريب، يكاد يشعر بأسى صادق تجاهها، ورغبة في الاعتذار لم يعرفها يومًا.


ما الذي تغيّر؟

هو نفسه لا يعرف…

غير أنّ الخوف حين يقترب من الأبناء، ينسف الجفاء نسفًا، ويكشف في الإنسان ما دفنه القهر تحت طبقات السنين.


كان جسده جامدًا، لكن روحه تسقط.

عيناه تجولان المكان كالمذعور، كأنه يبحث عن حقيقة أقل قسوة من الحقيقة التي يخشاها … أو ربما يبحث عن أي شيء يمسك به قبل أن ينهار.


وذلك القلب الذي طال عمره وهو يتظاهر بالقسوة، ويختبئ خلف صخرة لا تُخترق… صار الآن هشًّا، يرتجف كجناح طائر مبلول بالمطر.


نبضه، الذي اعتاد أن يكون ثابتًا لا يهتز، صار يخفق بخوفٍ خالص… خوف أبٍ حقيقي، لم يتعرّف إلى نفسه إلا حين رأى الظلام يمدّ يده لانتزاع أبنائه من بين أصابعه.


وللمرة الأولى أدرك ـ بوضوح جارح ـ أنه لم يكن يرى النعم التي كانت تحيط به؛ كان يمرّ بينها مرور العابر المتعجرف، لا يلتفت لها، لا يخشى ضياعها… كأن وجودهم حوله مسألة بديهية، وحقّ لا ينازع.


لكن حين تهبّ العاصفة ويتهدد قلبه بالفقد… تنكشف الحقيقة القاسية:

أن تلك النعم ليست دائمة، وأن تلك القلوب ليست صبورة إلى الأبد، وأن الإنسان لا يعرف قيمة ما بين يديه إلا حين يشعر بأنه ينزلق من بين يديه .


حينها فقط… يعضّ على قلبه ندمًا، ويتمنى لو عاد الزمن خطوة واحدة للخلف… فقط خطوة واحدة، ليقول كلمة اعتذار، أو يمنح لمسة حنان، أو يفتعل أي فرصة صغيرة تُنقذ ما تبقّى من العمر.


ولكن… الزمن لا يعود.

ولا يبقى له الآن سوى رجاء خافت… أن ينجو فريد. وأن تُنقذ نسيم. وأن يُمنح ـ ولو مرة أخيرة ـ فرصة ليكون أبًا… لا ظلًّا قاسيًا يمضي فوق حياتهم مضيّ العميان .


…. 


خارج المكتب، كانت أحلام تقف متسمّرة خلف الباب، تسترق السمع بقلقٍ ظاهر. وما إن سمعت صوت سالم وهو ينهي مكالمته مع حسن، حتى أسرعت بخطوات مضطربة نحو غرفة نادية. طرقت الباب طرقًا خفيفًا ثم دخلت، وقفت أمامها في وقارٍ مطيع وقالت:


ـ صباح الخير يا نادية هانم.


رفعت نادية عينيها نحوها بفتور، ثم قالت ببرودٍ لاذع:

ـ وهييجي منين الخير؟! قولي اللي عندِك.


ابتلعت أحلام ريقها وقالت بارتباك:

ـ سمعت الباشا بيتكلم مع حسن بيه… وفهمت إن فريد بيه تعبان، في المستشفى… في العناية.


لم تكد تكمل جملتها حتى اندفع الباب، ودخلت چيلان كعاصفة، تهتف بحدة:

ـ إيه؟! مستحيل؟!


لمعت عينا نادية بنبرة غريبة، خليط من الدهاء والرياء، ثم قالت بنبرة حاولت أن تتقمص فيها التعاطف:

ـ إزاي ده حصل؟!


ـ والله مش عارفة يا هانم… بس كمان نِسيم هناك… شكلها حامل وحملها فيه مشاكل.


مطّت نادية شفتيها ببرود مدروس، ثم نظرت إلى أحلام نظرة تحمل أمرًا غير منطوق وقالت:

ـ طيب… روحي ادي الباشا علاجه.


أومأت أحلام ومضت مسرعة، بينما التفتت نادية إلى ابنتها قائلة:

ـ صباح الخير يا چيچي… كلمتي عمر؟! أنا بحاول أوصل له من الصبح… قافل تليفونه!


لكن چيلان باغتتها بردٍ مغاير تمامًا، حين قالت وهي تتجه نحو الباب:

ـ أنا هروح أشوف فريد.


سارعت نادية بمنعها، وهتفت بضيقٍ نافد الصبر:

ـ استني! انتي اتجننتي ولا إيه؟!


التفتت چيلان إليها مستنكرة، فأردفت نادية بحدة:

ـ هتروحي له بعد الأسلوب اللي كلمك بيه امبارح؟! وبعد اللي عمله في أخوكي؟!!


تنهدت چيلان وقالت بصدقٍ لا لبس فيه:

ـ مهما حصل… لازم أطمن عليه.


اشتدّ وجه نادية غضبًا وتهكمًا، وقالت وهي تزفر بازدراء:

ـ مش عارفة طالعين مَنزوعين الكرامة كده لمين انتي ولا الأهطل التاني! هو مش فريد ده اللي جرحك قبل كده ورفضك؟ وفضّل عليكي الحقيرة نغم؟!

فوقي بقى! خلي عندِك كرامة… واعرفي انتي مين وبنت مين!!


وقفت چيلان قبالتها بثباتٍ غير مألوف، كتفاها مشدودان، وملامحها ممزوجة بالغضب والضيق، لم تعد تلك الفتاة التي تتحكم فيها انفعالات أمها، كانت أكثر هدوءًا .. وأكثر حدة أيضًا .


بينما حدقت نادية فيها بعينين ضيقتين، تنتظر تراجعًا أو أي بادرة ضعف لتقلب الهجوم إلى تأنيب، لكن چيلان لم تمنحها تلك المتعة.

رفعت رأسها، اعتدلت في وقفتها، وكأنها تُعيد رسم الحدود التي تجاهلتها لسنوات… ثم قالت ببرودٍ قاطع لا يشبهها:

ـ أظن موضوع الكرامة ده بقا موضوع سخيف أوي يا نادية هانم، وبالرغم من إن زيارتي لفريد مش هتنتقص من كرامتي أبدًا، لكن حابة أفكرك… أنا لو منزوعة الكرامة زي ما بتقولي فده لأني اتربيت وأنا شايفة سالم مرسال بيبيع ويشتري فيكي ويطعن في أخلاقك بمنتهى البساطة، ومع ذلك مصممة تفضلي على ذمته.


تجمّدت نادية في موضعها وكأن الكلمات صفعتها على وجهها. لم تتوقع من چيلان جرأة كهذه، ولا أن تتحول سهامها — التي طالما وجّهتها لابنتها — لتعود نحوها بهذه الحِدّة. ارتفع صدرها في زفير ثقيل، بينما كانت چيلان تنطق عبارتها الأخيرة بصوتٍ ثابت لا يرتجف، كأنه قرارٌ أكثر منه ردًّا.


وبينما ساد الصمت للحظة، كان الهواء في الغرفة يضيق، وكأن الكلمات التي انطلقت للتوّ أثقلته. نظرت چيلان إلى والدتها بنظرةٍ لم تألفها نادية من قبل؛ نظرة امرأة اختنقت بما يكفي، وتوقفت أخيرًا عن احتمال ما لا يُحتمل.


وقفت مستقيمة الظهر، ملامحها مشدودة، وعينيها تقدحان بوضوحٍ مؤلم، ثم تابعت طريقها نحو الباب بخطواتٍ ثابتة، خطوات تحمل في ثناياها غضبًا مكبوتًا واحتقارًا مريرًا لكل ما عاشته تحت هذا السقف.


أما نادية… فقد بقيت واقفة في موضعها، تنظر إليها وهي تغادر، وبداخلها خليطٌ مضطرب من الغيظ والذهول والجرح الضارب في عمق كبريائها. شعرت للحظة بأن الأرض تميد تحتها، وأن السلطة التي أرادت فرضها على أبناءها تحولت إلى لعنة أطاحت بها .


ومع ذلك، رفعت رأسها بصعوبة، كمن يرفض أن يعترف بالهزيمة، حتى ولو كانت تلك الهزيمة على يد ابنتها الوحيدة.


لكن الصمت الذي أعقب خروج چيلان… كان أبلغ دليل على أن شيئًا ما بداخلها قد انكسر تمامًا — ولن يعود كما كان.


༺═────────────────═༻


كانت نسيم ممدّدة على فراش المستشفى، شاردة، كأن جسدها غارق في صقيعٍ لا دفء فيه. أضواء الغرفة الخافتة ترسم ظلالًا مرتعشة على الجدران، بينما أجهزة المراقبة تومض بنبضٍ ثابت يزيد من توترها بدل أن يطمئنها.


كانت إحدى يديها تحتضن بطنها كما لو كانت تحاول حمايته بجسدها الهزيل، والأخرى تمسح دموعًا تتساقط بلا انقطاع؛ دموع خوف، وقلق، وألم أعمق من كل ما مرّ بها.


أنفاسها قصيرة، مضطربة، كأن الهواء صار أثقل من قدرتها على احتماله.


كانت ترتجف… ليس من البرد، بل من الخوف.

الخوف الذي ينهش قلب أمٍ لم ترَ أطفالها بعد، ومع ذلك تعلّقت بهم وكأن روحها مرتبطة بنبضهم.


كانت تهمس بدعاءٍ مرتعش، دعاء يشبه الاستغاثة، وكأن كل كلمة تخرج منها كأنها تُقتلع من صدرها.


وفي تلك اللحظة التي امتزج فيها الرعب بالرجاء…

انفتحت في قلبها فجوة قديمة.

فجوة اسمها عائشة ..


تذكّرت وجه تلك المرأة… تلك التي يفترض أنها أمها.

امرأة لم تشعر يومًا بوجودها إلا كظلٍ بعيد،

امرأة اختارت الابتعاد،.وتركتها لبطش سالم، واختارت حسن… فضّلته عليها.


كأن الجرح يُفتح من جديد، ينزّ حقدًا ومرارة.

كيف يمكن لأمٍ أن تحمل طفلتها تسعة أشهر،

تلدها،

تشمّ رائحتها الأولى،

وتسمع بكاءها…

ثم تتركها هكذا؟

كيف استطاعت أن تتخلى عنها بسهولةٍ تشبه الإعدام البطيء؟


وفي تلك اللحظة، وهي ترتجف خوفًا على أطفالها الذين لم يولدوا بعد،

كرهتها أكثر…

كرهت تلك المرأة التي لم تستطع يومًا أن تكون أمًا لها،

كرهتها لأنها — بخذلانها القديم — جعلت هذا الخوف الذي يلتهم قلبها أكثر قسوة، وأكثر وحدة.


والآن… وهي تُحكِم ضغط ذراعها حول بطنها المرتجف، شعرت بأن شيئًا داخليًا يستيقظ…

وعيٌ جديد، حادّ، جارح، لكنه صادق تمامًا.


أدركت في تلك اللحظة أنها لن تكون مثلها.

لن تتخلّى.

لن تهرب.

لن تُكرر الخطيئة ذاتها، ولا القسوة نفسها.

لن تسمح لطفلها — لأيٍّ منهم — أن يذوق طعم الفقد الذي التصق بروحها منذ طفولتها.


رفعت يدها المرتجفة، ومسحت دموعها ببطء، كأنها تمسح عهدًا قديمًا، وتكتب آخر جديدًا.


أدركت أنها ستكون أمًا مختلفة…

أمًا تقف وتُحارب وتُمسك بأبنائها كأنهم أنفاسها الأخيرة.

أمًا مهما انكسرت، ستنهض.

ومهما خافت، ستواجه.

ومهما ضاقت الدنيا، لن تترك يدًا صغيرة تتشبث بها.


كانت تلك اللحظة — بكل ألمها وارتجافها — لحظة ميلاد نسيم الجديدة…

نسيم التي لن تكرر جرحًا كثيرا ما آلمها،

ولن تُعيد خطايا لا تغتفر،

ولن تسمح للقدر أن ينتزع منها ما تمنّت عمرًا طويلًا أن تجده.


طُرق الباب طرقتين خفيفتين ثم فُتح، ودخلت الممرضة بابتسامة هادئة، تتفقد جهاز المراقبة أولاً قبل أن تطالع نسيم بنظرة لطيفة.


ـ عاملة إيه يا مدام نسيم؟ الألم قل ولا لسه موجود؟


مسحت نسيم دموعها سريعًا وهي تهز رأسها:

ـ شويّة… مش كتير .. طمنيني، هما كويسين ؟!


ربتت الممرضة على يدها مطمئنة:

ـ متقلقيش. النبضات كويسة والحركة كمان واضحة. الضغط كان واطي شوية من التوتر بس إحنا ظبطناه. كل حاجة مستقرة دلوقتي… المهم تهدي نفسك. التوتر هو اللي بيتعبك .


هزّت نسيم رأسها وابتلعت دموعها من جديد، فيما ابتسمت الممرضة بثقة وقالت :

ـ أخوكي و جوزك قلقانين عليكي جدا ، جوزك مستني بره وبمجرد ما أخرج هو هيدخل يطمن عليكي .


نظرت إليها نسيم بتعجب وقالت :

ـ أخويا ؟! فريد ؟!


ـ الحقيقة مش عارفه اسمه، هو سألني عليكي من شوية وكان مصمم يدخل يشوفك بس أنا قلت له إن مفيش زيارة حاليا ..


ونهضت وهي تقول :

ـ أنا هخرج دلوقتي ولو احتجتي أي حاجة اضغطي بس على الجرس ده وهكون عندك فورا .


أومأت نسيم بموافقة، بينما ابتسمت الممرضة وخرجت بهدوء، وأغلقت الباب خلفها.


التقطت نسيم هاتفها على الفور تنوي الاتصال بفريد، ولكنها تراجعت عندما انفرج الباب من جديد وظهر عاصم.


كان وجهه شاحبًا، أنفاسه لاهثة، وملامحه تحمل ذعرًا حقيقيًا لم تره عليه يومًا. وما إن وقعت عيناه عليها، ممددة على السرير والدموع تلمع على خدّيها… حتى اندفع نحوها دون تفكير.


جلس إلى جوارها، وأحاطها بذراعيه بقوة، فضمّته بكل ما تبقى فيها من قوة… واندفعت شهقاتها في صدره، كأن الخوف لم يجد طريقًا للخروج إلا بالبكاء.


أخذ يربت على ظهرها محاولا تهدئتها، بينما هي تبكي بشدة وهي تقول :

ـ أنا آسفة إني مسمعتش كلامك، مش هاكل بابايا تاني مهما حصل .


من بين خوفه وقلقه وحزنه الآسر انفجرت ضحكاته، وأخذ يمسح على شعرها بحنان وهو يقول :

ـ اللي حصل حصل خلاص ، الحمدلله إنها جت على قد كده .


أومأت وابتعدت قليلا، فضمّ وجهها بين كفّيه وهو يقبّل جبينها ويقول :

ـ أنا كنت بتكلم مع الدكتور دلوقتي وطمني إن الحالة مستقرة الحمدلله ، يعني ممكن بالليل نمشي .


هزت رأسها برضا، وقالت :

ـ الممرضة بتقول إن أخويا كان هنا وعاوز يشوفني ! متعرفش مين فيهم ؟!


ـ حسن .


قطبت جبينها بتعجب وتساءلت :

ـ حسن !! تخيلت إنه فريد .


أخذ يطالعها بتردد وعينين قَلِقتين، قلبه يهبط كلما رأى شحوبها الممتد على ملامحها وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها بثبات، بينما أصداء خوفها ما تزال معلّقة في الهواء.


ترددت الكلمات في عقله…

هل يخبرها؟

هل يقول لها إن فريد في العناية بعد عملية خطيرة ـ كما يتردد بين الممرضات عن رجل الأعمال الوسيم ـ أم يصمت؟

كان يدرك جيدًا أنها إن علمت بالحقيقة قد ينهار ما تبقى لها من هدوء، وقد يشتد عليها الألم من جديد. وفي الوقت نفسه، كان يعلم أنها لو اكتشفت أنه أخفى الأمر عنها، ستغضب… وربما تثور وتعلن عصيانها عليه تمامًا .


وقف بين احتمالين كلاهما مُرّ… لا يعرف أيهما أقل وقعًا على قلبها المرهق.


تنهد بريبة وحار في اختياره، إلى أن أنقذه من هذا المأزق صوتُ خطى ثابتة تتجه نحو الباب … ثم انفتح ودخل حسن بنفسه.


بمجرد أن دلف حسن إلى الغرفة، تبدّل الهواء… كأن المكان انقسم نصفين: نصف يضجّ بنبضات الغيرة المكتومة في صدر عاصم، ونصف يرتجف بدموع الحنين التي اشتعلت في عيني نسيم.



كان عاصم واقفًا جوار سريرها، كتفاه مشدودتان، يده ما زالت فوق يدها، يحاول أن يبدو ثابتًا… مالكًا… مُسيطرًا على كل ذرة خوف يتخلله. وما إن وقع نظره على حسن حتى توترت عضلات فكه بلا إرادة، وحدقت عيناه فيه بنظرة صامتة لكنها واضحة .


أما حسن، فلم يكن يرى شيئًا من كل ذلك. لم يرَ غير نصفه الآخر .. ممددة أمامه بوهن، وجهها شاحب وعيناها مرهقتين .


اقترب خطوة...

وما إن اقترب أكثر، حتى أدرك عاصم أنه سيأخذ مكانه. رأى في عيني حسن تلك الرغبة الطاغية في احتضانها، تلك الغريزة الأخوية التي لا يستطيع هو مجابهتها. اضطر أن يتراجع، وإن كان التراجع يمزق شيئًا داخله، وأفسح له الطريق دون كلمة… فقط نظرة ضاقت فيها عيناه وارتفعت فيها أنفاسه.


وبصوت مختنق حاول إخفاء حدّته قال حسن:

ـ لا مؤاخذة يا هندسة…


لم يجب عاصم، فقط حرّك رأسه إيماءة صغيرة، ثم تراجع خطوتين لتنسحب يدُه من كفّها ببطء… رغماً عنه.


وانحنى حسن عليها فجأة، كأن شوق السنين كلها اندفع في جسده دفعة واحدة، واحتواها بين ذراعيه بقوة حقيقية... أسند كفه على رأسها ومسح خصلاتها المرتبكة وهو يقول بصوت حنون :

ـ سلامتك يا حبيبة أخوكي… ألف سلامة عليكي .


ما إن شعرت بدفء كلماته، وعناقه الحاني، بيده، بصوته، حتى اختنقت شهقتها واندفعت دموعها على خديها. ضمت ذراعيها حوله، وقالت :

ـ الله يسلمك يا حسن .. ربنا ميحرمنيش منك يا حبيبي.


أما عاصم…

فوقف جوار الحائط، قبضة يده تتصلب، صدره يعلو ويهبط.

نعم هو لا يشعر بالحقد تجاه حسن كما الباقون ولكن

الغيرة التهمته.


غار لأنه يحبها… غار لأنه يشعر أنه ليس من المفترض أن يعانقها رجلا غيره مهما كانت صلته بها، ولا أن يقترب منها بذلك الشكل مهما كان… غار لأنه لأول مرة يشعر أن هناك رابطًا لا يستطيع منافسته، رابطًا أعمق من الحب… رابط الدم.


نظر إليه حسن، ثم تنهد وقال :

ـ لا مؤاخذة .. عاوز أتكلم مع أختي كلمتين لوحدنا .


رمقه عاصم بضيق لم يحاول إخفاءه، ثم التفت إلى نسيم التي ترجّته بعينيها أن يسمح بذلك. فأومأ مُتثاقلاً، وسار نحو الباب بخطوات بطيئة قبل أن يغادر الغرفة.


نظر حسن إلى نسيم وقال :

ـ طمنيني عليكي، انتي كويسة ؟!


ـ كويسة متقلقش .


تأملها قليلا والريبة تعلو وجهه، وقال :

ـ متأكدة ؟!


أومأت بابتسامة خافتة وقالت :

ـ متأكدة والله متخافش عليا ، الممرضة كانت لسه عندي وقالت إن كله تمام .


أومأ ببطء، ثم أشار بعينيه نحو الباب الذي خرج منه عاصم وقال :

ـ قوليلي الحقيقة يا حبيبة أخوكي ، الحيطة ده مزعلك ؟!



فتحت فمها لتنفي، لكنه قاطعها بنبرة جادة:

ـ اوعي يكون مد ايديه عليكي .


اتسعت عيناها قليلا بدهشة وهتفت مسرعة :

ـ لأ أبدا .. مفيش أي حاجه زي كده .. كل الحكاية إني كترت في البابايا وهي اللي اتسببت في اللي حصل .


حدق فيها حسن لحظة، ضيّق عينيه ببطء وكأنه يحاول تحليل الكلمة الغريبة التي نطقتها، ثم مال برأسه بخفوت و شك، وقال بنبرة حذرة :

ـ نسيم انتي بتشربي خمرة ؟!


اتسعت عيناها أكثر، وقالت بحدة مذهولة:

ـ خمرة إيه يا حسن !!


ثم هزّت رأسها بيأس، وانفلتت منها ضحكة قصيرة وهي تقول :

ـ البابايا دي نوع فاكهة .


ارتفع حاجباه بدهشة صامتة، ثم أطلق تنهيدة ارتياح وقال :

ـ مش تقولي !


ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وهو يربت على يدها:

ـ على العموم الحمد لله إنها جت على قد كده .. إن شاء الله هتبقي كويسة


مسحت على ذراعه وقالت بهدوء :

ـ إن شاء الله يا حبيبي ، قوللي انت عرفت إزاي ؟!


توترت ملامحه قليلا، ثم قال :

ـ مفيش حاجه بتستخبى ، نادر وصله الخبر وبلغني .


أومأت بهدوء، ثم قالت :

ـ لما الممرضة قالتلي أخوكي بصراحة جه على بالي إنه فريد لأني عارفة إنه له صحاب دكاترة هنا في المستشفى .


هز رأسه وهو يمسح على كفها بحنو فائض ويقول :

ـ أكيد لو يعرف كان هو أول واحد هييجي يشوفك ، بس هو مسافر في شغل مهم وبإذن الله راجع قريب وأكيد هيطمن عليكي .


أومأت بهدوء، وقالت :

ـ و عمر ؟!


ارتبك وتلعثمت نبرته، وهو يشيح بعينيها عنه ويقول :

ـ امسكي يا نوسه ..


ومد يده في جيبه، واستل من جزدانه مبلغًا وفيرًا، ثم دسه في يدها وهو يقول :

ـ خلي دول معاكي .


نظرت إلى النقود في قبضتها بتعجب، ثم رفعت عينيها إليه بذهول وقالت :

ـ شكرا يا حسن بس أنا مش محتاجة فلوس .


شد قبضته على يدها يمنعها من إعطائه إياهم مرة أخرى وهو يقول :

ـ اسمعي الكلام ، خليهم معاكي يمكن تحتاجي حاجة .


نظرت إليه بابتسامة عطوفة وقالت :

ـ ربنا يخليك ليا يا حبيبي ، بس أنا معايا الفلوس صدقني ، كده كده الكريدت بتاعتي عليها فلوس كتير وعاصم كمان مش مخليني محتاجة حاجة .


ربت على كتفها وقال بإصرار :

ـ معلش خليهم معاكي .. اسمعي الكلام بقا !!


أومأت باستسلام ، ثم مدت ذراعيها إليه وعانقته وهي تقول :

ـ ربنا ميحرمنيش منك ..


ـ ولا يحرمني منك يا حبيبتي ، يلا أنا هسيبك دلوقتي علشان جوزك زمانه واقف شايط بره .. هبقا اجيلك ةقت تاني ، اتفقنا ؟



أومأت له بابتسامة مطمئنة، فاقترب منها حسن وقبّل جبينها بحنان قبل أن يغادر.


وما إن خرج وأبصر عاصم واقفًا في الردهة، حتى توقف أمامه، ونبرة الصلابة تعلو صوته وهو يقول :

ـ خلي بالك منها و إياك تزعلها ..


ثم مال بجسده قليلًا إلى الأمام، كأنه يختبر توازن غضبه، وقال بحدة مكتومة:

ـ لأن لو حصل وزعلتها في يوم هعرّفك على حسن العقرب، وصدقني أحسن لك متتعرفش عليه ولا تلمحه حتى من بعيد .


حدّق به عاصم بثبات لا يتزعزع، دون أن يرمش أو يحيد ببصره قيد أنملة، كأنه يرد على التهديد بصمتٍ أثقل من الكلام… قبل أن يتقدم من باب غرفة نسيم، يفتحه ثم يغلقه بوجه حسن بحدة، فتنهد حسن تنهيدة مطولة، ثم عاد للطابق العلوي .


انعقد حاجباه دهشةً حين وقعت عيناه على چيلان في طريقها إلى نفس الطابق .


وفي اللحظة ذاتها، لمع الشر في عينيه عندما تذكر أنها من غمست سمها في أذنيّ عمر وجعلته يتزحزح عن ثباته بعد أن كان على وشك الاقتناع .


وقف مكانه نصف ثانية، ثم اتخذ خطوتين سريعتين نحوها، وقبل أن تتجاوزه، مدّ يده وأمسك بذراعها برفقٍ مشدود، أوقفها في موضعها تمامًا.


حدق فيها بغضب صريح، كأنما يحاول أن يمنع نفسه من الانفجار، ثم قال بصوت منخفض لكنه حادّ كالنصل:

ـ جاية هنا ليه ؟


طالعته بغضب وهو يقف أمامها كالجدار يحجب عنها رؤية كل شيء، ثم أخفضت عيناها إلى يده التي تمسك بذراعها وقالت بحدة :

ـ ابعد إيدك عني أحسن لك .


قبض على رسغها أكثر وهتف بغضب أشد:

ـ ردي .. جاية ليه ؟! انتي مش خربتيها وقعدتي على تلها ؟! عاوزة إيه تاني ؟!


تنهدت بنفاذ صبر وهي تحاول نزع رسغها من بين قبضته الحادة، وتحركت بعصبية وهي تنظر داخل عينيه الضيقتين وتقول بتحدٍ :

ـ جاية أشوف فريد ، أكيد مش جاية أشوف وشك يعني.


ـ وتشوفي فريد ليه ؟! قلبك عليه أوي ؟!


أمالت رأسها قليلا وهي تشعر بغضبها وقد بلغ ذروته، وزفرت بحدة وانفعال، ثم قالت :

ـ إبعد يا حسن وبلاش الهمجية بتاعتك دي، متخلنيش أنادي الأمن يتصرفوا معاك بالشكل اللي يناسبك .


لاحت في عينيه ابتسامة ساخرة أجبرتها على النظر إليه وكأن هناك قوة جذب خفية تجذبها نحوه، ثم برز صوته جافًا، حادًا يقول:

ـ ابعدي انتي عن عمر يا چيلان أحسن لك.. أنا حذرتك قبل كده وبحذرك تاني، بلاش توسوسي له وتحاولي تأثري عليه لأن عمر له أخوات في ضهره مش هيسيبوه ينفذ كلامك الغبي ده أبدا ..


انزلق ريقها قليلا ، فتحت فمها لتنطق ولكنها عجزت عن الرد أمام تلك النظرات الميتة، بينما هو مرر عينيه على وجهها ..


عيناها الزرقاوتين الحادتين كسيفٍ مسلط على الأعناق،

أنفها المنحوت، شفتاها المرسومتين النصف منفرجتين حيث علق الحديث على طرفهما بطريقةٍ مغوية، ثم ازدادت ابتسامته سخريةً وعبثًا، قبل أن تنتزع يدها من بين قبضته المرتخية وتدفعه بكلتا يديها إلى الوراء، فاهتز قليلا، وطالعها بتحد مكتوم، مع حاجبين مرتفعين قليلا، بينما هي هتفت بحدة ووضوح :

ـ عمر أخويا أنا كمان، فمتتخيلش إني هشوفه ضايع وتايه وانتوا بتحاولوا تستغلوه وأقف أتفرج ..



ضيق عينيه من جديد، ورمقها بتفحص أزعجها كثيرا، فتجاوزته وسارت نحو مكتب الأطباء لكي تستفسر عن حالة فريد .


أما هو، فبعد أن ابتعدت بعنفوانها الجامح كفرسٍ لم يخضع للترويض من قبل، وبعد أن سكنت نبضاته بعد أن تفرسها بعين جديدة وشعور جديد، عاد أخيرًا إلى نغم التي تجلس بجوار زينب، تسند رأسها على كتفها بانهزام .


༺═────────────────═༻


بعد ساعات لا يعلم عددها، استيقظ عمر أخيرًا من نوم سقط داخله كهوة سحيقة ابتلعته لا يعرف هل لأيام، أو لساعات ..


جلس في مكانه، غارقًا في حيرة متشابكة، يتهيأ وكأن كل الأصوات المحيطة به تتحول إلى ضغط خفي يثقل كاهله. أغلَق هاتفه بإحكام، كأن بإمكانه بذلك أن يسد كل السبل أمام العالم الخارجي، وأن يمنع أيّ شخص من الوصول إليه، وأن يحجب نفسه عن أي مطالبة أو ضغط قد يُجبره على اتخاذ قرار لا يشعر بأنه مستعد له.


كان يعلم في أعماقه أنه يخطئ، وأن هذا ليس الوقت المناسب للهروب، وأن هذه ليست الطريقة المثلى للتصرف، لكن شيئًا داخله يرفض تحمّل المسؤولية الآن. يشعر بأنه غير جاهز لمواجهة العواقب، رغم إدراكه التام بأنها ستعود لتطارده، لكنه اختار الصمت والانغلاق، كملاذ مؤقت يمنحه بعض الهواء في بحر من الالتزامات والخيارات التي لا يستطع التفرغ لمواجهتها بعد.


كان قلبه مشحونًا بالقلق، وعقله يركض بين الواجب والهرب، وبين الضمير والراحة المؤقتة، وكأن كل جزء منه يصرخ: "ليس الوقت بعد"، ومع ذلك لم يقدر على تجاوز شعوره الداخلي بأنه مخطئا، وأن الهروب مجرد تأجيل مؤلم لما سيواجهه عاجلًا أم آجلًا.


كل حركة، كل نفس، كل لحظة كانت ثقيلة عليه، وكأن العالم كله أصبح مجرد سقف يضغط على صدره، يختبر مدى قدرته على مواجهة نفسه قبل مواجهة الآخرين.


حاول أن يجد متنفسًا أو شريكًا يمكنه أن يلجأ إليه في هذه اللحظة الحرجة. كانت أفكاره تتقاذف بين الأشخاص القريبين منه: حسن، الذي لا شك سيكون غاضبًا منه بسبب ما قاله لفريد، ولن يتحمل لومه هذه المرة.. لذا تم استبعاده تمامًا .


وأمه، التي كانت آخر من يلجأ إليه، فهي بالنسبة له ليست ملاذًا للتنفيس عن مشاعره أو للبوح بما في صدره.


أخته چيلان، التي استبعدها أيضًا، لأنه لا يريد أن يعاود النقاش في النقطة ذاتها، ولا يرغب في فتح الموضوع نفسه أمامها..


ميرال ؟ تنهد بضيق، اختنق حلقه بعبرات لم يفلح في إفلاتها … ليته يستطيع أن يهرب إليها، أن يستغيث بها في تلك اللحظة ويشاركها همومه، لكنها الوحيدة التي لن يتمكن من مشاركتها ذلك الأمر خصيصًا .


وبينما تجمّدت تلك الأفكار في ذهنه، خطر له أخيرًا اسم شخص واحد يمكن أن يمنحه بعض الطمأنينة، شخص يعرف أنه سيستمع إليه بهدوء، شخص يمكنه أن يكون حضنًا يخفف عنه قليلاً من العبء: نسيم، أخته.


أخذ هاتفه ببطء، وأجهز أصابعه على الشاشة، ثم بدأ بالاتصال بها، راغبًا في إخبارها بأنه سيأتي ليجلس معها، ليجد في صحبتها بعض الراحة، ويخرج من دوامة الحيرة والضغط الذي يعصف به. كانت لحظة صمت قصيرة قبل أن يضغط على زر الاتصال، وكأنها جسدت قرارًا داخليًا صارمًا، يقرر من خلالها أن يلجأ إلى من يشعر بأنها أقرب قلبًا وأكثر استعدادًا لاستقباله دون حكم أو لوم.


لحظات قليلة واستمع إلى صوت نسيم الذي بدا مرهقًا على غير العادة، تقول :

ـ أيوة يا عمر ..


ـ نسيم .. مال صوتك ؟


ـ أنا كويسة يا حبيبي ، انت عامل إيه ؟


تنهد تنهيدة مطولة، ثم انفجر يصيح بغضب شديد يفتك به :

ـ زي الزفت .. كل حاجه زي الزفت ..


ـ في إيه يا عمر ؟! انت كويس ؟!


ـ لأ مش كويس أبدا ، أنا جايلك أقعد معاكي، عاوز أتكلم معاكي شوية.


قطبت جبينها بتعجب ، وقالت :

ـ بس أنا مش في البيت ! معقول متعرفش ؟!


ـ اومال انتي فين ؟!


ـ في المستشفى !!


ـ إيه ؟! بتعملي إيه في المستشفى ؟!


تنهدت بإرهاق ثم قالت :

ـ شوية تعب وراحوا لحالهم، أنا في مستشفى الحكمة طبعا عارفها ..


ـ أيوة عارفها، أنا جايلك حالا .


وأنهى عمر الاتصال، ثم نهض مسرعًا واندفع نحو الباب، يجر خطواته بخفة واندفاع. توقف للحظة ليطل على نفسه، متفحّصًا حالته الرثة والمزرية، حيث لم يبدل ثيابه منذ الأمس، وبما أنه لم يُحضر أي من أغراضه إلى المنزل، ومع علمه بأنه لن يذهب إلى الفيلا في هذا الوقت مطلقًا، استسلم لتلك الفوضى التي ظهرت على هيئته بوضوح ، وغادر دون أن يعبأ بمظهره أو بصورته التي عكست اضطرابه الداخلي.


༺═────────────────═༻


جلست نغم إلى جوار زينب، وفي المقعد المقابل جلس حسن، وعلى بعد خطوات، وقفت چيلان تستند إلى أحد الأبواب المغلقة، تعقد ذراعيها أمام صدرها وهي تتراشق النظرات النارية مع حسن الذي يرمقها من طرف عينه بتلاعب ومكر .


وفجأة ..

اقتربت الممرضة، تنظر نحوهم وهي تقول بابتسامة :

ـ آنسة نغم .. فريد بيه فاق وطالب يشوفك .


نهضت نغم على الفور وهي تطالعهم بغير تصديق، وأطلقت ساقيها للريح نحو غرفته، بينما هب حسن واقفًا، يطالع الممرضة بابتسامة عريضة ويقول :

ـ طمنيني عليه، هو كويس دلوقتي ؟!


أومأت بهدوء وقالت :

ـ أيوة .. أحسن بكتير .


ـ طيب ينفع أنا كمان أشوفه ؟


ـ معلش مش دلوقتي ، أصلا مكانش ينفع حد يدخل له دلوقتي لكنه أصرّ يشوفها ، بعد شويه الدكتور هيشوفه ويحدد إذا كان هيتنقل على أوضه تانية الليلة ولا لأ ، لو اتنقل هتقدروا تزوروه براحتكم .. عن اذنكم .


غادرت الممرضة، بينما هو نظر إلى زينب التي أسرعت تعانقه بفرحة، فعانقها عناقًا حارًا مما جعل چيلان تنظر إليهما في ريبة .. فالتفت نحوها مباغتًا فإذ بها تدير وجهها فورا متصنعةً اللامبالاة .


ـــــــ


بعد أن جهزتها الممرضة سريعًا لكي تدخل إلى غرفة العناية، اندفعت نغم بخطوات سريعة نحو الداخل .


كان قلبها يخفق بشدة ، وقدماها ترتجفان حتى كادت تشعر أنها لا تدعمها.


وما إن وطأت الغرفة، حتى لمحته أمامها، يتمدد نصف جالسًا، ويثبت عينيه صوب الباب وكأنه ينتظرها بلهفة .


تجمدت نغم في مكانها، كأن قدميها قد صارتا جذورًا في الأرض، و أخذت تطالعه وهو ينظر إليها بابتسامة واهنة، حنونة، دافئة كالعادة .. فاندفعت دموعها بلا مقاومة، تنهمر على وجنتيها دون توقف .


أشار إليها بيده الممددة إلى جواره أن تقترب، فاقتربت بخطواتٍ حذرة وهي تطالعه بغير تصديق، وكأنها تتيقن هل هو أمامها فعلا الآن؟ هل زال الخطر عنه وأصبح بإمكانها معانقته والبكاء على صدره !


كانت خطواتها بطيئة، مترددة، مما جعله يهمس بنفاذ صبر :

ـ تعالي قربي ..


اقتربت في لحظة، وقفت أمامه تطالعه بعينين لا ترى بهما من شدة البكاء، ثم فجأة انحنت نحوه، عانقته كيفما اتفق وضمت رأسها بين كفيها، لم تلقي بثقلها كله عليه خوفًا من إلحاق الضرر به، ولكنها في الوقت ذاته كانت قريبة منه إلى حدٍ مهلك .


رفع يده الطليقة، وضمها إليه بقوة واهنة وهتف بصوتٍ خافت :

ـ وحشتيني .


انفجرت باكية من جديد وهي تقول :

ـ وانت كمان وحشتني أوي .


حاولت الابتعاد عنه ولكنه تمتم باعتراض :

ـ خليكي .. حضنك وحشني .


كانت تضم وجهه بكفها الرقيق، فالتفتت لتطبع قبلة قوية على خده ومن ثم جبينه، ثم ابتعدت رغمًا عنها، بالرغم من أن كل خلية فيها تأمرها بالبقاء، ونظرت إليه بابتسامة حزينة وهي تقول :

ـ الممرضة قالتلي مينفعش أقرب منك علشان انت لسه تعبان .


أمسك كفها بأنامله وقال وهو ينظر إليها مبتسما بهدوء :

ـ أنا بقيت كويس لما شفتك .


امتلأت عيناها بالدموع من جديد، ولكنها قاومت، مالت قليلا وأمسكت بيده التي تعانق يدها، وتركت قبلة عميقة بالغة الدفء على ظهر يده، ونظرت إليه وقالت :

ـ حمدالله على سلامتك .


أومأ بعينيه بوهن يحاول التغلب عليه، وقال :

ـ الله يسلمك ، انتي كويسة ؟ واضح انك تعبانة ومرهقة.


هزت رأسها بنفي وقالت :

ـ أكيد مش كويسة وانت في الحالة دي ! بس أنا واثقة إنك هتتحسن بسرعة وهتقوم بالسلامة علشاني .


ضغط بأنامله على يدها يحاول طمأنتها، ارتسمت على محياه ابتسامة رقيقة، مزيج من الحنان والدفء، ابتسامة كانت تفتقدها منذ زمن بعيد، ثم قال بنبرة خافتة :

ـ إن شاء الله ..


شعرت في تلك اللحظة وكأن جزءًا منها كان قد مات، لكنه عاد للحياة فجأة، ينبض بالأمل والحب. خفق قلبها بقوة، واكتسحها شعور غامر بالسكينة، شعور بأن كل شيء وأي شيء لم يعد مهمًا، وأنها هنا، أمامه، أمام حبه ودفئه اللذان طالما غمرها بهما، لم تعد تعبأ بأيًا كان .


ـ كلهم قلقانين عليك ، حسن وزينب معايا بره .. حتى چيلان !


أضافت الأخيرة بنبرة حانقة، فابتسم وقال :

ـ طمنيهم وقوليلهم اني لما شفتك روحي ردت فيا من تاني .


أخذت تطالعه بهدوءٍ يناقض ذلك البركان الثائر في جوفها، ودت لو أنها انفجرت بين ذراعيه ليحتويها ويطمئنها ويخبرها أن ذلك الكابوس قد زال وانتهى، ولكنها لم تستطع لكي لا تحمله عبئًا جديدًا ..


أمسكت بيده، أسندت وجنتها فوق راحة يده العريضة، وأغمضت عينيها فسالت دمعاتها رغمًا عنها، وهي تقول:

ـ فريد .. أنا بحبك أوي، ومعرفتش إني بحبك بالشكل ده غير لما تعبت !


ابتسم وهو يطالعها بشوق، يمرر إبهامه على وجنتها بحنان وهو يقول :

ـ وأنا كمان بحبك يا روحي .. بحبك من كل قلبي .


فتحت عينيها ونظرت إليه مبتسمةً وقالت :

ـ قلبك اللي في الشمال ولا قلبك اللي في اليمين ؟!


ضحك ضحكة قصيرة متعبة، فأمسكت بيده بكلتا يداها، وقالت والخوف يلوح في عينيها بوضوح :

ـ ربنا ميحرمنيش منك يا فريد .


ابتسمت عيناه قليلا، وأشار إليها لتقترب وهو يقول :

ـ تعالي ..


اقتربت قليلا، انحنت نحوه بهدوء، فقربها إليه ومنح جبينها قبلة عميقة وهو يمسح على ظهرها بحنان ويقول :

ـ متخافيش عليا ، أنا متمسك بالحياة لآخر نفس فيا علشانك .


ابتسمت ابتسامة امتزجت بدموعها، وأومأت موافقةً بثقة، ثم قالت بحزن :

ـ أنا لازم أخرج دلوقتي ..


ـ خليكي معايا ..


ـ أنا آسفة .. بس مش هينفع أفضل هنا علشان متتعبش تاني ..


ـ مش هتعب وانتي معايا متقلقيش .


انفرج الباب وظهرت الممرضة، نظرت إلى نغم وقالت:

ـ لو سمحتي كفاية كده لأن الدكتور هيمر دلوقتي يتابع حالته .


أومأت نغم، ونظرت إلى فريد ، مسحت على شعره بحنوٍ فطري، وقالت :

ـ أنا هخرج دلوقتي وهجيلك تاني بالليل ، اتفقنا ؟


أومأ وهو ينظر إليها بعينين تواقتين لا تريدان إطلاقها، وقال :

ـ هستناكي .


أومأت، ثم أفلتت يده على مضض، وغادرت رغمًا عنها .. !


༺═─────────────═

#يتبع

تكملة الرواية من هناااااااا 


لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا 

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع
    close