رواية فى ظلال الوادى الفصل الأول1 بقلم زيزى محمد حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
رواية فى ظلال الوادى الفصل الأول1 بقلم زيزى محمد حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
الفصل الأول.
"أرض الوادي حيث لا ينجو أحد!"
وقفت في شرفة غرفتها الواسعة تطالع الخضرة الممتدة من حولها، تتابع بنظرات شاردة نسمات الهواء وهي تداعب أوراق الأشجار برفق آسر، فتتمايل الأغصان كأنها تشاركها صمتها وتأملها، وعلى الرغم من سكون ملامحها وصفائها الظاهر، إلا أن شرودها كان أعمق من مجرد تأمل عابر؛ صفاء يشبه صفاء زرقة عينيها، تلك الزرقة التي كانت تتعلق من بعيد بمشهد ركض الخيول في المساحة الفسيحة التي تلي الحديقة الصغيرة بمسافة قصيرة، حيث تنطلق بخفة وحرية، كأنها تُجسد ما تعجز هي عن بلوغه!
قبضت بيديها الصغيرتين على السور الحديدي البارد، وكأنها تستمد منه ثباتًا تفتقده في داخلها، وغاصت في أفكار متشابكة لم تشعر معها بمرور الوقت، ولا بباب غرفتها وهو يُفتح بهدوء، ولا بدخول خادمتها "صفية" التي حاولت مرارًا أن تستعيد انتباهها دون جدوى، نادتها بصوت خافت ثم أعلى قليلًا، لكن "چيني" ظلت أسيرة أفكارها حتى اضطرت صفية أخيرًا إلى الاقتراب منها، فوضعت يدها على كتفها وربتت برفق، فلامست خصلات شعرها البنية القصيرة المنسدلة عند كتفها.
التفتت "چيني" فجأة بفزع، واتسعت عيناها وهي تقول بلهجتها الفرنسية المتأثرة بالدهشة:
-يا ألهي! صفية، هل جننتِ؟! لقد أفزعتيني حقًا!
تراجعت "صفية" خطوة إلى الخلف وهي تبتسم ابتسامة متحفظة، تحمل شيئًا من الحرج وشيئًا من الطاعة، ثم قالت بلهجتها البسيطة غير الفاهمة لما قيل:
-والله يا ست هانم أنا مافهماكي بتقولي إيه، بس شكلك اتخضيتي.
زفرت "چيني" بقوة كأنها تُفرغ ذلك القلق العالق بصدرها، ثم رفعت يدها تعيد خصلات شعرها إلى الخلف، وجلست فوق أحد مقاعد الشرفة الخشبية، محاولة استعادة هدوئها المعتاد، ذلك الهدوء الذي طالما تميزت به، في تلك الأثناء دخلت "صفية" إلى الغرفة وعادت سريعًا وهي تحمل وشاحًا خفيفًا، ثم وضعته فوق رأس "چيني" بعناية.
تذمرت "چيني" على الفور وقد انعقد حاجباها بضيق واضح، وقالت بنبرة معترضة:
-صفية! في إيه؟ أنا قاعدة في اوضتي، ليه تلبسيني طرحة؟
زمت "صفية" شفتيها في ضيق ثم أجابت بجدية لا تخلو من العتب:
-يعني يا ست چيني بقالك أربع سنين متجوزة البارون، ومش عارفة إنه مابيطقش يشوفك من غير طرحة، وزرابينه بتطلع على اللي خلفونا.
ارتسمت ابتسامة دلال هادئة على شفتي "چيني"، وقالت بنبرة رقيقة تكاد تهمس:
-عاصم لا يمكن يزعقلي، ولو طلبه بيطلبه بهدوء وبأدب.
لوت "صفية" شفتيها بامتعاض، وتبدلت ملامحها إلى الجمود ثم قالت بنبرة صريحة لا تعرف المواربة:
-عشان هو بيعمل دايمًا لصلة القرابة وأنك بنت عمه، لكن هو لا يعرف أدب ولا هدوء لا مؤاخذة....
صمتت "صفية" قليلًا كأنها تزن كلماتها بعناية، ثم قالت بنبرة منخفضة تحمل في طياتها تهديدًا مبطنًا، أشبه بهمسة مسمومة:
-عارفة يا ست چيني لو غلطتي غلطة واحدة بس! عارفة المؤدب والهادي اللي بتقولي عليه ده! يوم ما هيحب يعاقبك هيدفنك مكانك، وأبوكي نفسه مش هيقدر يشفعلك، كل ولاد عزام كده...
توقفت مجددًا وازداد ثقل الصمت بينهما، قبل أن تقترب خطوة أخرى وتتابع بصوت سوداوي كأنه يخرج من أعماق الوادي نفسه:
-قلبهم أسود، ميعرفوش حاجة عن الرحمة، لا عندهم عزيز ولا غالي، ولا بيخافوا من حد، ولا بيهابوا إلا شرهم، يعملوا لبعض ألف حساب، بس على غيرهم يدوسوا عليه بالجزمة في سبيل مصلحتهم، متعرفيش ليهم أول من آخر، لو ضحكوا في وشك اعرفي أنهم بيدبروا ليكي فخ، ولو شرهم بان إعرفي أن نهايتك جاية جاية.
شعرت "چيني" بقشعريرة تسري في عمودها الفقري، فنهضت على الفور وأدارت ظهرها لصفية محاولةً إخفاء ارتجافها، وقالت بنبرة اتخذت من اللامبالاة درعًا هشًا:
-أنتي بتأفوري صفية على فكرة، أنا قعدت هنا أربع سنين مشوفتش حاجة عن اللي بتقوليه ده، وعلى طول وادي العرين هادي ومن غير مشاكل.
أسندت "صفية" ظهرها إلى ظهر المقعد خلفها، وأطلقت تنهيدة قصيرة، كأنها تحمل أوجاع سنوات لا تُحصى، ثم قالت بصوت خفيض:
-ما هو يا هانم، أهالي الوادي غلابة والبارون بيحكمهم بأيد من حديد، في خيالك يعني الأهالي دول هيغلطوا، لا طبعًا هيعملوا ألف حساب عشان عارفين إن في أقوى منهم، احنا غلابة اوي يا هانم.
التفتت "چيني" إليها بعصبية مكبوتة، وقد بدأ هذا الحديث يُربك معدتها ويعبث بصورة زوجها "عاصم عزام" في رأسها، ذلك الرجل الذي يجمع بين لقب الزوج وحاكم وادي العرين، وقالت بحدة حاولت إخفاءها:
-انتي جاية عايزة إيه صفية؟ أنا مكنتش عاوزاكي في حاجة!
مدت صفية كفها أمامها، وتلونت ابتسامتها من هادئة إلى ماكرة، وقالت بلا مواربة:
-إيدك يا ست هانم على فلوس الشهر، البت أختي لا مؤاخذة تعبت وبتفرهد بسرعة والشهر عندها بيمر في ثانية كده، فقولت أسكتها واحط الجزمة في بوقها، أصلها بوقها لو متقفلش واتراضت، الخراب هيجي على دماغنا لامؤاخذة!
ابتلعت "چيني" ريقها بتوتر ظاهر، غير أنها تماسكت سريعًا، واستدعت ذلك البرود المصطنع الذي أتقنته بمرور السنين، ارتسمت ابتسامة غامضة على شفتيها، وانحنت قليلًا نحو "صفية" بجذعها العلوي، وقالت بنبرة ناعمة تحمل سخرية جارحة:
-انتي غلبانة أوي صفية....
ثم هتفت بلهجتها الفرنسية سريعًا، وهي تحدق في عيني "صفية" اللتين كانتا ترسلان شرارات الماضي وقراراته العبثية:
-ولكن أكثر إمرأة لديها الاستعداد الكامل لأن تعبد المال!..قذرة.
قالت كلمتها الأخيرة بابتسامتها الجميلة الرقيقة، وكأنها تُلقي شكرًا لا سبة في وجهها، فأخفت لحظة انكسار عابرة تسللت من معقل ثباتها وهدوئها، ثم استدارت دون أن تنتظر ردًا، واتجهت إلى غرفتها أخرجت رُزمًا من المال، وأشارت إليها بجدية قاطعة:
-خدي الفلوس دي لأختك وبزيادة، عشان نضمن بس إن الجزمة تفضل في بوقها.
ارتسمت على وجه "صفية" ابتسامة صفراء، فأخذت المال وضمته إلى صدرها، ثم قالت بنبرة عملية:
-البسي بقى يا ست هانم العباية وانزلي تحت عشان زمان عاصم باشا على وصول عشان ميعاد الغدا.
أومأت "چيني" بهدوء مصطنع، بينما تحركت صفية نحو الباب، وما إن اختفت خلفه حتى زفرت "چيني" بقوة، كأنها كانت تحبس أنفاسها طوال الوقت، جلست فوق فراشها وبدأت تهز ساقيها بعصبية واضحة، بينما انهمرت عليها ومضات من الماضي رغمًا عنها… وجوه...أصوات، ووعود قديمة، كانت تظن أنها دفنتها، لكنها عادت الآن تطفو على السطح، تمامًا كما لو أن وادي العرين لا يسمح لأسراره أن تموت.
**
مسحت "چيني" دموعها بعنف، كأنها تحاول اقتلاع ضعفها من جذوره، وقالت بصوت متهدج يفيض توسلًا لصفية التي كانت متسمرة في مكانها، لا تُدرك تمامًا ما يحدث حولها:
-أرجوكِ صفية اقبلي وساعديني.
حركت "صفية" رأسها نفيًا، وقد بدت على ملامحها الحيرة أكثر من القسوة، إذ لم تستوعب لهجة "چيني" الفرنسية تمامًا، ثم قالت بصوت يغمره التوتر والارتباك:
-أنا مش فاهمة انتي بتعيطي ليه يا ست هانم؟ المفروض تفرحي...ولا تكونشي دي دموع الفرحة وأنا مش فهماكي؟!
استدارت "چيني" ببطء، ونظرت خلفها إلى مَن يقف هناك بنظرات غامضة مضطربة، كأنها تبحث في الوجوه عن خلاص أخير، أو عن علامة واحدة تُنقذها من المصير الذي يطبق عليها، ثم عادت بنظرها إلى صفية وقد ازداد رجاؤها وضوحًا، وقالت بصوت منكسر لا يحتمل التأجيل:
-صفية ساعديني وأنا لا يمكن أنساكي أبدًا، بس أنا مش هقدر أعمل كده...مش هقدر صفية، صدقيني، خلاص فات الآوان.
وساد صمتٌ طويل بينهما، صمت بدا وكأنه يبتلع الكلمات والدموع معًا، بينما ظلت "چيني" واقفة في مكانها، معلقة بين خوف ينهش قلبها، ورجاء أخير يتشبث بخيط واهٍ من الأمل، لا تعرف إن كان سينقذها…أم سيقطع آخر ما تبقى لها من قوة.
**
عادت "چيني" إلى واقعها فجأة، وكأن أحدهم نزعها قسرًا من أعماق ذاكرتها، فرفعت بصرها إلى الأمام بنظرة شاردة يكسوها حزن مؤلم، حاولت أن تُنظم أنفاسها المتسارعة، وأن تُعيد السيطرة إلى صدرها المضطرب، ثم نهضت بهدوءٍ مدروس وارتدت عباءتها الزرقاء دون أن تُغلقها، متحدية بذلك رغبة عاصم المتحكم بكل تفصيلة في حياتها، ما دامت جالسة داخل حدود أرضه وتحت سقف قصره.
وضعت الوشاح الأزرق الخفيف فوق خصلات شعرها البنية التي انسدلت من أسفله بعفوية محسوبة، ثم انطلقت تهبط من الطابق الثاني بخطوات رشيقة، تُلقي بنظرات عابرة على العاملين الذين يتحركون بنشاط محموم، الجميع في موقعه استعدادًا لقدوم "عاصم"، وكأن حضوره حدث يُعيد ترتيب المكان والأنفاس معًا.
جلست في مقعدها المخصص، وأمامها طبق الطعام الصحي الذي اختارته بعناية ذلك اليوم، ملتزمة بنظامها الغذائي الصارم، فهي تخشى السمنة وتعشق جسدها وجمالها، فهما سلاحها الوحيد للبقاء في موقعها الحالي؛ موقع لا يمنحها الرضا الكامل، لكنه على قسوته يظل أرحم من بدائل أخرى لا تجرؤ حتى على تخيلها.
وفجأة انتبهت إلى وقع خطوات قوية ترتطم بالأرضية الرخامية الصلبة، خطوات تحمل معها ثقل السلطة وهيبتها، التفتت تنظر إلى زوجها؛ ذلك الرجل ذو الوجه المتبلد، والنظرات الحادة المشبعة بقسوة تشبه قسوة الأرض التي ترعرع عليها، والتي أنجبت رجالًا من طراز عائلته، كان يسير بخطى ثابتة تشبه خطوات الملوك، لا يهاب شيئًا وكأن الكون بأسره يسير وفق أهوائه، رافعًا أنفه بكبرياء لا يسمح لأحد أن يتجاوزه.
جلس في مقعده المخصص له، أمام طاولة كبيرة عامرة بشتى أنواع الطعام والفاكهة، دون أن ينطق بكلمة ودون أن يُلقي عليها حتى نظرة ترحيب، شرع في تناول طعامه بصمت بارد، كأن وجودها لا يستحق الاعتراف.
التوى فمها ببسمة جانبية ساخرة، وانسابت من شفتيها كلمات بلهجتها الفرنسية، متعمدة أن لا يفهمها:
-عديم الذوق والأدب.
قالتها بهدوء ناعم وكأنها تُلقي وردة لا سُمًا، لكنها كانت تعلم جيدًا أن هذه الكلمات الصغيرة هي كل ما تبقى لها من تمرد صامت داخل قصر لا يعترف إلا بالقوة.
رفع بصره نحوها وترك ملعقته معلقة في الهواء، وحدجها بنظرات قوية نافذة، كأنه التقط معناها للتو، فهمت "چيني" تحوله المفاجئ في الحال فحمحمت بخفة مصطنعة، وقالت برقة محسوبة:
-سوري عاصم، مخدتش بالي، كنت بقول أنهم ظابطين الأكل اوي النهاردة.
أبعد نظره عنها ببطء لا يتناسب مع العاصفة المشتعلة في عينيه البنيتين القاتمتين ثم عاد إلى طعامه في هدوء شديد، وهو يتأمل الطاولة الكبيرة التي لم يشاركه الجلوس إليها سوى زوجته وابنة عمه "چيني"، بعدما تفرق شمل العائلة، وضرب القدر ضربته القاصمة فقسم أرض الوادي إلى شطرين يفصل بينهما سور شاهق، كأنهما بلدين غريبين، لكل منهما طباعه وقوانينه…حتى قلوب البشر لم تسلم من ذلك الانقسام.
انتبه "عاصم" فجأة إلى يدها وهي تنساب فوق ذراعه بهدوء، بينما ارتسمت ابتسامة دلال على ثغرها الوردي، وقالت بنبرة تحمل عتبًا ناعمًا:
-عاصم هو أنا كأني مش موجودة قدامك خالص، أنا مبحبش التجاهل.
لم يتغير الجمود المرسوم على ملامحه، لكن عينيه انخفضتا إلى حيث استقرت يدها فوق كفه، ثم قال بنبرة صلبة حادة:
-شيلي إيدك.
سحبت يدها على الفور، وابتسامتها لا تزال معلقة على شفتيها، كأن الإحراج لم يمسها أو لعلها اعتادت هذا الجفاء، لا سيما حين تابع هو بصوت منخفض محذر، لم يرفعه قيد أنملة وكأنه يكتفي بخشونة باردة تُضاعف وقع كلماته:
-أنا قايلك قبل كده، متتعديش حدودك معايا برة أوضتنا.
وسقطت كلماته بينهما كسكين غير مرئي، حاد بما يكفي ليترك أثره دون أن يُراق دم، بينما ظلت "چيني" تنظر إليه بثبات مصطنع، وكأن ما يقوله لا يعنيها، فتابع حديثه وهو لا يزال يتناول طعامه بنبرة مقتضبة:
-عايزة إيه؟
وكأنها كانت تنتظر تلك الجملة تحديدًا، فانطلقت تقول برجاء هادئ تختار كلماتها بعناية بالغة:
-عايزة أروح أزور ماما بليز يا عاصم، وحشتني اوي وأنا بقالي كتير مشوفتهاش!!
واصل تناول طعامه وكأنه لا يسمعها، ولم يُبدِ رفضًا أو قبولًا، فعاودت المحاولة بأسلوب مراوغ، تتسلل إلى عقله رويدًا تحاول اختراق صلابته بحذر:
-وأنا اوعدك مش هخرج ولا هروح في مكان، وهقعد مع ماما في البيت، بس بليز عايزة أشوفها.
رفع بصره نحوها فجأة ثم قال بهدوء لم تتخيل يومًا أن تسمعه بهذه البساطة الحاسمة:
-سافري وخدي صفية معاكي وده شرطي عجبك تمام، مش عجبك كأنك مقولتيش حاجة وكملي أكلك، أنا خلصت.
ثم نهض وهو يتنفس بهدوء، كأنما أنهى واجبًا ثقيلًا فحسب، وتعابير وجهه توحي بعدم تقبله لوجودها معه في المكان ذاته، رفعت حاجبيها في عدم تصديق، وقد أدركت في تلك اللحظة أن وجودها في حياة عاصم ليس أكثر من واجهة يحتفظ بها لسر دفين لا تعلمه، وأن ما بينهما لا يمت للمودة أو الحب بصلة، حتى حين يتشاركان الفراش، ينام في أقصاه تاركًا بينهما مسافة واضحة، أوسع من مجرد بُعد جسدي.
ألقت وشاحها بعيدًا وأخذت تتنفس بعنف، ثم تمتمت بلهجتها الأم وهي غاضبة:
-ما له يُلصق بي تلك المستفزة أينما ذهبت؟! لكن چيني لا تغضبي، المهم أنه وافق أخيرًا، وعليكِ الانطلاق سريعًا بعيدًا عن أسواره.
لذا رفعت صوتها تنادي "صفية"، التي حضرت مسرعة وعلى وجهها قلق ظاهر:
-نعم يا ست هانم!
باشرت "چيني" تناول طعامها من جديد، ثم قالت بأمر لا يحتمل النقاش، وقد بدا الامتعاض جليًا على ملامحها:
-حضري نفسك وادي باسبورك للمحاسب عشان يحجزلنا في أقرب وقت عشان هنسافر فرنسا لمامي.
زمت "صفية" شفتيها في ضيق واضح، ولم يُعجبها ما سمعت فقالت بهدوء حذر:
-لازم يعني يا ست هانم أسافر، ما تاخدي أي واحدة غيري..
ابتعدت "چيني" عن طعامها وقالت باعتراض حاد:
-انتي أصلاً تتمني تيجي معايا يا صفية؟ وبعدين أنا لو عليا مش عايزكي معايا، بس عاصم هو اللي قال، جهزي نفسك عشان مقولش لعاصم إنك معطلاني.
نهضت بهدوء وصعدت نحو غرفتها وهي ترفع هاتفها وتجري اتصالًا بوالدتها، بينما ظلت صفية تنظر إلى أثرها بضيقٍ ظاهر ثم تمتمت بغيظ:
-اه يا اختي مش عايزاني، وفي نفس الوقت تتمني أكون موجودة عشان تخرجي انتي وأمك العايقة تسهروا وتسيبوني مرزوعة في البيت.
زفرت بقوة وقد أثقلها القهر، ثم اندفعت نحو المطبخ وهي لا تزال تتمتم:
-ما كان مانع تروح لأمها ومريحنا، يا غلبك يا صفية..
توقفت فجأة ثم نادت على صديقتها في العمل، وقالت بنبرة يغلب عليها الضيق:
-بت يا نادرة أنا رايحة مشوار وجاية بسرعة.
ثم خرجت من القصر بخطوات مسرعة، تشد وشاحها الأسود حول وجهها وكأنها تحتمي به من أعين تترصد أو من أفكارها التي تثور في رأسها، كانت تخطو بثقة حاسمة نحو مدخل البلدة وكأن كل خطوة تُفرغ جزءًا من الغضب المتراكم في صدرها، أخرجت هاتفها بيد مرتجفة، وشرعت تجري اتصالًا بزوجها "شوقي"، الذي لم يُجب إلا بعد عدة محاولات زادت من احتقانها.
وما إن جاء صوته عبر الهاتف حتى انفجرت فيه دفعة واحدة، كأنها كانت تنتظر تلك اللحظة لتطلق العنان لكل ما كتمته، انهالت عليه بالسباب والكلمات اللاذعة، دون أن تترك له مجالًا للرد، تفرغ فيه نوبة الغضب التي استبدت بها منذ أن علمت بأمر سفرها القسري مع "چيني"، لقد كانت كلماتها حادة كالسكاكين، مشبعة بالمرارة والضيق، تختلط فيها الشكوى بالاتهام، والخذلان بالسخط، بينما ظل صوتها يتردد في الطريق الخالي وهي تقول:
-بقولك قابلني دلوقتي حالاً، صحابك إيه يا اخويا بلا قرف، أصل ورب الكون ما أديك جنية واحد وعليا وعلى أعدائي.
***
في القاهرة بإحدى المناطق الهادئة التي يبدو على قاطنيها أنهم من ميسوري الحال، عادت "عائشة" من عيادتها مبكرًا على غير عادتها، فهي تعمل طبيبة أطفال، وتقع عيادتها على مقربة من مسكنها حيث تعيش مع خالتها الحبيبة "شريهان" وطفليها الصغيرين "ليلة وعمر"، اللذين لم يتجاوزا الخامسة من عمرهما بعد.
فتحت باب شقتها وهي تحمل أكياسًا ثقيلة مليئة بالحلوى والفاكهة، وما إن خطت إلى الداخل حتى استقبلها "عمر"، ممسكًا بلعبة «سوبر مان»، يركض بها في أرجاء الشقة الفسيحة دون كلل، وما إن وقعت عيناه عليها حتى توقف فجأة، واتسعت ابتسامته وهتف بسعادة غامرة:
-مامي حبيبتي وحشتيني أوي.
ابتسمت "عائشة" بحب خالص، وانحنت لتحمله بين ذراعيها، تقبله بقوة وتغمره بحنانها، وتدفن وجهها في خصلات شعره الكثيفة الناعمة، ثم قالت بصوت مبهج لا يُخرجه إلا لطفليها الحبيبين:
-روح قلبي وحياتي وعمري كله يا عموري، وحشتني انت اكتر، بس يا بكاش أنا مغيبتش عنكم إلا خمس ساعات بس ورجعت بسرعة.
وقبل أن يُكمل "عمر" ضحكاته، دوى صوت خالتها "شريهان" من خلفه، بنبرتها الآمرة العابسة التي لا تتناسب أبدًا مع روحها المرحة:
-واد يا عمورة روح لم الألعاب دي، عشان محطش السيخ المحمي في صرصور ودنك.
وضع "عمر" يده فوق أذنه برعب مصطنع، وهو يكتم ضحكته بصعوبة:
-لا صرصور ودني لا يا تيتة شيري، خليها تسيب صرصور ودني في حاله يا مامي.
رفعت "عائشة" نظرها نحو خالتها، التي تجاوزت الخمسين من عمرها رغم أن ملامحها الشقية وحيويتها اللافتة تمنحانها عمرًا أصغر بكثير، كانت نبرة صوتها المشاغبة لا تفرق بين كبير وصغير، ولا تعرف طريقًا للهدوء، فاقتربت منها "عائشة" بخطوات هادئة، وقالت بعتابٍ خفيف لا يخلو من ابتسامة:
-يا خالتو إيه اللي بتعلميه لعمر وليلة ده بس؟!
رفعت "شريهان" حاجبيها باعتراض مشاكس، ولوحت بيدها في الهواء وهي تقول:
-يا شيخة! خايفة عليهم مني؟ ده المفروض تخافي عليا منهم! دول ممكن يفسدوا أخلاقي، والله يودوني البحر ويجبوني عطشانة.
وانفجرت ضحكتها العالية تملأ أرجاء الشقة، بينما نظرت
عائشة إليها بحب صامت، مدركة أن هذه المرأة بكل فوضويتها ومشاكستها، هي السند الحقيقي لها ولأطفالها، والركن الدافئ الذي احتمت به من قسوة العالم.
ضحكت عائشة بخفة وهي تتجه إلى المطبخ لتضع الأكياس فوق الرخام، تتبعها خالتها "شريهان" وتساعدها في ترتيبها، وبينما كانت هي تُخرج الحلوى والفاكهة وتضع كل شيء في مكانه، سألتها بنبرة عادية:
-أمال ليلة فين يا خالتو، نايمة؟
ارتسمت على وجه "شريهان" ابتسامة بريئة بعض الشيء، ثم قالت بصوت خافت حاولت أن لا يصل إلى أذن عائشة المنشغلة:
-طلعت تلعب فوق مع البت صاحبتها ميرال.
التفتت "عائشة" فجأة، وقد لمع الاستنكار في حدقتيها العسليتين، واقتربت من خالتها بخطوات سريعة، وقالت بنبرة عتاب هادئة لكنها حازمة:
-طلعت فين؟ ليه يا خالتو؟ هو أنا مقولتش قبل كده، عايزة تلعب معاها تلعب معاها هنا في البيت والبيت كبير ومفيهوش حد إلا انتوا، ليه تخليها تلعب معاها فوق.
زفرت "شريهان" بقوة وسحبت مقعدًا وجلست عليه، وقد بدا عليها الضيق وهي تعقد ذراعيها:
-الصراحة بقى يا عائشة أنتي مخنقة اوي عليهم، والعيال دي من حقها ياخدوا شوية حرية، البت صاحبتها بتنزل تلعب معاها هنا كتير، فيها إيه لما طلبت مني ليلة تطلع معاها مرة من نفسها! أنا الصراحة بقى وافقت والبت احنا عارفين عيلتها يعني في الأمان.
وقفت أمام خالتها وظهر الاستياء واضحًا على ملامحها، وقالت بصوت قوي تختنق فيه مشاعر الخوف أكثر من الغضب:
-أنا من حقي أحافظ عليهم يا خالتو بالطريقة اللي أنا شايفاها صح، وبعدين انتي قاعدة على النت وشايفة المصايب اللي بتحصل والبلاوي اللي بتقطع في قلوبنا، أنا مش هستحمل بنتي يحصلها حاجة.
توقفت لحظة ثم أكملت بنبرة أشد:
-لو سمحتي يا خالتو اللي اقوله يتنفذ، وبعدين ميرال دي عندها اخوات ولاد وكبار والله أعلم بقى تفكيرهم إيه ولا نظامهم أيه؟
ساد صمتٌ للحظة داخل المطبخ، صمتٌ لم يكن خلافًا بقدر ما كان خوفًا صريحًا....خوف أمً جربت الحياة وحدها، فقررت أن تُغلق الأبواب بإحكام، حتى لا يدخل منها ما لا تستطيع تحمله.
أنهت حديثها دفعة واحدة، ثم وقفت تأخذ نفسًا عميقًا لتفرغ غضبها، قبل أن ترمق خالتها بنظرة عتاب أخيرة، ثم صعدت إلى الطابق الأعلى، طرقت الباب عدة طرقات حتى فتحه رجل في الأربعين من عمره، طبيب جراحة يُدعى يامن، ابتسمت بتول ابتسامة مقتضبة ثم قالت بنبرة هادئة:
-ازيك يا دكتور يامن، لو سمحت ممكن تنادي ليلة.
ابتعد يامن بالباب وفتحه على مصراعيه، مبتسمًا بإعجاب لوجودها أمامه وعينيه تتفحصان كل أنش بها، بينما هي كانت تقف تفرك يديها بتوتر:
-ما تدخلي يا دكتورة عائشة، اقعدي معانا شوية.
رفعت حاجبيها باستنكار وقالت بنبرة مقتضبة:
-لا شكرًا، لو سمحت نادي ليلة عايزاها.
ثم رفعت صوتها قليلًا، صارمًا:
-ليـــلـــة.
ركضت "ليلة" من الداخل ومعها صديقتها "ميرال"، وما إن رأت والدتها حتى هتفت بسعادة غامرة:
-مامي، وحشتيني، جيتي بدري.
توترت "عائشة" من نظرات يامن المتفحصة، فحملت ليلة في حضنها وقالت بنبرة شبه مقتضبة:
-يلا ننزل، عايزاكي ضروري.
توقفت ميرال وقالت بتوسل طفولي:
-ما تسيبي ليلة تلعب معانا يا طنط عائشة عشان خاطري.
التفتت عائشة إليها بابتسامة صغيرة سرعان ما اختفت عندما التقت عيناها بعيني يامن، الذي لم يكف عن إعجابه بها ورغبته المعلنة وغير المعلنة في الزواج منها سرًا، رغم رفضها المتكرر:
-لا يا ميرال مينفعش تلعب تاني، بس لو عايزة تعالي العبي معاها عندنا.
ثم نزلت درجات السلم سريعًا وهي تتمسك بابنتها بقوة، وما إن دخلت شقتها حتى وضعتها على الأرض ووقفت تعاتبها بهدوء وحزم:
-من امتى وانتي بتلعبي مع حد في بيته يا ليلة، أنا مقولتش قبل كده اللي عايز يلعب معاكي يتفضل في بيتنا، وبعدين انتي أصلاً مابتحبيش مامت ميرال وبتقولي أنها بتعاملك معاملة مش كويسة، طالعة عندهم ليه؟
رفعت ليلة عينيها الزرقاوين وقالت بهمس يغلبه الأسف:
-مامتها مش فوق.
اتسعت عينا عائشة في صدمة لسببين، الأول هو ذلك الرجل الذي أرادها تدخل إلى بيته، وزوجته لم تكن موجودة رغم رفضها المتكرر وتهديدها له بالفضح، والثاني خوفها على ابنتها من هواجس الحوادث المنتشرة، ومن اعتداءات وسلب الطفولة.
-شفتي يا خالتو، مامتها مش فوق!
رفعت شريهان يدها لأعلى، وقالت بتقهقهر طفولي واضح:
-والله ما كنت أعرف، لا لا ده أنا ازعل منك كده يا لولي، يلا جت سليمة ادخلي غيري هدومك لما أحط الغدا، هنفضل طول اليوم نتعاتب ونموت من الجوع.
لم تتحرك الصغيرة قيد أنملة، كما لو أنها تتبع خفة شريهان في الفوضى ثم تعود للاختباء كالطفل، فزفرت عائشة بقوة ثم عادت ببصرها نحو صغيرتها وقالت بلهجة صارمة:
-أنا لما أقول على حاجة لا يبقى لا، ولما بمنعك عن حاجة بيبقى عشان مصلحتك، ميرال جت اخدتك وطلعتك فوق عندها عشان مامتها مش موجودة، طيب إيه بقى كان هيحصل لو مامتها جت وشافتك في بيتهم أكيد كانت هتضايقك بالكلام وتزعلك، وهي لو زعلتك أنا كنت هتخانق معاها عشان خاطرك.
مطت ليلة شفتيها بحزن واضح وقالت بأسف وخجل:
-أسفة يا مامي مش هعمل كده تاني أبدًا.
قبلتها عائشة بقوة في خديها ثم احتضنتها، دفنت رأسها في عنقها، تستنشق عبيرها الجميل وتملئ صدرها بحنان طفولي بريء، مستمعة لصوتها الصغير ويد طفلتها التي تحركها فوق ظهرها وتربت عليها بحنان يساوي كنوز العالم بأسره.
***
"في الوادي"
فتح "شوقي" باب غرفة صغيرة مبنية من الطوب الأحمر، لها باب خشبي رديء يكاد لا يستر ما خلفه، فوجد زوجته صفية جالسة في الداخل والغضب يكسو ملامحها كلها، ابتسم بسخرية وهو يُخرج سيجارة ويشعلها بتأن:
-ورحمة أمي الغالية في تربتها مابقتش أحب أجي الوادي عشان بوزك ده، في إيه يا صفية؟
رفعت صفية رأسها نحوه وحدجته بنظرة مشتعلة، ثم قالت باستنكار لاذع:
-لا وانت جاي عشاني مثلاً، ولا جاي عشان خاطر الفلوس يا حلو، فاكرني يالا مختومة على قفايا.
زم شوقي شفتيه بضيق ومد يده أمامه دون اكتراث، وقال بنبرة جافة:
-طيب هاتي يا حلوة الفلوس، والمرادي مفيش تنصصي ما بينا، أنا على الحديدة والدكتورة ماسكة إيدها عليا واللي نازل عليها مش معايا، فخدي اللي يكفيكي واطلعي بالباقي، انتي واكلة شاربة قاعدة في قصر البارون ببلاش، أنا اللي مصاريفي كتير.
ألقت صفية رُزم المال في وجهه بازدراءٍ واضح، وقالت بغيظ وقهر:
-قصدك اللي بتتعطاه هو اللي مخلص فلوسك، خدها كلها أهي يا شوقي، أنا كده كده مش هصرف ولا هتنيل أعمل حاجة.
انحنى شوقي يلتقط المال والسيجارة لا تزال في فمه، فأثارت كلماتها فضوله وجعلته يتمتم وهو يعدّ النقود بعينيه:
-ليه؟ حصل حاجة جديدة؟
أومأت برأسها وشددت نبرة غضبها أكثر:
-اه، البارون وافق إن الهانم تسافر لأمها فرنسا وشرط عليها أروح معاها، وأنا مش عايزة اتنيل أسافر يا شوقي، بكره الأيام اللي بكون فيها هناك.
أبعد شوقي السيجارة عن فمه وتسرب الاستهجان إلى صوته الفضولي:
-وافق! غريبة! هو مكنش مانعها تسافرلها من وقت ما عرف إنها بتسهر سهرات مش مظبوطة!
أطلقت صفية تنهيدة ثقيلة وقالت بلا مبالاة:
-اه وافق، وهالبس أنا فيها هي وأمها.
نظر إليها شوقي متعجبًا وهو يُدخل المال في جيب سرواله:
-أنا والله مستغربك يا بت في حد يطول يسافر فرنسا ويسيب القرف اللي احنا فيه!
ردت بحدة مكتومة:
-أنا مش عايزة، لما بروح معاها مبعملش حاجة غير أنها بتقعدني في أوضة أربع حيطان صغيرة ليلي زي نهاري،
الأكل ماسخ ومش حلو، والتليفون بتاخده عشان متضمنش إن أقول للبارون حاجة عن سهراتها، والأيام هناك بتمر عليا زي السجن.
صمتت لحظة ثم أضافت بابتسامة ساخرة ينبعث منها القهر:
-والله السجن أهون، أهو هلاقي ناس تفهمني وأفهمها، لكن هناك بقعد ومبفهمش كلمة من كلامهم.
امتعض وجه شوقي فهو يعلم كرهها للسفر مع زوجة البارون، لكنه لا يعنيه سوى أن المال صار في جيبه الآن، وهي لتذهب إلى الجحيم، تظاهر بالحاجة إلى المرحاض وقال بنبرة مستعجلة:
-طيب أنا هدخل الحمام وبعد كده همشي بسرعة عشان الحق الاقي موصلات لو عرفتي تكلميني قبل ما تسافري كلميني، سلام.
وقبل أن يدخل وقفت صفية وقالت بنبرة تحذيرية قاسية:
-ماتسهرش مع علي وفايز في رشيد يا شوقي، البارون مشدد اليومين دول على اللي بيروح هناك، واللي بيقع تحت ايده مابيسلمش، أخرهم الواد جلال راح هناك وشربوه سيجارتين محشين والواد اتدهول وقال إن البارون ناوي يشتري أرض القبّور اللي بعد رشيد، ولما البارون عرف إن هو اللي هلفط بالكلام قلعه ملط قدام أبوه وجلده ١١ جلدة وبيقولوا كان ناوي يعملها قدام العرين كله بس أبوه اتحايل عليه يخليها في بيته.
ابتلع شوقي ريقه متظاهرًا باللامبالاة:
-وأنا مالي يا صفية؟! أنا سيبت الوادي من زمان ولا عارف أخبار حد ولا يهمني أعرف حاجة، ولو سهرت مع فايز وعلي صحابي مابنجبش لا سيرة البارون ولا الروماني في حاجة، مش عايزين وجع دماغ.
ابتسمت صفية بسخرية وتنفست ببطء، ثم أخرجت ما في صدرها بنبرة هادئة شرسة:
-بس اللي جواك ومدفون لو حد شم خبر بيه، هيطير فيه رقبتنا كلنا يا شوقي، وكتر الشرب هيوديك في داهية، حافظ على الباقي من مخك سليم، عشان منشوفش أيام أسود من العباية اللي أنا لبساها دي.
تجاهلها شوقي بغيظ ودخل إلى المرحاض دون أن يلتفت، أما هي فرفعت بصرها إلى السقف، تحاول ترتيب أفكارها الهائجة، شاعرةً بسخط عميق تجاه زوجها؛ ذاك الرجل الذي اتفق معها أن يترك الوادي هو، حتى لا يثير الشبهات، ويتظاهر بالعمل في مصنعٍ بأحد أحياء القاهرة، بينما تركها هي في مواجهة المدفع، ولغلبها وقلة حيلتها…وافقت، وتغاضت عن طمعه، وهي تعلم أن الثمن يُدفع دائمًا من أعصابها وحدها.
***
مساءً، في "نجمة رشيد"....
ذلك الشطر الذي انفصل عن وادي العرين منذ زمن، وسُمي بهذا الاسم عنادًا في عائلة عزام بأكملها،
كان "موسى عزام" يخطو بجوار عمته في بهو قصره الفسيح بخطوات واثقة، يستمع إليها وهي تنفث غضبها:
-شوفت عاصم وجبروته رايح يشتري أرض القَبّور بتاعت أهل جوزي عند فيا بس، طيب هياخد إيه منها غير إنه عايز يكسر مناخيري.
جلس موسى على أريكة ضخمة، وأشار إلى عمته بهدوء متعمد فأطاعته وجلست، عندها ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة، وقال بنبرةٍ باردة:
-ما عاش ولا كان اللي يكسر مناخيرك يا عمتي، كان نجح زمان إنه يعملها، هو لا كان هيشتريها ولا تهمه في حاجة، هو بيهوش زي كل مرة بيلعب من بعيد.
رفعت حاجبيها بدهشة ممزوجة بالقلق من بروده الغريب:
-ازاي يا موسى؟ عاصم لو اشتراها يبقى كده بيحاوطك يا بني من كل الجهات، الوادي من ناحية والناحية الوحيدة اللي فضلالك أرض عيلة جوزي، كده هيخنق عليك.
اتسعت ابتسامة موسى ابتسامة تليق بذئبٍ لا بإنسان، وقال بنبرة ماكرة:
-يا ريته يعملها ويبقى كده هو اللي بدأ بالشر، وقصاد كده أنا هشتري بيت السوالمي اللي في قلب وادي العرين ويبقى عليا وعلى أعدائي.
تسلل القلق إلى ملامح عمته فسألته بحيرة خافتة:
-والعهد؟!
نظر موسى أمامه نظرة شاردة، ثم تحولت ملامحه فجأة إلى شراسة صافية، وانتقام لمع في بؤبؤي عينيه العسليتين:
-يبله ويشرب ميته، مش هو اللي بدأ الأول وبيهاوش من بعيد، أنا اللي يرشني بالمياه أرشه بالدم.
وقبل أن تنبس عمته بحرف واحد، دوى صراخ أنثوي في أرجاء القصر، فكان صوتها مبحوح بالهلع:
-الحق يا روماني، الحقي يا حجة فايزة، الحقوا.
وقف موسى بطوله الفارع دفعةً واحدة، وحدج الفتاة بنظرة قاتلة أخرستها قبل أن تنهي جملتها، وصاح بصوت قاسٍ:
-اخرسي يا بت، صوتك مايعلاش في إيه؟ واقسم بالله لو كانت حاجة تافهة، لأكون قاتلك مكانك.
ارتجفت الفتاة وتلعثمت وهي تُثبت نظرها على فايزة، وقالت بصوت مرتعش:
-في واحد وقع من بلكونة ست لمياء ومات واللي زقه سي مصعب أخوك.
سكن البهو دفعة واحدة، كأن الهواء قد انقطع عنه،
تجمد موسى في موضعه، ولم يعد الغضب في عينيه كما كان قبل لحظات، بل حل محله شيءٌ أعمق… وأخطر،
تقدم خطوة واحدة، ثم قال بصوت منخفضٍ خرج كحد السكين:
-إيه اللي بتقوليه ده يا بت؟!
أومأت الفتاة برأسها سريعًا والدموع تترقرق في عينيها، وقالت باندفاع مرتجف:
-والله أنا شوفته بعيني.
أشاح موسى بوجهه قليلًا، وأغمض عينيه لثانية بدت كدهر، وحين فتحهما كان القرار قد استقر في أعماقه بلا رجعة، فقال ببرود مهيب:
-تعالي يا بت قربي.
اقتربت الفتاة منه بخطوات متعثرة، والخوف مرسوم بوضوح على ملامحها، وما إن بلغت المسافة التي أشار إليها بإصبعه، حتى باغتها بضربة قاسية بظهر مسدسه، فسقطت على الفور مغشيًا عليها.
التفت إلى عمته التي كانت تحدق في الفتاة، تلك التي خدمت في بيتها سنوات طويلة، فتمتمت برعب وذعر:
-هي هي...ماتت؟
هز رأسه نفيًا بهدوء مرعب، وكأن ما حدث لا يتجاوز أمرًا عابرًا، ثم قال بصوت جامد وبارد، كأن القسوة قد تجسدت في نبرته:
-لا بس هتموت لو فتحت بوقها بكلمة واحدة.
ثم استدار بخطوات واسعة وسريعة نحو الخارج، متجهًا إلى منزل عمته، بينما كان عقله ينسج عشرات الطرق لإنقاذ أخيه، ولم يشغل باله مَن قُتل، ولا بما حدث أصلًا؛ فقد صار كل ما عداه تفصيلًا لا يستحق الالتفات.
_________________
قراءة ممتعة ♥️
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق