رواية فى ظلال الوادى الفصل الثاني 2 بقلم زيزى محمد حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
رواية فى ظلال الوادى الفصل الثاني 2 بقلم زيزى محمد حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
الفصل الثاني.
"قبو رشيد المعروف بالهلاك"
حاولت فتح عينيها مرارًا، إلا أن جفنيها كانا يثقلان كأنما التصق بهما الألم، ورأسها المتدلي يكاد ينفجر من وطأة الصداع العاصف الذي ينهشها بلا رحمة، وحين أجبرت نفسها على رفع رأسها والنظر حولها، صُعقت حين أدركت أن يديها وساقيها مكبلتان بحبال غليظة، مشدودة بإحكام حتى كادت تقطع دورتها الدموية.
ارتجف جسدها رعبًا، واندفع قلبها بالخفقان كطائر مذعور يبحث عن مهرب، بينما جالت عيناها في أرجاء الغرفة لتدرك الحقيقة المرعبة "لقد كانت داخل الجحيم ذاته".
كم كانت تخشى تلك الغرفة التي طالما تناقلت عنها الألسن قصصًا تقشعر لها الأبدان؛ غرفة لا يخرج مَن يدخلها حيًا، كما سمع الجميع من أفواه الأهالي، تناقلت الأخبار والروايات عنها حتى غدت ذكرى بشعة محفورة في الذاكرة الجماعية، مجرد غرفة لكنها كانت أداة ترهيب صامتة لكل مَن يسكن «نجمة رشيد».
فاحت رائحة الموت في المكان، رائحة خانقة تختلط بالرطوبة والصدأ، وكانت الأربطة الغليظة ملقاة على الأرضية الرخامية الصلبة كأفاعٍ نائمة تنتظر فريستها، والإضاءة الخافتة بالكاد تسمح برؤية باب حديدي ضخم، تتوسطه فتحة صغيرة بالكاد تتسع لعين متلصصة.
رفعت رأسها ببطء أشبه بالاحتضار، لتقع عيناها على سلاسل حديدية معلقة تتدلى من السقف، وإلى جوارها منصة إعدام تقبع في زاوية مظلمة، كأنها شاهد أبكم على نهايات كثيرة، ابتلعت لعابها بصعوبة وجف حلقها حتى شعرت بأنه يشتعل، في اللحظة التي دوى فيها صوت الباب الحديدي وهو يُفتح بصرير حاد.
دخل عم "صالح" مساعد "موسى عزام"، رجل في منتصف الخمسينات، وقد ارتسمت القسوة والجحود على ملامحه كأنهما خُلقا معه، كان وجهه جامدًا لا يعرف للشفقة طريقًا،
فقال ببرود:
-إيه يا شربات، مالك بتعيطي ليه؟
ارتجفت شفتاها وحاولت عبثًا تحريك المقعد الخشبي الذي قُيدت إليه، تتوسل إليه بصوت متهدج ضعيف:
-وحياة أغلى حاجة عندك يا عم صالح، لتخرجني من هنا، أنا ماعملتش حاجة، أنا طول عمري خدامة الروماني وعيلة عزام شايلهم فوق راسي أنا وأهلي.
ارتفع جانب فمه بسخرية قاسية، وتقدم نحوها بخطوات بطيئة متعمدة، ثم أخرج سيجارة وأشعلها لينفث دخانها وهو يقترب أكثر فأكثر، حتى دنا منها وهمس بنبرة جامدة خالية من الرحمة:
-لا عملتي يا شربات، لعبتي في عداد عمرك، وقفتي في القصر وقولتي إن مصعب بيه زق الواد وموته.
هزت رأسها نفيًا بجنون، وقد تجسد الرعب في ملامح وجهها الشاحب، وارتفعت صرختها فزعًا حين رأت السيجارة تقترب من وجهها وتحديدًا من عينيها:
-لا يا عم صالح، لا لا، أنا مشوفتش حاجة، لا مصعب بيه معملش كده.
لمع طرف السيجارة على مقربة خطيرة من عينيها حتى شعرت بحرارتها تكاد تخترق بؤبؤها، فأغلقت جفنيها بقوة وهي تصرخ بذعر:
-لا، ابوس ايدكم لا.
-صالح، خلاص ابعد عنها.
فتحت عينيها على الفور لكن لم يكن ذلك ارتياحًا، بل ذعرًا أشد وأقسى، فوجود "الروماني" في الغرفة لم يكن نجاة، بل إعلانًا صريحًا لهلاكها، تسارعت أفكارها في دوامة مرعبة،
هل سيقتلونها شنقًا بالحبال الملقاة؟ أم على منصة الإعدام؟
أم برصاصة من مسدسه الفضي اللامع؟ أم سيقيدونها بالسلاسل الحديدية ويتركونها تتلفظ أنفاسها الأخيرة جوعًا وعطشًا؟ أم أن هناك وسيلة قتل أخرى لم تتخيلها بعد؟
فمَن يدخل هذا المكان يُعد مفقودًا ولا مجال لخروجه حيًا، كما سمعت منذ طفولتها.
قال الروماني بنبرة هادئة تناقض الرعب الذي يغمر المكان:
-إيه يا شربات، خايفة ليه كده؟ الموضوع بسيط خالص متقلقيش.
طل عليها بطوله الفارع وهيبته الخشنة، فبدت صورته المتجسدة أمامها، بنظراته الجامدة وملامحه القاسية كقاتل متسلسل لا تعرف الرحمة طريقًا إلى قلبه، إن كان يمتلك قلبًا من الأساس! فشعرت أن الهواء من حولها يثقل وأن وجوده وحده كفيل بأن يسلبها قدرتها على التنفس.
-أبوس إيدك يا موسى باشا.....
نطقت كلماتها بصوت متوسل مبحوح:
-أنا حتة بت غلبانة وبجري على أكل عيشي بالحلال، ولما اشتغلت عندكوا يا باشا اتوسمت فيكوا الخير...
لم تكمل جملتها إذ ارتفع ضحكه القاسي فجأة في أرجاء الغرفة، ضحكة عالية خالية من أي معنى إنساني، وهو ينظر إليها بازدراء صريح، ثم دنا منها على حين غرة، وأخرج مسدسه الفضي ليضع فوهته في منتصف عنقها تمامًا، وقال بنبرة شرسة تقطر تهديدًا:
-اخرسي يا بت واكتمي خالص، اكتمي ومسمعش صوتك نهائي، أنا لو عايز اقتلك كنت قتلتك من يومين، بس أنا سايبك بمزاجي.
توسعت عيناها حتى كاد الرعب يقفز منهما، وهمست بصوت مرتجف غير مصدقة:
-أنا هنا بقالي يومين؟
جاءها الرد هذه المرة من صالح، ذلك الذي لم ينل من اسمه نصيبًا، فقال بنبرة منخفضة تحمل قسوة وغموضًا أربكها:
-محستيش بنفسك يا شربات، من حبوب الهلوسة اللي اخدتيها بس متقلقيش انتي دلوقتي فايقة وصايحة وأكيد واعية لكل كلمة هتقوليها.
أومأت برأسها بإيجابٍ متردد، ثم أعادت بصرها إلى موسى، الذي لم يزل يضغط بفوهة مسدسه على عنقها، فيما اخترق صوت صالح الصلد كيانها بأكمله:
-شوفتي إيه؟
هزت رأسها نفيًا بسرعة، ثم تلعثمت بالإجابة:
-مـ...مشوفتش حاجة يا بيه.
عاد سؤال صالح يخترق عقلها من جديد، بينما كانت ترصد التهديد الصامت المنبعث من عيني موسى القاسيتين:
-كنتي موجودة لما الواد وقع؟
هزت رأسها نفيًا بعنف وقالت بلهجة مرتبكة تتوسل النجاة:
-لا لا كنت عند أمي، أنا مكنتش موجودة ولا شوفت حاجة ولا أعرف حاجة، ولو عايزني أمشي من البلد كلها، هاخد أمي وأخواتي وامشي، بس اعتقني لوجه الله يا موسى باشا.
اعتدل موسى في وقفته ببطء، ثم أدخل مسدسه في سرواله من الخلف، وكأنما أنهى فصلًا مؤقتًا من الترقب في المقابل ابتسم صالح بسخرية وهو يربت على رأسها برضا مصطنع:
-قولتلك يا باشا، شربات هتمسح اللي حصل في الليلة دي من عقلها، وبعدين مين يقدر يقف في وش الروماني؟! اللي يقف في وشك نهايته معروفة.
ثم أشار بإصبعه إلى عنقه وهو ينظر إليها فكانت تلك المرتجفة تشبه غصن في مهب الريح:
-الدبـــح.
التفت موسى إليها قبل أن يغادر الغرفة، وقال بنبرة خشنة صلبة مشبعة بالعنف:
-أنا سامحتك مؤقتًا، مش عشان أنا طيب، عشان أنا عارف إن نيتك أكيد متأذنيش أنا واهلي، هتطلعي من هنا بس على شرط... ارجعي زي ما انتي وكملي شغل في بيت عمتي، بس عايزك تنقليلي كل كبيرة وصغيرة هناك، حتى الأكل بياكلوه إيه تيجي وتقوليلي، فاهمة؟
-فاهمة يا باشا، من عنيا.
أومأت بسرعة وارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة تخفي
خلفها ارتعاشًا عميقًا، لقد أصبحت الأولى في نجمة رشيد التي تدخل فيها تلك الغرفة المشؤومة وتخرج منها حية، دون أن يكتب لها القدر أن تصبح مجرد جثة تُدفن في أرض رشيد دون أن يسأل عنها أحد.
أشار موسى إلى مساعده بفك وثاقها وإطلاق سراحها، فانطلق صالح ينفذ الأمر، يفك الحبال واحدة تلو الأخرى، بينما كانت تبتسم باتساع تستنشق أنفاسًا طويلة وكأنها تعود للحياة من جديد، لكن صدمتها جاءت كعادته قاسية عندما قال صالح بتهديد صريح:
-متفرحيش يا شربات، أنتي عايشة لفترة مؤقتة ولو غلطتي غلطة هترجعي هنا تاني، بس المرادي مش هتفوقي وتتكلمي معانا، هتكوني بتتحاسبي في قبرك.
أنهى حديثه مع آخر حبل فكه عنها، فانطلقت تهرول بخطوات غير متزنة وخائفة، وكأن وحشًا يطاردها من خلفها، أما صالح فكان يقف في الخلف مبتسمًا بسخرية يغمرها الشر، بينما وجدت نفسها تندفع داخل قبو شبه مظلم، تملؤه الغرف من كل جانب..
ومن بينها لمحت تلك الغرفة…ثم أخرى وأخرى، حتى وقعت عيناها على غرفة ينبعث منها نباح كلبين شرسين، صوتهما قوي ومخيف، تعثرت خطواتها من شدة الرعب، وانطلقت تركض بجنون، تبحث عن مخرج من ذلك القبو، لتدرك أن المكان لم يكن غرفة واحدة، بل متاهة من غرف التعذيب والهلاك.
***
في أحد أحياء المنصورة الشعبية، حيث تتلاصق البيوت كأنها تستند إلى بعضها اتقاءً للسقوط، وحيث الشوارع لا تتسع إلا لمرور شخصين بالكاد، جلست "غالية" في صالة شقتها الضيقة التي استأجرتها منذ خمس سنوات.
لقد كانت جدران المكان باهتة اللون، تحمل آثار الزمن والإهمال، وسقفها المنخفض يزيد الإحساس بالاختناق، وكأن الحزن ذاته قد قرر أن يُقيم معها ولا يغادر.
كانت تبكي بانهيارٍ تام، بكاء لا تعرف له بداية ولا نهاية، وقد التف حولها أهل الحي من النساء، يواسونها في مصيبتها الجلل، فهل هناك مصيبة أشد وقعًا على النفس من فقدان الأخ؟ ذاك الذي كان السند والظهر، وإن كان مكسورًا أو مُثقلًا بالهموم.
ربتت إحدى السيدات على يد "غالية"، التي كانت تقبض على المناديل الورقية بقوة، حتى تجعدت بين أصابعها، فيما كانت الدموع تنهمر وتسقط في حجرها، ورأسها منخفض كأنها تخجل من رفعه في وجه العالم، لكن صوت بكائها رغم خفوت نبرته، كان يمزق نياط القلوب ويجعل كل مَن في المكان يشعر بثقل الفقد.
قالت السيدة بصوت مشوب بالشفقة:
-اهدي يا غالية، خلاص يا بنتي اللي راح راح، محدش هيعمر فيها، عمره كده يا بنتي.
زمت "غالية" شفتيها بقوة، ومالت برأسها أكثر وهي تستمع إلى تلك الكلمات التي سمعتها بعشرات الصيغ خلال اليومين الماضيين؛ كلمات المواساة التي تتشابه حتى تفقد معناها، وذلك منذ أن وصلها خبر وفاة أخيها "إيهاب"، ومجيء جثمانه إلى مشرحة الطب الشرعي من تلك البلدة البعيدة التي كان يعمل بها، وهي تعيش في حالة من الذهول لا تنتهي.
لقد أخبروها إنه سقط من الدور الثالث، حادث قضاء وقدر… لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في خبر الموت ذاته، بل فيما تلاه، حين أُبلغت بأن أخاها كان يحاول سرقة شقة في البناية التي يعمل بها في إحدى ورش النجارة في الطابق السفلي، وأن أصحاب الشقة شعروا بوجوده، فداهمه الخوف وحاول الفرار، فانزلقت قدمه وسقط ليلقى حتفه في الحال.
لم تستطع "غالية" أن تستوعب تلك الرواية، ولم تعرف أيهما أشد قسوة، أن تفقد أخاها، أم أن يُلطخ اسمه بتهمة كهذه بعد موته، كانت تشعر وكأنها فقدته مرتين؛ مرة حين سقط جسده، ومرة حين سقطت صورته في أعين الناس.
انتبهت "غالية" على صوت خطوات هادئة عند باب الشقة، فرفعت رأسها قليلًا لترى عمها السيد "محمود" يدخل، فهو موظفًا في الشهر العقاري، يسكن في منطقة أرقى نسبيًا، وفي بناية أكثر نظامًا واتساعًا، تختلف تمامًا عن هذا الحي المكتظ الذي تسكنه "غالية" مع أخيها الراحل وأختها الصغرى "فريدة"، التي لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها بعد.
دخل عمها "محمود" وهو يعدل نظارته الطبية بإيماءة معتادة، وملامحه تجمع بين الجدية والضيق المكتوم، وما إن لمحته السيدات حتى استأذن بالمغادرة، بعد أن أدين واجب العزاء لليوم الثالث على التوالي، خلا المكان إلا من "غالية"، وأختها التي لزمت غرفتها و"محمود" الذي جلس قريبًا منها.
نظر إليها برهة ثم قال بنبرة مقتضبة، لا تخلو من نفاد الصبر:
-مش كفاية بقى يا غالية عياط وتقفلي بابك على نفسك، العزا خلاص خلص.
لم ترفع "غالية" رأسها في بداية حديثه، لكنها شعرت بأن كلمات عمها كانت أوجع من كل كلمات المواساة السابقة، وكأنها تُطالبها بأن تنفض عنها الحزن بقرار إداري لا بقلب مكسور.
لكنها رفعت وجهها أخيرًا، تطالعه باستنكار شديد من بين دموعها المنهمرة، وقد تسلل القهر إلى صوتها المبحوح، فجاءت كلماتها مشحونة بالألم واليقين معًا:
-أنا مابخدش عزا إيهاب، مفيش عزا قبل ما أجيب حق أخويا يا عمي.
تجهم وجه عمها وبدا وكأنه تلقى صفعة غير متوقعة، فاستنكر حديثها على الفور ورد بنبرة غليظة ومتعمدة القسوة، كأنه يريد أن يوقظها من وهم تتمسك به منذ لحظة الوفاة:
-حق إيه يا غالية؟! أخوكي ميت على معصية، مات وهو بيحاول يسرق شقة الناس اللي كانوا مشغلينه، هتجيبي حقه من مين؟! احمدي ربنا إن هو مات، لو كان زمانه عايش كان زمانه دلوقتي فاضحنا ومحبوس، وبنجري وراه عشان نطلعه منها.
كانت كلماته كالسكاكين، لا تكتفي بتمزيق قلبها، بل تغرس فيه اتهامًا بعد اتهام، شعرت "غالية" بأن أنفاسها تضيق وبأن الجدران تقترب منها أكثر، وكأن البيت نفسه يشهد على ظلم يُلقى فوق روح أخيها الميت.
في تلك اللحظة اندفعت "فريدة" من الغرفة الوحيدة التي تشاركها مع أختها، لقد كانت الشقة في حقيقتها، بالكاد تصلح للحياة؛ صالة صغيرة تكاد تخلو من الأثاث، وغرفة واحدة ومطبخ ضيق، وحمام لا يتسع إلا لشخص واحد من شدة صغره، أما إيهاب رحمه الله عليه فكان ينام في الصالة، تاركًا الغرفة لأختيه حرصًا على خصوصيتهما، وتلك كانت إحدى صور شهامته التي لا تغيب عن ذاكرتيهما أبدًا.
وقفت "فريدة" أمام عمها، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وعيناها تقدحان شررًا، وقالت بصوت مرتجف لكنه صادق:
-أنا أخويا مش حرامي، وغالية عندها حق، الموضوع في إنّ يا عمي، أخويا لو حرامي كان سرق من زمان، مكنش اتغرب في بلد تانية وبعيدة عشان يحسن من دخلنا ويمنعنا من الشغل والبهدلة والمرمطة.
كانت كلماتها تخرج كأنها دفاع أخير عن صورة أخ رسمته في قلبها مثالًا للرجولة والاحتمال، لم تكن تتحدث عن ميت فحسب بل عن عمر كامل قضاه وهو يحاول أن يكون السند، رغم ضعفه وضيق حاله.
ضرب "محمود" كفيه ببعضهما في نفاد صبر، وقد بدت عليه علامات الاستياء والغضب، ثم وجه حديثه إلى "غالية" بنبرة تحمل توبيخًا أكثر مما تحمل حزنًا:
-الله يرحمك يا عطية مُت وسيبت بنتك تتربى غلط وترد على عمها، إيه يا غالية مربتيش اختك متردش على عمها وتزعق كده.
ساد الصمت للحظات...صمت مؤلم، لا يقطعه سوى أنفاس "غالية" المتلاحقة، ونشيج مكتوم حاولت كتمانه بلا جدوى، شعرت حينها أن المعركة لم تعد فقط مع حقيقة موت أخيها، بل مع عالم بأكمله قرر أن يدينه دون محاكمة، ويطالبها بالصمت والنسيان.
نهضت أخيرًا وقد واجهته بنظرة حادة تشبه الهجوم، على الرغم من وهن ملامحها وشحوب وجهها من فرط البكاء والسهر، لقد كان جسدها يرتجف، لكن عينيها كانتا ثابتتين، تحملان غضب سنوات دفينة انفجرت دفعةً واحدة:
-ابويا الله يرحمه لو عرف اللي انت عملته فينا، كان زمانه اتبرى منك يا عم محمود، طردتنا من شقة ابويا وامي وقولتلنا أصله بايعهالك قبل ما يموت، مع إن عمره ما قالنا حاجة، جوزت ابنك فيها مع إنك مقتدر وتقدر تتأجرله أي شقة يتجوز فيها، رميتنا في الشارع أنا واخواتي.
كانت كلماتها تتسارع كأنها تخشى أن تخونها شجاعتها إن توقفت لحظة واحدة:
-اتبهدلنا يا عمي وبدل ما كنا بنحاول نوفر حق الاكل والشرب، بقينا بنوفر كمان حق إيجار الشقة، وجاي دلوقتي بتتكلم على تربيتنا؟!
سكتت لثوان معدودة، وكأنها تجمع شتات نفسها ثم اندفعت من جديد، وقد اشتدت نبرتها، وتجمدت الدموع في مقلتيها من فرط الألم والخذلان الذي ذاقته هي وإخوتها منذ وفاة والديهما:
-تربية إيه يا أخي؟! سيبتني أنا اللي اربي، مع إنك انت الموجود، بتتهم إيهاب إنه حرامي، وهو عمره ما دخل علينا جينة حرام عمره ما عملها.
ارتفع صوتها أكثر وقد امتزج بالفخر والوجع معًا:
-إيهاب ساب كليته عشان أنا أكمل دراستي وابقى مهندسة وبردو معرفتش أكمل من قلة الفلوس، راح اتغرب في بلد تانية عشان فريدة تكمل الثانوية وتبقى دكتورة، كان بيجي أجازات وخاسس وتعبان والشغل هالكه وكل ما نقوله يقعد يقول لا ناكلها بالحلال، تعرف إيه انت عن إيهاب عشان تقول عنه حرامي.
ثم ختمت بصوت مرتجف لكنه متحدٍ:
-قطع لسان أي حد يقول على أخويا حرامي، فاهم؟!
لم يمهلها "محمود" فرصة لالتقاط أنفاسها، إذ فجأةً هبطت صفعة قاسية على وجنتها، فدوى صداها في أرجاء الشقة الضيقة، فترنحت "غالية" خطوة إلى الخلف، بينما احمر خدها واشتعل الألم في رأسها.
حدجها عمها بنظرة قاسية، وقد فقد آخر ذرة تحكم، وقال بصوت غليظ مشبع بالاحتقار:
-قطع لسانك انتي يا كلبة، ازاي يا بت تتكلمي معايا كده؟ هو أنا اللي اتهمته ما الشرطة اللي قالت كده، إيه عايزة تكدبي الشرطة، الشهود قالوا يا اختي أنه حراااامي، سامعة أخوكي حرامي.
اقترب خطوة وصوته يعلو ويتهكم:
-كان مفهمكم إنه بياكلها بالحلال وهو الحرام كان أسهله، يا شيخة ده انتوا قرابة تعر وتشبهني أنا غلطان إني وقفت جنبكم، كنت المفروض افضحكم واقول للناس كلها حقيقة أخوكي اللي مصدعانا بيه.
ساد صمت قصير بعد كلماته، صمت أشبه بالهاوية لا يُسمع فيه سوى أنفاس "فريدة" المذعورة، ونشيج "غالية" المكتوم، وهي تشعر أن الضربة لم تكن على وجهها فقط، بل على كرامتها وعلى ذكرى أخ مات ولم يجد مَن يدافع عنه سوى قلبين مكسورين، على يتم كُتب عليها من جميع الجهات.
صرخت "غالية" بكل ما تبقى في صدرها من قوة، وقد تحولت نبرتها إلى حدة جارحة:
-اطلع برة، اطلع برة مش عايزين نعرفك تاني، أخويا اشرف من أي حد.
لم يرد محمود بل بصق باتجاههما باحتقار فج، ثم استدار مغادرًا وهو يتمتم باشمئزاز صريح:
-داهية تقرفكم، عيال تجيب العار.
أغلق الباب خلفه بعنف، فارتجت الجدران كأنها تشهد على نهاية صلة دم قُطعت بلا رجعة، وفي لحظة انفجار دفعت "غالية" زهرية صغيرة كانت موضوعة قرب الباب، فانطلقت بقوة واصطدمت بالأرض، لتتحطم إلى شظايا متناثرة كقلبها تمامًا.
ما إن ارتفع صوت الزجاج المتكسر حتى خارت قواها، فسقطت أرضًا وانفجرت باكية بانهيار كامل، كأن الصمود الذي تمسكت به أمام عمها قد استُنزف دفعةً واحدة،
فأسرعت "فريدة" نحوها، جثت إلى جوارها واحتضنت رأسها إلى صدرها، وهي تربت على شعرها بحنان مرتجف، وتهمس بصوت مبحوح غارق في الحزن:
-ربنا ينتقم منهم كلهم.
تشابكتا في بكاء صامت وضعيف وطويل، تبكيان على إيهاب؛ فقيدهما الذي لن يعوضهما أحد عنه، ذاك الأخ الذي لم يكن مجرد سند بل كان الأب والصديق والدرع الذي يحتمي بهما من قسوة الدنيا.
رفعت "غالية" رأسها قليلًا، وعيناها الزائغتان تستقران على الأريكة القديمة في صالة الشقة، حيث هناك كان ينام إيهاب في ليالي الشتاء القارس، تاركًا لهما الفراش لينعما بالدفء، وهناك أيضًا كان يقضي ليالي الصيف الخانقة، رغم عدم وجود تهوية أو حتى مروحة، مكتفيًا بحرارة المكان بينما يترك لهما المروحة الوحيدة ليحظيا بقليل من الهواء.
كان يتنازل عن كل شيء من أجلهما، تعليمه، راحته، شبابه، أصدقاؤه، وحتى المال القليل الذي يجنيه، لم يكن يحتفظ منه بشيء لنفسه.
وفجأة كأن قرارًا حاسمًا قد وُلد من رحم الألم، دفعت "غالية" اختها برفق بعيدًا عنها، ونهضت بسرع ثم جذبت حجابها الحريري، ووضعته فوق رأسها بإحكام، وقالت بنبرة صارمة لا تعرف التراجع:
-أنا مش هسيب حق أخوكي، اقعدي هنا ومتفتحيش لحد، أنا هروح اعرف إيه اللي حصل بنفسي في الليلة دي.
انتفضت فريدة خلفها والخوف الحقيقي يرتسم على ملامحها:
-هتعرفي ازاي، واحنا منعرفش البلد اللي كان شغال فيها يا غالية؟ ياما قولناله قولنا هي فين عشان لو حصلك حاجة، يقول أنا زي الجن متخافوش.
وقفت "غالية" عند الباب المتهالك، تفتحه وهي ترد بحزم تغلفه هشاشة الألم:
-هروح قسم الشرطة وهدي أي مخبر الـ ٢٠٠ جنية اللي معايا يقولي كل حاجة واروح البلد دي ازاي؟ ومش هسكت إلا لما أجيب حق إيهاب.
ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها، وبدأت تهبط درجات السلم بسرعة، تحسم وجهتها وهي تمسح دموعها بظهر يدها بقوة، فلا مجال للبكاء ولا للانهيار مجددًا.
ولم تكن تعلم…أن هناك سيارة صغيرة تقف عند الطريق الرئيسي، وأن عيونًا خفية تراقب خطواتها، وتتبعها أينما ذهبت.
***
جلست "عائشة" في عيادتها تُعيد ترتيب محتويات مكتبها بعناية، بعدما بعثرها الصغار الذين توافدوا على العيادة ذلك اليوم، أولئك الذين كان من المفترض أن يكونوا مرضى، ولكنهم عاصفة صغيرة لا تهدأ، حتى علبة الحلوى لم تسلم من أيديهم، إذ فرغت تمامًا بعد محاولاتها المتكررة لإقناعهم بالجلوس بهدوء أثناء الكشف عليهم.
تنهدت "عائشة" بابتسامة، وهي تجمع الأوراق المبعثرة، وتعيد الأقلام إلى مواضعها، وقد بدا الإرهاق واضحًا في عينيها رغم دفء ملامحها، فهي تحب الأطفال حتى وإن أرهقوها، فصخبهم يذكرها بالحياة، وبأبنائها الذين ينتظرون عودتها كل مساء.
في تلك اللحظة، دخلت مساعدتها ليلى بخطوات هادئة، وقالت بجدية واضحة:
-مبقاش في حد برة يا دكتورة، ودي فلوس الكشوفات بتاعت النهاردة وفي كشفين اتصلوا وأجلوا الكشف لبكرة.
هزت "عائشة" رأسها بتفهم، وتناولت منها المال ثم وقفت من مكانها، وأخرجت بعض الأوراق النقدية من الدرج القريب، وقدمتها إلى ليلى بابتسامة صافية تحمل كثيرًا من العطف:
-خدي الفلوس دي وجيبي حاجة حلوة لعيال أخوكي وانتي مروحة يا ليلى.
اتسعت عينا ليلى بخجل ولوحت بيدها رافضة:
-لا يا دكتورة كده كتير والله، انتي امبارح مدياني بردو، كده كتير وعيالك أولى بالفلوس دي.
ابتسمت "عائشة" وهي تُعدل ثيابها، وتضع ما تحتاجه في حقيبتها الجلدية ثم قالت بنبرة آمرة لكنها دافئة:
-بقولك إيه مالكيش دعوة بعيالي، أنا زي الفل أنا وعيالي ورزق ربنا كتير اوي، وبعدين أنا بحب عيال أخوكي اوي، خديهم واشتريلهم حاجة حلوة، يلا روحي انتي وأنا هقفل العيادة وامشي.
أومأت ليلى برأسها بخجل ممتن، وأخذت النقود تدسها في جيب سروالها، ثم استأذنت بالانصراف بينما شرعت "عائشة" في إغلاق الأدراج، وترتيب ما تبقى استعدادًا للعودة إلى بيتها حيث ينتظرها صغارها ودفء أحضانهم.
انطلقت تطفئ أنوار غرف العيادة واحدة تلو الأخرى، ويسود المكان سكون تدريجي، لا يقطعه سوى صوت خطواتها الخافتة، وحين وصلت إلى الصالة الخارجية مدت يدها لتطفئ الأنوار الأخيرة، لكنها لم تشعر إلا بضربة عنيفة باغتت رأسها من الخلف.
ترنحت ثم سقطت أرضًا فاقدة للوعي، وانزلقت حقيبتها من يدها، لتتناثر محتوياتها على الأرض في مشهد فوضوي صامت.
وقف خلفها رجل ملثم يتأكد من غياب وعيها تمامًا، ثم انحنى وبدأ يعبث بمحتويات حقيبتها بلهفة، ينتقل بعدها إلى مكتب السكرتيرة، ثم إلى غرفة عائشة نفسها، يفتح الأدراج ويقلب الأوراق، ويبحث بعصبية ظاهرة.
وبعد دقائق من التفتيش العبثي، أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا وهو يغادر العيادة على عجل، تاركًا "عائشة" خلفه مسجاة على الأرض بلا حراك:
-مفيش أي عقود معاها او في مكتبها، ابعتلي عنوان بيتها لو عايزاني أروح ادور هناك.
جاءه الرد سريعًا وحاسمًا:
-لا بيتها لا، سيبني أنا وأنا هتصرف، امشي انت.
غادر سريعًا، تاركًا إياها ملقاة في منتصف الأرض، جسدها ساكن وملامحها شاحبة، في مشهد يقطع الأنفاس ويبعث القشعريرة في الأوصال، خيم الصمت على العيادة بعد رحيله، صمت لا يقطعه سوى أزيز الكهرباء الخافت، وبقايا الفوضى التي خلفها بحثه المحموم.
مرت دقائق بدت كأنها دهر كامل، قبل أن يُفتح باب العيادة من جديد، دخل رجل آخر كان قد قصد المكان خصيصًا لمقابلة عائشة والتحدث معها في أمر عاجل، خطا بضع خطوات إلى الداخل وهو يناديها باسمها، لكن صوته انقطع فجأة، وتجمد في مكانه وقد اتسعت عيناه رعبًا.
لقد كانت العيادة مقلوبة رأسًا على عقب، لا شيء في موضعه والأدراج مفتوحة والأوراق متناثرة، وفي منتصف الصالة كانت عائشة مسجاة على الأرض بلا حراك.
صرخ بفزع وهو يندفع نحوها:
-دكتورة، يالهوي يا خبر أبيض، يا نهارك اللي مش معدي يا شوقي، دكتورة اصحي...
انحنى محاولًا إفاقتها، لكن جسدها لم يستجب، وبرودة الخوف تسللت إلى أطرافه، تراجع خطوة إلى الخلف وقلبه يكاد يخرج من صدره، ثم استدار مندفعًا نحو الباب.
هبط الدرج المؤدي إلى الطابق السفلي بخطوات متعثرة، يستنجد بحارس البناية وأنفاسه تتلاحق، ودقات قلبه تتسارع بعنف كأنها تنذر بكارثة أكبر مما تحتمل العقول.
-الحقوني، الدكتورة شكلها ماتت، الحقونا في حد موتها.
وكان صدى صوته المرتجف يرتد في أرجاء البناية، معلنًا بداية فوضى جديدة لم يكن أحد مستعدًا لها.
***
في "نجمة رشيد"
كان الليل ساكنًا على غير عادته، كأن البيوت تحبس أنفاسها خشية ما سيقع خلف جدرانها، دفع "موسى" باب غرفة أخيه بقدمه دفعة واحدة، لم تكن قوية فحسب بل مشحونة بالغضب والاحتقان، انفتح الباب بعنف وارتطم بالحائط، لكن مصعب ظل ممددًا فوق فراشه، غارقًا في نوم ثقيل، لا يشعر بشيء، كأن العالم من حوله قد انطفأ تمامًا.
تقدم "موسى" بخطوات سريعة، ومد يده وقبض على أخيه من الخلف، ثم جذبه بقسوة هزت جسده كله، وهو يصيح بأعلى صوته وقد خرج صوته مبحوحًا مشوبًا بالغضب:
-قوم يالا، قووووم يا****، قوم وفوق.
تأوه "مصعب" محاولًا الوقوف أمام جبروت أخيه الأكبر الذي باغته في لحظة، ورفع يده يفرك بها وجهه المتعب، وقال بصوت واهن تغلفه الحيرة:
-إيه يا موسى؟ أنا فايق في إيه؟!
لم يمهله "موسى" فرصة أخرى، فصفعه صفعة قوية دوى صداها في الغرفة، جعلت "مصعب" يترنح للخلف ويسقط أرضًا، رفع رأسه ببطء ونظر إلى أخيه بصدمة لم يعرف لها مثيلًا، فهذه هي المرة الأولى التي تمتد فيها يد موسى عليه،
همس بصوت مرتجف، وقد تجمدت الدهشة في عينيه:
-انت بتضربني يا موسى؟!
انحنى "موسى" نحوه، وكانت ملامحه مشدودة وعروق عنقه بارزة، والغضب يكاد يفيض من عينيه، فقال بنبرة غليظة تقطر قسوة:
-واموتك كمان لو كنت الشوكة اللي هتقسم ضهري، انت عارف لو عاصم عرف باللي عملته، هيعمل إيه؟ مش هيسكت إلا لما يضربني فيك، مش هيسكت إلا لما يزلني ويدوس على رقبتي.
نهض "مصعب" بسرعة ووقف في مواجهته، وقد تحولت الصدمة في عينيه إلى شراسة موجوعة، بينما تجمعت الدموع رغمًا عنه:
-انت كل اللي همك عاصم وبس، محدش بيفكر فيا، محدش بيسأل عني.
لم يحتمل "موسى" كلماته، فصفعه مرة أخرى وهو يصرخ بعنف وقد بلغ الغضب ذروته:
-قصرت معاك في إيه يا **** عشان تشرب مخدرات، فلوس وبتغرف وبتاخد ومحدش بيقولك حاجة ولا بيحاسبك، كل حاجة تحت أمرك، عايز إيه تاني يا كلب عشان تتعدل وتفوق لنفسك، بس ازاي المخدرات لحست دماغك.
ساد الصمت للحظة، لا يُسمع فيها سوى أنفاس متلاحقة وقلوب تنبض بالخوف والغضب، وكأن تلك الغرفة الصغيرة تحتضن صراعًا أكبر من جدرانها، صراعًا بين أخوين أحدهما يخشى الفضيحة، والآخر يغرق في ضياعه دون أن يمد له أحد يد النجاة.
ورغم أن الصفعات التي تلقاها كانت موجعة، فإن كلمات أخيه كانت أشد إيلامًا، وأعمق وطأة على كرامته الجريحة، شعر وكأن كل حرف يُقال له يهبط على صدره كضربة لا تُحتمل، فابتسم بسخرية مرة وهتف بصوت متكسر يحمل قدرًا من التحدي:
-على الأقل مريحاني، مش زيكم مش همكم إلا الفلوس والأرض والحكم، كل واحد ينام على الجنب اللي ريحه يا روماني.
لم يحتمل "موسى" سخريته، فانقض عليه بعنف أشبه بانفجار غضب مكبوت، وأخذ ينهال عليه بالضربات القاسية، وهو يصرخ وقد احمر وجهه واشتدت قبضتاه:
-ده أنا هنيمك بإيديا الاتنين دول في قبرك لو متعدلتش يا كلب وبطلت الهباب ده، سامع يالا، أنا مش فاضيلك ولا فاضي لمصايبك، إيه مبقاش ورايا حد غيرك ولا إيه؟!
لم يحاول "مصعب" الدفاع عن نفسه، رغم قسوة الضربات التي كانت تنهال عليه بلا رحمة، لم يعرف أكان ذلك بسبب الصدمة التي شلت جسده، أم لأن المخدرات قد فعلت بعقله ما فعلت، فأضعفت قدرته على الاستيعاب والمقاومة، كل ما شعر به هو اندفاع عنيف أبعده فجأة عن "موسى"، حين تدخل والده ووقف حائلًا بينهما.
كان "عثمان" واقفًا بثبات رغم ارتجاف قلبه، وصاح بصوت حاول أن يجعله حاسمًا:
-خلاص يا موسى كفاية، مصعب هيفوق لنفسه وأنا هتكلم معاه.
تراجع "موسى" بضع خطوات إلى الخلف، وهو يزفر بقوة وصدره يعلو ويهبط بعنف، رفع يده يمسح خصلات شعره المتناثرة عن جبينه، ثم قال بوعيد صارم لا مزاح فيه:
-ورحمة أمي الغالية في تربتها لو ما اتعدل لأموته بإيدي، وبنت عمتك مالكش دعوة بيها خالص، سامع ولا لا، البت دي هتجيب أجلك قريب.
ارتجف "مصعب" بين يدي والده، وبدا للحظة كطفل صغير تائه، رغم أن عمره قد بلغ الثالثة والعشرين، لم ينبس بكلمة لا موافقة ولا اعتراض، واكتفى بنظرة عناد قاس صوب أخيه، الذي يفوقه عمرًا بأربعة عشر عامًا، وكأن بينهما هوة لا تُردم.
ثم حول بصره نحو والده، الذي بدا هادئًا على غير المتوقع، إلا أن الألم كان واضحًا في عينيه، وقال بنبرة آمرة لا تقبل النقاش:
-هوديك مصحة كويسة في مصر، محدش هيعرف إنك بتتعالج هناك متقلقش.
أبعده "مصعب" عنه بعنف، وقد اشتعلت عيناه بنارٍ غير مألوفة، وهتف بصوت مرتفع يحمل نبرة تهديد صريحة:
-لا...مش هروح مصحات، سامع مش هروح، والله لو فكرت تودوني مصحة لاروح لعاصم ابن عمي واطلب حمايته واكسركوا كلكوا مش في رشيد بس في الوادي كله، سامعين.
اندفع والده نحوه في هلع، محاولًا كتم صوته بيده، خشية أن يصل صراخه إلى مسامع "موسى"، فيشتعل غضبه من جديد، ويخرج الأمر عن السيطرة، اقترب منه وهمس بكلمات متقطعة وواهنة، يختلط فيها الرجاء بالخوف:
-خلاص اسكت مش هوديك، بس تتعالج هنا وتفوق من القرف ده.
ثم زفر بغضب مكبوت وأكمل بصوت خافت حاد:
-وبعدين تكسر مين يا كلب، تكسر أخوك اللي واقف زي الأسد في وش جبروت عاصم وعمايله، تطلب الحماية من عاصم اللي بإيده يقتلك ويعلق راسك في نص الوادي عشان يكسر عينينا، مش بعيد يكون عاصم هو اللي شدك للمخدرات واحنا منعرفش، ده ديب ويعملها.
لكن مصعب لم يُصغِ إلى كلمة واحدة، لم يكن يعنيه شيء سوى أمرٍ واحد، ألا يُرسَل إلى أي مصحة، أما الابتعاد عن المخدرات فكان في نظره أمرًا مستحيلًا، بل كابوسًا لا يملك القدرة على مواجهته.
استدار فجأة واتجه نحو فراشه بخطوات مترنحة، ثم ألقى بجسده فوقه، واستسلم للنوم من جديد، كأن ما دار قبل لحظات لم يكن سوى ضجيج عابر، أدار وجهه بعيدًا وسد أذنيه عن حديث والده المتواصل، وعن كراهيته المتفجرة لابن أخيه عاصم.
لقد نجح مصعب مرة أخرى في رفع الراية التي يستسلم لها الجميع، الراية التي تجعلهم يتراجعون خطوة إلى الخلف، ويتركونه وشأنه، مهما بلغ فساده أو ضياعه، إنها راية اسمها واحد…"عاصم عزام".
***
خرجت "غالية" من قسم الشرطة، وقد خانتها ساقاها فلم تعودا قادرتين على حملها، بعد أن سمعت من المخبر كل ما يؤكد في نظرهم أن شقيقها لم يكن سوى لص، وأنه سقط أثناء محاولته الهرب، وأن الواقعة لم يشهدها شاهد واحد بل عدة شهود.
بلدة بأكملها كما قال، تشتهر بالنفوذ وتخضع لسطوة عائلة بعينها، تلك العائلة التي لا يُرد لها أمر.
كانت كلماته الأخيرة تتردد في أذنيها كصدى ثقيل لا ينقطع:
-أنا هكلمك بأمانة انسي حكاية أخوكي، عيلة عزام دي عيلة تقيلة ومش سهلة، وطالما قالوا أخوكي حرامي وكان بيسرق يبقى كان فعلاً كده، القضية اتقفلت والموضوع خلاص، ولو المأمور كان شاكك واحد في الميه إن أخوكي برييء مكنش هيسكت، ولو فعلاً أخوكي مظلوم فهو خلاص مات بسره أصله يعني بيشتغل نجار في ورشة النجارة اللي تحت، إيه اللي طلعه فوق في الدور التالت في شقة الست صاحبة العمارة، وكمان نط من بلكونتها يا بنتي ووقع بحديد البلكونة.
سارت "غالية" مترنحة وشاردة الذهن، تخطو في الشارع أمامها بلا وعي، لا تسمع أصوات أبواق السيارات، ولا صرخات الرجال الذين يحذرونها من السير في هذا الطريق السريع، ولا ترى شيئًا مما يدور حولها.
كل ما تشعر به هو صورة "إيهاب" تتجسد أمامها من بعيد، بابتسامته الصافية التي طالما منحتها الطمأنينة،
حتى أفاقت على لحظة خاطفة، لحظة توقف سيارة مسرعة أمامها فجأة، كادت أن تدهسها لولا عناية خفية، تجمع المارة حولها، تتعالى أصوات العتاب واللوم على سيرها بشرود في طريق يعج بالمركبات.
كانت تحرك رأسها ببطء نحوهم، والدموع تتجمع في مقلتيها، بينما ينهش الضعف قلبها نحرًا، حزنًا على فقدان شقيقها.
وفجأة شقت سيدة في الخمسينات من عمرها الدائرة المحيطة بها واحتضنتها بقوة، ثم صاحت بأعلى صوتها في وجوه الجميع:
-بس خلاص خلصنا، اقعد ساكت يا راجل منك له، ابعدوا عنها.
سحبتها بسرعة نحو سيارة فخمة كانت تقف على مقربة، فتحت الباب الخلفي وأشارت إليها بالدخول قائلة بنبرة حانية:
-اركبي يا حبيبتي، أنا هوصلك بيتك، اركبي متقلقيش.
وكأن "غالية" كانت مسحورة، بلا إرادة ولا مقاومة جلست في المقعد الخلفي، لحقتها السيدة وجلست إلى جوارها، بينما كان في المقدمة سائق يجلس في صمتٍ تام.
انتبهت "غالية" إلى صوت إغلاق الباب، ثم التفتت إليها السيدة بابتسامة واثقة وقالت:
-محسوبتك أم ناصر أجدع تاجرة فاكهة في المنصورة كلها، وأنا بردو اللي هدلك ازاي تاخدي حق أخوكي من اللي قتلوه ومن واحد واحد في عيلة عزام.
***
في القاهرة…
في إحدى المستشفيات الحكومية، جلست عائشة فوق أحد الأسرة، تمسك برأسها بألم نابض، بعدما تلقت العلاج المناسب ونجت بأعجوبة، كان العبوس يكسو ملامحها، لا بسبب الألم وحده، بل لوجود أكثر رجل باتت تكرهه في حياتها مؤخرًا، جالسًا أمامها وكأنه صاحب حق.
زفرت بقوة وقد نفد صبرها، ثم همت بالحديث بنبرة حادة لا تخلو من الانفعال:
-انت عايز إيه يا شوقي؟ قاعدلي ليه كده؟ فلوس ومش معايا اديك شوفت اتسرقت، عايز إيه بقى؟
لم تكن تعلم أن الدناءة قد تجسدت في أبهى صورها في شخص شوقي نفسه؛ فهو مَن سرق المال، مستغلًا حالة الفوضى التي عمت العيادة وما تعرضت له من اعتداء، أنهى كل شيء بذكاء خبيث، وحول الواقعة إلى محاولة سرقة مجهولة، بل وذهب بنفسه إلى قسم الشرطة ليستكمل المحضر، رغم أن مقتحم العيادة لم يمس المال من الأساس.
ابتسم شوقي ابتسامة مصطنعة، وتحدث بنبرة امتزج فيها الادعاء بالوقاحة:
-انتي بتعامليني ليه كده يا دكتورة؟! ده أنا حتى كنت قلقان عليكي، خوفت يحصلك حاجة لامؤاخذة عيالي يتشردوا، أصل هلاقي مين زيك يربيهم ويكبرهم وان شاء الله تخليهم دكاترة زيك.
كادت تصرخ في وجهه، وأن تطلب منه الرحيل فورًا، أن يكف عن تذكريها وكأن وجوده في حياتها قدر لا فكاك منه، لكن صدمتها تضاعفت حين مد يده أمامها فجأة، وهو يقول بابتسامة مستفزة لا تخطئها العين:
-ايدك على عشرين ألف أنا ظروفي مش ولابد لامؤاخذة، بس عشان اللي حصلك هسكت يومين واسيبك.
اندفع الدم إلى رأسها من شدة وقاحته؛ فقد اعتاد أن يزيد المبلغ شهرًا بعد شهر، حتى باتت عاجزة عن تلبية مطالبه، نظرت إليه بعينين تقدحان غضبًا، وقالت بصوت مخنوق تحاول كبح انفعاله:
-انت واحد أناني ومش محترم، يعني مش شايف منظري ولا أني اتسرقت وقاعد وبتطلب مني فلوس زيادة عن اللي بتاخده.
اتكأ شوقي إلى الخلف ووضع ساقًا فوق الأخرى، وارتسمت على شفتيه ابتسامة استفزازية أكثر جرأة، قبل أن يردد بنبرة غامضة أربكتها وزادت من خوفها:
-الله مش عيالي وبطلب حقي، فوقي كده يا دكتورة عشان منزعلش من بعض، أصل أنا زعلي وحش أوي...
ثم سرعان ما تغيرت ملامحه وتصنع الحزن قائلاً:
-مش كفاية مستحمل موت أمهم الله يرحمك يا صفية، سيبتيني اتبهدل من بعدك.
______________________
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق