القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

تركهم في لحظة شكّ… وعاد بعد 30 عامًا ليكتشف أنّ الحقيقة لا ترحمه

 تركهم في لحظة شكّ… وعاد بعد 30 عامًا ليكتشف أنّ الحقيقة لا ترحمه



تركهم في لحظة شكّ… وعاد بعد 30 عامًا ليكتشف أنّ الحقيقة لا ترحمه

 

اسمي إلينا ريفاس وقبل ثلاثين عاما وضعت خمسة أطفال في مستشفى حكومي بمدينة إشبيلية. كان المخاض طويلا قاسيا منهكا إلى حد الإنهاك التام. وحين فتحت عيني أخيرا ورأيت خمس أسرة صغيرة مصطفة إلى جوار سريري اجتاحني شعور مزدوج من الرعب والحب في آن واحد. كانوا صغارا للغاية هشين إلى حد يكاد يكسر القلب وكانت بشرتهم جميعا داكنة اللون.

وقبل أن أتمكن حتى من البدء في استيعاب ما يحدث دخل زوجي كارلوس بلتران إلى الغرفة. نظر إلى سرير واحد ثم إلى آخر. تصلبت ملامحه وارتجفت يداه وامتلأت عيناه بالغضب.

ليسوا لي! صرخ لقد كذبت علي!

حاولت الممرضات التدخل. أوضحن أنه لم يسجل أي شيء رسميا بعد وأن الفحوصات الطبية لم تستكمل وأن هناك تفسيرات محتملة. لكن كارلوس لم ينصت. أشار إلي بازدراء وقال جملة واحدة كانت كفيلة بتحطيم كل شيء

لن أعيش مع هذا الإذلال.

ثم غادر المستشفى.

لم يطلب فحوصات.

لم يطلب سماع روايتي.

لم ينظر إلى الخلف.

بقيت وحدي مع خمسة أطفال حديثي الولادة محاطة بالهمسات وصمت ثقيل لا يحتمل. لم أبك. لم أستطع. كل ما فعلته هو أن مذعورة من أن أنهار إن أفلتهم من ذراعي.

في الأيام التالية كان الجو مشحونا بالشائعات والأحكام. بعضهم اعتقد أنني خنت زواجي. وآخرون


اشتبهوا في حدوث خطأ داخل المستشفى. لكن لم يكن لدى أحد إجابات حقيقية. أما كارلوس فلم يعد أبدا. غير رقم هاتفه وانتقل إلى مكان آخر ومحانا من حياته كما لو أننا لم نوجد قط.

وقعت كل الوثائق بنفسي. سميت أطفالي لوكاس وماتيو وصوفيا ودييغو وفاليريا. خرجت من المستشفى أدفع عربة أطفال مستعارة أحمل خمس أرواح وقلبا مكسورا.

في تلك الليلة بينما كان أطفالي نائمين من حولي قطعت على نفسي وعدا سأعرف الحقيقة يوما ما. لا بدافع الانتقام بل ليعرف أطفالي دائما من يكونون حقا.

ما لم يكن كارلوس يعلمه هو أنه بعد ثلاثين عاما سيقف أمامنا من جديد وأن الحقيقة التي تنتظره ستكون أشد تدميرا مما تخيل يوما.

تربية خمسة أبناء بمفردي لم تكن بطولة. كانت ضرورة. كنت أنظف البيوت نهارا وأخيط ليلا. مرت أسابيع لم يكن لدينا فيها سوى الأرز والخبز. لكن الحب لم يكن غائبا يوما.

ومع نموهم بدأت الأسئلة تظهر

لماذا نبدو مختلفين يا أمي

أين أبونا

كنت أقول لهم الحقيقة كما أعرفها إن أباهم رحل دون أن يستمع وإنني أنا أيضا عالقة في لغز لم أفهمه. لم أزرع في قلوبهم كراهية ولا حتى حين كنت أحملها بصمت داخلي.

وعندما بلغوا الثامنة عشرة قررنا إجراء فحوصات الحمض النووي العائلية. أكدت النتائج

أنهم جميعا أبنائي البيولوجيون لكن شيئا ما ظل غير منطقي. أوصى اختصاصي الوراثة بتحليل أعمق.

وحينها ظهرت الحقيقة.

كنت حاملة لطفرة جينية وراثية نادرة موثقة علميا يمكن أن تؤدي إلى ولادة أطفال بملامح أفريقية حتى لو كانت الأم بيضاء البشرة. كانت حقيقة لا يمكن إنكارها طبيا.

حاولت التواصل مع كارلوس. لم يجب أبدا.

مضت الحياة كما تمضي دائما لا تسأل إن كنا مستعدين أم لا. درس أبنائي واجتهدوا وعملوا وبنوا لأنفسهم مستقبلا بأيديهم حجرا فوق حجر. رأيتهم يكبرون أمامي لا كضحايا بل كأشخاص يعرفون قيمة ما امتلكوه بصعوبة. ومع مرور السنين أقنعت نفسي أن ذلك الفصل قد أغلق نهائيا وأن بعض الأبواب حين تغلق يجب أن تترك كذلك.

إلى أن ظهر كارلوس بعد ثلاثين عاما.

لم يكن ظهوره دراميا كما في القصص بل صامتا ثقيلا كأن الماضي قرر فجأة أن يطرق الباب دون استئذان. كان شعره قد شاب وتجاعيد وجهه تحمل آثار سنوات لم نكن جزءا منها. كان يرتدي بذلة باهظة الثمن أنيقة ظاهريا لكنها لم تستطع إخفاء وهنه. فقد كثيرا من ثقته القديمة وتخلى صوته عن حدته السابقة. كان مريضا جسده يخذله ويحتاج إلى عملية زرع متوافقة. لم يأت وحده قاده إلينا محقق خاص كأنه لا يزال عاجزا عن مواجهة عواقب

أفعاله دون وسطاء.

طلب أن نلتقي.

لم أتخذ القرار بسهولة. لم يكن في قلبي شوق ولا رغبة في المواجهة. وافقت لا من أجله بل من أجل أبنائي لأنهم وحدهم من يملكون الحق في رؤية الحقيقة كاملة بلا روايات ناقصة ولا أسئلة معلقة.

جلسنا متقابلين. كان ينظر إليهم واحدا تلو الآخر يطيل التحديق في ملامحهم كأنه يحاول أن يعثر على نفسه في وجوه لم يسمح لنفسه يوما بأن يعرفها. ومع ذلك ظلت الشكوك عالقة في عينيه بقايا خوف قديم لم يغادره رغم مرور العقود.

عندها تقدم لوكاس بهدوء ووضع الوثائق على الطاولة بيننا. لم يكن في حركته تحد ولا انتقام بل ثبات شخص يعرف موقعه من الحقيقة. نتائج فحوصات الحمض النووي التقارير الطبية التفسيرات العلمية كل شيء واضح قاطع لا يترك مجالا للهروب.

شحب وجه كارلوس.

مد يده المرتجفة إلى الأوراق وراح يقرأها مرة بعد أخرى كأنه يأمل أن تتغير الكلمات إن أطال النظر. كانت أنفاسه متقطعة وكتفاه ينخفضان شيئا فشيئا.

إذا كانوا أبنائي

خرج السؤال واهنا بلا قوة بلا حق في المطالبة.

لم يجبه أحد.

كان الصمت أثقل من أي اتهام أثقل من أي صراخ كان يمكن أن يقال. صمت يحمل ثلاثين عاما من الغياب من الخيارات الخاطئة من الفرص التي لا تعود.

انهار كارلوس أخيرا. بكى كما لم يبك من قبل يلقي

 

باللوم على الخوف وعلى المجتمع وعلى ضغط تلك المرحلة وعلى كل شيء إلا القرار الذي اتخذه بنفسه. كان صوته مكسورا لكنه لم يعد قادرا على إصلاح ما كسر.

استمع أبنائي بصمت. لم تكن في عيونهم رغبة في الانتقام ولا غضب مكبوت بل يقين هادئ. كانوا يعرفون من هم ويعرفون تماما أنهم عاشوا ثلاثين عاما بدونه ونموا ونجحوا وتجاوزوا.

تكلمت صوفيا أولا بصوت ثابت لا يحمل قسوة ولا لينا

لسنا بحاجة إلى اعتذاراتك كي نواصل حياتنا. لقد فعلنا ذلك طوال ثلاثين عاما.

أنكس كارلوس رأسه كأن الكلمات سحبت آخر ما تبقى له من مقاومة.

ثم أضاف دييغو بهدوء لا يقل وضوحا ولا ثباتا أنهم لم يأتوا ليدينوه ولم يجلسوا هناك ليقيموا محاكمة متأخرة لكنهم في الوقت نفسه لم يأتوا لينقذوه. قال إن المرض الذي ينهش جسده اليوم شأنه وحده ومسؤوليته وحده وليس دينا يسدد باسم الدم ولا واجبا يفرض تحت غطاء القرابة أو يبتز به الضمير. أوضح أن الحياة التي بنوها لم تكن قائمة على انتظار عودته ولا على أمل اعترافه بل على قدرتهم على المضي قدما رغم غيابه.

لم يرفع صوته.

لم يحتج إلى كلمات قاسية.

كان كلامه

بسيطا مباشرا نهائيا.

بقيت صامتة طوال ذلك ليس لأن الكلمات خانتني بل لأنني لم أعد أحتاج إليها. لم أشعر بحاجة إلى الدفاع عن نفسي ولا إلى شرح ما حدث ولا حتى إلى البحث عن تعاطف متأخر. كل تلك المعارك انتهت منذ زمن بعيد. الكراهية التي كان يمكن أن تملأ صدري في السنوات الأولى استهلكت ببطء تآكلت بصمت عبر السنين كما يتآكل الحجر تحت المطر حتى لم يبق منها شيء يذكر. ما استقر في داخلي لم يكن فراغا بل حزنا بعيدا ناضجا هادئا يشبه ظلا يرافقك دون أن يثقل خطاك. حزن لا يطالب بشيء ولا ينتظر اعتذارا ولا يتغذى على الندم لأنه تجاوز مرحلة الحساب.

وحين رفع كارلوس رأسه أخيرا ونظر إلي كانت نظرته خاوية مرهقة كأنها تبحث في وجهي عن معنى لم يعد يعرف كيف يسميه. ربما كان يبحث عن غفران يخفف عنه عبء السنين أو عن شفقة تمنحه لحظة راحة أو عن إذن متأخر يعيد ترتيب قصته مع نفسه. ظل ينظر طويلا نظرة من ينتظر جملة واحدة تغير كل شيء جملة تنقذه من مواجهة ما صنعه بيديه.

لكنني لم أكن هناك لإنقاذه.

قلت له الحقيقة كما هي بلا تزيين وبلا قسوة وبلا رغبة في الإيلام

لم أكرهك.

لكنني أيضا لم أترك لك مكانا.

لم أشرح ما تعنيه الجملة.

لم أضف كلمة واحدة.

لم أحملها انفعالا ولا دمعة ولا ارتجافا.

كانت كافية بذاتها لأنها خرجت من مكان تجاوز الغضب وتخطى الحاجة إلى التبرير ولم يعد يبحث عن اعتراف أو انتصار. كانت خلاصة حياة كاملة عشتها بدونه واكتملت من غيره.

غادر بعدها أصغر مما جاء. لم يكن ذلك لأننا انتصرنا عليه ولا لأننا أردنا إذلاله أو كسر صورته بل لأن الحقيقة حين تقال بعد فوات الأوان لا تمنح صاحبها فرصة للنهوض من جديد بل تتركه وحيدا أمام ما فوته وأمام الطرق التي لم يسلكها وأمام الوجوه التي كان يمكن أن تكون جزءا من حياته لو اختار غير ما اختار.

وبقينا نحن كاملين متحدين وفي سلام لم يكن صاخبا ولا استعراضيا. لم يكن سلام المنتصر بل سلام من أدى ما عليه ومضى. ذلك اللقاء لم يحطمنا ولم يفتح جراحا جديدة ولم يوقظ آلاما نائمة. على العكس أغلق جرحا ظل مفتوحا لعقود أغلقه بهدوء دون دموع متأخرة ودون مواجهة مباشرة ودون حاجة إلى تصفية حساب أو استعادة حق ضائع.

اليوم أبنائي الخمسة بالغون أقوياء يعرفون من هم ويفهمون أصولهم دون

ارتباك ويفتخرون بالطريق الصعب الذي سلكوه دون أن ينكسروا. كبروا بلا أب نعم لكنهم لم يكبروا بلا سند. كبروا بالحقيقة وبالعمل المتواصل وبالجهد اليومي وبالحب الذي لم يخنهم يوما ولم يساوم عليهم ولم يختف حين اشتد الطريق.

تعلمت من كل ذلك أن الكرامة لا تطلب من أحد ولا تستجدى عند الحاجة ولا تؤجل إلى أن يسمح بها الآخرون.

الكرامة تبنى بصمت يوما بعد يوم بالثبات حين يكون الانسحاب أسهل وبالصدق حين يكون التزييف أكثر راحة وبالقدرة على الاستمرار رغم الغياب ورغم الخذلان ورغم الأسئلة التي لا إجابة لها.

هذه ليست قصة انتقام

ولا قصة غفران متأخر

ولا حكاية ندم يسعى إلى الخلاص.

إنها قصة عواقب.

قصة قرارات اتخذت في لحظات خوف وضعف ثم ظلت ترافق أصحابها عمرا كاملا لا لتعذبهم فقط بل لتذكرهم بأن بعض الفرص حين تفقد لا تعود مهما طال الزمن ومهما تغيرت الظروف ومهما حاول الإنسان أن يكتب نهاية أخرى متأخرة.

وإن أثرت فيك هذه القصة أو دفعتك للتفكير أو أيقظت في داخلك ذكرى شخصية دفنتها بعيدا فتذكر أن التجربة الإنسانية واحدة في جوهرها وأن الصمت أحيانا يكون لغة وأن صوتك أنت أيضا يستحق أن يسمع.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close