طفلة قالوا ستموت خلال 3 أشهر… لكن كلمة واحدة كشفت الحقيقة وقلبت مصير القصر كله
طفلة قالوا ستموت خلال 3 أشهر… لكن كلمة واحدة كشفت الحقيقة وقلبت مصير القصر كله
لم يجرؤ أحد داخل قصر ويكفيلد على قولها بصوت مرتفع لكن الجميع شعر بها في أعماقه.
كانت الطفلة لونا ويكفيلد تتلاشى.
كان الأطباء واضحين باردين شبه آليين حين نطقوا بالرقم الذي ظل معلقا في الهواء كحكم نهائي لا رجعة فيه. ثلاثة أشهر. وربما أقل. ثلاثة أشهر من الحياة.
ومع ذلك كان ريتشارد ويكفيلد واقفا هناك الملياردير صاحب الشركات العملاقة الرجل المعتاد على تحويل المشكلات إلى أرقام وحلول ينظر إلى ابنته وكأن المال للمرة الأولى في حياته يرفض أن يطيعه.
كان المنزل هائلا نظيفا إلى حد خانق وصامتا.
ليس صمتا يجلب الطمأنينة بل صمتا مشبعا بالذنب. صمت يتسرب إلى الجدران ويجلس على موائد الطعام ويتمدد فوق الأسرة ويتنفس معك أينما ذهبت.
ملأ ريتشارد القصر بكل ما هو الأفضل
أطباء خاصون أجهزة طبية متطورة ممرضات يتناوبن أسبوعيا علاج بالحيوانات موسيقى هادئة كتب ألعاب مستوردة بطانيات ملونة وجدران مطلية بلون لونا المفضل.
كان كل شيء مثاليا
إلا الشيء الوحيد الذي كان يعنيه حقا.
كانت عينا ابنته بعيدتين ضبابيتين كأن العالم موجود خلف لوح زجاجي لا يمكن لمسه.
منذ وفاة زوجته لم يعد ريتشارد الرجل الذي يظهر على أغلفة مجلات الأعمال. توقف عن حضور الاجتماعات وتجاهل المكالمات ولم يعد يهتم بالإمبراطورية التي بناها.
كان يمكن للإمبراطورية أن تستمر
من دونه.
أما لونا فلم يكن بإمكانها ذلك.
تحولت حياته إلى روتين صارم الاستيقاظ قبل الفجر إعداد فطور لا تكاد تمسه مراقبة مواعيد الأدوية وتدوين كل تغيير صغير في دفتر خاص كل حركة كل نفس كل رمشة أبطأ وكأن تسجيل ذلك قد يبقي الزمن ثابتا في مكانه.
لكن لونا نادرا ما كانت تتكلم. أحيانا كانت تومئ برأسها وأحيانا لا تستجيب مطلقا. كانت تجلس قرب النافذة تحدق في الضوء كأنه لا ينتمي إليها.
كان ريتشارد يتحدث إليها رغم ذلك. يروي القصص يستعيد الرحلات يختلق حكايات خرافية ويطلق وعودا بمستقبل لا يعرف إن كان سيأتي. ومع ذلك بقيت المسافة بينهما قائمة مسافة مؤلمة لأنها بلا جسر.
ثم جاءت جوليا بينيت.
لم تدخل جوليا القصر بذلك البريق المعتاد لمن يعمل في بيوت الأثرياء. لم يكن لديها حماس مصطنع ولا ابتسامة واثقة تقول سأصلح كل شيء.
ما كانت تحمله هو هدوء عميق الهدوء الذي يأتي بعد أن تسكب كل الدموع الممكنة.
قبل أشهر فقدت جوليا طفلها حديث الولادة. تقلصت حياتها إلى مجرد بقاء غرفة فارغة بكاء متخيل ومهد لا يهزه أحد.
وأثناء بحثها عن عمل عبر الإنترنت رأت الإعلان بيت كبير مهام خفيفة رعاية طفل مريض. لا حاجة لخبرة خاصة. فقط الصبر.
لم تعرف إن كان ذلك قدرا أم يأسا. لكنها شعرت بانقباض في صدرها مزيج من الخوف والحاجة كأن الحياة تمنحها فرصة ثانية
كي لا تغرق في الألم.
قدمت طلبها.
استقبلها ريتشارد بلباقة متعبة. شرح القواعد المسافة الاحترام السرية. وافقت جوليا دون أسئلة. خصصت لها غرفة ضيوف في آخر المنزل وضعت فيها حقيبتها البسيطة كأنها تحاول ألا تشغل حيزا.
مرت الأيام الأولى في مراقبة هادئة.
كانت جوليا تنظف وتنظم وتساعد الممرضات في إعادة الإمدادات وتفتح الستائر وترتب الزهور ذات الألوان الناعمة وتطوي البطانيات بعناية. لم تندفع نحو لونا. كانت تراقب من الباب مدركة وحدة لا تشفى بالكلمات الطيبة.
لم يكن أكثر ما صدمها بشرة لونا الشاحبة ولا شعرها الخفيف الذي بدأ ينمو ببطء.
بل الفراغ.
ذلك الحضور الغائب. كانت جوليا تعرفه فورا. هو ذاته الفراغ الذي شعرت به حين عادت إلى منزلها بذراعين فارغتين.
لذلك اختارت الصبر.
لم تفرض الحديث. وضعت صندوق موسيقى صغيرا قرب سرير لونا. وعندما عزف أدارت لونا رأسها قليلا. حركة ضئيلة لكنها حقيقية. كانت جوليا تقرأ بصوت عال من الممر بصوت ثابت بحضور لا يطلب شيئا.
بدأ ريتشارد يلاحظ شيئا لم يستطع تسميته.
لم تملأ جوليا القصر بالضجيج بل بالدفء.
وفي إحدى الليالي رآها تمسك بصندوق الموسيقى بين يديها الصغيرتين كأنها سمحت لنفسها أخيرا أن تتمنى شيئا.
من دون خطب استدعى ريتشارد جوليا إلى مكتبه وقال بهدوء
شكرا لك.
مرت الأسابيع ونمت الثقة ببطء.
سمحت لونا لجوليا أن تمشط شعرها الناعم الجديد. وفي واحدة من تلك اللحظات البسيطة انهار العالم.
كانت جوليا تمشط بلطف حينما ارتجفت لونا فجأة أمسكت بطرف قميص جوليا وهمست بصوت بدا وكأنه قادم من حلم بعيد
يؤلمني لا تلمسيني يا أمي.
تجمدت جوليا.
ليس بسبب الألم فذلك مفهوم بل بسبب تلك الكلمة.
أمي.
كانت لونا نادرا ما تتكلم. وما قالته لم يكن عفويا. كان أشبه بذكرى. بخوف قديم.
ابتلعت جوليا ريقها وضعت الفرشاة ببطء وقالت بصوت خافت تخفي العاصفة التي اجتاحت داخلها
حسنا سنتوقف الآن.
في تلك الليلة لم تنم جوليا. كان ريتشارد قد أخبرها أن والدة لونا توفيت. فلماذا حملت تلك الكلمة شعورا دقيقا إلى هذا الحد
ولماذا كانت لونا تتصلب كأنها تنتظر صراخا
في الأيام التالية بدأت جوليا تلاحظ أنماطا. كانت لونا ترتجف حين يمشي أحد خلفها. تتصلب عندما ترتفع بعض الأصوات. والأسوأ أنها كانت تسوء حالتها بعد تناول أدوية معينة.
بدأت الإجابات تتشكل في المخزن.
فتحت جوليا خزانة قديمة ووجدت صناديق بعناوين باهتة زجاجات وقوارير بأسماء غير مألوفة. بعضها يحمل تحذيرات حمراء. التواريخ قديمة. واسم واحد يتكرر مرارا
لونا ويكفيلد.
التقطت صورا وقضت الليل تبحث في كل دواء كأنها تبحث عن الهواء.
ما وجدته جمد الدم في عروقها.
علاجات تجريبية. آثار جانبية خطيرة. مواد
محظورة في بعض الدول.
لم تكن هذه رعاية طبية حذرة.
كان
ذلك خريطة مخاطر.
تخيلت جسد لونا الصغير يتلقى جرعات مخصصة لأغراض مختلفة تماما. اجتاحها الخوف وتحته شيء أقوى غضب نقي وقائي.
لم تخبر ريتشارد. ليس بعد.
كانت قد رأته جالسا عند أسفل سرير لونا كأن حياته معلقة بها. لكن لونا كانت في خطر ولونا كانت تثق بها.
بدأت جوليا تدون كل شيء المواعيد الجرعات ردود الفعل. راقبت الممرضة. قارنت الزجاجات في الحمام بتلك الموجودة في المخزن.
وكان الأسوأ هو التداخل.
ما كان ينبغي إيقافه منذ زمن ما زال يستخدم.
وفي يوم ما دخل ريتشارد غرفة لونا دون سابق إنذار ورآها مسترخية بهدوء على جوليا للمرة الأولى منذ أشهر. منهكا وخائفا تحدث بحدة لم يكن يقصدها
ماذا تفعلين يا جوليا.
نهضت جوليا بسرعة تحاول الشرح لكن ريتشارد المجروح والمربك ظن أنها تجاوزت حدودها.
عندها أصيبت لونا بالهلع.
ركضت نحو جوليا تشبثت بها بقوة وصرخت بخوف من يتوسل بالأمان
ماما لا تدعيه يصرخ.
لم يكن الصمت الذي تلا ذلك هو الصمت المعتاد في القصر.
كان كشفا.
تجمد ريتشارد مدركا للمرة الأولى أن ابنته لم تكن مريضة فحسب.
كانت خائفة.
ولم تكن تركض نحوه.
كانت تركض نحو جوليا.
في تلك الليلة أغلق ريتشارد على نفسه في مكتبه وفتح الملف الطبي للونا. قرأ سطرا سطرا ببطء كما يفعل من يكتشف أنه عاش داخل كذبة.
أسماء الأدوية. الجرعات. التوصيات.
للمرة الأولى لم ير أملا.
رأى تهديدا.
في
صباح اليوم التالي أمر بإيقاف عدة أدوية. وعندما سألته الممرضة عن السبب لم يجب. ولم تقدم لجوليا أي تفسيرات.
لكنها لاحظت شيئا جميلا.
بدت لونا أكثر يقظة. أكلت قليلا أكثر. طلبت قصة. وابتسمت أحيانا ابتسامات خجولة هشة تؤلم لأنها ثمينة.
عرفت جوليا أنها لم تعد قادرة على حمل الحقيقة وحدها.
أخذت قارورة أخفتها بعناية وفي يوم عطلتها زارت الدكتورة كارلا إيفانز صديقة تعمل في عيادة خاصة. استمعت كارلا دون حكم وأرسلت الدواء إلى المختبر.
وبعد يومين جاء الاتصال.
قالت كارلا بحزم
جوليا كنت على حق. هذا ليس للأطفال. والجرعة قاسية.
تحدث التقرير عن إرهاق شديد تلف عضوي وتثبيط للوظائف الطبيعية. لم يكن علاجا قويا.
كان خطيرا.
وتكرر الاسم نفسه في الوصفات
الدكتور أتيكوس مورو.
عرضت جوليا التقرير على ريتشارد. أخبرته بكل شيء بهدوء وصدق. لم تكن الحقيقة بحاجة إلى تهويل.
شحب وجه ريتشارد وارتجفت يداه.
وثقت به همس. وعدني أنه سينقذها.
ما تلا ذلك لم يكن صراخا.
كان أسوأ.
قرارا هادئا.
استخدم ريتشارد علاقاته فتح ملفات قديمة بحث في السجلات. بحثت جوليا في المنتديات والمقالات المنسية والشهادات المدفونة. وانطبقت القطع بدقة قاسية.
أطفال آخرون. عائلات أخرى. قصص صامتة.
فهم ريتشارد وجوليا شيئا جمعهما الصمت سيجعل منهما جزءا من الصمت نفسه الذي كاد يقتل لونا.
قدما القضية إلى النيابة العامة.
بدأ تحقيق رسمي.
وعندما كشفت الروابط مع شركات دوائية وتجارب غير مصرح بها انفجرت القصة. وسائل الإعلام. العناوين. الكاميرات.
ومع الضوء جاءت الظلال مقالات تتهم ريتشارد بالإهمال الأبوي واتهامات تصور جوليا كمتسللة وتهديدات مجهولة المصدر لإسكاتهم.
كان ريتشارد يغلي غضبا.
أما جوليا فبقيت ثابتة.
قالت ذات ليلة
إذا كانوا خائفين فذلك لأننا نلمس الحقيقة.
وبينما كان العالم يصرخ في الخارج حدث داخل القصر معجزة صغيرة حقيقية.
عادت لونا.
ليس فجأة ولا بسحر بل خطوة خطوة.
طلبت الخروج إلى الحديقة. ضحكت بهدوء عندما أحضر ريتشارد وجباتها المفضلة. رسمت أكثر وتغيرت رسوماتها. لم تعد أشجارا فارغة بل ألوانا. أيادي متشابكة. نوافذ مفتوحة.
وعندما بدأت المحاكمة امتلأت القاعة بالعائلات. لم تكن مجرد قصة طفل ثري وخادمة شجاعة بل صفوف من الآباء المنهكين بوجوه حفرتها ليالي الأرق.
شهدت جوليا بهدوء دون دموع ظاهرة. وتحدث ريتشارد بعدها واعترف بفشله بلا أعذار.
قال إن الخوف قد يعمي حتى الرجل الذكي.
وفي اليوم الثالث قدم رسم لونا كدليل. طفلة صلعاء تمسك بيد شخصين. وتحتها بخط مرتجف
الآن أشعر بالأمان.
سادت القاعة حالة صمت.
لأن الأمر أصبح واضحا.
لم يكن الموضوع أوراقا.
كان حياة.
صدر الحكم أسرع مما توقع الجميع. إدانة بجميع التهم. لم يكن هناك تصفيق بل ارتياح كزفرة جماعية. حكم على مورو وأعلنت
السلطات إصلاحات للحد من العلاجات التجريبية خاصة على الأطفال.
أجبر النظام أخيرا على مواجهة نفسه.
وعند العودة إلى المنزل لم يعد القصر متحفا حزينا. كان هناك موسيقى خطوات ضحكات وصوت أقلام على الورق.
بدأت لونا المدرسة خائفة في البداية ثم فخورة. كونت صداقات. رفعت يدها. ملأت دفاترها برسومات تحكي ماضيها ومستقبلها. لاحظ المعلمون موهبتها.
الطفلة التي بالكاد كانت تتكلم وجدت صوتها عبر اللون.
وفي يوم ما خلال فعالية مدرسية بسيطة بدت كأي فعالية أخرى على الورق كانت القاعة مزدانة ببالونات باهتة الألوان ولوحات ورقية علقها الأطفال بأيديهم وكراس مصفوفة على عجل. ضحكات متقطعة همسات الأمهات أصوات الكاميرات الصغيرة ورائحة قهوة خفيفة تتسلل من زاوية بعيدة.
كانت جوليا جالسة بين الجمهور دون أن تدري شيئا. جلست في الصف الثالث لا في الأمام ولا في الخلف كأنها ما زالت تتعلم كيف ترى دون خوف. كانت تبتسم حينا وتبتلع ريقها حينا آخر وقلبها يخفق كلما صعد طفل إلى المسرح. لم تكن تتوقع شيئا. كانت تعتقد أنها جاءت لتصفق لا لتفاجأ.
أما ريتشارد فجلس بجانبها كتفاه أكثر استرخاء مما كانا عليه قبل سنوات لكن في عينيه ظل شيء من الحذر القديم كأن السعادة عنده ما زالت تحتاج إذنا كي تتجسد. كانت يداه متشابكتين فوق ركبتيه وبين أصابعه أثر رجفة خفيفة رجفة رجل تعلم متأخرا أن الحب ليس فكرة بل مسؤولية يومية.
ثم نادى المذيع اسمها.
لونا ويكفيلد.
صعدت لونا إلى المسرح
بخطوات ثابتة لكنها لم تكن خطوات فتاة لا تعرف الخوف بل خطوات فتاة تعلمت كيف تمشي وهي تحمل الخوف وتجاوزه. كانت ترتدي فستانا بسيطا شعرها أطول وأكثر امتلاء لكن من ينظر إلى عينيها يدرك أن أعمق التغيرات لا تقاس بالشكل.
وفي يدها ظرف.
وقفت لحظة أمام الميكروفون ولم تتكلم فورا. نظرت إلى القاعة ببطء كأنها تبحث عن وجه واحد فقط وسط كل الوجوه. ثم وقعت عيناها على جوليا.
حينها تغير شيء في الهواء.
لم يكن تغيرا يرى بل يحس سكون مفاجئ كما لو أن القاعة بأكملها التقطت أنفاسها دون وعي.
تنفست لونا بعمق وفتحت الظرف بيدين ثابتتين لكنها كانت تمسك الورقة كما يمسك المرء شيئا مقدسا.
ثم قرأت بصوت واضح ناضج على نحو يفوق عمره
جوليا لم تكن مجرد شخص يعتني بي.
إنها أمي بكل معنى الكلمة.
لم تكن الكلمات طويلة لكنها سقطت على القلوب كالمطر بعد عطش قديم.
شعرت جوليا بأن صدرها ضاق فجأة وأن الدموع هاجمتها قبل أن تتمكن حتى من التفكير. رفعت يدها إلى فمها لا لتمنع البكاء بل لتمنع صوتا من الانفلات صوتا قد يفضح انهيارها أمام الجميع.
وفي الصفوف الخلفية سمعت امرأة تهمس يا إلهي.
وبينما كانت جوليا تغرق في تلك اللحظة تقدمت الأخصائية الاجتماعية إلى المنصة بابتسامة هادئة لا تحمل استعراضا بل تحمل ختما نهائيا لشيء طال انتظاره.
قالت بصوت واضح
يسعدنا أن نعلن أن إجراءات التبني قد اكتملت وأصبح الأمر رسميا.
لم تسمع جوليا الجملة كاملة من شدة ضربات قلبها. كانت تسمع منها فقط كلمة واحدة تتكرر في ذهنها
كترنيمة
رسميا رسميا رسميا
انفجرت القاعة بالتصفيق ليس تصفيق مجاملة لفعالية مدرسية بل تصفيق حياة كاملة عادت إلى مكانها الصحيح. تصفيق يحمل اعترافا بأن هناك أمهات لا يلدن لكنهن ينقذن وأن هناك عائلات لا تبنى بالدم وحده بل بالثبات حين يهتز كل شيء.
قفزت لونا من على المسرح تقريبا ركضت نحو جوليا بقلب مفتوح واحتضنتها بقوة تشبه احتضان النجاة. لم يكن عناقا أمام الناس كان عناقا بين زمنين زمن خافتا فيه من الفقد وزمن قررتا فيه أن تبقيا.
أما ريتشارد فلم يحاول التظاهر بالقوة.
لم يخف دموعه خلف ابتسامة متكلفة.
ترك دموعه تتكلم كما لو أنه يعتذر عن سنوات لم يعرف فيها كيف يسمع.
مد يده ووضعها على كتف جوليا ولونا لا كمالك ولا كمتفضل بل كأب يعلن أخيرا أنه حاضر حاضر بكل ما في الكلمة من معنى.
مرت السنوات بعد ذلك ولكنها لم تمر بالطريقة القديمة.
كبرت لونا نعم ومعها كبرت حكايتها لكن الجراح لم تختف كأنها لم تكن بقيت كندوب صامتة تذكرها بما نجت منه لا بما يهزمها. كانت هناك لحظات تعود فيها الذكريات كظل سريع لكنها لم تعد تسكنها وحدها. صار لها من يمسك يدها حين ترتجف.
أصبح ريتشارد أبا حاضرا.
ليس حضور جسد في البيت بل حضور قلب.
تعلم أن يسأل قبل أن يقرر أن يصغي قبل أن يشرح أن يبقى حتى عندما لا يملك حلولا. وتعلم شيئا أصعب أن يعترف. أن يقول كنت مخطئا دون أن يبحث عن تبرير يخفف عنه.
أما جوليا فتوقفت منذ زمن عن كونها موظفة.
صارت اسما في تفاصيل البيت في رائحة الخبز صباحا في ترتيب
الألوان على الطاولة في الطريقة التي تطفأ بها الأنوار ليلا دون خوف.
كانت عائلة.
ومع الزمن اكتشفت لونا أن الرسم ليس هواية بل لغة ثانية للحياة. كانت تضع ما لا تستطيع قوله في الألوان. تجعل الألم خطا رفيعا وتجعل الخوف ظلا يتحول إلى ضوء وتجعل النجاة نافذة تفتح في وسط لوحة مزدحمة.
وفي إحدى ليالي الهدوء داخل صالة عرض في وسط المدينة افتتحت لونا معرضها الفني الأول.
لم تكن القاعة فاخرة على نحو مبالغ فيه لكنها كانت مضاءة بعناية. وعلى الجدران علقت لوحات تحمل أشياء لا يقدر الكثيرون على النظر إليها طويلا أسرة مستشفيات نوافذ بيضاء بلا ملامح أياد متشابكة بقوة وظلال تتكسر ثم تعود فتتحول إلى ألوان.
وقف الناس يتأملون صامتين كما لو أن اللوحات تفرض نوعا من الاحترام لا يحتاج إلى كلمات.
رأت جوليا لوحة واحدة وتوقفت عندها طويلا
يد صغيرة تمسك يدا أكبر واليد الأكبر تبدو كأنها ترتجف لكن الأصابع لا تفلت. وخلفهما ظل داكن على الجدار لكنه لا يبتلع المشهد بل ينسحب ببطء أمام نور ناعم.
شعرت جوليا بأن الدموع تعودلا كحزنبل كامتنان.
وفي نهاية الأمسية صعدت لونا لتتحدث أمام الحضور. لم تتلعثم. لم تهرب بعينيها. كانت تقف كما يقف من تعلم أن صوته حق.
قالت بوضوح
يظن الناس أن قوتي جاءت من الطب
لكن قوتي الأولى جاءت من قلب جوليا.
أحبتني حين كان من الصعب أن يحبني أحد.
وبقيت حين لم أعرف كيف أطلب منها ذلك.
وقف الجمهور مصفقا لا إعجابا بموهبتها فقط بل احتراما لقصة تحولت إلى معنى.
ومع التصفيق
التقت عينا لونا بعيني جوليا فابتسمت ابتسامة صغيرة تقول كل شيء دون أن تقول شيئا.
أمسكت جوليا بيد لونا.
وشعرت لونافي تلك اللمسةأنها تنتمي.
أما ريتشارد فابتسم بابتسامة هادئة لمن أدرك أخيرا أن الثروة ليست ما يكتب في الحسابات بل ما يبقى من الإنسان حين لا يملك إلا قلبه. أدرك أن ما يهم ليس ما تملك بل من تختار أن تحميه وكيف تحميه حين تكون الحماية مكلفة.
وفي تلك الليلة حين عادوا إلى القصر بدا المكان مختلفا.
لم يكن كبيرا كما كان يتباهى
به سابقا.
لم يكن فاخرا كما كانت الصحف تصفه.
لم يكن مثاليا كما تحب الصور الإعلانية أن تظهره.
كان حيا.
كانت هناك ضحكة في الممر أثر خطوات كوب ترك على الطاولة دون خوف من توبيخ ضوء صغير بقي مشتعلا لأن لونا تحبه ودفء لا يحتاج إلى تفسير.
جلست جوليا قرب النافذة ذاتها التي كانت لونا تحدق منها يوما كأنها بعيدة عن العالم. الآن كانت لونا تتحدث تضحك وتخطط للغد. ومع كل كلمة كانت جوليا تشعر أن الحياة لا تعيد ما فقدته كما كان لكنها قد تمنحها شيئا جديدا شيئا لا يقل قيمة فرصة أن تحب من جديد دون فزع أن تصبح ملجأ بدل أن تكون مكسورة.
وأدركت حقيقة انغرست في روحها
أن الحياة لا تعوض دائما بالطريقة التي نتوقعها لكنها أحيانا تمنحنا القدرة على تحويل الفقد إلى معنى وتحويل الصمت إلى صوت.
وكان كل ذلك قد بدأ بكلمة هامسة في غرفة صامتة
كلمة واحدة كادت دون أن يدري أحد أن تدفن معها الحقيقة إلى الأبد
لكنها لم تدفن.
لأن لونا في اللحظة التي نادت فيها يا أمي لم تكن تستعيد صوتها فقط
كانت تستعيد حياتها.


تعليقات
إرسال تعليق