رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الخامس والاربعون 45بقلم سيلا وليد حصريه
رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الخامس والاربعون 45بقلم سيلا وليد حصريه
الفصل الخامس والاربعون
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
الحب يبدو كنسيم يلامس الروح برقة،
يحمل في طياته ألماً لا يُحتمل… فهل تستطيع القلوب تحمّله؟
هناك قلب يحب، لكنه عاجز عن منح ما يستحق،
ولا يريد أن يترك خلفه جراحاً تتضاعف مع كل خيبة.
وفي المقابل، قلب آخر يرفض الابتعاد،
حتى لو كان البقاء سبباً للألم، يبقى متشبثاً بشغف لا يُقاوم، متلهفاً للقاء قريب.
وهذا قد لمس الشمس بيده، وغاب النوم عن عينيه،
علّ لقاءً قريباً يملأ القلب حنيناً وشوقاً…
وفي الزاوية، روحان يذكّران بأن الحب بينهما ليس حلماً عابراً،
بل وعد قد يكتمل، رغم صعوبة التعبير أحياناً.
وفي النهاية، كل الأرواح تعرف طريقها قبل الكلمات.
لكزته رولا بخفَّة حين طال شروده بها وهو ينظر إليها، فقالت بصوتٍ مختنقٍ بالضيق:
_ بكلِّمك…مابتردِّش ليه؟
لم يفعل شيئًا سوى نظراته إليها، وتخيُّله وهو يقبِّلها..لكزته مرَّةً أخرى:
_بلال..مالك بتبصِّ ليَّ كدا ليه؟.
هنا..نهض من مكانه سريعًا، يتمتم بالاستغفار في سرِّه، ثم مرَّر كفِّه على وجهه كمن يحاول أن يمحو أثر تخيُّله معها، و يطرد رعشةَ قلبه التي خانته دون قصد:
_ روحي أوضتك…قلتلك تعبان وعايز أنام.
قالها وهو يدير لها ظهره.
ظلَّت تطالع ظهره بصمتٍ موجع، صمتٍ يصرخ داخلها، بينما شيطان عقلها ينهش أفكارها بلا رحمة.
تغيَّر…نعم، تغيَّر منذ خروجه..
وكيف لإنسانٍ أن ينقلب بهذه القسوة بين ليلةٍ وضحاها، إن لم يكن أحدهم قد ضغط على قلبه أو انتزع منه شيئًا؟
لم ترَ ولم تسمع سوى اعترافه بحبُّه لتلك الفتاة، يتردَّد في رأسها كطعنةٍ لا تهدأ.
نهضت بهدوءٍ مخيف، هدوءٍ لا يشبهها، ورغم سكون خطواتها كانت بداخلها عاصفةً تريد إحراق كلُّ مايقترب منها.
سحبت قدميها بصعوبة، تضغط على آلامها الجسدية كما تضغط على قلبها، وغادرت الغرفة دون أن تلتفت..
وسؤالٌ واحد ظلَّ يصفع عقلها بلا توقُّف:
_لماذا تغيَّر من الأمس إلى اليوم..
كيف بعد أن أغرقها بحنانه ودلاله يحرقها الآن بكلِّ هذا البرود؟
دلفت غرفتها وأغلقتها بهدوء، كأنَّها تخشى أن يفضح الصوت ماتبقَّى من تماسكها.
اتَّجهت إلى فراشها وتمدَّدت عليه تحتضن نفسها بقوَّة، تحاول ألَّا تبكي… تحاول فقط أن تتنفَّس.
لم تمضِ دقائق حتى غلبها النوم بفعل المسكِّن، واستسلم جسدها المنهك بينما بقي الوجع ساهرًا في صدرها.
أمَّا عنده…
ظلَّ يدور في الغرفة بعد خروجها كحيوانٍ محاصر، يأخد أنفاسه بصعوبة، كأنَّ الهواء نفسه أصبح ثقيلًا..
أصبحت خطرًا على قلبه، خطرًا حقيقيًّا.
كيف سمح لنفسه أن يتمادى في هذا الضعف معها؟
هل يتنازل عن كرامته؟
هل يسامحها، وهو يعلم يقينًا أنَّها حاولت قتل نفسها منذ عقد قرانه عليها؟
أرجع خصلاته إلى الخلف بعنف حتى تألَّم، ثم همس لنفسه بصوتٍ متقطِّع، كمن يلقِّن روحه وصيةً أخيرة:
_ اهدى، اهدى..
لازم تمسك نفسك شوية..
حتى لو هتموت عليها، لازم تمسك نفسك..
بلاش تقرف من نفسك في يوم من الأيام.
إنتَ مش كده…مستحيل تجبرها عليك علشان وضعها، هزَّ رأسه يقنع نفسه:
_حقَّها تختار الشخص اللي تقدر تعيش معاه.
تنفَّس بعمق، وكأنَّ القرار يذبحه ببطء، ثم تابع بصوتٍ أقسى:
_ خلاص يا بلال فوق من سيطرة رولا.. اعمل حاجز على قلبك زي زمان..
إنتَ قادر تعمل كده، حتى لو كان الثمن روحك.
بمنزل يوسف..
كان متمدِّدًا على العشب، متَّخذًا من ساقيها وسادته، بينما كانت تمرِّر أناملها بين خصلاته في حنانٍ شارد، تحاول أن تُخفي ضيقها وهو يقصُّ عليها ضرورة سفره مع غادة.
_ يعني…هتقعد كتير هناك؟
سألته بنبرةٍ لم تنجح في إخفاء انكسارها.
اعتدل مستندًا على مرفقيه، يحدِّق بها بجديَّةٍ امتزجت بالألم:
_ ضي، إنتي مش مستوعبة اللي بقوله.. بقولِّك فريدة الصغيرة عندها لوكيميا…عارفة يعني إيه؟ المرض ده صعب أوي، خصوصًا إنَّها طفلة.
تقلَّص قلبها حزنًا، وانكسر بصرها قبل أن تعود تنظر إليه:
_ طبعًا قلبي وجعني عليها، وربِّنا يربت على قلب عمِّتو غادة، زعلت جدًّا..
توقَّفت لحظة، ثم أضافت بصوتٍ خافت:
_أنا بس اتضايقت من السفر مش أكتر…ومش ممانعة تكون معاها.
صمتت تفرك جبينها بقلق، وكأنَّ شعورًا مبهمًا ينهش صدرها:
_والله يا يوسف مش فاهمة، زعلانة علشان البنت قوي، وفي نفس الوقت جوَّايا إحساس مش مريح.
كان يتابعها وقلبه يصرخ، لكنَّه تعمَّد أن يبتعد بنظره وهو يتمتم:
_خير إن شاء الله…ربِّنا يشفيها وترجع سليمة.
تنهَّدت بعمق، ثم قالت بحرقة:
_ عمِّتو غادة عاملة إيه؟ أنا قلبي وجعني مجرَّد ماعرفت، ربِّنا يكون في عونها…تخيَّل يبقى عندك طفل مريض ومرضه خطير وإنتَ عاجز..
هزَّت رأسها ولمعت عيناها بالدموع، وضعت كفَّيها فوق صدرها:
_ الفكرة صعبة أوي يا يوسف…مش هستحمل أشوف طفل بيعاني قدَّامي وأنا مش عارفة أعملُّه حاجة.
_لا…لا…
قالتها فجأةً وانفجرت باكية.
اعتدل يوسف مندهشًا، وسحبها سريعًا إلى أحضانه يضمُّها بقوَّة:
_ ضي، اهدي، أومال عمِّتو تعمل إيه بس؟
رفعت رأسها ببطء، تنظر إليه بعينين ممتلئتينِ بالخوف قبل الحب:
_ بتحبِّني قدِّ إيه يا يوسف؟
قطب جبينه، لم يفهم مغزى السؤال، فوضعت كفَّها فوق صدره موضع قلبه:
_ أنا بحبَّك قوي، ولو بتحبِّني بجد… عايزة نبني حياتنا بعيد عن وجع الماضي.
توقَّفت، ثم تابعت بصوتٍ مرتعش:
_ أنا مقدَّرة إنَّك مرِّيت بأيام صعبة، وخايف ومتردِّد، بس أنا بوعدك...
رفعت عينيها لتتقابل مع عينيه الضائعتين، وقد أدرك ماتستعدُّ لقوله..
في تلك اللحظة كان الصمت أصدق من أي كلمة.
بوعدك أحافظ على ولادنا، ومستحيل أعمل حاجة توجعهم أو توجعنا.. المهم..
ابتعد بجسده فجأة، قاطعًا حديثها بحركةٍ حاسمة كسرت دفء لحظتهم:
_ اتكلِّمنا في الموضوع ده يا ضي، ليه كلِّ مرَّة مُصرَّة تزعَّليني؟
ارتبكت، واعتدلت على ركبتيها تقترب منه، رفعت كفَّيها تحاول أن تحتضن وجهه، أن تعيده إليها، لكنَّه أفلت منها ونهض واقفًا، كأنَّ مجرَّد اللمسة صارت عبئًا:
_ أنا تعبت…وهطلع أنام.
قالها دون أن ينظر إليها، واستدار سريعًا مبتعدًا.
ظلَّت عيناها معلَّقتين بخطواته وهو يبتعد، حتى اختفى داخل البيت.
انكمش قلبها في صدرها، وابتلعت شهقةً فضحت ضعفها، ثم أسندت كفَّيها على العشب، تنظر إلى الفراغ تبكي بصمت…بلا دموع، بلا صوت، كأنَّ الألم قرَّر أن يسكنها بدل أن يخرج منها...
ظلَّت على حالها للحظاتٍ شاردة، قبل أن تنهض فجأةً وتنفض كفَّيها وكأنَّها تُبعد أثر فكرةٍ ثقيلة، ثم استدارت للداخل.
توقَّفت عندما وجدت إحدى الخادمات تقف بانتظارها، تفرك كفَّيها بتوتُّرٍ واضح.
طالعتها ضي بنظرةٍ متفحِّصة، قبل أن تسأل بنبرةٍ هادئة تخفي استغرابها:
_ مالك، في حاجة؟
التفتت الخادمة حولها بتوجُّس، ثم اقتربت خطوةً صغيرة، تخفض صوتها:
_ عايزة أتكلِّم مع حضرتك في موضوع يا مدام…بس أتمنَّى تتفهَّمي الوضع.
هزَّت ضي رأسها في صمت إشارةً للاستماع.
اقتربت الخادمة أكثر، تحاول أن تجمع شجاعتها، ثم قالت بصوتٍ مرتجف:
_ إنتي عارفة إنِّي بحبِّك قدِّ إيه، والدكتور غالي عليَّ أوي…وربِّنا شاهد على معزتكم عندي.
ضاق صدر ضي بنفاد صبر، فأومأت لها أن تختصر:
_ اتكلِّمي.
تحمحت الخادمة، وعيناها معلَّقتانِ بالأرض:
_ زهرة…
ضيَّقت ضي عينيها وسألت بحدَّةٍ خفيفة:
_ مالها زهرة، محتاجة فلوس، حصل لها حاجة؟
هزَّت رأسها سريعًا، ثم رفعت عينيها بتردُّد:
_ لا…بس أنا شايفة إنِّ الأحسن تكلِّميها ترجع عند والدك ووالدتك، بلاش تفضل تخدم هنا..هيَّ خلاص سنة وتخلَّص تعليمها، وأمَّها ناوية ترجَّعها البلد.
زمَّت ضي شفتيها بضيقٍ واضح:
_ ماتسيبيها، هوَّ إنتي شايلاها فوق دماغك؟ البنت مبسوطة هنا وبتحبِّ الشغل معايا، أبعتها لماما ليه؟
عادت الخادمة تفرك كفَّيها بعصبية، وتعلقت الكلمات في حلقها، فعجزت عن الرد.
استدارت ضي لتصعد، إلَّا أنَّ صوت الخادمة أوقفها فجأة:
_ يا مدام…
التفتت ضي بحدَّة:
_ في إيه تاني؟
ابتلعت الخادمة ريقها بصعوبة:
_ زهرة، بتشوفك مع الدكتور، والبنت لسه صغيرة، ممكن يعني..
توقَّفت، ولم تستطع إكمال الجملة.
تجمَّدت ضي في مكانها، ثم استدارت ببطء، وعيناها تضيقان بخطورة:
_ مش فاهمة قصدك، يعني إيه بتشوفني مع الدكتور؟
ظلَّت الخادمة صامتة تحدِّق في الأرض.
اقتربت منها ضي خطوة، وصوتها انخفض لكنَّه ازداد قسوة:
_ تقصدي إيه؟ انطقي.
رفعت الخادمة رأسها أخيرًا، وقالت بصوتٍ خافت:
_ علاقتك بالدكتور يا مدام، أكيد حضرتك فاهمة.
انفجرت ضي بحدَّة:
_ يعني إيه علاقتي؟! هوَّ أنا بضرب الودع، اتكلِّمي بوضوح!
تردَّدت الخادمة لحظة، ثم تمتمت:
_ شافتكم مع بعض في حمَّام السباحة، وأنتوا يعني..
رفعت ضي كفَّها فجأةً تقطع حديثها، وقالت بنبرة حاسمة لا تقبل نقاشًا:
_ خلاص، روحي شوفي شغلك وأنا هتصرَّف.
_مدام متزعليش منها، هيَّ لسة صغيرة ومش فاهمة، وأتمنَّى يعني..
_قولت شوفي وراكي إيه..قالتها
وصعدت للأعلى وهي تشعر بالاختناق، دلفت للداخل تتذكَّر مشاهدهما في تلك الليلة..جلست على طرف الفراش ومازالت كلمات الخادمة ترنو بأذنيها، خرج من الحمَّام، وجدها بتلك الحالة، ظنَّ أنَّها مازالت غاضبة بسبب الإنجاب.
اقترب منها وجلس بجوارها، ثم حاوط جسدها يسحبها لأحضانه:
_عندي طيارة بعد أربع ساعات وعايز أرتاح شوية، هتفضلي قالباها نكد كدا؟
رفعت رأسها إليه:
_أنا نكدية، يعني علشان بحبَّك ونفسي يبقى عندنا أطفال بتقولِّي نكدية!!
صمت ولم يردَّ عليها، يكفي مايشعر به..
استدارت بكامل جسدها:
_يوسف إنتَ مخبي عليَّ حاجة؟.
نزع المنشفة من فوق عنقه وأضاف بصوتٍ خافت متعب:
_هخبي إيه…هنَّام ولَّا لأ؟
نهضت من مكانها دون أن تنطق بكلمة..دقائق معدودة ثم خرجت فوجدته يتحدَّث في هاتفه مع والده عن سفره، نزعت روبها بهدوء واتَّجهت إلى الفراش..أنهى مكالمته واستدار، فوجدها مستلقية تُوليه ظهرها.
توقَّف ينظر اليها طويلًا…نظر إليها بحزنٍ ثقيل وقلبه يؤلمه عليها..
هل كان أنانيًّا حين فكَّر بنفسه وتركها تتخبَّط وحدها في حلمها؟
انسحب بذاكرته إلى ليلة زواجهما، يوم رفضت رفضًا قاطعًا أن يتمَّ زواجهما بعد طلبه منها عدم الإنجاب.
جلس على طرف الفراش، وشعر أنَّ الدنيا ضاقت فجأة، صارت أصغر من أن تتَّسع لوجعهما معًا.
كيف له أن يفكِّر في سعادته معها وهو يهشِّم أعظم أحلامها؟
مضى الوقت وهو غارقٌ في شروده؛ صراعٌ مرير بين قلبٍ يبكي عليها، وعقلٍ يحاول إقناعه أن تتحمَّل…
مادام نبضهما واحدًا، ومادام كلٌّ منهما معلَّقًا بالآخر حدَّ الوجع.
استدارت حين طال سكونه، همست باسمه..التفت إليها بعينينِ ضائعتين، فحالتها تؤلمه حدَّ الاختناق، استند على مرفقيه مقتربًا منها وقال بصوتٍ حاول أن يبدو عاديًا:
_مش نمتي وادِّيتيني ضهرك؟
ابتسمت على مداعبته، وأشارت إلى الفراش وهي تهمس:
_طيب، باقي أربع ساعات إلَّا ربع، يعني مش هلحق أشبع شوية منَّك؟
استلقى جوارها وسحبها إلى أحضانه، ضمَّها كمن يتشبَّث بطوق نجاة..
وهكذا ذهبا معًا إلى عالمٍ صغير، يسرقانه خلسةً من قلب الألم…
عالمٍ لا تسكنه الأسئلة، ولا يعلو فيه سوى نبضين يتعانقان، مؤجِّلين كلَّ شيء إلَّا هذا القرب.
بمنزل إلياس وتحديدًا داخل غرفة شمس، كانت منغمسة بين كتبها، عيناها تتنقَّلان بين السطور بتركيزٍ هادئ، إلى أن قطع ذلك رنين هاتفها.
توقَّفت، التقطته وماإن أضاءت الشاشة بصورته حتى ارتسمت ابتسامةً تلقائيةً على شفتيها، ابتسامة لا تشبه إلَّا اسمه.
رفعت الهاتف وهمست بنبرتها الناعمة:
_ ألو..
ساد الصمت لثوانٍ، كان خلالها يستمع فقط لنغمة صوتها، تلك التي تفعل بقلبه ماتفعله أنامل العازف بأوتارٍ مشتاقـة.
كرَّرت بهدوء:
_ أيوة يا حمزة؟
جاء صوته أخيرًا، منخفضًا، مبحوحًا بالشوق:
_ وحشتيني أوي يا شمسي، وحشتيني لدرجة إنِّي تمنِّيت يبقى ليَّا جناحين وأطير لعندك.
لمعت عيناها بسعادةٍ صافية، ردَّت دون تكلُّف:
_ وإنتَ كمان وحشتني
ضحك بخفَّة تخفي شوقًا أكبر:
_ ياالله…كده ظلم على فكرة، وقلبك قاسي.
أفلتت ضحكةً ناعمة، بينما ابتعد هو قليلًا عن ضجيج الشباب القريبين منه، ثم قال:
_ يعني وأنا معاكي مبسمعش كلمة تبلّ ريقي، ولمَّا أبقى بعيد أسمع الكلام الحلو ده؟
أجابته بدلالٍ صادق:
_ ماإنتَ اللي قولت علشان بعيد، فلازم أعينك على الغربة، مع إنَّها مش غربة ولا حاجة.
ثم أضافت بلهفةٍ خافتة:
_ المهم طمِّني عامل إيه، وأخبار الشغل إيه؟
_ أنا كويس جدًّا…وبقيت كويس أكتر دلوقتي.
توقَّف لحظة، ثم قال بشوقٍ واضح:
_ افتحي الكاميرا يا شمس
_ تمام، بس لحظة ألبس حجابي، وألبس بكم.
ابتسم رغمًا عنه:
_ شمس، أنا خطيبك.
أجابته بثباتٍ هادئ:
_ خطيبي يا حمزة مش جوزي…يعني مينفعش تشوف حاجات مش مسموح لك بيها.
تنهَّد باستسلامٍ يعرفه جيِّدًا:
_ تمام…
دقائق قليلة ثم انفتحت الكاميرا.
توقَّف ينظر إليها…إلى شمسه الساطعة، نعم كانت شمس حياته، كشمسٍ شتويَّةٍ تظهر بعد غياب الغيوم لتمنح الدفء بلا وعد.
قال بإعجابٍ صادق:
_ حبيبتي زي القمر.
ابتسمت بخجلٍ رقيق:
_ عيونك الحلوة، المهم طمِّني اتعشِّيت ولَّا لسه؟
لم تكن سوى نظرات، لكن قلبه كان يخفق بعنف..
تفاصيله الصغيرة لا تغيب عنها، لا تنسى صحته، ولا تترك مناسبة إلَّا وذكَّرته بنفسه.
رفع أنامله إلى الشاشة، وكأنَّها تستطيع أن تعبر المسافة، عانقها بنظراتٍ تمنَّى لو تحوَّلت ذراعين، وهمس من أعماقه:
_ أنا بحبِّك أوي يا شمس.
_وأنا كمان..
تراجع يجلس على الأريكة الخشبيَّة الموضوعة امام أحد أماكن تدريبات طلَّاب الفرق العسكرية:
_قوليلي بتعملي إيه؟.
_بذاكر، عندي امتحان بعد يومين، والمادَّة تقيلة شوية، وبابا مشغول مع عمِّتو غادة، وماما طبعًا مابحبِّش أتعبها معايا علشان ضغطها.
ضحك على برائتها
_شمسي لسة طفلة، عايزة بابا يذاكرلها
_مش موضوع يذاكرلي، بس اتعودت يكون معايا دايما، بابا دا اعظم راجل في الدنيا
_ماخلاص ياست، عرفت انه اعظم راجل، كفاية انه منشف ريقي
_خلاص بقى ياشمس هانم
افلتت ضحكة ناعمة وتسائلت
_المهم انت عامل ايه وهتيجي امتى
_بكرة إن شاء الله.. واتمنى اعظم راجل مايمسكش جدول الضرب، والله هقطعه
ضحكت بصوت مرتفع:
_خلاص باقي التلات والاربع والخميس
_مالهم دول هنشوف بعدهم رؤية هلال السنة الجديدة
لم تتحكم بضحكاتها التي ارتفعت وهي تقول
_على يوم زيارتك.. ضحك على ضحكاتها التي جعلته انه يمتلك العالم، تذكر شيئًا:
_مالها عمِّتك غادة؟
تغيَّرت ملامحها وأردفت بصوتٍ حزين:
_فريدة بنتها طلع عندها لوكيميا، والبيت هنا حزين أوي عليها.
_ألف سلامة عليها، وربِّنا يشفيها إن شاء الله.
_يارب يا حمزة، الكلِّ حزين عليها أوي، لسة صغنونة أوي على الألم.
_إن شاء الله حبيبتي..ادعي لها وربِّنا إن شاء الله يشفيها.
تنهَّدت متسائلة:
_هتنزل إمتى؟
_بكرة إن شاء الله، ياله هقفل علشان ماأعطلكيش، وحاولي ماتزعَّليش نفسك على فريدة، وإن شاء الله هتخف.
_لا إله إلا الله.
_محمد رسول الله..أنهى بها مكالمته وهو يرى قائده يقترب منه:
_مساء الخير كابتن حمزة.
_مساء الخير يا فندم.
_إن شاء الله عندنا بكرة تدريب مجموعة جديدة هتوصل على عشرة الصبح، عايز حماس يا كابتن.
_تحت أمرك يا أفندم، إن شاء الله أكون على قدِّ المسؤولية.
أشار إلى طائرته الحربية وتحرَّك وهو يتحدَّث معه في بعض الأمور، خطا بجواره ودار حوار يتَّسم بالجديَّة والمسؤولية.
في احد الأطراف، هناك أحدهم يتابع حديثه مع قائده، ألقى سيجارته يدوس عليها بغل..اقترب آخر:
_ماخلاص بقى يا صلاح.
جزَّ على أسنانه وهو يشير إلى حمزة:
_عجبك يعني اللي بيحصل، مكنش مشي من هنا وارتحنا، رجع تاني ليه؟
اتَّجه الآخر بنظراته إلى توقُّف حمزة مع قائده، ثم عاد إليه:
_معرفش رجع ليه، بس أكيد الوالد، لأنِّي شوفته مع اللوا نفسه، وإنتَ عارف أبوه.
_إنتَ عبيط يا بني، هيجي علشان ينقل ابنه من رتبة أعلى للأقل، دا كان اترقَّى، ليه مااستلمهاش ورجع يقرفنا تاني.
_هزَّ كتفه بجهل وقال:
_سيبك منُّه، قولت لك مليون مرَّة إنُّه واصل ومش هيسكت، وإحنا بنقول يا حيط دارينا.
رمقه الآخر بغضب وقال:
_اتكلِّم على نفسك حبيبي، يعني إيه هوَّ واصل وإحنا لأ دي؟.
حكَّ ذقنه وعيناه الخبيثة تراقبه وهو يتمتم:
_إن كان ابن ظابط مخابرات، فأنا أبويا ظابط برضو.
ضحك الآخر وضرب بكفَّيه بخفَّة.
بمنزل طارق…
دلف إلى زوجته، تطوف عيناه بالحقائب المصطفَّة أمام الباب:
_خلَّصتي يا هنود؟
هزَّت رأسها وهي تسحب إحدى الحقائب، فاقترب منها سريعًا وانتزعها من يدها بلطف:
_خلاص يا حبيبتي، سيبيها وأنا أطلَّعها، جهِّزي نفسك علشان هنتحرَّك دلوقتي، والبنات هياخدوا الباقي على العربيات.
أشارت بيدها بالرفض قائلةً بابتسامةٍ هادئة:
_لا خلاص يا حبيبي كلُّه تمام، أنا مبحبِّش حد يهتم بلبسي وحاجاتي الشخصية، باقي بس شوية أنتيكات لو هناخدهم.
سحبها إلى أحضانه يضحك بخفَّة:
_أنتيكات إيه يا بنتي؟ مش للدرجة دي! وبعدين البيت هيفضل زي ماهوَّ، إنتي ناسية قضِّينا فيه أجمل أيام..مستحيل أتخلَّى عنُّه.
لفَّت ذراعيها حول خصره، وارتسم الامتنان في عينيها:
_ربِّنا يخليك ليَّا يا طارق يارب.
قبَّل رأسها، ثم أمسك بكفِّها وتحرَّك للخارج ينادي على مربية طفله:
_انزلي بعلي تحت.
ثم التفت إلى أحد الرجال:
فيه شنط فوق نزِّلوها وروحوا على العنوان اللي معاكم.
أومأ الرجل بطاعة، وصعد للأعلى برفقة أحد حرَّاس طارق.
بعد فترة، وصل طارق برفقة زوجته إلى كمبوند الشافعي.
ترجَّلت شمس من السيارة، واتَّجهت إليه ببرائتها المعتادة:
_خالو…أخيرًا هتنوَّرنا.
ترجَّل من سيارته مبتسمًا، وضمَّها إلى صدره:
_حبيبة خالو، المكان منوَّر بيكي يا جميلة.
تزامن ذلك مع خروج إلياس من منزله:
_حمد الله على السلامة.
أومأ له طارق بامتنانٍ صادق:
_شكرًا يا إلياس، بجد شكرًا على كلِّ حاجة.
ابتسم إلياس وهو يربت على كتفه:
_بتشكرني على إيه يا بني؟ مهما اللي حصل بينَّا، هتفضل ابن عمِّي المجرم.
ضحك مع وصول طفله إليهما، انحنى إلياس وحمله بين ذراعيه، وطبع قبلةً على رأسه:
_علي باشا نوَّر الدنيا.
قبَّل الطفل وجنة إلياس بحماس:
_عمُّو…أنا بحبَّك قدِّ البحر.
_يا كدَّاب.
اتَّجهت نظرات إلياس إلى هند:
_نوَّرتوا الكمبوند يا مدام هند.
ابتسمت بأدب:
_شكرًا لحضرتك يا إلياس باشا.
ضحك إلياس وأشار للداخل:
_إلياس باشا إيه بس، ادخلي ميرال جوَّا هيَّ وضي لحدِّ ماينزِّلوا الحاجات ويتظبَّطوا.
سحبت كفَّ صغيرها ودلفت إلى الداخل.
ظلَّ إلياس واقفًا، يرمق طارق بنظرةٍ عميقة ذات معنى ثقيل:
_خير، بتبصِّ لي كده ليه؟
اقترب منه خطوةً واحدة، وخفَت صوته:
_ابنك التاني..عرفنا مكانه وجاي في الطريق.
سكون مفاجئ…ليتجمَّد وجه طارق، توقَّف الزمن في عينيه عند تلك الكلمات.
توسَّعت عينا طارق، وصوته خرج متقطِّعًا:
_بجد! إزاي، ماهمَّ سافروا؟
هزَّ إلياس رأسه نفيًا:
_لا…كانت في قرية في الصعيد، البنت دي طلع وراها ليلة..المهم ابنك هييجي وأتمنَّى ماتدخَّلش في اللي هعمله.
مرَّ شريط حديث رؤى في ذهن طارق، فتساءل بقلق:
_عرفت مين الخاين؟
قطَّب إلياس حاجبيه:
_مفيش خاين يا طارق، رؤى عايزة تشكِّكنا في بعض وفي اللي شغَّالين عندنا.
_إلياس…افرض يعني؟
أشار إليه بيده، يقاطعه بحزم:
_أنا واثق في اللي بقوله، الكلام اللي قالته ده عرفوه من رولا وهي بتتكلِّم معاها، وطبعًا استغلِّت البنت..رمت لك كلمتين ممكن يكونوا مقصودين… وممكن الستِّ اللي اتجوِّزتها تكون ورا اللعبة دي.
تنفّس طارق بعمق:
_طيب, إنتَ هتعمل إيه؟
_أرسلان هيتولَّى الموضوع، وخلال ساعات هتكون في السجن، المهم تكون طلَّقتها.
_بالتلاتة، من وقت مارجعت من عند رؤى, وبعت ورقة طلاقها للمحكمة توصَّلها.
ابتسم إلياس ابتسامةً قصيرة:
_برافو عليك…
ثم أشار ناحية الداخل:
_ادخل شوف أختك، وبلاش تقولَّها الكلام اللي قالته رؤى، ميرال طيِّبة والحيوانة دي هتستغلَّها.
استغرب طارق:
_مش بتقول هتتعدم، هتستغلَّها في إيه؟
هزَّ إلياس رأسه:
_معرفش…بس أنا مش مرتاح، يبقى ليه أبعتها وأنا شاكك في كلام رؤى؟ دي واحدة خسرت كلِّ حاجة تفتكر هتخاف، ولَّا زي مابتقول عايزة تسامح؟
_مش عارف…بس المرَّة دي غير كلِّ مرَّة، صدَّقني حالتها مش كويسة.
_من عمايل إيدها يا طارق. محدِّش عمل فيها حاجة.
تردَّد طارق ثم سأل:
_إنتَ اللي دخَّلتها انفراد، صح؟
صمت إلياس لحظة، ثم ربت على كتفه وتحرَّك مبتعدًا وهو يقول بصوتٍ حاسم:
_أختك تحمد ربِّنا إنِّي اللي بيعاملها إلياس الشافعي، مش السيوفي.
بالداخل قبل قليل..
حملت الخادمة صينية القهوة ودلفت للداخل، كانت ضي تجلس بجوار ميرال، والحزن مرتسمٌ بوضوح على ملامحها، وضعت الخادمة القهوة وقالت:
_تؤمري بحاجة يا مدام؟
ابتسمت ميرال برفق:
_لا يا حبيبتي، اهتمُّوا بالغدا علشان هيكون جماعي للعيلة كلَّها، واعملوا حسابكم هيكون برَّه في الجنينة.
_حاضر يا مدام.
انصرفت الخادمة، فاتَّجهت ميرال بنظرها إلى ضي التي كانت تسند رأسها على المقعد، مدَّت يدها ومسَّدت على خصلاتها بحنان:
_كلَّها كام يوم ويرجع، عارفة إنِّك مضَّايقة بسبب شغله وسفره، بس دي سنِّة الحياة.
رفعت ضي رأسها، وعيناها ممتلئتان بالحزن:
_بيوحشني قوي يا طنط, دول كام ساعة اللي بيرجع فيهم، وكمان بيقضِّيهم نوم.
ابتلعت غصَّتها، وانسابت دموعها رغمًا عنها:
_يوسف بقاله فترة متغيَّر، مش عارفة حصل له إيه، بس مابيتكلِّمش.
رسمت ميرال ابتسامة هادئة، وهي تعلم أنَّ ماتقوله ضي ليس وهمًا:
_إرهاق شغل يا حبيبتي, جوزك دكتور… ودكتور قلب كمان، لازم يكون طول الوقت مركِّز، مش معنى إنُّه مابيتكلِّمش معاكي يبقى فيه حاجة.
هزَّت ضي رأسها بالنفي، ومسحت دموعها:
_لا…أنا حاسَّة إنِّ فيه حاجة.
سحبت ميرال كفَّيها بين يديها تربت عليهما بحنوٍّ أمومي:
_ماتضغطيش عليه في حاجة يا ضي…
_قصدِك إيه يا طنط ميرال؟!
تنفَّست ميرال بهدوء، وقالت بنبرةٍ دافئة:
_قصدي موضوع الأطفال يا حبيبتي.
قطَّبت ضي جبينها وهي تنظر إليها بتردُّد:
_هوَّ..اشتكى لك؟
هزَّت ميرال رأسها نفيًا:
_هوَّ يوسف من النوع اللي بيشتكي يا ضي؟ بس أنا لاحظت إنِّ كلامك دايمًا رايح ناحية الأطفال…
اقتربت منها قليلًا، تنظر بعمقٍ إلى عينيها، وكأنَّها تحاول أن تطمئن قلبها قبل عقلها:
_حبيبتي، قرَّبي من جوزك، حاولي تمتصِّي حزنه، إنتي ماتعرفيش إيه اللي بيوجعه..ممكن يبان إنُّه كويس، بس جوَّاه جبل ألم وحزن، يوسف زي أبوه… مابيقولش اللي واجعه.
سكتت لحظة، ثم تابعت بصوتٍ أكثر رفقًا:
_يمكن لمَّا تقرَّبي منُّه تعرفي تخفِّفي عنُّه، وبالنسبة لموضوع الأطفال بلاش تضغطي عليه، هوَّ من نفسه هتلاقيه جاي يقولِّك.
تنفَّست ضي بعمق، ثم قالت بصوتٍ مكسور:
_مش عارفة يا طنط, بس هوَّ كان موافق وبعد كده رفض..وكلِّ ماأجيب له الموضوع يتعصَّب عليَّ.
شدَّت ميرال جبينها بقلق:
_قصدِك إنُّه وافق وبعدين رفض؟
أومأت ضي برأسها تفرك جبينها بتعب، وبدأت تقصُّ عليها ماحدث بالتفصيل..
شرَدت ميرال وهي تستمع، ملامحها شاردة وكأنَّ قطعًا كثيرة بدأت تتجمَّع في رأسها…
لكن صوت هند من الخارج قطع حديثهما فجأةً بنبرةٍ مرحة:
_إحنا جينا يا عمِّتو…علوش نوَّر آل الشافعي.
رفعت ميرال رأسها بسرعة، وأخفت مابداخلها خلف ابتسامةٍ هادئة، بينما بقي القلق ساكنًا في عينيها…
بعد أسبوع…
بمكتب آسر:
داخل غرفة الاجتماعات، كان آسر مجتمعًا بعددٍ من المحامين العاملين معه، نقاشاتٍ قانونية متشابكة، ملفَّات مفتوحة، يتحدَّثون بأصواتٍ هادئة تحمل قدرًا من الجديَّة، مضى الوقت حتى تجاوزت الجلسة أكثر من ساعة دون أن يشعروا.
أمَّا بالخارج…
بدأ الملل يتسلَّل إليها بثقل، زفرت بضيق، فنهضت من فوق مكتبها وتحرَّكت بخطواتٍ متكاسلة نحو مكتبه، توقَّفت أمام السكرتيرة ونظرت إليها بنفاد صبر:
_ آسر فين؟
_ عنده Meeting.
تنهَّدت بملل وقالت بالإنجليزية:
_ I’m so bored.
ثم أضافت:
_ Long meetings like this kill me.
سكتت لحظة، ثم أردفت بالعربية: _بجد أنا مش متعوِّدة أقعد كده, بتستحملوا إزاي الملل ده؟
قطَّبت السكرتيرة جبينها وردَّت بعمليَّة:
_ ده شغل، لازم نستحمل.
فتحت عينيها بدهشةٍ وقالت بالإنجليزية:
_ Wow, that sounds exhausting.
ثم اضافت:
_ إيه الحياة الصعبة دي!
استدارت بعفوية واتَّجهت نحو غرفة الاجتماعات، دفعت الباب دون تردُّد، ظنًّا منها أنَّه بمفرده:
_ أنا زهقت، أنا مش متعوِّدة.
توقَّفت الكلمات فجأة، ساد الصمت..
عدَّة وجوه التفتت نحوها.
لم يكن آسر وحده، كان هناك شخصان آخران داخل الغرفة، رفع آسر رأسه إليها، والدهشة بادية على ملامحه.
تلعثمت وقالت سريعًا بالإنجليزية: _I’m sorry.
أنا كنت فاكرة إنَّك لوحدك.
لم يرد، اكتفى بالنظر إليها بصمتٍ أربكها أكثر.
استدارت على الفور وغادرت الغرفة تغلق الباب خلفها بهدوء، وقلبها يدقُّ بعنفٍ من فرط الإحراج.
بعد فترة دلف الى مكتبها، وجدها تقف تنظر بالخارج من خلف زجاج مكتبها، توقَّف عند الباب:
_لو شايفة نفسك زهقتي روَّحي، شغل الأطفال دا مبحبُّوش.
استدارت ترمقه بصمتٍ للحظات، فاقترب منها ينظر لصمتها:
_دلوقتي ساكتة، ومن شوية كنتي عاملة البنت المحبوسة بالإجبار.
_أنا قولت مبحبِّش شغل، وبابا وخالو عايزين آسيا تشتغل، وكمان مش شغل آسيا، منتظر منِّي إيه؟
استند بكفَّيه على المكتب:
_إنتي عايزة توصلي لإيه يا آسيا؟.
_عايزة أرجع أمريكا، حياتي هناك، my friends هنا مفيش حد..أنا كبرت كتير لأوامر بابي ومامي وخالو.
اعتدل ومازالت نظراته عليها:
_اتغيَّرتي كتير، أنا معرفش مين البنت اللي واقفة قدَّامي دي.
_أنا كبرت آسر، حياتي خاصَّة بيَّا، مش عايزة أكون زيَّك، ولا زي هنا، آسيا حياتها لآسيا مش لحدِّ تاني.
أومأ لها واستدار للخروج ولكنَّها أوقفته:
_أنا مش عايزة أشتغل معاك هنا، قول لخالو أي سبب، أنا بحبِّ خالو ومش عايزة يزعل.
رمقها بصمتٍ للحظات ثم تحرَّك.
بمنزل يزن..
كانت تدور حول رحيل:
_طنط رحيل إنتي ليه مابتردِّيش؟
توقَّفت رحيل واستدارت إليها:
_لأن زي ماما ماقالت، مينفعش حبيبتي، رقص إيه اللي عايزة تتعلِّميه؟!
_لا طنط أنا أعرف أرقص، أنا عايزة أنمِّي رقص أكتر، معرفش أنتوا بتقولوا عليها إيه، لكن أنا عايزة
Dance Instructor.
_باباكي هيرفض وخالك كمان.
ضربت أقدامها بالأرض وجلست بالحديقة:
_كلُّه ممنوع، كلُّه مرفوض..إيه Life دي..ظلَّت جالسة تفكِّر بشيءٍ حتى تقنع والدتها، إلى أن تبسَّمت بنصر، ثم تحرَّكت إلى والدتها:
_مامي.
رفعت إيمان رأسها من فوق جهازها، اقتربت منها:
_أنا خلاص وافقت أقعد في مصر وأنزل كليَّة، وألبس واسع زي ماحضرتك طلبتي.
صمتت إيمان لأنَّها تعلم أنَّ هناك أشياء بالمقابل..انحنت سدن تنظر بأعين والدتها:
_عايزة أعمل حاجات سدن بتحبَّها، وهتكون قدَّامك هنا، ممنوع سهر، ممنوع خروج، ممنوع اللي يزعَّل ماما، لكن سدن عايزة ترجع هوايتها..مش آسيا ترسم، عايزة أرقص.
_يعني
_Dance Instructor.
هتكون هنا في البيت.
توقَّفت إيمان تنظر إليها بتقييم ثم قالت:
_هتكلِّم مع بابا، لكن لو خرجنا عن المألوف كلُّه هيكون ممنوع.
_أوكيه..اقتربت وقبَّلتها وتحرَّكت للخارج.
بالشركة، كانت رولا منكبَّة على جهازها حين دلف إليها أحد المهندسين:
_باشمهندسة، فيه اجتماع بعد نصِّ ساعة.
_تمام يا باشمهندس، السكرتيرة بلَّغتني.
اقترب من مكتبها ووضع بعض الأوراق عليه:
_راجعي التخطيط دا قبل ماندخل الاجتماع.
أومأت وهي تتفحَّصه:
_تحت أمر حضرتك.
بعد فترة، خرجت من الاجتماع وهي تحمل بعض الرسومات متَّجهة إلى مكتبه، أوقفتها إحدى صديقاتها:
_رولا…
التفتت إليها وابتسمت، ثم اقتربت:
_تعالي قولي رأيك في الرسومات دي، الباشمهندس أحمد بيتريق عليها.
رفعت الرسومات لتتأمَّلها، ثم قالت:
_معرفش, بس حاسَّة المسافات فيها حاجة غلط.
تحدَّت صديقهم مبتسمة:
_مش قولت لك، حتى الباشمهندسة الصغيرة لاحظت الاختلاف.
وصل الساعي يحمل القهوة:
_القهوة يا باشمهندسين.
التفتت إليه رولا:
_ممكن تودِّيها على مكتبي يا عمُّو إسماعيل.
_تؤمري يا باشمهندسة.
لكن صديقتها أوقفته:
_اشربيها هنا، علشان عايزة تساعديني في تعديله.
تنهَّدت رولا ونظرت للساعة:
_قدَّامي ربع ساعة وهروح.
جلست بجوار صديقتها لبعض الوقت، ثم نهضت لجمع أغراضها بدخول أحد المهندسين لمراجعة ماأنجزوه.
بالخارج، ترجَّل من سيَّارته ينظر إلى ساعته، ثم دخل الشركة وهو يتحدَّث بالهاتف:
_أيوة يا كارما؟
_فيه حاجة عايزة أقولِّك عليها.
قالتها كارما ببكاء.
_ممكن تهدي، هجيب رولا من الشغل وأكلِّمك.
_تمام، هستنَّاك ضروري.
أغلق الهاتف واتَّجه إلى مكتبها، دلف فوجدها تقف مع أحد المهندسين، تتحدَّث بابتسامتها البريئة وكأنَّها تحكي له قصَّة مضحكة، لترتفع ضحكاته الرجولية.
_ناقصكم اتنين عصير وشجرة ليمون.
استدارت متفاجئة من وجوده، همست باسمه:
_بلال…
اقترب، وعيناه تحاصر ذلك الذي توقَّف بجوارها:
_لو خلصتي نمشي.
أومأت له، ثم استدارت إلى الآخر:
_كمِّل معاها وبكرة نشوف الناقص.
_تمام يا باشمهندسة، المهم راجعي عليه، أنا هبعتهولك على الإيميل.
_أوكيه.
تحرَّكت إلى مكتبها، دلفت لتسحب حقيبتها، وعيناه وقعت على إصبعها الخالي من الدبلة.
خطا إليها وسألها:
_فين دبلتك؟
_نسيتها في البيت..تمتمت وحملت حقيبتها.
عرقل سيرها، وهو يخلع دبلته ويضعها في إصبعها:
_تمشي الغرض لمَّا نروح.
رفعت عينيها تنظر إليه بغضب:
_هلبس فضة!!
زمَّ شفتيه باستهزاء:
_وفالصو كمان يا روحي، وممكن حتِّة حديدة أقطع بها الأنامل دي…
جزَّت على أسنانها تدفعه، وحملت حقيبتها وهي تتمتم:
_مستفز…
تحرَّك خلفها حتى خرج من المكتب، يرمق المتوقِّف الذي يضع كفوفه في جيب بنطاله، ثم غادر المكان.
بعد فترة، وصلت رولا إلى منزلها، قلبها مابين الغضب والإرهاق..دلفت للداخل بسرعة تنزع حقيبتها بغضب، توقَّفت أمامه ونزعت الدبلة من إصبعها، فتحت كفَّيه ووضعتها به:
_اتفضل…دبلتك.
اقترب وحاصرها بذراعيه بلا رحمة، وقال بصوتٍ محمَّلٍ بالغضب:
_إزاي تنزلي من غير الدبلة، إنتي ناسية نفسك متجوِّزة؟
رفعت عينيها المليئتينِ بالغضب والإرهاق، محاولةً أن تحافظ على رباطة جأشها:
_بلال…إنتَ عايز إيه، بقالك أسبوع قافل على نفسك ووقت ماتفوق عايز تتخانق؟
_أنا مش قافل على نفسي، بس خلاص باقي عشر أيام على الرسالة، وبقالي فترة مهمل كنت مشغول وإنتي شايفة كنت بنام ساعتين تقريبًا، المفروض تساعديني مش تقابليني بالطريقة دي.
نزعت حذاءها وتحرَّكت بخطواتٍ ثقيلة نحو غرفتها، ووجع قلبها يتصاعد مع كلِّ كلمة..لم ترد، فكان صمتها أكبر جواب، يرهق أعصابها كما يرهق قلبها من تقلُّباته بلا سبب..
ارتفع رنين هاتفه، التقطه مجيبًا:
_أيوة يا كارما…
عشر دقايق وأكون عندك.
أغلق الهاتف بعنف، بالداخل استمعت إلى حديثه:
_آه…وقت مارقَّاصة الأفراح تتِّصل يجري عليها، لا ويقول مشغول بالرسالة!.ضغطت على شفتيها كادت أن تدميها تهمس لنفسها:
_تمام يا بن الشافعي.
دخلت الحمَّام لدقائق قليلة، تحاول أن تهدأ، أن تتنفَّس…لكن قلبها مازال يهتزُّ من تقلُّباته..خرجت متَّجهةً إلى المطبخ، رنَّ الجرس:
_معقول يكون رجع؟ لا أكيد مش هوَّ.
خطت ببطءٍ نحو الباب، وفتحته… تجمَّدت، فقد وجدت والدها واقفًا هناك، وعيناه مليئتانِ بالاشتياق والحنان.
_بابا…صرخت، ودموعها انفجرت بلا تحكُّم، لتلقي نفسها في أحضانه، تشعر بأمانٍ لم تعرفه منذ أيام.
ضمَّها بشدَّة، مستنشقًا رائحتها التي حرم نفسه منها منذ فترة:
_عاملة إيه حبيبة بابا؟
ظلَّت بين ذراعيه تبكي بلا توقُّف، تنهار كلُّ أعصابها أمام دفء حضنه:
_وحشتني أووي يا بابا…وحشني حضنك أووي.
ابتسم وهو يحيطها بذراعيه أكثر، مشاكسها برقَّة:
_إيه…مش بابا دا بيتك؟
أزالت دموعها من على وجهها، نظرت إليه بعينيها اللامعتين:
_طبعًا يا حبيبي…دا إنتَ نوَّرته والله.
التفت يبحث بعينيه عن بلال، خافيًا توتُّره، وتساءل بصوتٍ حادٍّ بعض الشيء:
_هوَّ جوزك فين، مش هنا؟
ابتسمت بسخرية، وقلبها مازال متوتِّرًا:
_جوزي؟ مفيش حد هنا علشان تقول كده.
رفع عيناه على روب الحمَّام والمنشفة على خصلاتها، وقال:
_لمَّا هوَّ مش جوزك…أومال قاعدة في بيته كده ليه يا بنت يزن؟
شعرت بالارتباك، كلُّ مشاعرها تتصارع، الغضب على بلال، الحرج أمام والدها، والحاجة الماسَّة للحنان والدعم الأبوي.
أشار إلى الداخل:
_غيَّري هدومك وتعالي عايز أتكلِّم معاكي.
اومأت وتحرَّكت للداخل دون اعتراض.
بمنزل كارما، وصل إليها بعد دقائق.. دلف للداخل، عيناه مشتعلة بالقلق والغضب:
_مالك وبتعيَّطي ليه؟
رفعت كارما رأسها، صوتها يرتجف:
_أسامة عرف إنَّك كتبت عليَّ…
جحظت عيناه، وكور قبضته بعنف:
_ودا عايز إيه؟ الله يخربيت كده!
دار حول نفسه، يحاول أن يلتقط أنفاسه، اقتربت منه تحاول تهدئته:
_أنا خلاص هكمِّل امتحانات الترم وهسافر…مش هيقدر يعمل حاجة.
هزَّ رأسه، وهتف بصوت مليء بالغضب والقلق:
_أنا مايهمِّنيش يعمل إيه، دا واحد حيوان وأكيد مش هيسكت، إنتي عارفة الحيوان دا ممكن يقول لمراتي أو عمِّي، وقتها هعمل إيه؟
تراجع للخلف، ووجهه يتلوَّن بالذنب:
_لا، رولا…لو عرفت يبقى كده موتها بجد، أنا إزاي عملت كده، إزاي مفكَّرتش في كده؟
تنهَّدت وهي تنظر إليه بعينينِ مليئتين بالأسف:
_آسفة يا دكتور…أنا السبب في دا كلُّه.
استدار وغادر المكان دون أن يردَّ عليها، استقلَّ سيارته، وقبضة قوية تعتصر بصدره، يضرب مقود السيارة بعصبية وهو يتخيَّل ردَّ فعلها..عاد برأسه إلى الخلف ينظر للشارع وكأنَّه يبحث عن طريقة يخفِّف فيها عن قلبه الممزَّق:
_وبعدين بقى ليه الدنيا معنداني بالطريقة دي؟
تذكَّر شيئًا، رفع هاتفه وتحدَّث مع أحدهم بسرعة، ثم عاد إلى منزله بلهفة قلبه المجنون بها، دخل يبحث عنها، كلُّ شيءٍ حوله يبدو فارغًا بلاها.. الغضب الذي داخله جعل كلِّ شيء يتحطَّم، وكلَّما تذكَّر ماتفعله بعدما تعلم، انسحبت أنفاسه.
توقَّف أمام باب غرفتها، نظر إلى اللافتة التي كتبتها حتى شقت شفتيع بابتسامةٍ صغيرة:
"ممنوع الدخول دون استئذان، ولو ماردِّتش خلِّيك محترم وإيَّاك تدخل."
دفع الباب بقدمه فجأة، يحاول كتم ضحكاته؛ لقد فعلت به الأفاعيل بالفعل.
هبَّت من مكانها عند دخوله، تصرخ:
_إنتَ إزاي تدخل بالطريقة دي، إيه… مشفتش المكتوب؟
لحظة واحدة وقد حاصر مقعدها التي تجلس عليه، وعينيه تحترقان بين الذنب والرغبة:
_زوجتي، اللي لا تصلح زوجتي، لقد وقعنا في فخِّ المحرَّمات.
كانت تتطلَّع إليه، تجزُّ على أسنانها من الغضب، تتحدَّاه بكلِّ جزءٍ من جسدها وروحها:
_فقرة المجانين اشتغلت، هوَّ إنتَ ليه مااخترتش قسم أمراض عقلية؟ أهو، تتجنِّن أكتر.
انحنى حتى كاد أن يلامس عنقها، وهمس بصوتٍ منخفض، مكسور، كمن يعترف بخطيئة، ابتعدت برأسها بصعوبة، وأنفاسه كانت تحاصرها قبل ذراعيه:
_ماهو أنا دكتور…زوجتي المنتحرة المجنونة.
ابتلعت ريقها، وصوتها خرج متحشرجًا:
_ابعد يا بلال.
ابتسم ابتسامة جانبية، تلك التي تعرفها جيدًا وتخافها أكثر:
_مراتي الحلوة…قالها وهو يمرِّر أصابعه على خصلات شعرها بخفَّة مستفزَّة.
دفعته بقوَّة، فتراجع خطوة واضعًا يده على بطنه بتصنُّع:
_آه يا غبية! عايزة تضيَّعي مستقبلي؟
نظرت إليه بعينينِ مشتعلة:
_اطلع برَّة، ومتدخلش الأوضة دي تاني، مشفتش المكتوب على الباب؟
اقترب اكثر، صوته خرج كالهسيس:
_بتطرديني، ناسية إنِّ ده بيتي؟
_سيبني يا بلال.
ابتعد خطوة، ينفض كفَّيه:
_مش هتقولي لجوزك كنت فين يا حبيبي؟
ضحكت بسخرية موجوعة:
_جوز، جوز شربات يمكن.
رفع حاجبه:
_المهم..أبيض ولَّا أسود؟
_إيه؟
_شربات يا مراتـي, قالها متلذِّذًا باستفزازها.
صرخت تدفعه بعيدًا:
ابعد عنِّي!
حاصرها بالكلمات لا بالجسد:
_اصبري لمَّا أقولِّك كنت فين.
_مش منتظرة أعرف.
_والله, ومين قالِّك؟
وضعت يدها على رأسها، وبدا التعب ظاهر:
_أنا مصدَّعة…روح شوف حاجة تشغلك، إيه مفيش رسالة هتنقاشها ولَّا مشوارك رفع مزاجك؟
صمت لحظة، ثم قال فجأة بنبرةٍ جادَّة أربكتها:
_مش انا اكتشفت إنِّ جوازنا طلع مش مظبوط، الشيخ قال لا بد أن تدخل بها..
تجمَّد جسدها للحظة وارتعش قلبها، ورغم ذلك رفعت رأسها بحدَّة:
_مظبوط ولَّا لأ…هوَّ إحنا بنعمل إيه أصلًا؟
سكتت، تنظر إلى عينيه الماكرة، ثم قالت ببرود:
_طيب كويس، روح بيتك بقى.
اقترب قليلًا، وصوته انخفض:
_اللي قاله الشيخ واضح…
ارتجف جسدها بقوَّة، فتراجعت وجلست على المقعد، وصوتها خرج خافتًا:
_إنتَ بتقول إيه؟
التقط تفاحة من المكتب، قضمها بلا مبالاة:
_أنا اتربِّيت على الحلال والحرام.. يرضيكي يقولوا الواد الدكتور ابن الشيخ أرسلان ابو عيلتين عايش في الحرام؟.
دفعت التفاحة من يده بغضب:
_حرام إيه يا متخلِّف! هوَّ إحنا بنعمل إيه؟
نظر الى بطنها وغمز:
_يعني مش بتتوحَّمي، وعايزة فسيخاية؟
لا تعلم لماذا تجمَّعت الدموع بعينيها، شعر بها سحب المقعد وجلس بجوارها:
_مش قصدي أضايقك، حقيقي جوازنا مش صح.
رفعت عيناها التي تحرَّرت بدمعة وقالت بتقطُّع:
_وهوَّ إحنا جوازنا حقيقي علشان يصح ولَّا مايصحش؟
نهض من مكانه وتغيَّرت حالته:
_رولا..الجواز فيه حاجات كتيرة، يعني مجرَّد النظر وإنتي بالوضع دا ومش مراتي فدا حرام، علشان كدا انسي أي اتِّفاق عن الجواز، وهنتعامل مع بعض زي أي اتنين متجوِّزين.
رعشة أصابت جسدها لتقف أمامه:
_تقصد إيه؟.
استدار للخارج وهو يقول:
_يعني مفيش حاجة اسمها سنة جواز، وشوفي عايزة إيه يريَّحك وأعمله.
توقَّف لدى الباب واستدار برأسه:
_أنا نيِّتي إنِّك مراتي، عارف إنِّك مغصوبة على الجواز، بس مفيش تحديد مدَّة، نيِّتي سليمة يا رولا، ووقت ماتحسِّي إنِّك عايزة تنفصلي هعمل اللي إنتي عايزاه، لكن مفيش لا وقت ولا في نيِّتي الطلاق، حتى لو فضلتي ميت سنة على ذمِّتي.
قالها وتحرَّك إلى غرفته، بينما هي تتابعه..
بمنزل إلياس..
كان الجميع ملتفًّا حول طاولة الطعام، تابع إلياس ضي التي تعبث بطعامها دون أن تمسُّه.
مال برأسه قليلًا، وصوته خرج حنونًا:
_حبيبتي، مابتاكليش ليه؟
هزَّت كتفها بلا مبالاة مصطنعة:
_ماليش نفس يا عمُّو…هرجع بيتي.
اعتدل في جلسته فجأة:
_لا، هتباتي لوحدك؟
رفعت عينيها إليه، وفيهما شيء مكسور:
_عمُّو، أنا بقالي أسبوع برَّة بيتي… ومش مرتاحة.
ترك الشوكة من يده، ونقل نظره إلى ميرال، وكأنَّه يطلب تدخُّلها.
تحدَّثت ميرال بهدوءٍ أموميّ:
_طيِّب يا حبيبتي، روحي باتي عند باباكي لو مش مرتاحة هنا.
انتفضت ضي، وقالت بصوتٍ حزين خرج أقوى ممَّا شعرت:
_طنط ميرال، أنا مش مرتاحة غير في بيتي..لو سمحتوا سيبوني براحتي، أنا احترمت رغبة عمُّو ورغبة يوسف وقعدت أسبوع…خلاص، يبقى أرجع بيتي.
_هيرجع خلال يومين، قالها إلياس بحزم.
نهضت من مكانها، ملامحها ثابتة رغم ارتجاف قلبها:
_براحته يا عمُّو…يرجع وقت مايحب... أنا ماشية.
_استني يا ضي.
قطع توتُّرهم دخول الخادمة:
_كابتن حمزة جه يا باشا.
قالت ميرال بسرعة وقد نهضت:
دخَّليه طبعًا..فغادرت ضي:
_خلاص شوفي حمزة، أنا كويسة.
نهضت شمس، ابتسامة تلقائية أنارت وجهها، لكنَّها مالبثت أن تلاشت حين لمحها والدها:
_كنتي عارفة إنُّه جاي؟
همست وهي تفرك أناملها:
_أبدًا…
رمقها بسخرية:
_بتكدبي يا بنت ميرال. دا لسة خطوبة من غير كتب كتاب…أومال لمَّا يكتب عليكي هتعملي إيه؟
دخل حمزة بصوته المرح:
_مساء الخير يا عمُّو إلياس وحشتني.
رفع إلياس رأسه ببرود:
_بس إنتَ ماوحشتنيش…خير، إيه اللي فكَّرك بينا؟
_ليه كده تكسر خاطري؟ دا حتى حماتي الجميلة بتحبِّني.
قالها وهو يقترب من ميرال، يناولها باقة ورد:
_الورد دا علشان أحسن طنط ميرال في الدنيا.
رفع إلياس حاجبه بسخرية:
_إنتَ مين مربِّيك يا واد؟
سحب حمزة مقعدًا وجلس جواره بلا دعوة:
_هوَّ حضرتك متقلِّب الأدوار ليه، مش قولت قبل كده مش متربِّي؟ يبقى نثبت على رأي.
جزَّ إلياس على شفتيه، ونهض:
_القهوة يا بنتي.
انحنى حمزة نحو ميرال:
_هوَّ أنا سدِّيت نفس عمُّو ولَّا إيه؟
ضحكت ميرال، بينما إلياس يراقبه بنفاد صبر..رفع حمزة رأسه إليه:
_إنتَ بتشوفني هاكل ولَّا لأ؟
_إنتَ عايز إيه يلا ؟
_جاي أشوف شمسي القمر.
_النهاردة مش يوم زيارتك يا بن إسحاق.
نهض حمزة واقفًا أمامه:
_هوَّ ليه حضرتك محسِّسني إنِّي جاي أزور مسجون؟
تحرَّك إلياس للداخل، بينما حمزة خلفه يغمز لـشمس التي احمرَّت وجنتاها.
نظرت إليها ميرال بابتسامة أمٍّ تعرف كلَّ شيء:
_كنتي عارفة إنُّه جاي؟
_والله يا ماما لا…هوَّ كلِّمني من يومين وكان المفروض ييجي إمبارح.
أومأت ميرال ونهضت:
_طيب خلَّصي وتعالي، مرات أخوكي مشيت زعلانة، عايزة أروح لها.
بالداخل..
جلس حمزة قبالة إلياس، الذي يطالعه بصمتٍ ثقيل:
بكرة هنبدأ أيام العيد الكبير…وهنهلِّل كتير.
كتمت ميرال ضحكة، فكرَّر حمزة كلامه بحماس.
التفت إليه إلياس:
_إنتَ عايز إيه؟
_هوَّ حضرتك مش بتروح تحجِّ ليه؟ مش قالوا اللي بيحج بيرجع كيوم ماأمُّه ولدته؟
_آه ناوي، بس لمَّا أقابلك علشان أغسل ذنوبي.
ارتفعت الضحكات.
قال حمزة بخفَّة:
_وأهون عليك…عايز تقتل جوز بنتك.
هبَّ إلياس:
جوز بنتي مين يا أهبل؟
_الله…مش كلمة الراجل عقد؟ حضرتك وافقت، يبقى اعتبرنا متجوِّزين.
_إنتَ مش وراك شغل؟
_لا، اترفدت قبل ماأجي.
استغفر إلياس وهو يقول:
_وبعدين بقى…
ثم رفع رأسه فجأة:
النهاردة يوم زيارتي، هوَّ أنتوا مش عاملين حلويات؟
دخلت شمس تحمل العصير، فنهض حمزة:
_ولَّا ليه حلويات؟ كفاية حلوياتي.
_اقعد يا بني، عايزين نقعد قعدة محترمة.
_قعدة محترمة؟ هوَّ حضرتك شايفني ببوسها، دا غزل…والغزل حلال، ولَّا حضرتك مش عارفه؟
طالعه باشمئزاز:
_أنا أعرف حاجة واحدة…أفسخ الخطوبة.
ابتسم حمزة بثقة:
_ويرضيك الناس تقول إلياس باشا رجع في كلامه؟ تؤ تؤ…مايرضنيش.
ترك إلياس المكان مغادرًا:
_أنا سايب لك البيت، ارتاح.
قهقه حمزة، وهو يلتفت لشمس:
_أهو كده الواحد يتنفس، تعالي جنبي، وحشتيني.
ثم نظر لميرال:
_لا، طنط ميرال سُكَّر العيلة خلِّيها قاعدة، كأنَّها مش موجودة.
قهقهت ميرال..بينما بلحظة وصل إليه إلياس:
_طب والله ماإنتَ قاعد، تعال معايا مش إنتَ جوز بنتي؟
جحظت أعين حمزة بما تفوَّه به، فقال:
_على حسب هتاخدني فين.
عانق ذراعيه وابتسامة باردة:
_ميرال..شوفي شمس خلَّصت مذاكرتها ولَّا لأ، وأنا هوصل لبابا وماما، مع جوز بنتي، نبات معاهم في المستشفى.
توقَّف حمزة:
_بس أنا مش عيان.
سحبه إلياس:
_بس أنا عيان تعال اكشف عليَّ.
أسبوعٌ آخر..قبل عيد الاضحى بعدَّة أيام.
دلفت تنزع حذاءها تسبُّه وألقته بعنف، توقَّفت تدور بالمكان:
_هوَّ النور قاطع ولَّا إيه، صاحت باسمه تتحرَّك بحذر حتى لا تصطدم بشيء، لحظة واحدة وأضاء المكان..
_إيه بقى شغل العيال دا.
أشار بيده إلى شجرةٍ مضاءة كما تحب، وبجوارها قالب من الكيك، ضيَّقت عيناها ثم استدارت إليه بابتسامة:
_النهاردة عيد ميلادي..أيوة صح.
اقترب وهو يحمل بعض الألعاب المعطَّرة بالورود، ودفعها بقوَّة لتتساقط عليها، شهقت تضع كفَّيها على فمها، ثم ركضت إليه وعانقته وصاحت كالطفلة التي فازت بجائزة من والديها:
_أنا بحبَّك قدِّ الدنيا دي كلَّها، ابتسم رغم أنَّها نطقتها من فرحتها، إلَّا أنَّ قلبه كان يصرخ بالسعادة، دار بها وهو يضحك على جنانها المحبَّب لقلبه.
احتضنت وجهه كالذي سُحب بمنوِّمٍ مغناطيسي ووضعت جبينها فوق جبينه تهمس بفرحةٍ مجنونة:
_لازم هدية مش هتنازل.
أنزلها بهدوءٍ قاتل..ثم ضحك بصوتٍ مرتفع، لم يكن ?
دلفت تنزع حذاءها تسبُّه وألقته بعنف، توقَّفت تدور بالمكان:
_هوَّ النور قاطع ولَّا إيه، صاحت باسمه تتحرَّك بحذر حتى لا تصطدم بشيء، لحظة واحدة وأضاء المكان..
_إيه بقى شغل العيال دا.
أشار بيده إلى شجرةٍ مضاءة كما تحب، وبجوارها قالب من الكيك، ضيَّقت عيناها ثم استدارت إليه بابتسامة:
_النهاردة عيد ميلادي..أيوة صح.
اقترب وهو يحمل بعض الألعاب المعطَّرة بالورود، ودفعها بقوَّة لتتساقط عليها، شهقت تضع كفَّيها على فمها، ثم ركضت إليه وعانقته وصاحت كالطفلة التي فازت بجائزة من والديها:
_أنا بحبَّك قدِّ الدنيا دي كلَّها، ابتسم رغم أنَّها نطقتها من فرحتها، إلَّا أنَّ قلبه كان يصرخ بالسعادة، دار بها وهو يضحك على جنانها المحبَّب لقلبه.
احتضنت وجهه كالذي سُحب بمنوِّمٍ مغناطيسي ووضعت جبينها فوق جبينه تهمس بفرحةٍ مجنونة:
_لازم هدية مش هتنازل.
أنزلها بهدوءٍ قاتل..ثم ضحك بصوتٍ مرتفع، لم يكن يعلم أنَّها ستفرح بتلك الطريقة.
مطَّت شفتيها تطالعه برفعة حاجب:
_مفيش هدية صح، لا وعامل تورتة.. مفلِّس يا جنتل؟
سحب كفَّيها ودخل بها الغرفة يشير إلى الفراش..ركضت لتلك العلبة وفتحتها، وجدت صندوق صغير مزيَّن، هزَّته بيدها:
_إيه دي؟ مش عارفة ليه هلاقيها قطعة شيكولاتة في الآخر.
أشار إليها أن تفتحها، فتحتها وأخرجت مابها لتشهق بذهول وتلقيها وتركض خلفه:
_أه يا حلوف يا قليل الأدب.
ارتفعت الضحكات بالمكان وهو يبتعد عنها:
_مشفتيش الطبلة؟
صرخت تلقيه بكلِّ مايقابلها، حتى وصلت لقالب الكيك، ونظرت إليه صامتة، ثم ابتسمت ابتسامة باردة صفراء واقتربت بدلال وهي حافية القدمين، تعانق رقبته:
_وأنا ناوية ألبسها دلوقتي وتشوف مواهبي، أومال مش عيد ميلادي.وانت جوزي حبيبي..
تاه مع نظراتها وكلماتها، ناهيك عن قربها المضني.. أغمضت عيناها، وارتجف قلبها بقوَّة، بعدما سحبها يقرِّبها منه، متناسيًا كلَّ شيء، هنا ضاعت مع أنفاسه وقربه، رفعت عيناها اليه وهمست بنبرة خافتة:
_ليه قولت إنِّي مغصوبة على الجوازة دي؟ قالتها وعيناها تعانق عيناه..
وضع جبينه فوق جبينها ولقد خانه قلبه للمرَّة التي لا تعد، لم يقو على البعد،رغم رفضها الا ان قلبه اسقط حصونه، رد عليها بنفس همسها:
_مش دي الحقيقة، أنا مش زعلان لأن من حقِّك تختاري شريك حياتك..
وضعت اصبعها على شفتيه
انتفض قلبه وخشي ان يسقط صريع دون وعي فحاول الابتعاد، إلَّا أنَّها عرقلت بعده بعدما نطقت قائلة:
_إنتَ اللي عايز تتخلَّص بسرعة، علشان بتحبَّها.
ضيَّق عيناه متسائلًا:
_هيَّ مين دي؟
انسابت دموعها وابتعدت عن أحضانه:
_كارما، أنا سمعتك وإنتَ بتقول ليوسف إنَّك بتحبَّها.
هزَّة عنيفة كادت أن تزلزل جسده، وعقله يصفعه بتلك الليلة..ثم اقترب منها:
_علشان كدا انتحرتي؟
أغمضت عيناها..وارتعش جسدها، وكأنَّه نطقها مرَّةً أخرى..وصل إليها:
_إنتي ليه روحتي لكارما من يومين؟
استدارت إليه بعينيها الباكية:
_علشان أقولَّها تبعد عنَّك، ولو مش عاجبك اضرب دماغك في مليون حيط، ولَّا أقولَّك طلَّقني، أنا مبقتش مستحملة أعيش مع واحد عقله وقلبه مع واحدة تانية.
لمعت عيناه بالسعادة، واقترب منها:
_رولا إنتي..
رفعت رأسها إليه وصمتت، ولكن دموعها كانت أكبر دليل عن ماعجز اللسان عن نطقه..
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق