رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الثالث وستون 63 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات
رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الثالث وستون 63 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات
٦٣ ~ أميرة في حكاية وردية !! ~
بعد أن أوصل فريد نغم إلى الفندق، قاد سيارته على مهل، وفي طريقه اتخذ قرارًا لم يكن مخططًا له، ولم يخطر له يومًا أن يُقدِم عليه. قرر أن يمرّ على منزل نسيم. نعم، ذلك المنزل بالذات؛ بيت الرجل الذي خدعه ذات يوم، واستولى على شركاته، وترك في قلبه ندوبًا لم تندمل سريعًا. لكنّ اليوم لم يكن كالأمس.
كان يشعر، من فرط حماسه وامتلاء قلبه بالفرح، أنّه لا يرغب في أن يبدأ صفحة جديدة من حياته وهو لا يزال يحمل في داخله شيئًا من الضغينة أو العتب المؤجَّل. أراد ليوم زفافه أن يكون نقيًّا، بلا شوائب، صفحةً بيضاء مشرقة من أوّلها إلى آخرها. ثم إنّ هناك سببًا آخر لا يقلّ أهمية؛ شقيقته. كان يريد أن يرفع رأسها، وأن يشرفها أمام زوجها، ويعلم يقينًا أن هذه الخطوة، مهما بدت صعبة عليه، ستعني لها الكثير.
توقّف أمام المنزل، وترجّل من سيارته بهدوءٍ محسوب، كأنّه يتهيّأ لمواجهة داخلية قبل أن تكون مواجهة مع أحد. تقدّم بخطوات ثابتة، وطرق الباب، ثم انتظر. دقائق قليلة مرّت ثقيلة، إلى أن انفرج الباب أخيرًا، وظهر عاصم.
تجمّد عاصم في مكانه للحظة، وقد اتّسعت عيناه دهشةً وهو يحدّق في فريد، غير مصدّق أن يراه واقفًا أمامه هكذا، دون موعدٍ سابق ولا إنذار. تبادلت نظراتهما صمتًا قصيرًا، حمل من التوتر أكثر مما حمل من الكلمات، بينما وقف فريد بثباتٍ هادئ، يقول :
ـ صباح الخير ..
أومأ عاصم بهدوء، وردّ التحية بنبرة رسمية :
ـ صباح النور ..
ثم تنحّى جانبًا ليفسح له الطريق إلى الداخل قائلا:
ـ اتفضل .
غير أنّ فريد أوقفه بإشارة لطيفة، قائلا بلطف :
ـ متشكر ، أنا كنت قريب منكم فقلت أطمن على نسيم، وبالمرة ….
عندها أدخل يده داخل سترته، وأخرج مغلّفًا أنيقًا، مغلفًا بعناية ومشدودًا بشريط من الساتان، ومدّه في اتجاه عاصم وهو يقول :
ـ دعوة الفرح ..
تناول عاصم الدعوة بتأنٍ، وألقى عليها نظرة سريعة، ثم أومأ مردّدًا تهنئته :
ـ ألف مبروك .
بادله فريد الامتنان بهزّة رأس مقتضبة، ثم قال:
ـ الله يبارك فيك ، متشكر .
في تلك اللحظة خرجت نسيم التي ما إن وقعت عيناها على فريد حتى أسرعت نحوه بعاطفة جياشة، تعانقه بقوة مفاجِئة، وقد بدا واضحًا عليها الذهول لرؤيته واقفًا على باب منزلها.
قابل عناقها بهدوءٍ حنون، وسألها عن حالها بنبرة دافئة :
ـ أخبارك إيه يا حبيبتي ؟
ـ انا كويسه.. اتفضل ادخل .
ـ لا معلش مش فاضي، أنا كنت جنبك قلت أفوت عليكم وبالمرة أجيب لكم دعوة الفرح .. أساسا أنتم مش محتاجين دعوة يعني .
التفتت نسيم تلقائيًا نحو عاصم، الذي اكتفى بهزّ رأسه في صمت موافق، ثم اقترب منها مودّعًا، قبّل وجنتها بحنان، وقال :
ـ أنا همشي لأني ورايا شغل كتير ..
والتفت إلى فريد وقال :
ـ مبروك مرة تانية .. عن اذنك .
تركهما وانصرف، بينما وقف فريد ونسيم التي عاودت إلحاحها عليه للدخول، قائلةً :
ـ ادخل لو سمحت .. مينفعش تقف على الباب كده .
ـ معلش مش فاضي يا نسيم ، ورايا مشاوير كتير ..
ابتسمت ابتسامة حانية وقالت :
ـ ربنا معاك .. بقيت عريس خلاص .
ابتسم ابتسامة حانية وأومأ مؤيدا، ثم قال :
ـ انتي أخبارك إيه ؟! الحمل كويس ؟!
أومأت مؤكدة ثم قالت :
ـ كويس الحمدلله ..
ـ واضح إنه مغلبك شويتين، مخليكي منفعلة وحادة شوية اليومين دول .
نظرت إليه بصمتٍ واعٍ، تدرك تمامًا ما يرمي إليه، وأقرّت بصحة ملاحظته بشيء من العتاب الذاتي :
ـ معاك حق ..
ربّت على ذراعها في حركة أخوية حنونة، وقال :
ـ معلش .. إن شاء الله الدنيا تتظبط وترجعي زي الأول وأحسن .. ترجعي نسيم بتاعة زمان ، نسيم اللي أرق من النسمة، اللي لا يمكن تزعل حد أو تجرح حد بكلامها بقصد أو بدون قصد ..
ومسح على ذراعها بهدوء وقال مؤكدا ؛
ـ لازم ترجعي النسخة دي منك يا نسيم .. ضروري .
امتزجت ابتسامتها بالخجل والارتباك، وأومأت في صمت، كأنها تعِده بمحاولة جادّة، ثم نظرت إليه وقالت:
ـ نغم عاملة إيه ؟!
وصمتت قليلا وتابعت :
ـ يا رب متكونش زعلانة مني بعد الأسلوب اللي اتكلمت بيه يومها ..
هز رأسه بهدوء وقال :
ـ نغم قلبها أبيض ومش بتشيل من حد .. وأكيد لو كنتي جنبها النهارده هتفرح وتحس إنها مش لوحدها ..
وحك جانب فمه بهدوء وتابع :
ـ يعني .. هيفرق معاها جدا .
ـ أكيد طبعا هكون معاها ، متقلقش .
تابع بابتسامة واثقة :
ـ مش قلقان أكيد وواثق فيكي ..
على العموم أنا همشي دلوقتي ، أشوفك بالليل ..
عانقته لتودعه، ثم انصرف، استقل سيارته .. ثم مر في طريقه على مكتب كريم، ومن ثم عاد إلڤيلا ..
ما إن وصل الڤيلا حتى دخل غرفة مكتب والده فورا، فوجده جالسًا يتحدث في الهاتف باهتمام، فوقف ينتظره إلى أن انتهى، ونظر إليه بانتباه قائلا :
ـ خير .. محتاج حاجة ؟!
تقدم منه فريد، ثم ألقى مظروفًا مغلقًا فوق المكتب، وقال بنبرة متعجلة :
ـ جواب التنازل أهو .. فين الحاجة ؟!
لم يُجبه والده حالا، بل التقط الظرف، فض غلافه وقرأ الجواب على مهل، ثم تنهد بهدوء وهو يفتح خزنته، ويضع بها الظرف، ثم يلتقط مفتاحًا صغيرًا ويناوله إلى فريد وهو يقول :
ـ ده مفتاح أوضتي.. وده مفتاح الخزنة الصغيرة اللي في دولابي .. هتلاقي فيها ظرف لونه بني ، فيه اللي يخصك .
أومأ فريد والتقط المفتاح فورًا، التفت ليغادر الغرفة على الفور، ولكنه توقف، وعاد ينظر إلى والده ويقول :
ـ إيه اللي يضمن لي إن الحاجة دي مفيش منها نسخ تانية معاك تبتزني بيها فيما بعد .
هز سالم رأسه بهدوء وقال :
ـ متقلقش، مفيش نسخ .
لكن فريد لم يقتنع، فظل واقفًا في مكانه يرمق والده بغير تصدي، بينما هتف سالم بحدة أكبر :
ـ مالك مش مصدق ليه ؟! هو أنا من إمتا بكدب ؟!
أطلق فريد زفرةً ساخرة وتمتم :
ـ حضرتك بتعمل كل حاجه تتماشى مع مصلحتك .. فمش قادر أصدقك بصراحة .
تنهد سالم تنهيدة مطولة، ثم قال وهو يسند كلتا يديه على حافة المكتب :
ـ ورحمة أمك الغالية ما معايا نسخ تانية .
تمهل فريد، ثم أومأ واستدار متجهًا نحو الباب وهو يتمتم قائلا :
ـ على أساس لما تحلف برحمة أمي هصدقك يعني !
أطلق زفيرًا مكتومًا وهو يصعد درجات السلم بخطوات سريعة، كأنّه يفرّ من ثقلٍ يلاحقه. ما إن بلغ باب غرفة والده حتى فتحه ودلف إلى الداخل، ثم أغلقه خلفه بإحكام. اتّجه مباشرة نحو الخزانة العريضة، فتحها، ثم أخرج مفتاح الخزنة الخاصة، وما إن فتحها حتى وقعت عيناه على ظرفٍ بنيّ.
التقطه على الفور، وفتحه بعصبية ليجد بداخله عدّة صكوك مصرفية تحمل توقيع نغم. اشتعل الغضب في صدره، فمزّقها دون تردّد، تمزيقًا حادًّا يعكس ما بداخله من غِلّ وحنق. ثم التقط القرص المدمج الموضوع في الظرف نفسه، وكسره إلى نصفين بقبضة مشدودة، وقد بلغ استياؤه ذروته.
غادر الغرفة سريعًا، واتّجه إلى غرفته، وألقى بما في يده داخل سلة المهملات، قبل أن يجلس على طرف الفراش، محاولًا استعادة أنفاسه وتهدئة اضطرابه. راح يقنع نفسه بأن لا داعي للقلق بعد الآن؛ فما كان بحوزة والده، وما ظل يؤرّق نومه ونوم نغم، قد انتهى إلى الأبد.
لكن لحظات السكون لم تدم طويلًا؛ إذ استرعى انتباهه صوت ضوضاء قادم من الأسفل. نهض على عجل، وتوجّه إلى النافذة المطلة على الحديقة ليستطلع الأمر، فإذا بعينَيه تتّسعان دهشةً وهو يحدّق في المشهد أمامه…
رأى من نافذته سيارتين كبيرتين تقتحمان بوابة الفيلا ببطء، وقد لفت انتباهه حجمهما غير المعتاد وحركتهما الثقيلة فوق الممر الحجري. مال بجذعه قليلًا إلى الأمام، يحدق بتركيز، فإذا به يميّز في الخلف أربع عجول مربوطة بإحكام، تتمايل مع حركة السير، وأصوات خوارها تختلط بضجيج المكان.
عقد حاجبيه بدهشة ممزوجة باستنكار، وما هي إلا لحظات حتى بدأ المشهد يتّضح أمامه أكثر. رجال بملابس بسيطة، ترجلوا من السيارتين بثقةٍ معتادة، يتحرّكون بأريحية، يتبادلون الإشارات والكلمات القصيرة، ويتهيّأون لإنزال العجول وسط حيويةٍ صاخبة.
في الأسفل، كان سالم يجلس على مقعده، وإلى جواره يقف كلا من حسن وعمر، يتابعون المشهد بعينٍ راضية، وحماس مشتعل .
بدأت الحركة تدبّ في أرجاء الفيلا؛ أصوات الرجال تعلو، وضحكات متقطّعة، وتعليمات تُلقى هنا وهناك. أوانٍ كبيرة أُخرجت من المخازن، وسكاكين شُحذت، والحديقة تحوّلت في دقائق إلى ساحة استعداد ليتم فيها إعداد أفخم وأكبر وليمة ممكنة .
هز فريد رأسه بيأس وهو يتمتم :
ـ انتوا ناويين تجلطوني أنا عارف .
واندفع نحو الباب يفتحه بانفعال، ثم ترجل مسرعًا وخرج إلى الحديقة يتابع المشهد عن كثب.
فما إن رآه حسن حتى ابتسم قائلا بصوتٍ جهور :
ـ العريس وصل ..
ـ بردو عملتوا اللي في دماغكم ؟!
قالها فريد بنبرة مرهقة، فنظر إليه والده وقال :
ـ العيلة كلها على وصول ولازم نعمل لهم واجب يليق بينا ..
أومأ فريد باستسلام، ودس يديه في جيبي بنطاله وهو يتابع المشهد من أمامه باستياء، ثم تمتم حانقًا :
ـ طيب كنتوا دبحتوهم في المدبح ، لزمتها إيه المنظر ده ؟!
ليجيبه حسن بثقة :
ـ لأ طبعا .. علشان البيت يتبارك .
زم شفتيه موافقا بغير اقتناع، ثم نظر إلى والده وقال :
ـ طيب وبالنسبة للعيلة اللي كلها على وصول ، هيباتوا هنا ولا هنحجز لهم أوتيل ؟!
نظر إليه والده في استنكار وقال :
ـ لأ طبعا اوتيل إيه .. إحنا عوايدنا نفتح بيوتنا للمعازيم ونطبخ لهم من خيرنا ويناموا في فرشتنا كمان …
قاطعه فريد وهو يمسح على وجهه بنفاذ صبر ويقول:
ـ أنا محدش هيدخل اوضتي .. مستحيل .. حضرتك عايز تنيمهم في فرشتك دي حاجة ترجعلك .
تنهد سالم تنهيدة مثقلة، ثم تابع بحنق مماثل :
ـ القصد يعني إنهم مينفعش ينزلوا في فندق .. وبعدين من قلة البيوت يعني ؟! آخر الليل حسن هياخد نصهم في بيته ، وعمر ياخد النص التاني ..
أومأ فريد موافقًا، ثم تنهد وقال :
ـ إذا كان كده ماشي ..
ما إن أُنجزت الذبائح وأُبعدت العجول عن ساحة الحديقة، حتى تبدّل المشهد كليًّا، وكأن الفيلا استيقظت على نبضٍ جديد. تصاعدت روائح الطعام من كل صوب، وانتشرت في الأرجاء روائح تحمل في طياتها وعدًا بوليمة عامرة وفرحٍ مكتمل. دبّت الحركة في المكان على نحوٍ لافت؛ الممرات امتلأت بالخطوات المتعجلة، والأبواب تُفتح وتُغلق بلا توقف، وأصوات النداءات والتعليمات تتقاطع في تناغمٍ فوضويّ محبّب.
في المطبخ الكبير، لم يعد المشهد يقتصر على طهاة الفيلا وحدهم. الطباخون القادمون من الخارج اندمجوا سريعًا مع طاقم المنزل، وكأنهم يعرفون بعضهم منذ زمن.
سكاكين تلمع، وألواح تقطيع تمتد على الطاولات، وقدور ضخمة وُضعت فوق النيران، تتصاعد منها أبخرة كثيفة تعبق بكل ما لذ وطاب .
كانت الأيدي تعمل بلا توقف، والضحكات تتخلل العمل، فتضفي عليه خفة وحيوية، كأن الطهي نفسه صار طقسًا للاحتفال لا مجرد إعداد للطعام.
أخذ سالم يتابع كل ذلك بعينين لامعتين وابتسامةٍ لم تفارقه. رغم ما مرّ به من صراعات وضغوط، ورغم ثقل المسؤوليات التي أنهكته طويلًا، شعر في تلك اللحظات براحةٍ غامرة. هذا الصخب، وهذه الروائح، وتلك الفرحة الصادقة، كلها أعادت إليه إحساسًا قديمًا افتقده؛ إحساس الفرح البسيط، الفرح الذي لا يحتاج إلى مظاهر فاخرة ليكتمل. أحسّ أن قلبه أخفّ، وأنه للمرة الأولى منذ زمن طويل رجل بسيط قد زار الفرح داره .
أما عمر وحسن، فقد كانا في قلب الحدث. تحلّقا حول طاولات التقطيع بحماسٍ واضح، يشاركان الرجال تقطيع اللحم، يتبادلان التعليقات والضحكات، وأكمام قمصانهما مرفوعة في استعدادٍ صادق للعمل. بدت عليهما نشوة المشاركة، وكأنهما جزء أصيل من هذا الطقس..
في المقابل، وقف فريد على مسافةٍ غير بعيدة، يراقب المشهد بصمت. كانت الأصوات والروائح وحركة السكاكين تثير داخله وسواسه القهري بقسوة، فتشدّ أعصابه وتربك أنفاسه. حاول أن يشارك، ثم تراجع سريعًا، مدركًا حدوده في تلك اللحظة. اكتفى بالمشاهدة من بعيد، يضمّ ذراعيه إلى صدره أحيانًا، ويشيح ببصره أحيانًا أخرى. ومع ذلك، لم يكن غائبًا؛ كان حاضرًا بنظره، وبابتسامة خفيفة يحاول أن يخفي بها اضطرابه .
بعد نحو عشر دقائق فقط، دوّى صوت محرّكاتٍ ثقيلة أمام الفيلا، فالتفتت الأنظار تلقائيًا نحو البوابة. توقّفت حافلتين كبيرتين متجاورتين، وما لبثت أبوابهما أن فُتحت، حتى بدأ الرجال في النزول تباعًا.
كانت عائلة مرسال قد وصلت كاملة، رجال كوم الأشراف بكل أطيافهم وأعمارهم؛ شباب في مقتبل العمر يرتدون ملابس عصرية أنيقة، إلى جوار رجالٍ تخطّوا منتصف العمر، يرتدون الجلابيب الريفية الفضفاضة، بملامح صلبة .
وجوهٌ تتشابه حدّ التداخل، وأخرى مختلفة، لكنّها جميعًا تحمل ذلك الطابع الريفي الأصيل الذي لا تخطئه العين.
في تلك اللحظة تحديدًا، استرعى انتباه فريد ارتباك والده المفاجئ. رآه يتحرّك على المقعد حركة لا إرادية، ويداه تنقبضان بقوة على ذراعي الكرسي، وكأنما يحاول أن يستعيد توازنًا داخليًا أكثر منه جسديًا. لم يحتج فريد إلى كثير من التفكير ليفهم؛ والده لم يكن يومًا يتقبّل أن يراه الناس على تلك الهيئة.
كان يشعر أن جلوسه على الكرسي ينتقص من هيبته ومن صورته التي اعتاد أن يطلّ بها على الجميع، صورة الرجل القوي المتماسك الذي لا يُهزم. والآن، ها هو يواجه رجال عائلته وهو عاجز عن الوقوف، عاجز عن إخفاء ضعفه.
تسلّل إلى صدر فريد شعورٌ جارح بالشفقة، امتزج بإحساسٍ ثقيل بالذنب. أدرك أن والده تحمّل هذا الموقف من أجله، ضحّى بكبريائه وراحته ليشاركهم فرحته بفريد، رغم أنه لم يكن مستعدًا نفسيًا لأن يراه الناس بتلك الصورة.
دون وعي، وجد نفسه يقترب خطوة من والده، حركة تلقائية خالصة، كأنه يريد أن يسانده، أو على الأقل أن يطمئنه بوجوده إلى جواره.
في هذه الأثناء، كان الرجال قد اقتربوا، وبدأت التحيات تتوالى. التفّوا حول سالم أولًا، يصافحونه بحرارة، تتعالى أصوات الترحيب والمباركات، ثم انتقلت الدائرة إلى العريس. وجد فريد نفسه في قلب المشهد، يمدّ يده مرة تلو الأخرى، يبتسم، يبادل التهاني، ويتلقى عبارات الفرح الصادقة.
كانت المصافحات حارة، والاقتراب شديدًا، وهو يحاول جاهدًا أن يحافظ على تماسكه، يهدئ أنفاسه، ويقنع نفسه بأن هذه الفقرة مؤقتة، وستنتهي بعد قليل.
وفي داخله، كان يردّد وعدًا صامتًا: ما إن تنتهي مراسم السلام هذه، حتى ينسحب سريعًا إلى غرفته، يأخذ حمّامًا طويلًا، ويغسل عنه ذلك الإحساس الخانق، ويتخلّص من كل ما علق به من توتر وهواجس وجراثيم لا يراها سواه، لكنه يشعر بثقلها على جلده وروحه.
ما هي إلا دقائق أخرى حتى توالت السيارات من جديد، تحمل هذه المرة مقاعد وطاولات بأعدادٍ كبيرة. انطلق الرجال في حركة منظمة، يفرشون الحديقة صفوفًا طويلة من الموائد، امتدّت الواحدة خلف الأخرى في انتظام مهيب، كأنها سجاد احتفالي فُرش خصيصًا لهذا اليوم. سرعان ما بدأت الأطباق تُرص فوقها، ألوان وروائح توحي بفخامةٍ لا تخطئها العين؛ لحوم مطهية بعناية، وأصناف عامرة تُعلن أن هذا الفرح يُقام على أصوله، وبسخاء يليق باسم العائلة ومكانتها.
شيئًا فشيئًا، أخذ الرجال يتجمّعون حول الموائد، يضحكون ويتبادلون الأحاديث، تتعالى أصواتهم في دفءٍ جماعي أعاد للمنزل نبضًا افتقده طويلًا.
في صدر المكان، جلس سالم على كرسيه المتحرك عند رأس المائدة، يطوف بنظره حوله في صمتٍ مشبع بالمشاعر. كانت العائلة كلها قد اجتمعت في منزله، للمرة الأولى بهذا الاكتمال، بهذا الزخم، وبهذا الإحساس النادر بالانتماء.
في تلك اللحظة، شعر أن البيت لم يعد مجرد جدرانٍ واسعة أو فيلا فخمة، بل صار ساحة حياة حقيقية، تعجّ بالوجوه والأصوات والضحكات. وبرغم كل ما مرّ به، وبرغم ما أثقل جسده وروحه، تسلّل إلى قلبه شعور خافت بالرضا؛ رضا رجل يرى ثمرة عمره ماثلة أمامه، ويرى اسمه المتمثل في أولاده الثلاثة المتجاورين، وعائلته ملتفين حول مائدته، في يومٍ أراد له أن يكون عامرًا… ومشهودًا.
༺═────────────────═༻
بينما كانت نغم في الفندق، داخل الجناح الذي حجزه فريد لها بعناية بالغة، كان المكان قد تحوّل إلى عالمٍ منفصل عن صخب الخارج. الجناح الفسيح يغمره ضوء ناعم يتسلل من النوافذ العالية، وتنساب في أرجائه موسيقى هادئة بالكاد تُسمَع، كأنها وُضعت خصيصًا لتُبطئ الزمن وتُخفّف ثقل الأفكار.
انتشرت في الغرفة روائح الزيوت العطرية؛ مزيج دافئ من اللافندر والياسمين، يلفّ الحواس بهدوءٍ محسوب. على أحد الجوانب، أُعدّت مساحة أشبه بسبا خاص: سرير مريح مغطى بملاءة ناصعة، مناشف سميكة مطوية بعناية، وأدوات مرتبة بعين خبيرة تعرف تمامًا ما تحتاجه العروس في هذا اليوم. بدأت الجلسة بمساجٍ خفيف، أيادٍ محترفة تتحرك بثبات على كتفيها وظهرها، تفك عقد التوتر واحدة تلو الأخرى، وتُخرج من جسدها إرهاق الأيام الماضية.
أغمضت نغم عينيها، وتركت نفسها للهدوء. شعرت لأول مرة منذ الصباح أن أنفاسها تنتظم، وأن صدرها لم يعد مثقلًا بذلك القلق الخفي.
كانت تحاول أن تُفرغ رأسها، لكن الأفكار – كعادتها – كانت تتسلل بهدوء. غدًا ستزف زوجة إلى فريد، ستبدأ حياة جديدة بكل ما تحمله من وعود ومسؤوليات. فكرة كانت تُربكها بقدر ما كانت تُشعرها بدفءٍ غامض.
رنّ هاتفها يحمل اسم فريد، فامتدّت يدها إليه على الفور، والتقطته بابتسامة واسعة سبقت صوتها. كان وجهها قد أشرق تلقائيًا، وكأن المكالمة وحدها كفيلة بأن تغيّر مزاجها بالكامل.
وأجابته بنبرة غمرها الدلال والرضا:
ـ أيوة يا حبيبي ..
على الطرف الآخر، ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، كأنه فوجئ بتلك النغمة التي لم تخطئها أذنه، نغمة تحمل من القرب أكثر مما تحمل من الكلمات. تنفّس بهدوء، وقلبه يضجّ بحماسٍ مكتوم، وقال:
ـ انت اللي حبيبي يا جميل ..
ـ عامل إيه ؟
ـ كويس جدا .. وانتي ؟
ـ كويسة جدا بردو .
ابتسم وقال :
ـ أكلتي حاجة ؟!
ـ أيوة وشربت عصير ، متقلقش ، هنا مهتمين بيا جدا وكل شوية ألاقي حد جايب أكل .
هز رأسه باطمئنان وقال :
ـ طبعا لازم يهتموا بيكي لأنك العروسة .
اتسعت ابتسامتها أكثر وقالت :
ـ مش مصدقة لسة إني عروسة .. حاسة إني بحلم .
ضحك ضحكةً خافتة وقال :
ـ يمكن لما تلبسي الفستان تصدقي ..
وتابع بنبرة جدية مشوبة بالترقب :
ـ على فكرة الفستان هيوصل النهاردة .. متحمس أشوفه عليكي شكله إيه .
تنهدت بابتسامة وقالت :
ـ أكيد حلو طبعا .. كفاية إنه تصميم مصمم الأزياء العالمي فريد مرسال .
ضحكت بمرح فضحك بدوره وقال :
ـ شكرا على ثقتك الغالية يا أحلى وألذ عميلة عندي .. قوليلي يومك ماشي ازاي؟ بتعملي إيه دلوقتي ؟!
أجابته ببساطة، غير مدركة لما يخطّط له :
ـ بعمل مساج ..
همهم بتسلية، ثم فاجئها قائلا :
ـ طب ما تفتحي الكاميرا ..
اتسعت عيناها، وتجمّدت الكلمات على شفتيها، بينما كان هو يضحك، وكأنه يرى ارتباكها رأي العين.. فقال:
ـ يعني عايز أشاركك الأجواء .. مشاركة وجدانية مش أكتر .. بالك ميروحش لبعيد .
تدارك الأمر سريعًا، وبرّر طلبه بخفة ظلّ لا تخلو من خبثٍ محبب، لكنها لم تمنحه فرصة الاسترسال. فجاء ردّها حازمًا، مشوبًا بتحذيرٍ خجول :
ـ فريد .. يلا باي دلوقتي مش فاضيالك .
ثم أنهت المكالمة على حين غِرّة، قبل أن يضيف كلمة أخرى. أنزلت الهاتف بتمهّل، ولا تزال ابتسامة وادعة تستقر على شفتيها، وهي تهزّ رأسها في محاولة عابثة لتجاوز ما حدث. غير أنها كانت تدرك، في قرارة نفسها، أن الأمر أبعد ما يكون عن البساطة. فمع مرور الوقت، كان يقينها يتعمّق بأنها علقت في شِراك ثعلبٍ ماكر، يُجيد التخفّي خلف قناع الوقار والهدوء والاحترام حينًا، ثم لا يلبث أن يكشّر عن أنيابه فجأة، ليقودها إلى دوّامة من الجنون والاضطراب بوسائل لم تكن تتخيلها يومًا.
༺═────────────────═༻
مساءًا ..
غادر فريد غرفته بعد أن أخذ حمامًا جديدًا لا يعرف عدده، واستبدل ملابسه بأخرى نظيفة، وأكثر رسمية .
حينها، وهو يستعد لمغادرة الطابق، انفرج باب غرفة نادية، وظهرت غاضبةً، ترمق فريد بشيء من الانزعاج وهي تسأله :
ـ خير يا فريد ؟! هو المولد اللي تحت هيتفض إمتا ؟!
رمقها فريد بنظرات باردة، وقبل أن يجيبها كان قد رأى باب غرفة حسن وقد انفرج بدوره، وخرج منه حسن متعجلا، يدس شيئا ما في جيبه سترته الداخلي، فقال فريد :
ـ نادية هانم بتسأل .. المولد اللي تحت هيتفض إمتا يا حسن ؟!
ونظر إلى نادية وقال باقتضاب :
ـ حسن هيجاوبك .
وتركها وانصرف، بينما وقف حسن أمامها يرمقها بطريقةٍ متحفزة، وهو يقول :
ـ خير .. اؤمريني يا خالتي أم عمر ؟!
قطبت جبينها بانفعال، وهتفت من بين أسنانها بغضب:
ـ أنا مش خالتك ..
أومأ وهو يقول :
ـ مانا عارف .. خالتي دي بنقولها كده مجازا يعني لما بنكون عاوزين نحترم حد ومش عارفين نحترمه إزاي ..
رمقته باندهاش فتابع غير آبهًا :
ـ اؤمريني .. ؟؟
أشارت نحو الخارج وهتفت بانفعال حاد:
ـ إمتا هتخلص الدوشة اللي تحت دي ؟! أنا صدعت .
ابتسم ابتسامة واسعة وقال بنبرة مستفزة:
ـ لا ماهي الدوشة مش هتخلص للأسف ، السهرة صباحي ولسه صحابي جايين وهنخربها .. عقبال عندك إن شاء الله .
رمقته بازدراء واضح، وقالت وقد طفح بها الكيل :
ـ صحابك البيئة جايين يعملوا إيه هنا ؟! دول مكانهم في الحارة مش هنا .
رمقها حسن بنظرة هادئة، ثم على نحوٍ مفاجئ أدخل يده بتمهّل داخل جيب سترته، واستلّ مسدسًا ببطء متعمّد. ما إن وقع بصر نادية عليه حتى اتسعت عيناها فزعًا، وتراجعت للخلف في ارتباك، ثم أسرعت إلى غرفتها وأغلقت الباب في وجهه بإحكام.
توقّف حسن في مكانه، يحدّق نحو الباب المغلق، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة شريرة، وتمتم بصوتٍ قصد أن يبلغ مسامعها:
ـ هي خافت ليه؟! ده أنا بس كنت بتأكد إن الخزنة عمرانة.
نفخ في فوهة المسدس بزهوٍ متعالٍ، ثم أعاده إلى جيبه في هدوء، واستدار مغادرًا بخطوات واثقة، ينساب في خيلاءٍ تليق بما يحمله في داخله من تهديدٍ مستتر.
وقف إلى جوار فريد الذي كان يقف يدفي هدوء يراقب الأجواء، حيث والده مجتمعًا بالعائلة يتسامرون ويتبادلون الأحاديث المرحة .. فتنهد حسن ثم وضع ذراعه على كتف فريد جاذبًا انتباهه وهو يقول :
ـ ألف مبروك يا فريد .. فرحان علشانك من قلبي .
التفت فريد إليه، ثم فاجئه بعناقٍ صادق وهو يقول بنبرة هادئة :
ـ متشكر جدا يا حسن على كل حاجه عملتها علشاني .
ابتسم حسن وهو يربت على ظهره بتقدير وقال :
ـ أنا لسه معملتش حاجة ..
ابتعد فريد، ونظر إليه متفاجئًا وقال :
ـ حسن .. اوعى تفاجئني، أنا مبحبش المفاجأت ..
لكن، وقبل أن يوضح حسن موقفه، دخلت إلى الڤيلا سيارة بيضاء ، تنبعث منها أصوات الموسيقى الصاخبة .
نظر حسن إلى فريد وقال :
ـ عن اذنك أقابل الضيوف ..
وانطلق مسرعًا، وما إن انفرج باب السيارة حتى بدأ الرجال يترجّلون تباعًا؛ تسعة أشخاص اكتملوا في ثوانٍ قليلة. لم تكن ملابسهم رثّة ولا بالية، لكنها حملت تلك العشوائية الكاشفة، هيئة لا تخطئها العين، تُعلن بلا مواربة أنهم ضيوف حسن، لا غيره.
لمح فريد أخاه وقد بادر باستقبالهم بحماس، ثم أشار إلى عمر، الذي أقبل نحوهم يصافحهم واحدًا تلو الآخر، ويغدق عليهم ترحيبًا صاخبًا. وحين انتبه فريد إلى إشارة حسن التي وُجّهت نحوه تحديدًا، أدرك فورًا أنهم في طريقهم إليه. سحب زجاجة الكحول من جيبه بخفّة، وعقّم يديه على عجل وبحذر، وكأنه يستعد لهجومٍ مباغت، لا لمجرد مصافحة عابرة.
اقتربوا منه بالفعل، تطوّقوه، وبدأت الأيدي تمتدّ نحوه تباعًا، تتلاحق المصافحات، وتتداخل الأسماء والتعريفات في ضجيجٍ أربكه. حاول أن يرسم ابتسامة ثابتة، بينما داخله يستنفر بكل ما أوتي من صبر.
وتقدّم منهم شاب طويل، عريض البنية، شعره مصبوغ بالأصفر المتداخل مع الأسود، ملامحه حادّة وحضوره طاغٍ. مدّ يده بثقة صافح بها فريد، وقال بنبرة عالية:
ـ أنا أخوك الكردي.
مدّ فريد يده وصافحه بابتسامة محسوبة، وقال:
ـ أهلا يا كردي .. يا راجل من كتر ما سمعت عنك كان نفسي أشوفك.
ربت الكردي على صدره في حركة تلقائية يغلب عليها الاعتداد بالنفس، وقال:
ـ ده شرف لينا يا فريد بيه .. ألف مبروك.
وقبل أن يلتقط فريد أنفاسه، تقدّم شاب آخر، يكاد يكون نسخة مطابقة للأول؛ نفس الطول، نفس العرض، نفس الملامح الحادة، حتى طريقة الوقوف. عقد فريد حاجبيه وأطال النظر بينهما في دهشة صامتة، فما كان من حسن إلا أن التقط تلك النظرة سريعًا، وضحك وهو يقول وقد سبق تساؤله:
ـ أيوة بالظبط .. ده القن توأم الكردي.
ارتفعت حاجبا فريد هذه المرة بدهشة صريحة، ومدّ يده يصافح القادم الجديد وهو يقول:
ـ بسم الله ما شاء الله، الشبه رهيب .. أهلا يا قن .. نورتنا.
ردّ القن بابتسامة واسعة كشفت عن ثقة لا تقل عن شقيقه:
ـ ده نورك يا باشا .. ألف مبروك.
ـ الله يبارك فيك، بس إيه يا جماعه بيه وباشا .. أنا لا بيه ولا باشا والله ، أنا أخوكم زي حسن بالظبط .
هتف بها رجل في أواخر الأربعينيات، بملامح ريفية صريحة ونبرة ودودة، وهو يمد يده إلى فريد مصافحًا:
ـ كلك تواضع يا باشا ..
ابتسم فريد على الفور، وبادره وهو يضغط على كفه:
ـ أكيد حضرتك أبو ليلى.
توقّف الرجل لحظة، ونظر إليه بدهشة صادقة، ثم قال متعجبًا:
ـ صح يا باشا! عرفتني إزاي؟!
أجابه فريد بهدوء وابتسامة مرحة تخفف وقع المفاجأة:
ـ والله إحساس مش أكتر.
ضحك الرجل ضحكة عريضة، بدت معها ثقته بنفسه واضحة، وقال:
ـ وانت أبو الإحساس يا باشا… محسوبك العمروسي أبو ليلى.
صافحه فريد بحرارة وهو يقول:
ـ أهلا وسهلا، نورتنا.
ثم، وبعفوية خرجت دون تفكير، سأل:
ـ أومال فين ليلى؟
انفجر الجمع من حولهما بالضحك، بينما أجاب العمروسي بابتسامة عريضة امتزج فيها الفخر بالاعتداد: ـ ليلى مش فاضية، أصل عندها أوردرات كتير النهارده.
عقد فريد حاجبيه في دهشة صادقة، وسأله تلقائيًا:
ـ ما شاء الله… هي ليلى شغّالة دليفري؟!
أخذ العمروسي يلتفت يمينًا ويسارًا كمن يستعد لتصحيح معلومة خطيرة، ثم قال معترضًا:
ـ دليفري إيه يا باشا؟! أوردرات أفراح!
وأشار بيده بحماسة وهو يضيف:
ـ ليلى بترقص في الأفراح.
اتسعت عينا فريد، وانتقل بصره تلقائيًا إلى حسن، الذي كان على وشك أن ينهار من الضحك، فيما تمتم فريد بهدوء لا يخلو من الذهول:
ـ آه… ربنا يعينها.
بينما نطق شابًا آخرًا معرفًا بنفسه :
ـ وأنا خليفة .. ولما لقيت ليلى مش فاضية، قلت أجيبلك سمارة الحتة .. واجب مني ليك .
وأشار إلى السيارة، فصُدم فريد حين لمح المرأة التي ترجّلت منها.. كانت ترتدي عباءة سوداء، يعلو وجهها مساحيق كثيفة شوّهت ملامحها حتى بدت أقرب إلى قناعٍ صاخب، وشَعرها مصبوغ بالأصفر الفاقع، تمضغ علكة في فمها بحركة مستفزّة تجمع بين الجرأة والابتذال.
أقبلت نحوهم وهي تتفحص المكان من حولها بعين الانبهار، وتتمتم :
ـ بسم الله ماشاء الله .. ڤيلا دي ولا سرايا عابدين .
رفع فريد حاجبه متعجبًا، ولم يعقب، بينما استقبلها حسن بابتسامة واسعة ونبرة بدت مرحِّبة على غير العادة، وكأن المشهد مألوف لديه:
— أهلًا يا سمارة… ليكي وحشة والله.
ما إن وقعت عيناها عليه حتى اندفعت نحوه بحركة تلقائية تنوي معانقته، إلا أن حسن تراجع خطوة إلى الخلف بخفة، ضاحكًا وهو يقول بنبرة مازحة:
— هو إنتِ لسه فيكي الداء ده؟
ضحكت سمارة بقهقهة عالية، ورمقته بنظرة مشاغبة قبل أن تغمز له بجرأة:
— والله ليك وحشة يا حسن يا عقرب… المنطقة اسكت هوس من غيرك.
ربت حسن على صدره بحركة مسرحية، وردّ بخفة ظل:
— تسلمي يا سمارة، البركة فيكي… عاملة حسّ للمنطقة والمناطق المجاورة ..
وفجأة التفت حسن، كأنه تذكّر أمرًا مهمًا، ليجد فريد يراقب المشهد بملامح مشدودة، دهشة خالصة تلوح في عينيه، كأنما يشاهد عالمًا لم يسبق له أن اقترب منه. عالمٌ صاخب، فوضوي، يقف على النقيض تمامًا من أناقته الهادئة وكلاسيكيته المتحفظة.
ابتسم حسن ابتسامة أوسع وهو يشير إليه قائلًا:
— نسيت أعرّفك… فريد باشا، عريس الليلة.
توقفت سمارة عن المضغ للحظة، واتسعت عيناها بدهشة صريحة، ثم بدأت تتفحّص فريد من رأسه حتى أخمص قدميه بنظرة إعجاب غير خافية:
— بسم الله ما شاء الله… إيه الرجالة النضيفة دي !!
واقتربت من حسن قليلًا، وهمست بصوتٍ خفيض وعيناها لا تزالان معلّقتين بفريد:
— ده أخوك بجد يا حسن؟
أومأ حسن برأسه بفخر واضح، وقال بنبرة لا تخلو من الزهو:
— آه والله أخويا… إيه، مش مصدّقاني؟ أوريكي بطاقته؟
قهقهت سمارة بضحكة عالية، غير عابئة بالمكان ولا بالهيبة التي تحيط به، ثم قالت وهي تمسح فمها بطرف يدها:
— أصل بصراحة… مش شبهك خالص. ده باين عليه ابن ناس قوي.
رفع حسن حاجبه بتصنّع الدهشة، وقال بنبرة ساخرة:
— ألف شكر يا سمارة… مقبولة منك.
لوّحت بيدها في الهواء وكأنها تطرد اللوم، ثم اقتربت خطوة منه وهي تقول بضحكة متدللة:
— يووه، ما تزعلش بقى يا حسن. أصلي من ساعة ما شفت أخوك وأنا مش على بعضي.
مالت نحوه أكثر، وضعت يدها على فمها، وهمست بصوتٍ خفيض :
— أصل بصراحة الواد عصب عصب يعني.
تغيّر وجه حسن على الفور، فأشار بيده في حركة حاسمة وهو يضحك بتوتر:
— لا، بقولك إيه .. عصب ومش عصب، أخويا ملوش في السكة دي..
وأشار باقتضاب قائلا:
ـ يلا اتفضلي على جوه… الأوضة اللي هتجهزي فيها قدّامك.
أومأت سمارة، وأخذت تطوف بنظراتها في أرجاء الفيلا، تتأمل السقف العالي، والدرج الرخامي، والنجف المتدلّي، كأنها دخلت عالمًا لا يمت لعالمها بصلة، ثم سألت بعفوية فجة:
— قدّامي يمين ولا شمال؟
ابتسم حسن ابتسامة ذات مغزى، وقال بنبرة لا تخطئها:
— وإنتِ وشّ يمين يا سمارة؟! شمال طبعًا.
وقبل أن تتحرك، قاطعهم صوت فريد، حازمًا، باردًا، يحمل في نبرته استغرابًا لا تخطئه الأذن:
— استنّى إنت وهي. يمين إيه وشمال إيه؟ وتتفضلي فين بالظبط؟
ثم نظر إلى سمارة مباشرة وأضاف:
— ممكن أعرف حضرتك مين ؟!
تبادلت سمارة نظرة سريعة مع حسن، ثم أعادت بصرها إلى فريد، وارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة، جريئة، لا تعرف الحرج، وقالت بثقة :
— أنا سمارة…
هز فريد رأسه وقال :
ـ أنعم وأكرم يا آنسة سمارة .. ممكن أعرف بقى حضرتك جاية تعملي إيه هنا ؟!
نظرت إليه سمارة باستغرابٍ واضح، ثم ردّدت بدهشة:
ـ آنسة؟!
ولم تتمالك نفسها، فأطلقت ضحكة صاخبة، قبل أن تتابع بنبرة لا تخلو من المكر:
ـ كلك ذوق والله يا باشا ..
ثم التفتت نحو حسن، وأرسلت له غمزة ملتوية وهي تقول:
ـ آنسة وحضرتك… هو أخوك مش قاريني صح ليه يا أبو علي؟!
لوّح لها حسن بيده إشارةً إلى أن تصمت قليلًا، ثم اقترب من فريد وخفّض صوته وهو يهمس:
ـ متحبكهاش بقى يا كبير… سمارة جاية توجب مع الشباب وتطري لنا القعدة.
حدّق فيه فريد بحدة، وقال بانفعالٍ مكتوم وهو يكاد يكبح غضبه:
ـ بذمتك مش مكسوف على دمك؟! جايب واحدة ست ترقص قدام الخلق دي كلها؟!
ردّ حسن عليه بانفعالٍ مماثل، وقد بدا مستنكرًا:
ـ وهي يعني كانت مُدرسة تاريخ وأنا خليتها تشتغل رقاصة؟! ما هي دي شغلتها من قديم الأزل.
تنفّس فريد بعمق، محاولًا استعادة هدوئه، ثم أومأ برفضٍ قاطع وهو يقول:
ـ بردو لأ… أنا مش هسمح بحاجة زي دي. وبعدين شكلنا يبقى إيه قدّام معازيم أبوك؟! طب على الأقل اعمل حساب لأبوك يا أخي .. !
لوّح حسن بيده في ضيق، وردّ بنبرة مستفزّة:
ـ يا عم متحبكهاش… عليّا الطلاق من بيتي أبوك لو بصحته كان هيقوم يرقص قصادها. مشّيها بقى، عاوزين نفرح.
تنهد فريد بنفاد صبر، ثم قال بحدةٍ لا تقبل الجدل:
ـ مستحيل. إديها أجرتها بزيادة وخليها تتفضل من هنا… يا إمّا والله همشي أنا!
زفر حسن باستسلامٍ ظاهري، ونظر إليه بيأس وهو يعلّق:
ـ لا تمشي فين… خليك، لسه فقرة الحصان والمزمار. ما هو مش هتبقى تكاليف على الفاضي.
ثم استدار بخطوات هادئة متجهًا نحو سمارة، لكنه تفاجأ بعمر يقف أمامها، وقد انخرطا في حديثٍ تعارفي، بينما ارتسمت ابتسامة واضحة على وجه عمر. عندها قال حسن بسخرية وهو يضع يده على كتف عمر :
ـ إيه يا عمور .. جرحك بيلم بسرعة أوي إنت.
أومأ عمر وهو لا يزال ينظر إلى سمارة، وقال بإعجاب:
ـ سمارة طلعت لذيذة موت يا حسن… دي قالتلي على اسمها الحقيقي… سميرة.
ضحك حسن وهو ينظر إليها، ثم علّق بمزاح:
ـ ده إنتوا خدتوا على بعض أوي، لدرجة إنك تفشي أسرار مهمة زي دي قدّامه.
أومأت سمارة وهي تعبث بخصلةٍ من شعرها، تلفّها حول إصبعها في دلالٍ مقصود، وقالت بنبرةٍ عفوية لا تخلو من خبثٍ لطيف:
ـ بصراحة الواد عمر أخوك ده فرفوش ومفتح أوي يا أبو علي… تحس كده إنه طالع لك… مش زي القفل التاني.
ثم أطلقت زفرة قصيرة، وراحت تشير بيديها في حيرةٍ مصطنعة:
ـ قُصره… قوللي بقى ..
وأشارت بيدها يمينا ثم يسارا وتابعت :
ـ هدخل كده ولا كده؟!
حكّ حسن ذقنه في ارتباكٍ واضح، وترددت يداه بين اليمين واليسار قبل أن يقول:
ـ لأ… ما هو إنتي مش هتدخلي كده ولا كده…
ثم أشار نحو بوابة الفيلا وهو يستكمل:
ـ هتدخلي كده.
تعلّقت نظرات سمارة بوجهه، ثم انسابت إلى البوابة في دهشةٍ واستفهام، فهزّ حسن رأسه بخفوت، وأخرج من جيبه مبلغًا وافرًا، دسه في كفّها وهو يقول بنبرةٍ خفّ فيها صوته:
ـ سمارة حقك عليا … بس العريس محترم زيادة عن اللزوم، وأنا بصراحة مش حابب أضايقه.
نظرت إليه سمارة باستغراب وهتفت :
ـ تقصد إيه ؟! إني همشي من غير ما أحيي الليلة ؟!
قالها حسن بنبرةٍ يغلبها الحرج، محاولًا احتواء الموقف دون تصعيد :
ـ معلش بقا هعمل إيه .. أنا مكسوف منك والله بس ما باليد حيلة .
هزّت رأسها في رفضٍ قاطع، وقد بدا الغضب واضحًا في ملامحها :
ـ لأ مينفعش.. إنت متعرفش أنا مكنسلة كام فرح وكام اوردر علشانك ..
تنهد حسن بنفاد صبر، وقد بدأ صوته يفقد هدوءه :
ـ ما أنا اديتك قد اللي كنتي هتاخديه في أي فرح عشر مرات .. عاوزة إيه تاني ؟!
اعتدلت سمارة في وقفتها، ونبرتها حملت شيئًا من التحدي:
ـ مش كفاية .. إنت عارف كويس أوي إني رقاصة VIP يعني مش أي كلام .. متحاولش تضحك عليا بقرشين وتمشيني، كفاية الليلة اللي انضربت بسببك .
وقف حسن ينظر إليها لثوانٍ، وكأنه يزن الموقف، ثم قال بنبرةٍ حاسمة:
ـ خليكي مكانك .. هطلع أجيب فلوس من اوضتي وجاي.
تحرك خطوتين فقط، قبل أن ينتبه إلى فريد الذي كان يراقب المشهد من بعيد، وقد ارتسم الاستغراب على وجهه وهو يقول :
ـ في إيه يا حسن ؟!
زفر حسن بيأسٍ واضح، وكأنه ضاق ذرعًا بكل ما يحدث :
ـ سمارة طمعت ومش راضية تمشي .. تقريبا عاوزة فلوس كمان .
احتدت نظرات فريد على الفور، وانعكس الغضب في صوته :
ـ ليه انت اديتها كام ؟!
أجابه حسن دون تردد :
ـ ١٠ بواكي .
نظر إليه فريد بحدة، ثم زفر بضيقٍ وهو يستل محفظته من جيبه، يسحب منها مبلغًا آخر ويتمتم في عدم رضا :
ـ والله لنتحاسب على السفه ده .. امسك .
أخذ حسن المال، فتابع فريد بنبرةٍ قاطعة لا تقبل النقاش :
ـ اديها دول كمان وخليها تمشي .
أومأ حسن، واستدار نحو سمارة من جديد، دَسَّ المال في يدها وهو يقول :
ـ ١٠ كمان أهم .. ملكيش حجة بقا !!
نظرت إليه سمارة، ثم إلى المال في يده، وكأنها تُعيد تقييم الموقف برمّته، قبل أن تنطق باستخفافٍ واضح:
ـ عشرين ألف ؟! انت شايفني قِلة ولا إيه يا أبو علي .. دي أعفن رقاصة في الحارة مش بتاخد المبلغ ده .. ما بالك بقا برقاصة VIP زيي .. وبعدين انتوا مش قليلين يعني واللي معاكم مش شوية ..
بدت علامات الانزعاج على وجه حسن، وقد ضاق صدره من المماطلة، فهتف بنبرةٍ مشدودة:
ـ ما تصلي عالنبي يا سمارة انتي جاية تقري علينا عيني عينك كده .. !
في تلك اللحظة، وبعد أن نفد صبره تمامًا، اقترب فريد بخطواتٍ سريعة، وتوقف أمامهما وملامحه تنضح ضيقًا وهو يقول:
ـ ممكن أعرف إيه المشكلة ؟! حضرتك مش عاوزة تمشي ليه ؟! هو مش حسن حاسبك ؟!
رمقته سمارة بنظرةٍ حادة، وردّت بفتورٍ مستفز:
ـ حاسبني إيه ؟! دول ٢٠ ألف !
استوقف فريد أسلوبها في نطق الرقم، وكأنها تتحدث عن مبلغٍ زهيد، فأومأ برأسه وقال ببرود:
ـ أيوة .. فين المشكلة ؟!
جاءه ردها سريعًا، محمّلًا بالجدل:
ـ المشكلة إن المبلغ شوية طبعا ..
ارتسمت الدهشة على وجه فريد، وقال بنبرةٍ تجمع بين الاستنكار والسخرية:
ـ شوية ؟! دول عشرين ألف حضرتك يعني راتب فرد الأمن اللي بيقف على البوابة طول الشهر !
لكنها واصلت جدالها بإصرارٍ لا يلين:
ـ على عيني وراسي، لكن أخوك طلبني وأنا لغيت كل المواعيد اللي ورايا وجيت يبقى تقدروني.. وبعدين أنا مش أي رقاصة، أنا رقاصة VIP .
انعقد حاجبا فريد في ذهولٍ صريح، ونطق ساخرًا:
ـ مش فاهم رقاصة VIP ازاي .. ليه ؟! كنتي بترقصي في اليونسكو ؟!
ارتفع حاجبها بضيق، وردّت بجفاء:
ـ والله ده اللي عندي ، عايزيني أمشي يبقا أخد ٥٠ ألف جنية .
ضحك فريد ضحكةً ساخرة، وهزّ رأسه بعدم تصديق، ثم قال:
ـ لا والله !! طب ما نكتبلك نص الڤيلا بإسمك أحسن!
أنهى حديثه بازدراء، ثم التفت نحو حسن قائلاً بحدّة:
ـ اتفضل اتصرف ومشيها من غير جنية زيادة ..
وانصرف من فوره، متجهًا إلى مجلس والده حيث يجتمع برجال العائلة، غير عابئ بما سيحدث بعدها.
في المقابل، التفت حسن إلى أصدقائه الذين التفوا حول سمارة، وأشار بطرف عينه إلى الكردي، الذي التقط الإشارة فورًا، وتقدّم منها قائلًا بنبرةٍ مبطنة بالتهديد:
ـ أنا بقول تلمي الدور يا سمارة وتخلينا حلوين .. ولا نكلم المعلم شرنوبي .. ؟
ما إن سمعت الاسم، حتى ارتعشت حدقتاها، واعتدلت في وقفتها محاولة إخفاء توترها:
ـ و لزومه إيه النكش ده .. عالعموم مقبولين منك يا أبو علي .
همّت بالانصراف، وفي التوقيت ذاته تمامًا، دلفت سيارة چيلان إلى الڤيلا، وترجّلت منها بهدوءٍ لافت، فشدّت الأنظار إليها بلا استثناء، وكان حسن أول من تجمّد بصره عليها. التفت حوله ليجد أصدقاءه يحدقون بها بلا مواربة، يمررون نظراتهم من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها، ويتبادلون الهمسات، بينما كانت هي تتقدّم بخطواتٍ مترددة، تنظر إليهم باستغراب وملامحها معقودة من فرط الدهشة.
ـ مين الوتكة دي يا حسن يا عقرب ؟!
قالها خليفة بعفويةٍ فجّة، وهو يراقب چيلان التي تحاول شق طريقها للداخل دون احتكاكٍ مباشر بهم. في تلك اللحظة، شعر حسن بدماء الغضب تفور في عروقه، فهتف محذرًا: ـ خليك في نفسك يا خليفه احسن لك وبص على قدك .
لكن العمروسي لم يفوّت الفرصة للجدال، وقال مستنكرًا: ـ وهو غلط في ايه بس يا حسن، ده بيسال سؤال عادي.. هو السؤال حرم
أومأ حسن بعصبيةٍ ظاهرة: ـ ايوه السؤال حرم ..
دار بنظره عليهم واحدًا تلو الآخر، فرآهم ينهشون چيلان بنظراتهم، فاندفع صارخًا دون أن يبالي بشيء: ـ في ايه مالكم بتبصوا على ايه.. ما تخلونيش اغيب عليكم .. انتوا ترضوها ابقى واقف في نص بيتكم وعيني على حريمكم ؟!
شيئًا فشيئًا، تراجعت النظرات، وانصرف اهتمام الشباب إلى الرقص الصاخب، بينما انخرط عمر بينهم باندماجٍ لافت، مستمتعًا بالأجواء أكثر من حسن نفسه؛ لم يشعر بالغربة، بل بدا منسجمًا معهم على نحوٍ مدهش، حتى أنه تبادل أرقام الهواتف معهم، وكأنهم أصدقاء قدامى، لا مجرد وجوه عابرة في ليلة صاخبة.
༺═────────────────═༻
بعد أن أنهت نغم جميع طقوس التجميل؛ من جلسات المساج والسبا والأقنعة المهدِّئة، كانت قد استعادت هدوءها الداخلي وشعورًا عميقًا بالاسترخاء، وكأنها للمرة الأولى تدرك حقًا أنها عروس. لم تختبر من قبل هذا القدر من الدلال والاهتمام، ومع كل لمسة رعاية، وكل معاملة لطيفة من الفتيات اللواتي خصّصهن فريد للاهتمام بها في هذا اليوم، كان قلبها يمتلئ امتنانًا وطمأنينة.
ومع كل إحساس بالراحة يتسلل إلى داخلها، كانت تلهج بالدعاء أن يديم الله عليها نعمة وجود فريد في حياتها؛ فهي لم تعرف الحنان ولا الاهتمام الحقيقيين إلا حين دخل عالمها.
سُمع طرقٌ خفيف على باب الجناح الخاص بها.
ما لبثت أن دخلت فتاة تحمل بين يديها مغلفًا أنيقًا، قدّمتْه لها باحترام. فتحته نغم لتجد فستانًا من الساتان الناعم، يصل طوله إلى منتصف الركبة، بتصميمٍ مميز عند الصدر، مكشوفٍ قليلًا عند الظهر، بلونٍ ورديّ رقيق، يرافقه حذاء باللون ذاته. أخبرتها الفتاة أن فريد أرسله خصيصًا لترديه في سهرة هذا المساء.
ارتسمت ابتسامة امتنان صافية على شفتي نغم، وقد أدركت في تلك اللحظة أن فريد لا يترك تفصيلة للصدفة؛ يفكّر بالنيابة عنها، ويحسب حساب أمور لم تخطر ببالها أصلًا، وكأنه يتولى عنها مهمة الاطمئنان لكل ما يجعلها تشعر بالأمان والاكتمال.
أخذت الفستان ودخلت إلى الغرفة لترتديه، ثم وقفت أمام المرآة تتأمل انعكاسها بذهولٍ ممزوج بالفرح؛ بدت كأميرةٍ خرجت لتوّها من حكايةٍ وردية، ينسدل الساتان الناعم على جسدها بانسيابيةٍ ساحرة، ويعكس اللون الوردي إشراقة مختلفة على ملامحها. دارت حول نفسها بخفةٍ وحماس، وضحكة صغيرة أفلتت منها دون وعي، وهي تتخيل: إذا كانت بهذه الهيئة الآسرة الآن، فكيف سيكون حالها غدًا في فستانها الأبيض؟
فستانها الأبيض… ذاك الذي رسمه فريد بنفسه، وأرسله إلى أحد أبرز بيوت الأزياء في باريس لينفَّذ بدقة حلمه وخياله. عندها شعرت وكأن جناحين قد نبتا لها، وكادت تطير من فرط الحماس والسعادة التي تغمرها.
وفي تلك اللحظة، قررت أن تشاركه هذا الفيض من الفرح. التقطت صورةً لها، مالت برأسها قليلًا بدلالٍ عفوي، وأرسلت إليه ابتسامةً ساحرة عبر عدسة الهاتف، ثم أرسلت الصورة وانتظرت بلهفة رد فعله.
لم يطل الانتظار؛ فما هي إلا لحظات حتى جاء تفاعله على الصورة سريعًا، رمز تعبيري لشعلة نار، كأنه اعترافٌ صامت بأن أنفاسه اشتعلت برؤيتها.
وسرعان ما اهتزّ الهاتف بين يديها معلنًا عن اتصالٍ وارد، فارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة قبل أن تجيب بنبرةٍ مفعمة بالشوق:
ـ فريد ..
جاءها صوته دافئًا، مشبعًا بالحنان:
ـ يا روح فريد… يا قلب فريد… يا نور عين فريد.
امتلأت عيناها بالدموع من فرط فرحتها وتأثرها؛ ذلك الحنان الذي يغمرها لم يكن بحاجةٍ إلى أكثر من نبرة صوته ليصل إليها كاملًا. قالت بصوتٍ اختلط فيه الامتنان بالحب:
ـ أنا مش عارفة أشكرك إزاي على كل حاجة بتعملها عشاني… إنت مش بتسيب تفصيلة إلا وبتفكر فيها. أنا بحبك من كل قلبي.
ابتسم، وقال بحنانٍ صادق:
ـ وأنا بحبك من كل قلبي يا نغومة.
وقبل أن تسترسل، استرعى انتباهها ضجيجٌ واضح من حوله، فهتفت باستغرابٍ صريح:
ـ هو إيه الأصوات اللي عندك دي؟!
ابتسم فريد وهو يلتفت حوله كمن استسلم للأمر الواقع، وقال بنبرةٍ لا تخلو من يأس:
ـ حسن يا ستي…
شهقت بخفة، وقالت بقلقٍ ساخر:
ـ أوعى يكون اللي في بالي؟!
ضحك بخفوتٍ وأجابها:
ـ هو اللي في بالك… حسن جايب صحابه، وعامل حفلة زي ما إنتِ سامعة كده، واخد نص الفيلا، والباشا مجتمع بكوم الأشراف في النص التاني، وأنا واقف في أرض محايدة مستني الفرج .
تنهدت بخفوت فقال :
ـ سيبك انتي .. الفستان عليكي زي القمر .
ابتسمت وهي تسأله :
ـ فعلا ؟!
تستمر القصة أدناه
ـ فعلا جدا .. مكنتش متخيل إنه هيبقا حلو أوي كده .
ـ حلو طبعا لأنك رسمته .
ـ لأ مش كده .. القالب غالب يا حبيبي ، انتي اللي بتحلي كل حاجه .
ابتسمت ابتسامة واسعة، ثم قالت :
ـ ربنا ميحرمنيش منك .. يلا أنا هسيبك دلوقتي لأن البنات على وصول ، ونسيم كمان كلمتني وقالت إنها جاية .
هز رأسه بهدوء وقال مبتسما :
ـ تمام .. انبسطي يا حبيبي ، have fun .
أنهت الاتصال، ثم خرجت من الغرفة، لتتفاجأ بزينب التي وصلت لتوّها.
وما إن وقعت عينا زينب عليها حتى اندفعت تعانقها بقوة، عناقًا صادقًا جعل نغم تشعر بالاطمئنان .
لم تمضِ سوى لحظات حتى بدأت الفتيات يتوافدن تباعًا؛
مشرفات الدار الثلاث اللواتي دعاهن فريد بنفسه، بعدما أخبرهن برغبته في أن يشاركن نغم هذه الاحتفالية الخاصة. وبدورهن لم يترددن في الحضور .
وما إن رأت نغم ميرال حتى أسرعت نحوها، تعانقتا طويلًا، عناقًا حمل أكثر مما قيل.
كانت نغم تربت على ظهر ميرال بحنانٍ صامت، قبل أن تهمس لها بصوتٍ دافئ:
ـ ولا تزعلي نفسك يا ميرال… ربنا أكيد مخبّي لك حاجة أحسن.
أومأت ميرال بثقة واطمئنان، وارتسمت على شفتيها ابتسامة بالغة الجمال، ثم انضمت إلى الفتيات وبدأت تشاركهن مراسم الإحتفال .
وبعد دقائق، تفاجأت نغم بوصول فريق تنظيم الحفلات النسائية؛
أربع فتيات، لكل واحدة منهن دورها: منظِّمة لحفلات الحنّة، وأخرى تعزف الطبل، وثالثة متخصصة في رسم الحنّة والتاتو، بينما تولّت الرابعة تنسيق الفقرات.
في لحظات، امتلأت الغرفة الواسعة بالحركة والضحكات.
وللمرة الأولى، لم تشعر نغم بأنها وحدها.
طالما تخيّلت هذا اليوم وهي تخشى فراغه، وتساءلت كيف ستمرّ احتفاليتها دون رفقة أو دفء، لكن فريد—كعادته—كان حاضرًا حتى في التفاصيل التي لم تخطر ببالها، يصنع الحل قبل أن يولد القلق، وكأن الفرح خُلق لها وحدها.
ها هي الآن محاطة بالفتيات، واحدة منهن، لا مختلفة ولا وحيدة،
كلهن يتهافتن لإسعادها، وتدليلها، ومشاركتها فرحتها الخالصة.
وبعد قليل، طُرق الباب مرة أخرى، ثم دلفت نسيم، تحمل بين يديها باقة ورد كبيرة، كلها ورود وردية اللون.
وما إن رأت نغم حتى سارعت تعانقها، ثم احتضنت زينب بدورها.
في تلك اللحظة، ذاب ما تبقى في قلب نغم من ضيق، وتلاشى العتب، وشعرت وكأن شيئًا لم يكن.
امتلأت الأجواء بالحماس والبهجة،.وانطلقت الفتيات في الرقص والغناء، يصنعن لنغم لحظاتٍ ستظل عالقة في ذاكرتها… لحظات لا تُنسى، ولا تُعوَّض.
༺═────────────────═༻
ـ وانت مناسب عيلة مين بقا يا بشمهندس فريد؟!
هكذا تساءل أحد أفراد العائلة، وكان واضحًا من نبرته أنه كبيرهم في قرية كوم الأشراف.
انتبه فريد للسؤال فورًا، والتفت بعفوية نحو والده، فالتقط على ملامحه ضيقًا مكتومًا؛ كأن السؤال أصاب موضعًا حساسًا لم يكن يرغب في طرقه.
تنفّس فريد بعمق، وبثقة هادئة همّ بالرد، إلا أن رجلاً آخر سبقه قائلاً:
ـ أكيد بشمهندس فريد مناسب عيلة كبيرة من عائلات القاهرة.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي فريد، لا تحمل استعلاءً ولا حرجًا، ثم قال بهدوء:
ـ ليه أكيد؟! بالعكس… زوجتي بنت بسيطة من عيلة بسيطة جدًا. والدها ووالدتها متوفيين، وملهاش اخوات.
بدت الدهشة واضحة على وجه الرجل، فتساءل باستغراب:
ـ معقولة؟!
أومأ فريد برأسه بثبات، وقال بنبرة هادئة ممزوجة بالاستفهام:
ـ وليه لأ؟! إيه اللي يمنع؟
ارتسمت الدهشة على الوجوه، وخيّم صمتٌ ثقيل لثوانٍ بعد كلماته، قبل أن يقطعه أحدهم بنبرةٍ مشوبة بالفحص والتشكيك وهو يطالعه من أعلى لأسفل:
ـ إزاي يعني يا بشمهندس؟! يعني فريد بيه ابن سالم باشا، ابن الحسب والنسب، يتجوز واحدة مالهاش أصل من فصل؟! سيبت إيه بقى للشباب الكحيان اللي حدانا في البلد؟!
ضيّق فريد عينيه قليلًا، وحدّق فيه بملامح متماسكة لا تخلو من الجدية، ثم اعتدل في جلسته وقال بصوت هادئ لكنه راسخ، كمن يزن كلماته ويعرف تمامًا أثرها:
ـ قولي يا حاج راشد… أخبار ابنك مسعد إيه؟ خرج من السجن ولا لسه؟
ارتبكت نظرات راشد للحظة، وتلعثم قبل أن يجيب:
ـ على الله التساهيل… أهو لسه قدامه ست شهور .
أومأ فريد برأسه ببطء، ثم استأنف حديثه بنبرةٍ مشبعة بالدلالة:
ـ وعلى حد علمي، مسعد ده متجوز من عيلة كبيرة في الشرقية…
وألقى بنظرةٍ جانبية نحو والده، كأنه يستدعي تأكيده:
ـ مش كده يا باشا؟
أومأ سالم برأسه مؤكدًا، وقد أدرك المسار الذي يتجه إليه الحوار:
ـ من السوالم… جدّها كان شيخ البلد زمان.
شدّ فريد شفتيه في خطٍ مستقيم، ثم تابع بهدوءٍ محسوب:
ـ وأظن إنها هي وأهلها كانوا السبب المباشر في سجن مسعد، صح؟
تنفّس راشد بعمقٍ مثقل، ثم أومأ موافقًا:
ـ مظبوط… حصل بينهم خلاف بسيط، قامت اتفقت مع إخواتها، دخلوا البيت وشالوا العفش، ورفعت عليه قضية تبديد منقولات.. واهو مرمي في الحبس بقاله ست شهور.
هزّ راشد رأسه بأسى، واستطرد بصوتٍ يحمل مرارة الخيبة:
ـ ما صدقنا جوزناه .. قلنا نختار له واحدة بنت ناس، نسب يشرف وناس ليها اسمها في البلد… طلعوا في الآخر عيلة واطية، ما تعرفش أصل ولا عشرة.
ابتسم فريد ابتسامة بطيئة، لا تحمل سخرية بقدر ما تحمل إدراكًا مؤلمًا، ثم رفع حاجبه وقال بنبرة هادئة لكنها قاطعة:
ـ أهو ده اللي أقصده يا حج راشد.
إنت اخترت لابنك زوجة على أساس إنها—زي ما بتقول—ليها أصل وفصل.
وشدّد على الكلمتين الأخيرتين، كأنهما موضع الاستفزاز كله، ثم أكمل:
ـ لكن مع أول مشكلة حصلت بينهم لا أصل نفع، ولا فصل شفع.. ومعدنها الحقيقي ظهر هي وأهلها.
أومأ راشد في صمتٍ ثقيل، وكأنه حُشر في زاوية لا فكاك منها، بينما اعتدل فريد في جلسته واختتم حديثه بثقةٍ هادئة:
ـ عشان كده يا حج راشد، أنا مؤمن إن الاختيار الصح مش في الأسماء ولا العائلات.
الاختيار الصح يكمن في الإنسان نفسه… بغض النظر عن عيلته مين وهو ابن مين ..
وتنهد وقال وهو يستعد للنهوض :
ـ وأنا واثق إني الحمدلله اخترت صح .. عن اذنكم .
تركهم وانصرف، فخيّم على المجلس صمتٌ عميق، صمتُ اقتناعٍ لا يحتاج إلى مزيدٍ من الشرح أو الجدال.
أما سالم، فظلّ يحدّق في أثر ابنه، وعيناه معلّقتان بالفراغ، وقلبه يفيض شعورًا لا يُخطئه أحد؛ فخرٌ صافٍ، واعتزازٌ خالص.
شعر، في تلك اللحظة، أنه ليس أبًا لابنًا عاديًا، بل رجلًا يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، كيف يضع كل شخص في موضعه دون صخب، وكيف يأخذ حقه كاملًا بهدوءٍ يليق به وباسمه.
شعر فريد بضيق يشتعل في صدره، فأراد أن يهرب من هذا العبث الذي يلف المكان منذ الصباح. كان سيصعد إلى غرفته، عازمًا على الهروب من الضوضاء التي أثقلت رأسه. ولكن فجأة، شق صوت مزمار حاد الأجواء، فتوقف مكانه مذهولًا وقد أغمض عينيه بيأس، مُدركًا أن أفكار حسن العابثة لم تنتهي بعد .
استدار ببطء، مثقلاً بالضيق، فاتسعتا عينيه على مشهد غريب.
هناك، في باحة الفيلا، اقتحمت زوجان من الخيول المشهد، كان حسن يركب أحدها بينما عمر امتطى الآخر.
أخذا يتراقصان فوق صهوات الجياد وكأنهما أبطال عرض استثنائي، يتحركان على وقع ألحان المزمار التي ملأت الأرجاء.
وقف فريد متصلبًا، يعقد ذراعيه أمام صدره، وهو يتابع بصمت هذين الأخوين وكأنهما في تحدٍّ ساذج. تعالت أصوات المزمار، وانضم أصحاب حسن إلى المهرجان الراقص، يدورون حول الخيول في مشهد تام الغرائبية.
و بجرأة مبالغ فيها، اندفع أحد أصدقاء حسن نحو فريد، محاولاً جذبه للرقص معهم. لكن فريد رفض بحسم ولباقة لا تخلو من البرود، مكتفيًا بالبقاء على مقعد المتفرجين.
وفجأة أخرج حسن مسدسًا من جيبه دون سابق إنذار. رفعه عاليًا وبدأ بإطلاق النار في الهواء، بينما ما زال معتليًا صهوة خيله الذي راح يهتز وينساب مع نغمات المزمار وكأنه جزءٌ من العرض الغريب.
كان المشهد أشبه بحلم جنوني مبهر ومثير للقلق في آن واحد .. لكن، ورغم الفوضى المحيطة، اضطر فريد أن يعترف في خلده أن المشهد يحمل غرابة ممتعة، لكن لا مفر من كونه مزيجًا من الإزعاج والجنون بالنسبة له.
وفجأة، ترجل حسن عن جواده متوجهاً نحو والده، وقدّم له المسدس متوسماً في مشاركته بإطلاق النار في الهواء. فالتفت فريد متعجباً، ليشاهد مشهداً غريبًا وغير مألوف: ابتسامة كاملة ترتسم على وجه والده للمرة الأولى، وهو يتناول المسدس من يد حسن بحرفية وإتقان بالغين. ثم شدّ أجزاؤه بإحكام، ثم رفعه بثقة نحو السماء وأطلق رصاصتين تردد صداهما في المكان.
بعد ذلك، أعاد المسدس إلى حسن الذي تقبله من والده بتقدير واحترام، مقبّلاً رأسه بعاطفة جمّة.
كان لهذا المشهد وقع خاص في أعماق فريد، إذ تجلّت أمام عينيه صورة آسرة غارقة في الدفء، وأحس بصدق بأن قلب والده يفيض فرحاً من أجله، حتى وإن لم يبح بذلك علنياً. كما اجتاحه شعور عميق بالامتنان لحسن وعمر، اللذين استطاعا خلق أجواء مميزة حوله تحمل في طياتها مزيجاً من الجمال والغرابة. ورغم بعض الإزعاج الذي رافق هذه اللحظات، إلا أنها أثرت فيه بعمق لتبقى محفورة في ذاكرته مهما مر الزمن .
༺═────────────────═༻
مع بزوغ فجر يوم جديد ..
كان قد غادر أصدقاء حسن بعد انتهاء حفلتهم الصاخبة المليئة بالطقوس العابثة، وبعد ذلك توجه أهل كوم الأشراف لقضاء ليلتهم في منزل حسن ومنزل عمر.
لاحقًا، ذهب فريد ليصطحب نغم من الفندق ويعود بها إلى المنزل، حيث اتجه كل منهما إلى غرفته على أمل الحصول على قسط من الراحة قبل يوم غد. لكن نغم، رغم محاولاتها للنوم، لم تستطع أن تهنأ بالراحة؛ إذ كان النوم يعاندها ويبتعد عنها كلما أغمضت عينيها، تاركًا إياها في حالة من الأرق.
ظلت تتقلب في فراشها كمن يفترش الجمر من أسفله، فقررت أن تهرب من بين جدران غرفتها وتنزل إلى الحديقة لكي تنعم ببعض الهدوء، والهواء الطلق .
نزلت في سكون الليل، مدفوعة بنداء داخلي خافت يدعوها إلى العزلة قليلًا، بعيدًا عن صخب الأفكار ..
كان الهدوء يلف أرجاء الفيلا كوشاحٍ من طمأنينة، ونسيم الليل ينساب حولها برفقٍ حنون، كأنه يهيّئها لاسترجاع ما تحاول الأيام طمسه.
لم تحدد وجهة بعينها، غير أن قدميها قادتاها، دون وعي، نحو المرجوحة… ذلك الركن الذي احتضنها منذ خطواتها الأولى في هذا المكان.
توقفت أمامها برهة، تتأملها بصمتٍ طويل، كأنها تقف أمام مرآة تعكس ماضيها. انسابت الذكريات إلى قلبها؛ فجلست عليها ببطء، أغمضت عينيها، وضمّت نفسها بذراعيها، كمن يحتضن ذكرى غالية .
عاد إلى ذاكرتها صوت فريد قديمًا، يوم أخبرها أن تلك المرجوحة تخص والدته، وأنها محرّمة على الجميع… إلا عليها.
هي وحدها كانت الاستثناء.
يومها لم تدرك عمق المعنى، أما الآن، فقد اتسعت ابتسامتها وهي تستوعب أن استثنائيّتها لم تكن طارئة، بل كانت حاضرة منذ الوهلة الأولى.
منذ عرفها، وهو يراها بعينٍ لا ترى سواها؛ يذكّرها دائمًا بأنها حبيبته الاستثنائية، رغم أنها لم ترَ نفسها يومًا كذلك. كانت ترى أنها فتاة عادية، بل أقل من العادي أحيانًا، لكنه لم ينظر إليها إلا كقيمة نادرة لا تتكرر.
في الماضي، كانت تجلس هنا متخفية من العيون، كأن وجودها ذاته خطيئة يجب سترها. تضمّ نفسها بذراعيها خوفًا لا من الليل، بل من كل الموجودين هنا، من بطشٍ لم يُمارس عليها صراحة، لكنه كان يسكن نظراتهم ونبرات صوتهم.
كانت تشعر أنها ظلّ عابر، لا اسم له ولا وزن، وأن وجودها في ذلك البيت لا يتجاوز كونه صدفة قابلة للمحو في أي لحظة.
أما الآن، فقد تبدّل كل شيء .
الآن هي ليست أقل من أي شخص هنا.. لن تختبئ ولن تنكمش من جديد.
وبعد ساعاتٍ قليلة فقط، ستُزفّ عروسًا لسيد هذا المنزل الكبير، من الآن فصاعدا لن تُعامل كطارئة ولا كضيفٍ ثقيل، بل كجزء أصيل من المشهد، كقدرٍ استقرّ أخيرًا في موضعه الصحيح.
انسابت إلى ذاكرتها أحلامها القديمة، تلك التي كانت تبدو آنذاك بعيدة وبسيطة في آنٍ واحد؛ أن تُعامَل كملكة، أن يُنادوها بـ"الهانم"، أن تُرى وتُقدَّر.
ابتسمت بسخريةٍ دافئة من سذاجة تلك الأحلام، لا لأنها كانت صغيرة، بل لأنها لم تتخيل يومًا أن تتحقق هكذا… بلا سعي منها .. وكأن الحياة قررت فجأة أن تعوّضها دفعةً واحدة، عن كل شعورٍ قديم بأنها لا تستحق.
ورغم أنها لم تطمح يومًا أن تطأ قدمها عتبة ذلك المنزل، ولا أن يشدّها قدرٌ مصيري إلى تلك العائلة التي طالما بدت لها غريبة الأطوار، بعيدة عنها روحًا وتكوينًا… إلا أنها لم تعد قادرة على إنكار ما تشعر به الآن.
سعادتها لم تكن وليدة الثراء، ولا بريق الاسم، ولا رهبة النفوذ الذي يسبقهم أينما حلّوا؛ بل كانت سعادة أكثر بساطة، وأكثر عمقًا في آنٍ واحد. سعادة الانتماء. أن تصبح جزءًا من جدار، حجرًا ثابتًا له موضعه ودوره ..
لطالما رغبت في أن تُنسب إلى عائلة… أي عائلة.
أن تحمل اسمًا لا يتبدل مع الريح، ولا يهتز عند أول عاصفة.
أن تشعر بأنها ليست فرعًا يتيمًا مقطوعًا من شجرة، ولا ظلًّا باهتًا يتلاشى عند الغروب.
كانت تريد جذورًا، مهما كانت بسيطة .
وجوهًا تُنادى باسمها لا بدافع الشفقة، بل بدافع الاعتراف بأنها منهم… وبأنهم لها.
والآن، وهي تقف على عتبة الغد، تدرك أن القدر لم يمنحها كل ما حلمت به بالطريقة التي تخيلتها، لكنه منحها ما هو أثمن: الإحساس بأنها لم تعد وحدها، وأن هناك من اختارها، لا كعبء، ولا كاستثناء عابر، بل كجزء أصيل من حكايته .
وفجأة، انقطع خيط شرودها مع اهتزازٍ خفيفٍ في المرجوحة، كأن الواقع استدعاها برفق من عمق ذاكرتها. انتبهت على الفور، والتفتت ببطء، لتجده يقف خلفها، يدفع المرجوحة بخفة محسوبة، كأنه يخشى أن يوقظ ما بداخلها من سكون.
كان يبتسم… تلك الابتسامة التي لا تشبه سواها، صافية، دافئة، تحمل طمأنينة لا تُقال. ابتسامة تُشبه وعدًا صامتًا بأن كل ما مضى لم يكن عبثًا، وأن كل ما هو آتٍ يستحق.
انعكست ابتسامته على ملامحها دون وعي، فابتسمت بدورها، وقالت :
ـ صاحي ليه ؟! مش قلت هتنام ؟!
مال عليها، يقبل وجنتها بعمق وهو لا زال يدفع المرجوحة بخفة ويقول :
ـ حاولت معرفتش .. وانتي صاحية ليه ؟!
التفتت لتنظر إليه وقالت بابتسامة:
ـ حاولت معرفتش .
ابتسم، ثم استدار ليجلس إلى جوارها، وضمها إليه بقوة وهو يقول :
ـ قلقانة ليه .. بتفكري في إيه ؟!
اقتربت منه أكثر، وأسندت رأسها على كتفه في تلقائية دافئة، فشدّ عليها بذراعيه وكأنما يخشى أن تنفلت من حضنه. استقرا معًا في صمتٍ مريح، بينما هي تقول :
ـ مش عارفة .. حاجات كتير .
ورفعت عيناها تنظر إليه وهي تقول :
ـ وانت بتفكر في إيه ؟!
زم شفتيه بهدوء وقال :
ـ بحاول مفكرش .. أهم حاجه عندي إن بكرة يعدي على خير وبس .
أومأت بموافقة وقالت :
ـ إن شاء الله ..
كانت أنامله تغوص بين خصلات شعرها، تبعث فيها شعورًا عميقًا بالسكينة. فيما هي استسلمت لذلك الإحساس الدافئ، فأغمضت عينيها بخفة وكأنها تهرب إلى عالم من الراحة، على وشك الانجراف للنوم، لولا أنه قطع هو ذلك السكون حين أخرج هاتفه من جيبه بابتسامة خفيفة، وقال بنبرة أقرب للهمس:
— صح .. كان في حاجه عاوزك تشوفيها .
فتح الهاتف، وتنقّل بين صفحاته حتى استقر على أحد مواقع المتاجر الإلكترونية. مالت نغم نحوه بفضول، وما إن بدأت الصور تظهر حتى اتسعت عيناها دهشة.
كانت معروضات أنيقة من قطعٍ نسائية خاصة، موضوعة بعناية على مانيكانات جامدة لا روح فيها، فلا جسد حيّ ولا نظرة موحية، فقط قوالب صامتة تستعرض القَصّات والخطوط.
مصمّمة بذوق جريء لكنه لا يجنح إلى الابتذال ولا يتعمد الإثارة الفجة. ألوان ناعمة تلامس العين برفق؛ عاجيّ، ورديّ خافت، وأزرق ليليّ هادئ، تقابلها درجات داكنة عميقة تحمل وقارًا خاصًا، كالعنّابي والأسود الحريري.
تفاصيلها دقيقة، حوافّ من الدانتيل الرقيق، وخيوط تنسدل بانسيابٍ مدروس، وكأنها تعرف أي إمرأة سترتديها .
لهذا تحديدًا، ارتبكت نغم… لأنها حالمة وفاتنة أكثر مما توقعت، ولأنها فجأة أدركت أن ذوق فريد في هذا الأمر لم يكن عابرًا ولا طائشًا، بل امتدادًا لطريقته في النظر إليها هي نفسها .
توردت وجنتاها فور أن وقعت عيناها على شاشة الهاتف، كأن الدم اندفع إليها دفعة واحدة. أدارت وجهها نحوه ببطء، ونظرتها حادة تجمع بين خجلٍ مباغت ودهشة لم تُحسن إخفاءها، وقالت بصوت خرج متوترًا رغم محاولتها التماسك:
— إيه ده؟!
انفلتت منه ضحكة خفيفة، ضحكة رجلٍ يعرف تمامًا أثر ما يفعله ويستمتع به .
واصل تمرير الصور بإبهامه في هدوء، كأن الأمر بديهي لا يستحق كل هذا الارتباك، ثم قال بنبرة مرحة لا تخلو من ثقة:
— Baby dolls… زي ما إنتِ شايفة.
تصلّبت ملامحها للحظة، ونظرت إليه بصدمة غير متوقعة .. لم تكن صدمتها في الشيء ذاته، بقدر ما كانت في صدوره منه بهذه العفوية. لذا هتفت بانفعالٍ لم تستطع كبحه:
— أيوه… مانا عارفة !
أمال رأسه قليلًا، وارتسمت على وجهه ملامح دهشة مصطنعة، كأنه لا يفهم سر انفعالها، وقال وهو يبالغ في البراءة:
— ولما إنتِ عارفة، بتعملي عبيطة ليه؟
زمت شفتيها في ضيقٍ حقيقي، ونظرت أمامها للحظة قبل أن تعود إليه بنبرة أكثر جدية، وقد امتزج الغضب بالخجل في صوتها:
— بسأل لأني مستغربة… ومصدومة فيك بصراحة.
اتّسعت عيناه دهشة، وتسللت إلى شفتيه ابتسامة غير مصدِّقة وهو يتأمّلها؛ لم يكن يتوقّع أن تنقلب اللحظة بهذه السرعة إلى هذا القدر من الجدية. بدت غاضبة حقًا، لا تمثّل ولا تبالغ، بينما هو—على العكس—كان يتلذّذ بارتباكها وحرارة ردّ فعلها.
قال وهو يميل برأسه قليلًا، بنبرة امتزج فيها الاستفهام بالمشاكسة:
— مصدومة فيَّا؟!
أجابته بجدٍّ لا يحتمل المزاح:
— فوق ما تتخيّل.
ازدادت دهشته، ثم انفجر ضاحكًا، ضحكة عالية صافية، بينما كانت تحدّق فيه بغيظ واضح، وقالت بنبرة محتجّة: — إنت إزاي أصلًا تبصّ على حاجات زي دي؟!
حاول أن يكبح ضحكته، ومسح على فمه بيده قبل أن يجيب، متصنّعًا البراءة:
— حاجات إيه يا بيبي؟ ما قدّامك أهو… معروضة على مانيكان!
ضيّقت عينيها أكثر، ولم يُخفِّف ذلك من حدّتها، فردّت:
— ولو!
ثم تابعت بنبرة أشدّ:
— وبعدين إنت بتوريهالي ليه أصلًا؟!
رفع حاجبيه، وردّ بحدّة مماثلة لكنها مشبعة بالثقة:
— يمكن لأنك إنتِ اللي هتلبسيهم مثلًا؟!
رمقته بنظرة حرج أعمق، وكأن كلماته أصابتها في موضع لم تكن مستعدّة له. فجأة نهضت من مكانها، وقالت بنبرة حاسمة تحاول أن تُخفي بها ارتباكها:
— أنا تعبانة وعايزة أنام… تصبح على خير.
لكنّه لم يتركها تمضي؛ أمسك بيدها وجذبها لتجلس من جديد رغم مقاومتها الخفيفة، وقال ساخرًا:
— على أساس إنك مش جايلِك نوم .
أجابت بعناد واضح:
— بس دلوقتي حاسّة إني عايزة أنام.
تفرّس في ملامحها مطوّلًا؛ غضبٌ يمتزج بخجل، وضيقٌ يتقاطع مع ارتباك لطيف، لوحة انفعالات لم يُخفِ استمتاعه بها. قال بنبرة منخفضة متلذّذة:
— عايزة تنامي… ولا عايزة تهربي؟
أومأت بعصبية، وكأنها حُوصرت أخيرًا:
— أيوه… بالظبط. عايزة أهرب. ممكن تسيبني بقى أهرب؟
هزّ رأسه نافيًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة متلاعبة لا تخلو من الحسم:
— للأسف… مبقاش ينفع هروب من هنا ورايح. اتدبّستي، واللي كان كان.
تنهدت بهدوء تحاول صرف ذلك التوتر عنها، بينما هو بجوارها لا زال يتفرس في ملامحها بعشق ووله وهو يقول :
ـ إيه رأيك في الأبيض ؟!
نظرت إليه بطرف عينها بانزعاج مخلوط بالحرج، بينما هو كبح ضحكاته وهو يتابع بمنتهى الجدية:
ـ أنا شايف إنه خطير .. وهيبقى أخطر لما تلبسيه .
حينها التفتت نحوه بحدة وهتفت :
ـ فريد .. لو سمحت .
علت ضحكاته وهو يطوق عنقها بذراعه ويجذبها نحوه معانقًا إياها بقوة، فتعلقت بعنقه بنفس القوة وقالت وكأنما تحدث نفسها وتصرّح بقلقها الدفين:
ـ خلاص مش فاضل غير ساعات ..
أومأ وهو يمسح على ظهرها وشعرها بحنو :
ـ وأخيرا .. بعد طول انتظار هتكوني مراتي .
تشبثت أصابعها بقميصه لا إراديًا وتابعت :
ـ مفيش حد هيقدر يفرقنا تاني .
هز رأسه مؤكدًا وتابع :
ـ مستحيل .
هدأ توترها قليلا، وابتعدت عن عناقه خطوة، نظرت إليه ثم مالت تضع قبلة دافئة على وجنته وهي تنظر إليه باعتزاز وامتنان وتقول :
ـ انت أحسن وأجمل وأحن راجل في الدنيا .
ابتسم فريد بهدوء، وأهداها قبلة مماثلة على وجنتها وقال :
ـ وانتي أحلى وأجمل وأحن بنوتة في الدنيا .
ومال نحوها يمنحها قبلةً أودعها فيها كل مشاعره، تحولت على إثرها كل أعصابها إلى أسلاك كهربائية مشتعلة، اقشعر بدنها، وتسارعت دقات قلبها، ودار ذهنها ..
همس إليها بكلماتٍ عاشقة زادت اشتعال وجهها، وتحرك إبهامه فوق ظهرها برفق شديد في دائرة تركت وراءها قشعريرة واضحة سافرت إلى كل زوايا جسدها .
نهضت هي على الفور، نظرت إليه بعينين هائمتين، غائمتين، وسرعان ما تركته وأسرعت إلى الداخل، تهرب إلى غرفتها .
بينما ظل هو جالسًا في مكانه، ينظر في أثرها مبتسمًا، يمنّي نفسه ويطمئنها، حتى وإن هربت الآن.. فبعد ساعات ؛ لا مجال للهرب .
༺═────────────═
#يتبع
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق