رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الرابع وستون 64 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات
رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الرابع وستون 64 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات
ـ ٦٤ ~ حالة حب نادرة !
استيقظت نغم من نومها… أو بالأحرى نهضت من فراشها بعد محاولاتٍ طويلة فاشلة للاستسلام للنوم. جلست على طرف السرير، تضم بطنها بيديها، كأنها تحاول احتواء ذلك التوتر الذي كان يعتصر معدتها وينتشر في جسدها كلما تذكّرت أن هذا اليوم هو يوم فرحها وزفافها.
رفعت عينيها نحو السماء، بنظرةٍ ممتلئة برجاءٍ صامت، وكأنها لا تطلب من الله سوى أمنية واحدة: أن يمرّ هذا اليوم بسلام. كانت تلك أقصى أمانيها، لا فرحًا زائدًا ولا مظاهر، فقط سلام لا يُخدش.
توسلت إلى الله ألا يحدث ما ينتزع منها فرحتها، وأن يمر اليوم هادئًا لأجل فريد قبل أي شيء آخر. في أعماقها كانت تسكن مخاوف لا تملك الجرأة على إنكارها؛ شعور غامض بأن يدًا من الماضي قد تمتد فجأة لتفسد. كل شيء، أن يقتحم أحدهم الحفل ويفعل ما يعيد فتح جراحٍ ظنت أنها التأمت. كان القلق ينهشها لأن سالم ما زال يحتفظ بمقطع الفيديو، وكانت فكرة عرضه وسط الفرح تطاردها ككابوس لا يهدأ.
تكاثرت مخاوفها، وتزاحمت الأفكار في رأسها حتى لم تعد قادرة على البقاء في مكانها. نهضت ببطء، واتجهت إلى الحمّام، توضأت بماءٍ باردٍ كأنها تغسل به ثقل قلبها، ثم وقفت بين يدي الله. هناك فقط، سمحت لنفسها أن تضعف، أن تفصح عن كل ما تخشاه، وأن تدعو من أعماقها أن يمر هذا اليوم بسلام… سلامٍ يحفظ فرحتها، ويصون قلب فريد، ويُبقي الماضي حيث يجب أن يبقى.
ــــــــ
في الوقت نفسه، كان فريد يقف في غرفته، يؤدي صلاته بخشوعٍ عميق، يرفع كفّيه إلى السماء داعيًا الله أن يمرّ هذا اليوم كما خطّط له، وأن تكتمل فرحتهم على خير… لأجل نغم قبل أي شيء، لأنها ـ في نظره ـ تستحق هذه الفرحة كاملة غير منقوصة.
وحين أنهى صلاته، شعر بقليلٍ من الطمأنينة يتسلل إلى قلبه، كأن الدعاء أزاح عنه بعض الثقل. وقف أمام الخزانة، يتأمل ملابسه، لكن لوهلةٍ، وكأن قوة خفية قادته، امتدت يده نحو خزنته السرية. فتحها ببطء، وأخرج منها إطارًا صغيرًا يحتضن صورة والدته.
توقف الزمن للحظة وهو يحدق في ملامحها. ابتسامتها الهادئة، ونظرتها الحنونة، أعادت إليه كل ما فقده. قرّب الصورة من شفتيه، وطبع عليها قبلة دافئة، ممتلئة بالشوق والحنين، وهو يتخيل لو أن والدته كانت حيّة تشهد هذا اليوم… كيف كانت ستفرح به، وكيف كان قلبها سيغمره الفخر وهي تراه عريسًا، في يومٍ طالما حلمت أن تراه فيه.
قطع شروده في تلك اللحظة صوتُ الباب وهو ينفتح على مصراعيه، ليظهر حسن وعمر واقفَين أمامه، تعلو وجهيهما ابتسامة عريضة لا تخطئها العين. لم يلبثا أن بدآ في الغناء بصوتٍ صاخب؛ حسن يصدح بكلماتٍ مرتجلة مليئة بالفرح، وعمر يطرق على باب الغرفة بإيقاعٍ مرح، وكأنهما يصنعان احتفالًا خاصًا لا يليق إلا بعريس هذا اليوم.
وقف فريد يتأملهما مبتسمًا، وقد كان ينتظر هذه الفقرة الصاخبة منذ الصباح، تاركًا لهما المساحة حتى يفرغا ما لديهما من ضجيجٍ وفرح. وما هي إلا لحظات حتى اندفعا نحوه معًا، يحيطان به، يغدقانه بالقبلات والعناق، في مشهدٍ عفوي دافئ، تختلط فيه الضحكات بالمحبة، ويعلن بداية يومٍ لا يشبه أي يومٍ آخر.
ـ ألف مبروك يا عريس..
قالها حسن بابتسامةٍ واسعة، فبادلهم فريد الابتسامة وهو يعانقهما معًا قائلاً:
ـ ربنا يخليكم ليا، وعقبال ما أفرح بيكم إن شاء الله.
تمتم حسن بدعاءٍ قصير، ثم انصرف فجأة نحو غرفته، ليعود بعد لحظاتٍ مسرعًا وهو يحمل حقيبةً مغلقة بإحكام. وقف أمام فريد ونظر إليه بنظرةٍ ذات مغزى وقال:
ـ اقعد يا عريس… خلّينا ننول شرف حلاقتك.
تطلّع إليه فريد متعجبًا وقال:
ـ متشكر يا حسن، ما تشغلش بالك، أنا هظبط كل حاجة… بس هوصل نغم الأول.
لكن حسن لم يترك له مجالًا، فهتف باعتراضٍ قاطع وبإصرارٍ واضح:
ـ عليّ الطلاق ما يحصل… قلت لك لازم ننول شرف حلاقتك يا عريس .. جايز نتعدي قريب .
وما إن همّ فريد بالاعتراض مجددًا، حتى كان عمر قد تحرّك بسرعة، ساحبًا مقعدًا وواضعًا إياه خلفه، بينما اقترب حسن ووقف محاصرًا إياه من الأمام. لم يجد فريد مفرًا، فجلس على المقعد مستسلمًا، وهو ينظر إلى حسن بابتسامة وقال:
ـ طيب… اتأكد إن كل حاجة متعقمة كويس الأول.
ضحك حسن بخفةٍ مطمئنًا إياه وقال:
ـ ما تقلقش… كل حاجة متعقمة وزي الفل.
فتح حسن الحقيبة على مهل، التقط الماكينة منها واقترب من فريد، بدأ حسن يمرر الماكينة على جانبي وجهه بحذرٍ وتركيز واضح رغم محاولاته إخفاءه بالمزاح.
كان يبتعد خطوة، ينظر في ملامحه، ثم يعود ليعدّل خط اللحية بدقة، بينما يقف عمر خلفهما، يراقب المشهد بعينين لامعتين تملؤهما الفرحة والحماس .
أنهى حسن آخر لمسة، بينما مرر فريد يده على ذقنه ليتأكد من نعومتها، ثم زم شفتيه برضا وهو يقول :
ـ ألف شكر يابو علي .. مردوده لك إن شاء الله .
نهض فريد من مكانه، نظر إلى انعكاسه في المرآة، ثم التفت إليهما بعينين فيهما امتنانٌ واضح:
ـ بجد مش عارف من غيركم كنت هعمل إيه ! انتوا أكبر نعمه ربنا أنعم عليا بيها .
تعانق الثلاثة مرةً أخرى، ولم تكد اللحظة تكتمل حتى اقتحم الغرفة صوت الزغاريد عاليًا، حادًا، كأنه يعلن عن الفرح رسميًا. التفتوا جميعًا، فإذا بزينب تدخل وهي تحمل مبخرة يتصاعد منها الدخان العطِر، تطوف حولهم الثلاثة بخطواتٍ خفيفة، لا تتوقف عن إطلاق الزغاريد الممزوجة بضحكاتٍ مرتجفة من شدة الفرح.
دارت حولهم مرة، ثم ثانية، قبل أن تتوقف أخيرًا. أنزلت المبخرة من يدها، ورفعت عينيها نحو فريد، فإذا بالدموع تسبق الكلمات. حاولت أن تتمالك نفسها، لكن الدموع انسابت على خديها دون مقاومة، وفجأة اندفعت نحوه واحتضنته بقوة وهي تقول بصوتٍ مرتبك:
ـ مش قادرة أصدق إنك بقيت عريس يا فريد… حاسة إني بحلم. السنين عدّت بسرعة قوي يا حبيبي.
بادلها فريد العناق بحنانٍ صادق، ثم قبّل أعلى رأسها ويدها في امتنانٍ عميق، وقال بصوتٍ دافئ:
ـ البركة فيكي يا زوزو… ربيتيني وكبرتيني لحد ما بقيت عريس. مبروك يا أم العريس.
ثم ابتسم ابتسامة خافتة وهو يضيف بمزاحٍ لطيف:
ـ مع إنك صغيرة أوي على اللقب ده.
ضحكت زينب وسط دموعها، ومسحت خديها بكفّها، بينما وقف حسن وعمر يتبادلان النظرات في صمتٍ نادر. لم تحتمل زينب المشاعر المتدفقة بداخلها، فعانقتهما من جديد، وقد شعرت في تلك اللحظة أنها حقًا أم العريس؛ فهي من احتضنت فريد منذ مجيئه إلى الدنيا، وشهدت كل مراحله، كل تعثراته وخطواته الأولى، كل نجاحٍ وخيبة، حتى وقوفه اليوم عريسًا. كان شعورها لا يقل أبدًا عن شعور أم تزوّج ابنها لتوّه.
التفتت إلى حسن، الذي بدا التأثر واضحًا في عينيه، فضمّته إلى صدرها بحنان الأم وقالت:
ـ عقبالك يا حبيبي.
ثم انتقلت إلى عمر، وعانقته هو الأخر وهي تربت على ظهره بمحبة صادقة، وتابعت:
ـ وإنت كمان يا عمورة يا حبيبي… ربنا يبعت لك بنت الحلال ويجبر بخاطرك.
ابتسم عمر ابتسامة واهنة دون أن يعلّق، قبل أن تقطع تلك اللحظة الحميمة دخول إحدى الخادمات، وهي تقول باحترامٍ متعجل:
ـ الباشا مستنيكم في أوضة السفرة على الفطار… وبيستعجلكم.
انسحبوا من الغرفة تباعًا، وتركوا فريد وحده. دخل الحمّام، اغتسل، ثم بدّل ثيابه بسرعة، وكأن قلبه يسبقه إلى الخارج. ما إن خرج حتى مرّ بغرفة نغم، فتوقف وطرق الباب برفق. فتحت له، فاستوقفه فورًا شحوب وجهها، ونظرتها المرهقة.
تأملها بقلق وقال:
ـ مالك يا نغم؟ وشّك أصفر ليه كده؟
هزّت رأسها بعد تنهيدة متعبة، وقالت بصوتٍ خافت:
ـ مش عارفة… متوترة قوي ومعدتي وجعاني.
تنفّس بهدوء واقترب منها، ثم ضمّها إلى صدره وهو يقول بحنان:
ـ مش قلت لك ما تفكّريش في حاجة؟
رفعت عينيها إليه، وفي نظرتها استجداء واضح للأمان، وقالت:
ـ مش عارفة مافكّرش… أنا خايفة ومرعوبة.
أمسك وجهها بين كفّيه بحنانٍ احتوائي، وحدّق في عينيها مباشرة وهو يقول:
ـ طيب قولي لي… خايفة من إيه؟
أغمضت عينيها بيأس، ترددت لحظات، ثم أطلقت خوفها أخيرًا:
ـ هو… هو ممكن سالم بيه يعرض الفيديو في الفرح؟ مش كده؟
ارتفع حاجباه بدهشةٍ حقيقية، وبدت الصدمة واضحة على ملامحه وهو يقول:
ـ إيه اللي بتقولي ده يا نغم؟! مش للدرجة دي يعني… وبعدين أصلًا أنا كسرت السي دي اللي كان عليه الفيديو، فاطمني من الناحية دي.
نظرت إليه بلهفةٍ لا تخلو من خوف وكأنها تتشبث بكلماته قبل أن تضيع، وقالت:
ـ بجد والله؟
ابتسم بثقةٍ وهو يؤكد:
ـ والله كسرته، ما تقلقيش.
ـ طيب ليه مقولتليش ؟!
ـ بصراحة متخيلتش إنك لسه بتفكري في الموضوع علشان كده محبتش أفكرك بيه ..
وبعدين يا حبيبتي إيه اللي مخوفك وبيخليكي تفكري بالطريقة دي؟ انسي أي حاجة يا نغم، ما تخافيش يا روحي… أنا عامل حساب كل حاجة.
لم تتمالك نفسها، فتعلّقت بعنقه وطوّقته بذراعيها، كمن يجد أخيرًا ملاذه الآمن. بينما أخذ هو يمسح على ظهرها بحنانٍ مشوب بالشفقة والضيق، متألمًا لهشاشتها النفسية التي بدت أوضح من أي وقتٍ مضى.
انحنى وقبّل أعلى رأسها وقال بصوتٍ دافئ:
ـ مش عايزك تقلقي ولا تفكري في أي حاجة غير إنك تنبسطي باليوم ده بكل تفاصيله، وتفتكري إن في آخر اليوم أنا وإنتِ أخيرًا هنكون مع بعض… ده اللي عايزك تفكري فيه وبس.
رفعت عينيها إليه في صمتٍ طويل، صمتٍ ممتلئ بأشياء لم تُقال. تمنّت في تلك اللحظة لو تخبره بالحقيقة كاملة… أن كلماته، التي يقصد بها الطمأنينة، هي ذاتها ما يزرع الخوف في قلبها.
فأكثر ما يرعبها الآن، ليس الماضي فقط ولا تهديده، بل تلك الفكرة البسيطة القاسية:
أنها في نهاية هذا اليوم ستضطر لمجابهة لحظاتٍ تخشاها بقدر ما تحلم بها.
نظر إليها بهدوء وقال :
ـ يلا خلينا نفطر ونمشي علشان منتأخرش .
أومأت بهدوء، ثم أمسكت بيده، وسارا معًا نحو الأسفل.
دخلا غرفة الطعام حيث كان الجميع قد أخذ أماكنه المحددة.
قالا بصوتٍ هادئ:
– صباح الخير.
تتابعت ردود التحية بذات الهدوء، ثم جلس فريد في مواجهتها، فيما أشار سالم بيده إيذانًا ببدء الإفطار.
بدأ الجميع في تناول الطعام بصمتٍ نسبي، كلٌّ منهم غارقٌ في أفكاره، يحمل داخله ما لا يُقال.
إلى أن قطع هذا الصمت حسن، وهو يلتفت إلى فريد قائلًا بنبرة عفوية:
– قولي بقى يا عريس… جايب مين يحيي الفرح النهارده؟
نظر إليه فريد بانتباه، ثم زفر أنفاسه بهدوء وقال:
– حماقي وتامر حسني.
ارتفع.حاجبا حسن في اعتراضٍ صريح، وقال بنبرة غير راضية:
– حماقي وتامر حسني؟! بس دول على قدّهم قوي .
حدّق فيه فريد بدهشة، وقال مستنكرًا:
– على قدّهم؟! أومال إنت عايز مين يحيي الفرح؟
اتّسعت ابتسامة حسن المشاكسة، وقال وهو يهز رأسه:
– يعني رضا البحراوي، حسن شاكوش، أحمد شيبة…
ناس روشة كده .
تنهد فريد بهدوء وقال:
– والله يا حسن، دي اختيارات العروسة… وأنا كل اللي عليا إني أنفّذ طلبات العروسة وبس.
ثم التفت إلى نغم بابتسامة دافئة، قبل أن يعود بنظره إلى حسن ويلقي كلماته بنبرة ماكرة:
– وبعدين يا سيدي، في فرحك إن شاء الله اعمل اللي إنت عايزه… مطربين شعبي، كلاسيك، أجانب… اللي يريحك.
أومأ حسن موافقًا، وقبل أن يعلّق، خانته التفاتة عفوية نحو چيلان، فقال وهو يبتسم:
– معاك حق… أنا بس ألاقي بنت الحلال، وبعدها كله سهل.
توترت چيلان على الفور.
تنهدت بخفة، ثم رفعت عينيها نحوه ببطء… لتُصدم بعينيه معلّقتين بها دون مواربة.
لذا أسرعت بصرف بصرها، ونهضت وهي تقول بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية:
– أنا شبعت… عن إذنكم.
وفي اللحظة ذاتها، وقفت نغم أيضًا وقالت بهدوء:
– وأنا كمان.
ثم نظرت إلى فريد وأضافت:
– هطلع أجيب شنطتي على ما تخلص.
أومأ فريد برأسه سريعًا، وأكمل طعامه على عجل، بينما كان سالم يرمقه باهتمام، وقال بنبرة حاسمة لا تخلو من استعجال:
ـ لو خلصت فطارك يا فريد، تعالى على المكتب… عايزك في كلمتين.
هز فريد رأسه بالموافقة، رغم القلق الذي تسلل إليه، ثم لحق بوالده. دخل خلفه المكتب، وأغلق الباب، قبل أن يشير والده إلى المقعد المقابل له.
ـ اقعد… عايز أتكلم معاك شوية قبل ما تمشي.
جلس فريد، واعتدل في جلسته، ينظر إلى والده باهتمام. للحظة، ظل سالم يطالعه في صمت، كأنه يزن كلماته، ثم باغته بسؤال لم يكن فريد مستعدًا له:
ـ طبعًا انت عارف إيه اللي المفروض يحصل النهارده… مش كده؟
قطّب فريد حاجبيه باستفهام، وقال بعفوية حقيقية:
ـ من ناحية إيه؟
تنهد سالم بقلق ظاهر، ثم قال بصوت منخفض لكنه مباشر:
ـ من ناحية اللي هيحصل بينك وبين مراتك… أقصد الدخلة يعني.
اتسعت عينا فريد في صدمة واضحة، وهتف باستنكار:
ـ الدخلة؟!
أومأ سالم بهدوء، كأن الأمر بديهي، وتابع:
ـ أيوه. لازم تبقى عارف كل حاجة بالظبط، بدل ما يبقى منظرك وحش قدام مراتك.
زفر فريد أنفاسه بعصبية، ومسح على وجهه بكفّه محاولًا السيطرة على انفعاله، وقال:
ـ من الناحية دي اطمن، أنا عارف كل حاجه متقلقش.
لكن سالم لم يقتنع، وواصل بإصرار أثار توتر فريد أكثر:
ـ وهتعرف منين بس؟ وانت عمرك ما كان لك تجارب مع الستات. ده انت في حياتك كلها عمرك ما سلمت على واحدة، ولو حصل تطلع تجري تستحمى كأن عندها الجرب!
بدأ فريد يهز قدمه بعصبية، وصوته خرج مكبوتًا وهو يقول:
ـ دي نقرة… ودي نقرة.
لكن سالم لم يتراجع، بل قال بلهجة أكثر قلقًا:
ـ إزاي يعني؟ صدقني أنا خايف عليك. الراجل لو ما أثبتش جدارته من أول يوم قدام مراته، بينزل من نظرها، وأنا مش عايزك تتحط في الموقف ده.
اندفع فريد نحوه، ونبرته خرجت حادة لأول مرة:
ـ ممكن حضرتك ما تشغلش بالك؟! أنا كويس جدًا الحمد لله، ومافيش أي حاجة تستدعي القلق.
تنهد سالم تنهيدة طويلة، ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها أهدأ:
ـ طيب لو مكسوف تتكلم معايا، أو تسمع مني… كلم إخواتك. انتوا شباب زي بعض، وأكيد مش هتتكسف منهم.
في تلك اللحظة، شعر فريد أن الحوار وصل إلى طريق مسدود، فإن أكثر ما يزعجه هو هذا التدخل السافر في أدق تفاصيل حياته. لذا نهض فجأة، وقال بنبرة قاطعة واضعًا حدًا للكلام:
ـ أنا لا محتاج أتكلم مع إخواتي ولا مع غيرهم. أنا واثق من نفسي الحمد لله، ومش محتاج استشارة من حد.
ثم عقد حاجبيه، وأشار بيده في حركة حادة متسائلة:
ـ وبعدين دي حاجة خاصة بيا أصلًا… مش من حق أي حد يتكلم معايا فيها.
نظر إليه سالم بخيبة أمل واضحة، وقال:
ـ طول عمرك حنبلي وعنيد… الحق عليّ إني قلبي عليك وعايزك ترفع راسنا.
كان فريد قد همّ بالمغادرة، لكنه توقف فجأة، واستدار نحو والده، وارتسمت على شفتيه ابتسامة متهكمة وهو يقول:
ـ أرفع راسكم؟! أرفع راسكم ليه؟! وانتوا مالكم أصلا ؟! بقول لحضرتك دي حياتي أنا .. ثم إن ده موضوع خاص جدًا ومش من حق حد أيًا كان هو مين يناقشني فيه.
ثم هتف باعتراض ساخر:
ـ قال ارفع راسكم قال!
واستدار مغادرًا الغرفة، ليلتقي بنغم التي كانت تنتظره بقلق ، فنظرت إليه وقالت بترقب :
ـ في إيه ؟!
ـ مفيش حاجه .. يلا بينا .
كان واضحًا عدم رغبته في الحديث، فآثرت الصمت، واستقلت السيارة إلى جواره دون أن تنبس بكلمة. قاد الطريق صامتًا، بينما كانت تراقبه بقلقٍ متزايد، حتى لم تحتمل أكثر وقالت بصوتٍ حذر:
ـ ممكن أعرف في إيه؟ سالم بيه قالك إيه مضايقك بالشكل ده؟
تنهد فريد بعجز؛ كان يدرك أن صمته سيترك خيالها يذهب بعيدًا، إلى مخاوف أخطر، فاستسلم وقال بهدوء مصطنع:
ـ ولا حاجة… كل الحكاية إنه قلقان عليّا وعايز يطمن إني هرفع راسه. مش فاهم بصراحة هو دخله إيه بالموضوع!
تنفست نغم بتوتر، ومدّت يدها دون وعي تدلّك جبهتها كأنها تحاول تهدئة أفكارها. لاحظ فريد ارتباكها، فنظر إليها بقلق:
ـ إنتِ كويسة؟
أومأت سريعًا:
ـ كويسة… متوترة شوية بس.
تنهد طويلًا، ثم قال بنبرة هادئة:
ـ والله وأنا زيك… بس طبيعي، أعتقد إن ده إحساس أي حد في يوم زي ده.
نظرت إليه وارتسمت على شفتيها ابتسامة خافتة، ثم أومأت موافقة:
ـ معاك حق…
ثم عقدت حاجبيها فجأة وكأنها انتبهت لتوّها:
ـ إنت حلقت؟
التفت إليها وهو يمرر يده على ذقنه بابتسامة خفيفة:
ـ البركة في حسن… صمم ينول شرف حلاقتي.
ضحكت بخفة وهي تهز رأسها بيأس، ثم شردت قليلًا تنظر من نافذة السيارة، قبل أن تعود إليه بعينين مثقلتين بالخوف:
ـ فريد… أنا قلبي مش مطمّن.
زفر أنفاسه ببطء، ثم أوقف السيارة على جانب الطريق، التفت إليها وجذبها نحوه ليضمها بين ذراعيه:
ـ ممكن تقولي لي إيه اللي شاغل بالك بالظبط؟
فاجأته بانفجار بكائها:
ـ مش عارفة… كل حاجة مخوفاني. خايفة يحصل حاجة تنكّد عليّا… أنا مش متعودة أفرح.
شدّد عناقه لها، ومسح على شعرها بحنانٍ صادق:
ـ متقلقيش… إن شاء الله كل حاجة هتعدي، والفرح هيكون جميل، وكل حاجه هتعدي زي ما مخططين ليها.. خليكي متفائلة.
أومأت بهدوء وهي تستند إليه، فأبعدها قليلًا وقبّل رأسها:
ـ أنا واثق إن ربنا هيتمم فرحتنا على خير إن شاء الله.
ـ يا رب… همست بها من قلبها.
عاد يقود السيارة حتى وصلا إلى الفندق. توقف أمامه، وترجلا معًا، ثم صعدا بالمصعد إلى الطابق الثالث حيث الجناح المخصص للعروس. وعند باب الجناح، أمسك بيدها برفق استعدادًا للرحيل:
ـ متفكريش في أي حاجة، اتفقنا؟
أومأت بطاعة، فتابع بابتسامة مطمئنة:
ـ هدي نفسك، وسيبيها على الله… كله هيعدي إن شاء الله.
مال ليطبع قبلة دافئة على جبينها، ثم مرر إبهامه على وجنتها بلطف:
ـ أشوفك بالليل… يا أحلى عروسة في الدنيا.
وانصرف، تاركًا إياها خلف الباب، تستعد لليلة العمر… وقلبها ما زال يرتجف بين الخوف والرجاء.
༺═────────────────═༻
بعد ساعاتٍ قليلة، بدأت مراسم الاستعداد في الڤيلا تدور على قدمٍ وساق، كلٌّ يستعد بطريقته، وكل غرفة تحمل حكاية مختلفة عن صاحبها.
في غرفة عمر ..
وقف أمام المرآة بعد أن أتم ارتداء بدلته السوداء ذات الماركة العالمية، يضبط أزرارها بيدٍ ثابتة، بينما عيناه معلّقتان بانعكاسه أكثر مما ينبغي.
كانت البدلة أنيقة، مفصّلة بعناية، تُظهره في أبهى هيئة، لكنها لم تُخفِ ذلك الشرود الذي يسكن ملامحه.
مرّر يده على شعره، ثم تنفّس بعمق، كأن الهواء أثقل من المعتاد. لا يعرف لماذا يشعر بانقباضٍ غريب في صدره، ولكنه سرعان ما تجاهله والتقط قنينة عطره الخاصة وبدأ ينثر منها زخات بسيطة حول عنقه ، وهو ينظر إلى انعكاسه في المرآة وهو يتخيل .. ماذا سيكون رد فعله عندما يرى ميرال الليلة ؟! وكيف سيكون رد فعلها ؟!
أما في غرفة حسن .. كان المشهد على النقيض تمامًا.
الموسيقى الشعبية تصدح من الهاتف بصوتٍ عالٍ .. بينما وقف حسن أمام المرآة لا يكاد يستقر في مكانه.
نصف البدلة على جسده، والجزء الآخر ملقى بإهمال على السرير، وقميصه مفتوح الأزرار، يكشف عن صدره وهو يضحك بصوتٍ عالٍ مع أحد أصدقائه عبر مكالمة فيديو.
ـ بقوللك إيه يا كردي ، عاوزك تشرفني النهارده إنت والرجالة قدام المعازيم .. أي حركة نص كم كده ولا كده هزعل وانتوا عارفين زعلي وحش إزاي .. يلا، أسيبك أنا بقا دلوقتي وأجهز ، أشوفك بالليل .
وأغلق الهاتف فجأة، ثم عاد ينظر إلى انعكاسه في المرآة، عقد حاجبيه قليلًا، كأنه لا يرى ما يريد رؤيته.
التقط جاكيت البدلة وارتداه على عجل، شدّ الأكمام بقوة، ثم تركها دون اكتراث، وكأن الأناقة آخر ما يشغله.
التقط زجاجة العطر ورشّ منها بسخاء، حتى امتلأت الغرفة برائحة نفّاذة تعكس حضوره الصاخب.
يده في شعره، عبث به أكثر مما رتّبه، حاول ربط ربطة عنقه بإحكام ولكنه فشل، لذا تركها مفكوكة وغادر الغرفة على عجل، فإذا به يلتقي بچيلان التي تتجه نحو غرفتها .
وقفت تتأمله بصمت، ولن تنكر أن أكثر ما يستوقفها فيه في كل مرة تلك الفوضوية المبعثرة التي تحيط به؛ فوضى لا يتكلفها ولا يتعمدها، بل تأتي تلقائية كحضوره، صادقة بلا تصنّع.
هي التي طالما جذبها الرجل الأنيق الواثق، الدقيق في كل تفصيلة من مظهره، فوجئت بنفسها تكتشف أن حسن… بعبثيته الواضحة، وربطة عنقه المفكوكة، وشعره الذي لم يحسم أمره بين الترتيب والتمرد، صار في نظرها أكثر وسامة وجاذبية من كل أولئك الرجال مجتمعين.
التقت عيناهما للحظةٍ خاطفة، لحظة قصيرة لكنها مشحونة بما يكفي لإرباكها. ابتسم حسن ابتسامة جانبية وهو يرفع حاجبه ساخرًا:
ـ إيه؟! شكلي حلو للدرجة دي؟
انتبهت چيلان إلى نفسها سريعًا، فأبعدت عينيها محاولة التماسك، بينما هو ضحك بخفة وهو يتفحص ربطة عنقه المفكوكة، ثم اقترب منها على مهل حتى وقف أمامها مباشرة وقال بنبرة مازحة:
ـ ينفع لو مفيهاش رزالة يعني… تربطي لي الكراڤتة؟
نظرت إليه بدهشة ممزوجة باستنكار وهو يقترب أكثر، وقالت:
ـ على أساس إنك مش بتعرف تربط الكراڤتة؟
رفع كتفيه متصنعًا البراءة وهو يجيب:
ـ وأنا هعرف منين؟ أنا مليش في لبس البدل ولا الكلام الرسمي ده.
توقف أمامها تمامًا، حتى حجب عنها الهواء بفارق طوله الواضح، وظل يرمقها بثبات أربكها، فرفعت عينيها إليه دون قصد، تأملت ملامحه بلا تكلّف، انتابتها رجفة خفيفة، وهي تمد أناملها لتربط الكراڤتة.
وفي اللحظة التي اقتربت فيها أكثر، مال برأسه قليلًا ونظر إليها بنظرة مشاكسة وهو يقول:
ـ عقبال ما نتعب لك كده يوم فرحك إن شاء الله.
رفعت عينيها إليه، فالتقت بتلك النظرة العابثة التي تعرف جيدًا أنه يتعمد من خلالها استفزازها، فعضّت على شفتيها بغيظ مكتوم، وأحكمت عقدة الكراڤتة حول عنقه بقسوة متعمدة.
فشهق متألمًا وهو يتصنع البراءة قائلاً:
ـ آه… بالراحة! حاسبي هتخنقيني.
نظرت إليه ببرود متكلّف وهي تُعدل العقدة للمرة الأخيرة، وقالت بنبرة مقتضبة:
ـ بتجهز بدري كده ليه؟
أجابها وهو يثبت نظره في عينيها، مستغلًا قرب المسافة بينهما:
ـ أنا وعمر لازم نرتّب شوية حاجات قبل الفرح.
لم تُعلّق، فاستطرد يسألها:
ـ وإنتِ لسه مجهزتيش ليه ؟
ردّت باختصار :
ـ كان عندي كام مشوار الأول.
أومأ بتفهّم، بينما كانت قد ابتعدت خطوة وأحكمت عقدة الكراڤتة وهمّت بالمغادرة، لكنه استوقفها قائلًا:
ـ تسلم إيدِك.
رمقته بنظرة هادئة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة متهكمة مصطنعة، فتابع بنبرة مازحة لا تخلو من قصد:
ـ بس واضح إنك شدّيتيها بزيادة… باين عليكِ مش طايقاني.
رمقته بضيقٍ ظاهر، ثم همّت بالدخول إلى الغرفة، لكنه باغتها حين تقدّم نحوها خطوة واحدة وهو يناديها بلهفةٍ خرجت من صدره قبل أن يرتّبها عقله:
ـ چيچي… استني.
توقفت رغماً عنها. ذلك الاسم، الذي لا ينطق به إلا المقرّبون، ومعه نبرته الدافئة المتعجلة، كانا كفيلين بأن يربكاها على نحوٍ لم تستعد له.
رفعت يدها تُعدّل خصلات شعرها بعصبية، كأنها تؤنّب نفسها لأن تفاصيل بسيطة كهذه باتت تؤثر فيها، ثم التفتت إليه متصنّعة البرود وقالت:
ـ أفندم؟
وقف أمامها متردداً، يعلم جيداً أن ما سيقوله قد يشعل غضبها، ومع ذلك قال بهدوءٍ حذر:
ـ ينفع النهارده في الفرح… تلبسي حاجة حشمة؟
ضيّقت عينيها باستهجان ورددت بحدّة:
ـ حشمة؟!
أومأ مؤكِّدًا وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها هادئة:
ـ أيوه… قصدي بلاش لبس مكشوف يعني.
رفعت حاجبيها ببرودٍ مستفز، ثم تقدّمت نحوه من جديد حتى توقفت أمامه مباشرة، عقدت ذراعيها أمام صدرها وحدّقت فيه بتحفّز:
ـ وإنت مالك؟!
رفع حاجبيه بدوره وهتف باندفاعٍ خرج عن سيطرته:
ـ مالي إزاي؟! هو أنا غلطان عشان مش عايز حد يبص لك بصّة كده ولا كده؟!
اشتعلت نبرتها أكثر وهي تهتف بغيظ:
ـ بردو إنت مالك؟!
أشاح بوجهه عنها وهو يزفر أنفاسه بنفاد صبر:
ـ هو عناد وخلاص؟! ما تسمعي الكلام!
تقدّمت خطوة إضافية بعصبية أجبرته على التراجع خطوة للخلف، ورفعت سبّابتها في وجهه بتحذيرٍ صريح وهي تقول بنبرةٍ قاطعة:
ـ اسمع يا بني آدم يا مستفز إنت… إياك تتدخل في حياتي مرة تانية، إنت فاهم؟!
أخذ يحدق في سبّابتها المرفوعة في وجهه كأنها فوهة مدفع مصوّبة إلى صدره، فاشتعل غضبه دفعةً واحدة، وقال بعصبية لا تقل حدّة عن حدّتها:
ـ لا، مش فاهم… وخلي في علمك، لو شوفتك لابسة حاجة عريانة وحد بص لك بصة مش على هوايا، أنا هرتكب جناية النهارده، وتكوني إنتِ السبب فيها.
حدّقت فيه بذهولٍ صريح، وكأنها لم تصدّق ما سمعته للتو، ثم تمتمت باستنكارٍ غاضب:
ـ وانت مالك؟! إنت مين أصلًا علشان تتدخل في حياتي وتقول لي ألبس إيه وما ألبسش إيه؟! هو إنت من بقية أهلي؟!
قاطعها سريعًا، بنبرة مجادِلة خرجت عن هدوئه المعتاد:
ـ من بقية أهلك غصب عنك.
رمقته بدهشةٍ مشوبة بالاستنكار، فاسترسل وهو يلقي جملته المعهودة، تلك التي يلجأ إليها كلما حُصر في الزاوية:
ـ هو إنتِ مش أخت أخويا؟! يبقى أختي.
ضيّقت ما بين حاجبيها باستهجانٍ عميق، ثم انفجرت فجأة بحدّةٍ لاذعة:
ـ أختك؟! إنت غلطان… أنا مستحيل أكون أخت واحد زيك.
جاءت كلماتها كطعنةٍ مباشرة في كبريائه. حدّق بها مصدومًا لثوانٍ، ثم تدارك نفسه بمهارة، أخفى الصدمة خلف ابتسامةٍ متزنة وأومأ بهدوءٍ مصطنع:
ـ معاكي حق.
استدار لينصرف، لكنّه توقّف قبل أن يبتعد، عاد ينظر إليها بعينين مشتعِلتين وهتف بنبرةٍ حاسمة:
ـ بس أنا عند كلامي… لو لبستي حاجة مكشوفة وحد من صحابي بصّ لك بصة كده ولا كده أنا مش مسؤول عن اللي هيحصل.
لم ترد. اكتفت بأن استدارت ودخلت الغرفة، ثم أغلقت الباب في وجهه بقسوةٍ جعلته يجفل في مكانه.
وبعد ثانيتين فقط، انفرج الباب فجأة، فاعتدل في وقفته بتأهّب، لتطلّ عليه بانفعالٍ صارخ:
ـ طز فيك وفي أصحابك !
ثم صفقت الباب مجددًا بعنف.
وقف في مكانه لثوانٍ، يقلب كفّيه ويحاول السيطرة على أعصابه التي بعثرتها تلك الشقراء العنيدة، يشعر بغضبٍ يشتعل في صدره… وغضبٍ آخر أخطر، لكنه لم يكن يعرف له اسمًا بعد.
بعد أن أغلقت جيلان باب غرفتها خلفها، أسندت ظهرها إليه كمن يبحث عن سندٍ يحمل ثقل العاصفة التي تعصف بصدره.
راحت تجوب الغرفة بقلقٍ ظاهر، مضطربة كفراشة ضلّت طريقها بين جدران من لهب، تعبث بخصلات شعرها المشعثة وكأنها تحاول فكّ عقد أفكار متشابكة تتقد داخل رأسها.
كانت نظرة عينيه تطاردها رغم غيابه، تلاحقها بإلحاح مرآةٍ قاسية تعكس كل ما تهرب من مواجهته. ذلك البريق الممزوج بالدهشة والخذلان جاءها كصفعة باردة على اندفاعها الأعمى. لم تُنكر أنها أطلقت كلماتها كسِهامٍ مسمومة عن قصد، لكنها في قرارة نفسها أدركت أنها لم تكن سوى مسرحية عبثية، محاولة يائسة للتماسك.
لقد أرادت فقط أن تُذيقه مرارةً شبيهة بتلك التي اعتصرت قلبها حين أنكر أمام فريد أي شعور يمكن أن يجمع بينهما، وكأن الاعتراف بإحساسٍ تجاهها جريمة… أو ضربٌ من الجنون.
إذا هو ليس أفضل منها في شيء…
تنهدت بانفعال، وكأنها تُفرغ زفيرًا محتقنًا منذ دقائق، ثم قررت أن تصرف انتباهها عن كل تلك الترهات التي تزاحم رأسها بلا إذن. اتجهت نحو خزانتها، فتحتها ببطء، ومدّت يدها تلتقط ذلك الفستان الذي حسمت أمرها على ارتدائه مساءً.
فستان من الساتان الناعم، بلون أبيض لؤلؤي يلمع بخفوت، مكشوف عند الصدر بجرأة لا تخطئها العين، يصل طوله بسخاء إلى ما فوق الركبة. رفعته أمامها تتأمله طويلًا، بينما كلماته تعود إليها بإلحاح… طلبه الواضح، نبرته الحاسمة، ونظرته التي لم تكن عابرة أبدًا.
توقفت فجأة، عبثت بخصلات شعرها بتوتر، ثم جلست على طرف الفراش وأسندت جبهتها إلى كفها مرددة بغيظ مكتوم:
— هو ماله أصلًا؟!
حقًا، في تلك اللحظة، أرادت أن تعرف.
أن تفهم.
لماذا طلب منها تحديدًا ألا ترتدي شيئًا مكشوفًا؟
لماذا بدا مهتمًا إلى هذا الحد؟
لماذا أصرّ وكأن الأمر يعنيه شخصيًا؟
ولماذا… لماذا شعرت من نبرته، من عينيه، من طريقته وهو يقف أمامها، أن ما بداخله لم يكن مجرد اعتراض عابر؟
كانت كلمة واحدة تلوّح في ذهنها، تقترب ثم تبتعد…
الغيرة.
هزّت رأسها بعنف، كأنها تحاول طرد الفكرة قبل أن تترسخ، لكنها بقيت معلّقة في صدرها، ثقيلة، مربكة، تمامًا كالفستان الملقى بين يديها.
عند ذلك الخاطر أدارت رأسها وارتسمت على شفتيها ابتسامة متهكمة، وكأنها تنهر نفسها على هذا التفكير المختل. كيف يغار عليها وهو لا يملك تجاهها أي مشاعر أصلًا؟ بل ويستنكر—وبوضوح—أن يحمل نحوها أي إحساس في يوم من الأيام؟!
زفرت بضيق، كأنها تطرد فكرة عنيدة ترفض المغادرة، ثم صرفت انتباهها عن هذا الجدل العقيم. وقفت أمام المرآة، رفعت الفستان أمامها من جديد، تتأمله بتردد حقيقي وهي تحاول الوصول إلى قرار يحسم هذا الصراع الصامت.
هل ترتديه؟
وتثبت لحسن أن كلماته آخر ما يمكن أن يشغلها، وأنها لا تخضع لوصاية أحد؟
أم تأخذ بنصيحته—رغم عنادها—بعين الاعتبار؟
ولا ترتديه، خاصةً وأن نبرته لم تكن مزاحًا، وتهديده بدا جادًا أكثر مما تحب أن تعترف؟
انعكس ترددها في عينيها، وبدت صورتها في المرآة منقسمة بين امرأة تعرف تمامًا ما تريد، وأخرى مرتبكة لا تفهم لماذا صار رأيه—هو تحديدًا—ثقلًا في كفة اختياراتها.
༺═────────────────═༻
في منزل نسيم…
جلست أمام مرآتها تستعد للخروج، تُمرّر فرشاة الزينة برفق على ملامحها، فيما كان الفستان الذي اختارته لحفل الزفاف ممدّدًا خلفها على الفراش، كأنه ينتظر دوره في ليلةٍ لا تشبه سواها.
انفتح الباب بهدوء، ودخل عاصم وهو يحمل في يده مغلفًا أنيقًا. تقدّم منها بخطوات واثقة، وفتحه على الفور، ثم رفعه أمامها بابتسامة دافئة وهو يقول:
ـ إيه رأيك؟!
انعكست صورة الفستان في المرآة، فانعقد حاجباها بدهشة خفيفة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة. التفتت نحوه لتواجهه مباشرة، وأشارت إلى الفستان قائلة:
ـ إيه ده؟!
أجابها ببساطة وهو يهز كتفيه:
ـ ده فستان.
أومأت ضاحكة وهي تنهض من مكانها وتقول:
ـ أيوة عارفة إنه فستان، بس ليه؟! ما أنا عندي الفساتين، وأوريدي كنت مختارة فستان للفرح.
هزّ رأسه نافيًا، وقال بنبرة حنونة:
ـ حبيت تحضري الفرح بفستان جديد… إيه رأيك؟
اتسعت ابتسامتها أكثر، واقتربت لتعانقه بهدوء وهي تقول:
ـ حلو قوي يا حبيبي… ربنا ما يحرمنيش منك.
مرّر يده على بطنها بحنو بالغ، وقال مبتسمًا:
ـ وكمان علشان النسانيس الصغيرين ياخدوا راحتهم.
ضحكت ضحكة واسعة، ثم استدارت لتجلس مجددًا أمام المرآة، تستكمل وضع زينتها، ورفعت حاجبها بتحدٍّ زائف وهي تقول:
ـ ده باعتبار إني أنا النسناسة الكبيرة يعني… مش كده؟!
أومأ وهو يقترب منها ضاحكًا، ثم انحنى قليلًا ليطبع قبلة حانية على عنقها، وقال بصوتٍ دافئ يفيض بالود:
ـ انتي أحلى نسومة في الدنيا..
استدارت نحوه، وأسندت رأسها إلى بطنه تحتضن خصره بعفوية، وكأنها تبحث عن الأمان في قربه، ثم قالت بصوتٍ صادق:
ـ أنا مش عارفة أشكرك إزاي إنك هتيجي معايا الفرح… وجودك هيفرق معايا أوي يا عاصم.
مرر يده على شعرها برفق، وقال بهدوء متزن:
ـ لازم أحضر علشان أبارك لفريد بما إنه عزمني، ماينفعش ماحضرش… بس بردو مش هكمل الفرح للآخر. شوية وهمشي، وبعد ما يخلص هاجي أخدك… اتفقنا؟
هزّت رأسها موافقة، وقالت بابتسامة مطمئنة:
ـ اتفقنا… أنا راضية.
انحنى وقبّل أعلى رأسها بحنان، ثم قال:
ـ يلا اجهزي، على ما أخلص شوية شغل على اللاب وبعدين أجهز أنا كمان.
غادر إلى غرفة مكتبه، بينما عادت هي تستكمل استعدادتها، وما إن انتهت، حتى بدّلت ملابسها وارتدت الفستان، ثم وقفت أمام المرآة تطالع هيئتها النهاية برضا ..
كان الفستان يحمل طابعًا عصريًا أنيقًا، يجمع بين الاحتشام والحداثة دون تكلّف. نقشة الخطوط المتعرجة منحته حركة انسيابية تُبرز القوام برقيٍّ ناعم، فيما جاء مزيج اللون البني الداكن مع الكريمي دافئًا وكلاسيكيًا في آنٍ واحد؛ تصميم لافت دون صخب، يفرض حضوره بهدوء.
نسّقته نسيم مع تصفيفة شعر مرفوعة أبرزت ملامحها، وحذاءٍ بني زاد الإطلالة انسجامًا. بدت فاتنة بحق، فارتسمت على شفتيها ابتسامة راضية هادئة انعكست إشراقًا على ملامحها.
وبينما كانت تستعد لمغادرة الغرفة، لمحت انعكاس عاصم خلفها في المرآة. كان قد انتهى لتوّه من حمّامه، ودخل الغرفة ليستعد، ممسكًا بعلبة صغيرة من المخمل. فتحها بهدوء، ثم التقط منها عقدًا من الألماس ووضعه حول عنقها ببطءٍ متأنٍّ، قبل أن يُتبعه بقرطين مماثلين.
تجمّدت نسيم في مكانها، تحدّق فيه بدهشة صامتة، فمال وقبّل وجنتها وهو يقول بنبرة دافئة يغلّفها شيء من الاعتذار:
ـ دي كانت المفروض تكون شبكتك… بس جت متأخرة. أنا آسف.
التفتت إليه، ونظرت في عينيه بامتنان لم تحتج معه إلى كلمات، ثم اندفعت تعانقه بقوة. ابتسم وهو يقول:
ـ بكرة هنروح نجيب العربية، وتبدأي الكورس… وربنا يستر.
ضحك في ختام جملته، لكنها لم تشاركه الضحك. رفعت عينيها إليه وقد تسلّل الإحساس بالذنب إلى نبرتها:
ـ عاصم… أنا حاسة إني ضغطتك جدًا الفترة اللي فاتت. ممكن نأجل موضوع العربية شوية؟ أنا مش مستعجلة.
أحاط وجنتيها بين كفيه، وحدّق فيها بنظرة ثابتة مطمئنة، ثم مال يقبّلها قبلة هادئة حانية وقال:
ـ لا أبدا مفيش ضغط من أي نوع، أنا أهم حاجة عندي راحتك وسعادتك يا حبيبتي ..
ـ ربنا يخليك ليا ..
قالتها بامتنانٍ صادق، فابتسم عاصم وهو يمسك بيدها ويديرها حول نفسها دورةً خفيفة، مطلقًا صفيرًا معجبًا قبل أن يقول بمرح:
ـ ده إيه الشياكة والحلاوة دي! أنا قلت قبل كده .. برنسيس عيلة مرسال.
اتّسعت ابتسامتها وقد لامس دعمه ثقةً كانت تفتقدها، فقالت بنبرة دافئة:
ـ الحلاوة دي إنت السبب فيها… كل حاجة حلوة حصلتلي كانت على إيديك إنت وبس.
مالت لتطبع قبلةً ممتنّة على وجنته، لكنه أمسك بخصرها، ونظر إليها بتحذيرٍ مازح:
ـ ما بلاش الكلام اللي هيخلّيني أكنسل الفرح ده !
انفجرت ضحكاتها، وابتعدت فورًا وهي تقول:
ـ لأ أرجوك… الفرح خلاص على وشك يبدأ.
ثم فركت كفّيها بحماسٍ چم، وأضافت بابتسامة مشرقة:
ـ وأخيرًا… فريد ونغم هيتجوزوا!
وقفت تنظر إليه وهو يرتدي حلته على مهل، تأملت فيه وهو يقف أمامها بثبات وأناقة، يعكس وقاره تلك البذلة الفاخرة التي اختارا تفاصيلها معًا. أنظارها امتزجت بالإعجاب والدهشة، وفي أعماقها أقسمت أن هذا الرجل المجبول بالكبرياء هو أجمل ما أبصرته عينها يومًا.
༺═────────────────═༻
بعد قليل، داخل الجناح الخاص بالعروس…
كانت نغم قد فرغت من استعدادها أخيرًا، وبعد انتظارٍ طويل، وقفت عروسًا تشبه الملاك في ثوبها الأبيض.
تقدّمت نحو المرآة، وحدّقت في انعكاسها بانبهارٍ صامت، كأنها تلتقي بنفسها للمرة الأولى؛ امرأة جديدة تولد من قلب الحلم.
لم يكن الفستان مجرد ثوب زفاف، بل قصيدة نُسجت من نورٍ خالص؛ هو ذاته الفستان الذي راود خيالها طويلًا في أمنياتها وأحلامها. فستان أبيض بذيْلٍ طويل، يحمل كل ما تمنّته يومًا، وكل ما تخيّلته في ليالي الانتظار. ومع فريد، لم تعد الأحلام مؤجَّلة، فكل ما يخطر ببالها يتحقق كما لو كان وعدًا لا يُخلف.
أبيضه ينساب بهدوءٍ ووقار، بلا صخبٍ أو ادّعاء،
ودانتيله الرقيق يلتف حول جسدها كهمسة حبٍ قديم عاد ليُعلن عهده من جديد.
نقوشه الدقيقة تشبه زهورًا تفتحت خصيصًا لتشهد لحظة ميلاد ذلك الحلم.
أما ياقة الفستان العالية فقد أضفت عليه وقار الأميرات،
وأكمامه الشفافة حكت عن أنوثة هادئة، ناعمة، لا تصرخ بجمالها… بل تهمس به.
واكتمل المشهد بطرحةٍ ناعمة انسدلت من خلفها، كخيط ضوءٍ يرافقها في أولى خطواتها نحو قدرٍ انتظرها طويلًا. كانت تلامس كتفيها بخفة، ثم تنساب على ذيل الفستان في انسجامٍ آسر، كأنها امتداد لحلمٍ لا يريد أن ينتهي.
عيناها، وقد ازدانت بكحلٍ هادئ، حملتا بريقًا خاصًا؛ بريق امرأة لم تعد تنتظر الحياة، بل تستقبلها بثقةٍ وطمأنينة. وشفاهها، الملوّنة بلونٍ ورديّ خافت، ابتسمت ابتسامةً مرتعشة، تختلط فيها الدهشة بالامتنان، وكأنها لا تزال غير مصدّقة أن هذا اليوم… يومها حقًا.
تنفّست بعمق، وضعت كفّها على صدرها تحاول تهدئة خفقان قلبٍ لم يعرف السكون منذ الصباح. لم يكن خوفًا، بل فيض مشاعر أكبر من أن تُحتوى؛ فرح، شوق، وامتنان لرجلٍ جعل المستحيل عادة، والحلم واقعًا يُعاش.
كانت لمستها الأخيرة نفحاتٍ من عطرٍ اختاره فريد خصيصًا لذلك اليوم، ثم أتبعته بارتداء طقم الألماس الذي أحضره ليكتمل بهاؤها وتكتمل طلّتها الملائكية.
لم تكد تنتهي حتى دوّى طرقٌ خفيف على الباب، فالتفتت إحدى المساعدات نحوها بابتسامةٍ دافئة وقالت:
— العريس وصل.
ارتبكت… وانتفض قلبها بعنف.
يا إلهي، ما هذا الخفقان؟
وكيف لهذا الارتباك أن يداهمها دفعةً واحدة؟
تساءلت في صمتٍ مرتبك: كيف ستغادر الغرفة؟
شعرت ببرودةٍ تزحف إلى أطرافها، وقدميها تثبتان في الأرض كأنهما ترفضان الانسياق نحو تلك اللحظة الحاسمة.
لكن مع تكرار الطرقات، ومع كل نبضةٍ جديدة في صدرها، استسلمت أخيرًا.
تنفّست بعمق، ثم سارت خلف المساعدة التي فتحت الباب، متجهة بخطواتٍ مترددة… نحو الباب .
ما إن خرجت من الباب، وهي تظن أن فريد ينتظرها بالخارج، حتى تفاجأت بحسن يقف أمامها… !!!
عقدت حاجبيها بدهشةٍ خاطفة، لكن ابتسامته الواسعة، الصافية، كانت أسرع من دهشتها، فشقّت ابتسامةٌ مترددة طريقها إلى شفتيها دون مقاومة.
تأملها حسن بعينين لامعتين، بانبهارٍ لم يستطع إخفاءه، وردد بصوتٍ خرج تلقائيًا من قلبه:
ـ بسم الله ما شاء الله… إيه الحلاوة دي؟!
ارتبكت، ولم تعرف بماذا تجيب، فاكتفت بنبرةٍ هادئة:
ـ متشكرة يا حسن.
هز رأسه بإعجابٍ صادق وقال:
ـ ما شاء الله… طالعة زي القمر.
ثم تابع بابتسامة رافقت نبرته المتأثرة :
ـ كبرتي يا نغم.
لمعت عيناها بالدموع، وفي اللحظة نفسها تنهد هو بعمق، كأنه يحاول أن يسبق دموعه قبل أن تخونه، وقال بصوتٍ متهدّج:
ـ حاسس إن السنين عدّت بسرعة قوي… من شوية صغيرين كنتِ عيلة صغيرة، شقية، بتتنططي وبتعملي مشاكل وكوارث … دلوقتي واقفة قدامي عروسة زي القمر. مش قادر أصدق.
ابتلعت ريقها لتحبس دموعها، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ دافئة رغم ارتجافها، وقالت بصوتٍ خافت:
ـ معاك حق… الأيام عدّت بسرعة قوي.
أومأ موافقًا، ثم قال بصوتٍ دافئ خرج من القلب :
ـ ربنا يسعدك ويهنيكي، تستاهلي أحسن حاجة في الدنيا…
اتسعت ابتسامتها وهي تحاول جاهدًة كبح دموعها، ثم قالت بصوتٍ هادئ يخفي ارتجاف قلبها:
— شكرًا يا حسن… ربنا يفرحك إنت كمان، ويبعتلك بنت الحلال اللي تستاهلك.
أومأ وهو يلتقط دمعةً خانته، ثم قال بابتسامةٍ عريضة:
— إن شاء الله.
أخرج من جيبه علبةً صغيرة، فتحها أمامها وهو يتابع بنبرةٍ صادقة:
— الحقيقة قعدت أفكّر ومش عارف أجيب لك إيه هدية فرحك… فقلت أجيب حاجة بسيطة على قدّي… اعتبريها هدية من عيشة، الله يرحمها.
انهزمت ملامحها فورًا، وامتلأت عيناها بدموع قهرٍ عجزت عن مقاومتها، لكنه سارع يحذّرها وهو يلوّح بيده:
— لا اوعي تعيطي، والله أزعل منك! وبعدين يرضيكي المكياج الحلو ده يبوظ؟
التقط السوار بين يديه وهو يبتسم:
— يلا، مدّي إيديكي بقى ..
مدّت كفها بهدوء، فراح يضع السوار حول معصمها وهو يقول ممازحًا :
— ألماظ حرّ على فكرة!
انفلتت ضحكتها دون وعي، وقالت بنبرةٍ مازحة:
— متشكرة يا حسن… كلفت نفسك.
ابتسم على اتساعه وأجاب ببساطةٍ صادقة:
— لا ولا كُلفة ولا حاجة… مفيش حاجة خسارة فيكِ.
تأملها لحظةً في صمت، ثم مال بعفوية وقبّل أعلى رأسها، وقال بنبرةٍ دافئة:
— ألف مبروك يا قلب أخوكي.
اهتزّت الدموع في عينيها بعنف، فهي لم تتخيل يومًا أن يبادر حسن بهذه الكلمات، ولا أن يحمل لها هذا القدر من الحنان الصادق. وقبل أن تجد ما تقوله، فاجأها حين اقترب خطوةً منها، ووقف إلى جوارها، ثم ثنى ذراعه بهدوء وهو يقول بابتسامةٍ حاول أن يخفي بها تأثره:
ـ محدش هيسلّمك لعريسك غيري… أخو العروسة بقى.
نظرت إليه بابتسامةٍ واسعة، وعيونٍ غارقة بالدموع، فلطالما تمنت هذا المشهد كثيرًا، وها هو حسن، دون طلبٍ منها أو حتى إشارة، يحقق لها تلك الأمنية، ويملأ فراغًا لم تتوقع يومًا أن يُملأ بهذا الدفء.
مدّت ذراعها بتردّدٍ هادئ، ووضعت يدها في يده، تتشابك بذراع حسن وتسير إلى جواره، وبرغم الارتباك الذي كان يثقل أنفاسها، شعرت في تلك اللحظة بسعادةٍ خالصة؛ سعادة نابعة من إحساسها بأن حسن تجاوز كل ما كان بينهما، وتخطّى مشاعره القديمة، ليقف اليوم أمامها أخًا فقط… لا أكثر ولا أقل.
سارت إلى جواره وقلبها يخفق بتوترٍ شديد، جزءٌ منها كان يخشى ردّة فعل فريد، أو على الأقل لا يعرف كيف سيفهم هذا المشهد أو بأي عينٍ سيراه. ومع ذلك، لم تفكّر للحظة في الرفض، فلم يكن في استطاعتها أن تردّ طلب حسن، ولا أن تكسر هذا الشعور النادر بالأمان الذي التفّ حولها وهي تمشي بجواره نحو مصيرٍ جديد.
كان التوتر هو سيّد الموقف.
نزل حسن درجات السلم الطويلة المتوشحة بالسجادة الحمراء بخطى هادئة وثابتة، كأنه يرسم لوحة من التأني، بينما سكون اللحظة كان يثقل الأنفاس ويشد القلوب
في الأسفل، كان فريد يقف منتظرًا؛ هيئته ثابتة ظاهريًا، لكن نظراته كانت تفضح العواصف التي تضج بداخله.
تفاجأت نغم عندما رأته ينتظر عند نهاية الدرج، تلك المفاجأة التي جعلت قلبها يلتقط الإشارة سريعًا؛ وأدركت أن ما حدث لم يكن ارتجالًا، بل اتفاقًا صامتًا بينه وبين حسن… اتفاقًا أراد به فريد أن يطمئنها قبل أي شيء، وأن يمنح تلك اللحظة معناها الكامل.
كان يقف مبتسمًا، في حلّته السوداء الأنيقة التي صُمِّمت خصيصًا لتليق برحل في وقاره، تحتضن قامته بثبات ورصانة. ربطة عنقه الداكنة، وقميصه الأبيض الناصع، جعلاه يبدو كلوحة متقنة التفاصيل ..
لكن أكثر ما شدّها لم يكن مظهره… بل نظرته.
نظرة رجل لا يرى أمامه عروسًا فقط، بل يرى وعدًا، وشريكة حياة، وامرأة اختارها عن يقين.
حين التقت عيناها بعينيه، تراجع التوتر خطوة إلى الخلف، كأن ابتسامته وحدها كانت كافية لطمأنتها. شعرت أن كل مخاوفها، وكل ارتباكها، يتبخران تدريجيًا مع كل درجة اقتربت فيها منه.
توقّف حسن عند آخر درجة، شدّ ذراعها برفق أخير، ثم أطلقها ببطء، كمن يسلّم أمانة غالية وهو مطمئن القلب، ثم ابتسم بإخلاص، ونقل بصره بينهما قبل أن يوجّه حديثه إلى فريد بنبرةٍ صادقة حانية:
ـ نغم أمانة في رقبتك يا فريد.
أومأ فريد بهدوء، ثم تعانقا بقوة، تعانقا بإخلاص حيث أن كلا منهما في تلك اللحظة لم يضمر في نفسه سوى الإخلاص لأخيه .
بينما ابتعد حسن خطوة ، ليلتفت فريد وقد بدا مأخوذًا تمامًا بتلك الفاتنة التي تقف أمامه، بثوبها الأبيض الذي زادها بهاءً ونقاءً. تسلّم يدها من حسن، رفعها قليلًا بانحناءة خفيفة تحمل قدرًا كبيرًا من التوقير، وطبع قبلة رقيقة مفعمة بالهيام على كفّها.
ثم اقترب خطوة أخرى، وانحنى ليضع قبلة عميقة هادئة على جبينها، قبل أن يحتضن وجهها بين كفّيه، محدقًا فيها وكأنها معجزة قد تحققت أخيرًا، وهمس:
ـ أنا مش مصدق نفسي… إيه الجمال ده كله يا نغم ؟!
ارتسمت على شفتيها ابتسامة مضيئة، وإن شابها ارتباكٌ لطيف، ثم زفرت أنفاسها المتلاحقة وقالت بصوتٍ خافت مهتز :
ـ إنت كمان شكلك حلو أوي.
ابتسم وسألها :
ـ جاهزة ؟!
أومأت رأسها بحماس، تحرّك ليقف إلى جوارها، فتأبطت ذراعه بثقة، واستقر كفّها داخل كفّه الذي أحاطها باحتواءٍ كامل، كأنه يطمئنها دون كلمات. ثم سارا معًا، خطوة بخطوة في ممرٍّ اصطفّ على جانبيه الحضور،
تتعالى الزغاريد من هنا وهناك، وتتشابك النظرات المندهشة بالإعجاب والدعوات الصادقة.
كانت الخطوات بطيئة، محسوبة، كأن الزمن نفسه قرر أن يتمهّل احترامًا لتلك اللحظة.
شعرت نغم أن العالم من حولها صار ضبابيًا، لا ترى سوى فريد إلى جوارها، ولا تسمع سوى خفقان قلبها الذي كان يتسارع كلما اقتربا أكثر من باب الدخول ..
أما فريد، فكان يسير مرفوع الرأس، لكن داخله كان يعجّ بمشاعر لم يعرف لها اسمًا. فخر، امتنان، حب جارف، وشيء يشبه الانتصار الهادئ… كأنه أخيرًا وصل إلى ما ظلّ يقاتل لأجله طويلًا.
انفتح الباب على مصراعيه، لينسدل أمامهما ممرّ متوهّج كأنه شُقّ من لهب الضوء، فاشتعلت القاعة حماسًا، وارتفعت الأنفاس قبل التصفيق.
سار العروسان جنبًا إلى جنب في وقارٍ مهيب، خطواتهما متزنة كأنهما اتفقا صامتين على عبور اللحظة دون أن تبتلعهما الضوضاء، حتى بلغا منصة الزفاف.
كانت العيون كلها مسمّرة عليهما؛
همسات تُشيد بوسامة العريس،
وأخرى تنسج الإعجاب حول جمال العروس،
وأصوات تهمس بإيمانٍ بسيط أن هذا الثنائي خُلق ليكون معًا.
أما هما…
فلم يكن يعنيهما شيء من ذلك.
لم يبحثا عن الإعجاب، ولا التقدير، ولا حتى الأحكام.
كل ما كان يسكن قلبيهما رغبة واحدة:
أن تمرّ تلك الأمسية بسلام..
كانت الخطوات بطيئة، محسوبة، كأن الزمن نفسه قرر أن يتمهّل احترامًا لتلك اللحظة.
شعرت نغم أن العالم من حولها صار ضبابيًا، لا ترى سوى فريد إلى جوارها، ولا تسمع سوى خفقان قلبها الذي كان يتسارع كلما اقتربا أكثر من باب الدخول ..
أما فريد، فكان يسير مرفوع الرأس، لكن داخله كان يعجّ بمشاعر لم يعرف لها اسمًا. فخر، امتنان، حب جارف، وشيء يشبه الانتصار الهادئ… كأنه أخيرًا وصل إلى ما ظلّ يقاتل لأجله طويلًا.
انفتح الباب على مصراعيه، لينسدل أمامهما ممرّ متوهّج كأنه شُقّ من لهب الضوء، فاشتعلت القاعة حماسًا، وارتفعت الأنفاس قبل التصفيق.
سار العروسان جنبًا إلى جنب في وقارٍ مهيب، خطواتهما متزنة كأنهما اتفقا صامتين على عبور اللحظة دون أن تبتلعهما الضوضاء، حتى بلغا منصة الزفاف.
كانت العيون كلها مسمّرة عليهما؛
همسات تُشيد بوسامة العريس،
وأخرى تنسج الإعجاب حول جمال العروس،
وأصوات تهمس بإيمانٍ بسيط أن هذا الثنائي خُلق ليكون معًا.
أما هما…
فلم يكن يعنيهما شيء من ذلك.
لم يبحثا عن الإعجاب، ولا التقدير، ولا حتى الأحكام.
كل ما كان يسكن قلبيهما رغبة واحدة:
أن تمرّ تلك الأمسية بسلامز..
ـــــــــــ
في تلك اللحظات…
كان عمر وحسن يقفان عند بوابة الدخول، يستقبلان المدعوين الذين توافدوا لتهنئة فريد؛
رجال أعمال ومستثمرين، مهندسين وأطباء، مديري شركات ومؤسسات، معارف قدامى، أصدقاء دراسة، أقارب، وموظفي شركاته السابقة.
كلٌ منهم قدّم دعوته قبل الدخول، إذ زُوِّدت البوابة بكاميرا تتعرّف على الوجوه وتتحقق من تسجيلها ضمن قائمة الحضور؛ ففريد لم يترك شيئًا للمصادفة، ولم يكن ليسمح لأي شخص باقتحام الحفل دون علمه.
وبينما وقف حسن وعمر متجاورين، يغمرهما شعور بالفخر والاعتزاز، توقفت سيارة فجأة أمام البوابة.
انفلت قلب حسن من بين أضلعه، وتعلّقت عيناه بالسيارة بترقّب مشوب بالقلق…
وما إن فُتح الباب حتى ترجلت جيلان، لتظهر أمامه.
تجمّدت ملامحه في صدمةٍ واضحة، وتبدّل وجهه حين وقعت عيناه على ما ترتديه؛
فستان قصير يصل إلى ما فوق الركبة، جريء عند الصدر على نحوٍ لافت، يحتضن منحنياتها بانسيابٍ هادئ، بينما انسدل على كتفيها فرو أبيض ناعم، زاد من حضورها إثارةً وارتباكًا… ليس للحضور فقط، بل لقلب حسن الذي فقد توازنه تمامًا.
دخلت بخيلاءٍ لافت، فشدّت إليها أنظار الجميع، وكان حسن من بينهم؛
هو الذي لم يكن يومًا ليفوّت فرصةً ليلتهم ملامحها بعينيه، لكنه هذه المرة كان غاضبًا… غاضبًا إلى حدٍ دفعه لأن يدير ظهره للمشهد كله، فيترك مكانه إلى جوار عمر ويتحرك نحو الداخل، بعد أن رمقها بنظرة خذلانٍ صريحة.
لم تغب عنها تلك النظرة بالطبع؛ فهمتها كما هي، واستوعبت معناها جيدًا، لكنها آثرت تجاهلها.
عانقت شقيقها، الذي بدا الضيق مرسومًا على ملامحه هو الآخر، إلا أنه لم ينطق بكلمة.
ثم مضت لتتخذ مقعدها إلى جوار والدتها نادية، التي لم تتخلَ عن ارتداء ثوب صُمّم خصيصًا لها من أرقى دور الأزياء، كانت تجلس متألقة كعادتها، كأن الثوب قد أضفى عليها هالة فاخرة استعادتها إلى مجدها المعهود. كانت عيناها تتجولان بتأنٍ بين الحاضرين، نظرتها يغمرها التميز وثقتها لا تقبل المساومة. في أعماق قلبها، كانت تعتقد بكل يقين أن لا أحد قد خُلق ليعادل كبرياءها المتوهّج.
أما على المقعد المقابل لها جلست زينب التي كلما نظرت إلى نفسها وجدت عيناها تفيضان بالرضا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة تحمل في طياتها سكينة وبهجة، وهي تستشعر التحول العميق الذي غير مجرى حياتها من حالٍ إلى حال ..
+
فلولا فريد لما استطاعت أن تجلس في مقعدها ذلك وما استطاعت ان تعرب عن فرحتها بذلك الوضوح .
ــــــــــــ
بدأت الأجواء تشتعل دفئًا وحماسة، حين انسابت ألحان موسيقى غربية كلاسيكية، تعلن في رهافة عن رقصةٍ رومانسية خُصصت لتجمع العروسين وحدهما.
ما إن التقطت نغم النغمات الأولى حتى ارتعش قلبها، وتعرّفت إلى اللحن فورًا، فرفعت عينيها إلى فريد وهتفت بفرحٍ وحماس:
— دي نفس الأغنية اللي رقصنا عليها في أثينا!
أومأ بابتسامةٍ وادعة، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة منذ زمن؛ فلم يكن ليُفوّت فرصة إعادة نسج تلك الذكرى، لكن هذه المرة في إطارٍ أبدي.
نهض أولًا، ومدّ يده بثقةٍ حانية، فوضعت كفها في كفّه دون تردد، كمن يسلّم قلبه قبل يده. نهضت معه، وتلاقى الجسدان في رقصةٍ هادئة، أشبه باعترافٍ صامت.
أحاط خصرها بذراعين لا تخفيان امتلاكهما، فأحاطت عنقه بذراعين تشتاقان للقرب. اقتربا أكثر، حتى تلامس الجبينان، وبدآ يتمايلان على أنغام الموسيقى التي بدت وكأنها خُلقت خصيصًا لتُنسي العالم، وتُذيب كل ما عداهما.
كانت رقصة مثالية للتيه… للسلام الذي يتسلل خلسةً بين نبضين متعانقين.
لكن السلام كان آخر ما شعرا به؛ فأنفاسهما المختلطة كانت مشحونة بحبٍ متوهّج، بعاطفةٍ لا تعرف الهدوء.
شدّ فريد ذراعيه حول خصرها أكثر، وغاص بنظره في عينيها بلا مواربة، ثم همس بابتسامته الساحرة:
— نغم… أنا بحبك يا روحي.
تنفست بعمق، محاولةً أن تستعيد إيقاع قلبها، وهمست بصوتٍ مرتعش:
— وأنا بعشقك.
خفق قلبه بعنفٍ داخل صدره، حتى خُيّل إليه أنه سيخرج من بين أضلاعه. وفي تلك اللحظة، لم يستطع كبح المشاعر التي اجتاحته، ولا الأحلام التي بدأت تلوّح له؛
فبعد ساعاتٍ قليلة فقط، لن يكون الاعتراف كلماتٍ تُهمس….بل حقيقةً تُلمَس، وتُعاش.
ــــــــــــــــــــ
عاد حسن إلى موقعه بعد أن لجأ إلى الحمّام، غسل وجهه بالماء البارد علّه يُطفئ شيئًا من ثورة الغضب التي كانت تعصف داخله، غضبًا مجنونًا أبى أن يتركه ينهشه منذ اللحظات الأولى للزفاف. لم يُرِد له أن يفسد عليه هذا اليوم، فآثر الصمت… ولو على حساب قلبه.
وقف إلى جوار شقيقه ساكنًا، ملامحه جامدة تخفي ما لا يُقال. وفي تلك اللحظة، استوقفت بصره سيارة توقفت عند المدخل. ترجل منها عاصم، ثم دار حولها وفتح الباب لنسيم التي نزلت بهدوءٍ يليق بها.
اتسعت عينا حسن بدهشةٍ صامتة؛ لم يكن يعلم أن فريد قد وجّه الدعوة لعاصم، لكن عبوره من البوابة كان كافيًا ليؤكد أنه ضمن قائمة المدعوين، وأن حضوره مقصود لا محالة.
ما إن وقعت عينا نسيم عليهما حتى أسرعت نحوهما، واحتضنتهما بحرارةٍ صادقة. انحنى حسن يقبّل أعلى رأسها بحنانٍ أخوي وقال ممازحًا:
— إيه يا بت الحلاوة دي كلها؟!
ابتسمت نسيم باتساع، وردّت بنبرةٍ دافئة:
— وإنتوا كمان شكلكم حلو أوي ما شاء الله… عقبالكم.
رفع حسن بصره إلى عاصم، حيّاه بإيماءةٍ مقتضبة بلا كلمات، فردّ عليه عاصم بتحيةٍ صامتة مماثلة. بعدها أمسك بيد نسيم، وتقدما إلى الداخل، قاصدين مباشرةً مكان العروسين لتهنئتهما.
وحين وقعت عين فريد عليهما، نهض على الفور، ومدّ يده مصافحًا عاصم الذي بدت على ملامحه راحةٌ نسبية، وقال بابتسامةٍ خفيفة:
— ألف مبروك… ربنا يتمم بخير إن شاء الله.
ثم حيّا نغم بإيماءةٍ هادئة، قبل أن تندفع نسيم نحو شقيقها وتعانقه بفرحةٍ صادقة. احتواها فريد، ربت على ظهرها وقبّل وجنتيها بحنان وهو يقول:
ـ طالعة زي القمر يا نسومة .
وقفت تنظر إليه بامتنان، ثم أشارت إلى نغم بابتسامةٍ مشرقة وقالت:
— نغم هي اللي زي القمر…
التفت فريد بعفوية نحو نغم، التي لم تكفّ عن التحديق فيه كأنها تعثر فيه على كنزٍ ثمين، فابتسم وقال بنبرةٍ صادقة:
— معاكي حق… هي زي القمر فعلًا.
اتسعت ابتسامة نغم بإشراقٍ خجول، لكن ملامحها ما لبثت أن تبدّلت حين لاحظت تجهم جبين فريد فجأة، ونظرته التي تجمّدت عند نقطةٍ ما كأنها صدمته.
تبعَت نظره بقلق، وفي اللحظة ذاتها أدرك فريد سبب اضطرابه؛ فقد تفاجأ بوجود والده بين الحضور، جالسًا على أول طاولة في صدر القاعة، يحتل موقعًا لا يمكن تجاهله… وإلى جواره كانت زينب تجلس بهدوء، بينما نادر ذراعه الأيمن كان يجلس إلى جواره، متأنقًا في حلته السوداء التي أضفت إليه بريقًا خالصًا، وابتسامة واثقة تزين ثغره .
هالهُ حضور والده الذي لم يخطر له يومًا أنه سيتحقق في ليلة كهذه. تجمّد لثوانٍ، ثم تحرك دون وعي، ترك مكانه ونزل إليه مسرعًا… قبل أن يتوقف فجأة، مصعوقًا، حين رأى والده يفتح ذراعيه على اتساعهما، بلا كلمة واحدة، وكأن الصمت وحده بات أبلغ من أي اعتذار أو تفسير.
لم يحتج فريد إلى إشارة أخرى. اندفع نحوه وعانقه بقلبٍ عارٍ من أي تحفظ، عناقًا صادقًا حمل من الامتنان ما عجز اللسان عن قوله.
وبرغم أن ذلك كان أول عناق يجمعهما كأبٍ وابنه، إلا أن فريد شعر في تلك اللحظة أن صدر والده كان المكان الذي ظل يبحث عنه طوال عمره؛ عناقٌ محا سنواتٍ من الجفاء، وداوى ندوبًا قديمة لم يُسمَّ لها اسم، وأسكن قلبه أخيرًا في دفء رجلٍ لم يُحسن التعبير يومًا… لكنه اختار، في هذه اللحظة تحديدًا، أن يقول كل شيء بلا كلمات.
ما إن ابتعد فريد عن ذلك العناق حتى أمسك بيد والده وقبّلها في امتنانٍ صادق، ثم رفع عينيه إليه وابتسامة دافئة ترتجف على شفتيه وقال:
ـ أنا متشكر جدًا إن حضرتك جيت النهارده… وجودك فرّق معايا بجد .
رفع سالم كفّه ووضعه على وجنة فريد بحنانٍ نادر، وابتسم بتأثرٍ لم يستطع إخفاءه وهو يقول:
ـ ألف مبروك يابني.
اتسعت ابتسامة فريد أكثر، وامتلأت عيناه بدموعٍ خانته هذه المرة فلم يحاول منعها، وقال بصوتٍ متهدج:
ـ الله يبارك فيك.
لم يكد يستوعب اللحظة حتى فاجأه سالم بقوله بهدوءٍ محمّل بالمعنى:
ـ نادي لعروستك… عايز أبارك لها.
أومأ فريد موافقًا، ثم اتجه نحو المنصّة حيث كانت نغم تجلس، تتابع المشهد بعينين لامعتين وقلبٍ مثقل بالمشاعر. اقترب منها وابتسم، ثم قال بنبرة لطيفة فاجأتها:
ـ حماكي عايز يسلم عليكي ويبارك لك.
ارتبكت نغم للحظة ونظرت إليه بتوتر، لكنه بادرها بابتسامة مطمئنة، وأمسك بيدها برفق، ثم سار بها إلى حيث يجلس والده .
ما إن وقفت نغم أمام سالم حتى تسلّل التوتر إلى ملامحها، فأخذت تنظر إليه بحذر، ثم التفتت إلى فريد بعفوية صادقة، كأنها تستمد منه الطمأنينة وتلتمس إشارة تهديها إلى كيفية التصرف. وفي لحظة غير متوقعة، مدّ سالم يده نحوها بحركة مباغتة، وقال بصوت يحمل دفئًا نادرًا :
ـ مبروك يا عروسة.
لم تستطع نغم كبح ابتسامتها التي أشرقت على وجهها، وردّت بنبرة امتنان صادقة:
ـ الله يبارك في حضرتك… متشكرة جدًا.
ربّت سالم بكفه على يدها التي كانت بين يديه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة وهو يقول:
ـ ربنا يسعدكم.
كانت كلماته كفيلة بأن تغمر قلبها بسعادة مفاجئة، فابتسمت بعفوية ونظرت إلى فريد، الذي ساوره إحساس أكيد بأنه يعيش حلمًا لا يصدق. غير أن ذلك الحلم لم يقف عند هذا الحد، إذ فاجأهم سالم مرة أخرى، حين أدخل يده إلى الجيب الداخلي لسترته، وأخرج منها علبة مربعة من المخمل .
تبادلت نغم وفريد النظرات معًا نحو العلبة التي فتحها سالم، فإذا بمحتواها يكشف عن طقمٍ من الألماس؛ عقدٍ وخاتمٍ وسوار. وما إن وقعت عينا فريد عليه حتى تعرّف إليه في الحال، فارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، يغلفها حنين دفين.
أما سالم، فظلّ يتأمل محتويات العلبة لوهلة طويلة، قبل أن يرفع بصره إلى نغم ويقول بصوتٍ تختلط فيه الذكرى بالأسى:
ـ الطقم ده بتاع والدة فريد، الله يرحمها… أعتقد لو كانت عايشة وشايفة اليوم ده، كانت هي بنفسها هتقرر إنها تهديكي الطقم ده.
اتسعت عينا نغم بدهشة مباغتة، والتفتت إلى فريد، فوجدته ينظر إليها بابتسامة تجمع بين الحزن والحنين والاطمئنان.
عاد سالم يتحدث، وقد ازداد صوته هدوءًا ووقارًا:
ـ وبما إنها تعتبر هدية حماتك ليكي… خلّيني أنا اللي أقدمها لك.
ناول سالم العلبة إلى زينب، ثم تناول منها العقد، وأشار إلى نغم لتقترب. تقدّمت بخطوات خجولة، وانحنت قليلًا، فقام بوضع العقد حول عنقها برفق. ثم مدّت يده إليها، فوضع الخاتم في بنصرها الأيسر، وأتبعه بالسوار ..
ورغم أنّ فريد كان قد أهدى نغم طقمًا غيره، إلا أنّ هذا الطقم تحديدًا كان الأقرب إلى قلبها، بما حمله من رمزيةٍ خاصة لا تعرف لها تفسيرًا واحدًا واضحًا.
ربما لأنه جاء منها سالم نفسه، أو لأنها كانت، في أعماقها، تتوق حقًا إلى أن تشعر برضاه عنها، وأن يراها ـ دون مواربة ـ فردًا أصيلًا من العائلة. وربما لأن قيمة هذا الطقم لم تكن في بريق الألماس، بل في كونه عائدًا إلى والدة فريد، وكأنها تمد يدها إليها من الغياب، لتحتضنها وتمنحها قبولًا صامتًا متأخرًا.
كان شعورٌ دافئ بالطمأنينة يتسلل إلى قلب نغم، إحساسٌ ناعم يشبه الأمان، وكأنها وُضعت أخيرًا في مكانها الصحيح .
في تلك اللحظة، شعرت نغم وكأن أبواب السعادة جميعها قد انفرجت أمامها دفعةً واحدة، حتى اندفعت ـ بمنتهى العفوية ـ تنحني لتعانق سالم عناقًا أربك الجميع… حتى سالم نفسه والذي كان أكثرهم دهشة؛ إذ تجمّد لحظةً وهي تطوّق ذراعيها حوله، وتهمس بتأثرٍ بالغ:
ـ متشكرة جدًا لحضرتك…
ابتعدت عنه سريعًا، وقد تضاعف توترها فجأة، كأنها أدركت للتو جرأتها، فإذا بها تلتفت إلى فريد وتلقي بنفسها بين ذراعيه، تعانقه بقوة، فيتلقاها هو بحنانٍ بالغ ويشدّ من ضمّتها إليه، كأنما يطمئن قلبها قبل أن تهدأ أنفاسها.
شعر بها في تلك اللحظة… شعر بتوترها الذي دفعها إلى تلك العفوية المفاجئة، وبفرحتها العميقة لأن والده منحها إحساسًا بالقبول كانت تتوق إليه منذ زمن. شعر بحاجتها إلى ذلك العناق، ربما لأنها أرادت أن تختبر إحساس الأمان، أو لأنها تمنت، ولو لوهلة، أن يكون لها أبٌ يضمها بين ذراعيه يومًا ما.
شعر بكل ما يضطرب في داخلها دون أن تنطق به، فهو دومًا فريد الأقدر على فهم نغم، والأصدق إحساسًا بما يختبئ في أعماقها.
ــــــــــــــــــــــــــ
اصطحب فريد يد نغم، وعادا معًا إلى المنصّة ليستكملا احتفالهما، بينما على بُعد خطوات قليلة كانت نسيم تجلس إلى جوار عاصم على طاولتهما الخاصة، تتابع المشهد بعينين لا تهدآن، تشعر وكأن نارًا اشتعلت فجأة في صدرها، تحرقها ببطء.
ذلك الطقم الذي أهداه والدها لنغم… أليست هي أحقّ به منها؟ أليس يعود في الأصل إلى أمها، وكان الأولى أن يكون من نصيبها هي؟
وذلك العناق الذي حظيت به نغم… أليست نسيم أحقّ به من أي إنسان آخر؟ أليس هو والدها الذي لم تعرف منه سوى الظلم والقسوة والجبروت؟
لماذا تغيّر الآن؟ ولماذا انقلب حاله على هذا النحو المفاجئ، وكأن رجلًا آخر قد حلّ محلّه؟ ولماذا لم تكن هي أول من ينال هذا التحوّل، وأول من يلمس هذا الوجه الذي طالما حُرمت منه؟
يكفي أنها لم تحظَ بزفافٍ كهذا…
ذلك وحده كان كافيًا ليشعرها بأن الكثير قد فاتها. شعورٌ تسلّل إلى قلبها خلسة، رغم إدراكها أنه شعور مخزٍ ومؤلم، لكنها لم تُرد أن تكذب على نفسها؛ فأيّ فتاة في هذا العالم تحلم بيوم كهذا… وهي على وجه الخصوص.
لقد تمنّت كثيرًا، وانتظرت أكثر، لكنها لم تنل شيئًا مما حلمت به. لطالما ظنّت أن كل ما ذاقته من ظلمٍ وحزنٍ وفقد، لا بد أن يُعوَّض يومًا ما ولكنه لم يحدث على النحو الذي انتظرته .
نعم، هي تعلم أن نغم عانت بدورها، وأن طريقها لم يكن مفروشًا بالورود، لكن—من وجهة نظرها—لم تكن معاناة نغم كمعاناتها هي؛ معاناة امتدت على مدار ثلاثين عامًا كاملة ..
ممّا عانت نغم؟!
هل فقدت والديها؟! نعم… لكنها تربّت في كنف خالتها.
وخالتها تلك—أليست هي حقّها المسلوب؟! أليست والدتها التي تخلّت عنها، ثم منحت حنانها كاملًا لنغم؟
ممّا عانت نغم؟!
هل ذاقت الفقر والذل؟!
حسنًا… ربما عاشت بعض الحرمان، لكن الحرمان شيء، والخسارة شيء آخر.
أما هي، فرغم أن كل شيء كان متوافرًا حولها، إلا أنها خسرت الكثير… خسرت ما لا يُعوَّض، وخسرت نفسها في الطريق.
لم يعانِ أحد كما عانت هي، ولم يذق إنسان نصف الويلات التي ذاقتها على مدار سنواتها الطويلة.
سنوات امتلأت بالقهر، والخذلان، والانتظار العقيم.
فلماذا إذن؟
لماذا ترى كفّة نغم هي الرابحة حتى الآن؟
ولماذا تشعر—رغم كل ما مرّت به—أن الحياة اختارت غيرها لتمنحه ما كانت تنتظره هي؟
أسئلة متلاحقة كانت تمزّق قلبها بصمت، وتترك في داخلها غصّةً موجعة، لم تجد لها جوابًا… ولا عزاء.
مدّت يدها تدلّك جبينها بتوتّرٍ جارف، وشعرت بذلك الاضطراب يتسلّل إلى جسدها، يثقل أنفاسها ويبعثر أفكارها. في تلك اللحظة التقط عاصم ارتباكها، فمال نحوها وهمس بقلق:
— نسيم… إنتِ كويسة؟
هزّت رأسها باقتضاب، وقالت بصوتٍ مقتضب:
— كويسة، ما تقلقش.
عقد حاجبيه، وتابع بلهجةٍ حائرة:
— مالك؟ فيكِ إيه؟ في حاجة مضايقاكي؟
التفتت إليه فجأة، وهتفت بحدّةٍ غير محسوبة وصوتٍ مرتفع:
— قلت لك كويسة يا عاصم!
نظر إليها مصدومًا، وقد باغتته نبرتها وحدّتها، ولولا الصخب المحيط بهما لوصل صوتها إلى مسامع الجميع. قال بعصبيةٍ مكبوتة:
— إنتِ بتزعقي كده ليه؟! إنتِ اتهبلتي ؟
تنفّست بعمق، محاولةً استعادة سيطرتها على أعصابها، ثم قالت بنبرةٍ خافتة يشوبها الاعتذار:
— أنا آسفة يا عاصم… متوترة شوية، معلش ما تزعلش مني.
ظلّ يطالعها بنظرة خيبةٍ واضحة، قبل أن ينهض قائلًا ببرود:
— لما الفرح يخلص، كلميني وأنا أجي أخدك.
نظرت إليه بتوسّلٍ ظاهر، وقالت بسرعة:
— عاصم، لو سمحت، ما تسيبنيش لوحدي… خليك معايا.
هزّ رأسه نافيًا، وأجاب بنبرةٍ حاسمة:
— أنا قايل لك من الأول يا نسيم إني مش هكمّل الفرح للآخر… كويس قوي إني جيت أصلًا.
التقط أغراضه من فوق الطاولة، وأضاف وهو يستعد للمغادرة:
— لما تخلصي، كلميني.
ثم تركها وغادر، بينما بقيت هي جالسةً في مكانها، تشعر وكأنها تجلس فوق جمرٍ متّقد، يلتهم قلبها ببطءٍ موجع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما إن خفَتت الأضواء قليلًا، وتوقّفت الموسيقى لحظةً قصيرة، حتى دبَّ في القاعة شعورٌ غامض، كأن الجميع أدرك أن مفاجأة كبرى على وشك الحدوث.
ثم… انطلقت الصيحات قبل أن يظهر صاحبها.
ارتفع التصفيق دفعةً واحدة، واهتزّت أركان القاعة مع أول نغمة صدحت من الفرقة الموسيقية، لتظهر على الشاشة العملاقة صورة محمد حماقي، قبل أن يخرج بنفسه من أحد الممرات الجانبية، مبتسمًا، واثق الخطوة، كعادته
انفجر المكان حماسًا.
تعالت الهتافات، وقف الجميع تقريبًا على أقدامهم، بعضهم يصفّق، آخرون يلوّحون بهواتفهم، وعدسات الكاميرات تلاحقه من كل زاوية، بينما علت الزغاريد واختلطت بالتصفيق والصراخ المبهور.
بدأ حماقي بأغنيته الأولى، وصوته ينساب قويًّا دافئًا، يملأ القاعة ويشعل القلوب.
تراقصت الإضاءة على أنغام الموسيقى، ألوانٌ متبدّلة تحيط بالعروسين كأنها هالة احتفاء خاصة بهما، فيما كانت نغم تمسك بيد فريد، تضحك بانبهارٍ طفولي، وكأنها لا تصدّق أن هذا المشهد يحدث حقًا في ليلة زفافها.
غنّى حماقي أغنية " واكلة الجو " وغنّى الجميع معه.
واكلة الجو
اليوم بوجودها احلو
هفضل 100 سنة هنا لو
قدامي عينيها الحلوين دول
واخدة الناس
بالرقة وبالإحساس
أنا عيني عليها يا ناس
إيه اللي بتعمله فيا ده معقول؟
ردد فريد معه الكلمات بحماسٍ صادق وهو يعانق نغم، يمسك بخصرها بين يديها ويراقصها بهدوء، بينما هي تتعلق بعنقه بذراعيها وتتمايل بغنج يليق بها .
تحوّل الفرح إلى مهرجانٍ حيّ، اختفى فيه الرسمي والمتحفّظ، وبقيت المشاعر عارية صادقة.
العروسين في المنتصف، يصفّقان، يتمايلان، يضحكان، بينما الأصدقاء والعائلة يحيطون بهما في دائرة فرحٍ واحدة لا تفرّق بين كبير وصغير.
انتقل حماقي من أغنيةٍ لأخرى، وكل واحدة كانت تشعل القاعة أكثر؛
ضحك، مازح العروسين، ووجّه لهما كلماتٍ خاصة عن الحب الذي يشبه الحلم حين يُكتب له الصدق، فزاد التصفيق، وتعالت الصيحات باسميهما.
كانت ليلة لا تُشبه سواها…
ليلة امتزج فيها الفن بالحب، والصوت بالمشاعر، وتحول الفرح إلى ذاكرةٍ ستظل عالقة في القلوب طويلًا، كلما ذُكر اسم ذلك الزفاف.
ــــــــــ
شارك الجميع النجم غناءه بحماسٍ طاغٍ؛ حسن وعمر التفّا حول فريد ونغم، يرددان الكلمات ويصفّقان على الإيقاع، وحتى نسيم—التي قررت أخيرًا أن تستسلم لبهجة اللحظة—اندمجت في الأجواء، تبتسم وتشارك الغناء باندفاعٍ صادق .
أما رفاق حسن، فقد أشعلوا الساحة برقصهم الصاخب وحماسهم المنفلت، حتى إن الكردي قرر أن يحمل حسن على كتفيه، وفي الجهة المقابلة حمل القنّ عمر، وراحا يرقصان متقابلين وسط صيحات وتشجيع الحضور، في مشهدٍ انفجر بالضحك والمرح.
وفي خضم تلك الفوضى الجميلة، وبينما كان عمر منغمسًا في أجوائه الصاخبة، تسمر فجأة في مكانه…
توقّف صوته، وخفَتَت حركته، حين وقعت عيناه على ميرال وهي تتقدم بخطواتٍ هادئة نحو نغم.
ظل يحدّق بها وكأن عينيه ترفض التصديق؛ فقد وقفت أمامه بكامل بهائها وأناقتها، تزين وجهها بابتسامة دافئة تحمل كل معاني الرقة المعتادة. انضمت إلى الأجواء الحماسية بخجل لطيف يضفي على حضورها سحرًا خاصًا، وابتسامتها الآسرة كانت كافية لتخبره بصمت أنه قد أضاع الكثير .. !
في اللحظة ذاتها، كان كريم قد ولج إلى القاعة…
فما إن خطا بضع خطوات حتى صنع حوله هالةً من الإعجاب اللافت، إذ جذبت هيئته أنظار المعجبات بلا استئذان؛ التفتت الرؤوس نحوه، وتعلّقت العيون بملامحه الوقورة التي لا تخطئها عين.
وقف بثباتٍ ووقار، شامخًا كأنه يعلن عن حضوره دون كلمة، واثقًا بنفسه إلى حدّ أن ظله بدا مهيبًا وهو يمتد على المكان، يفرض حضوره في صمتٍ يضج بالكبرياء.
غير أنّ داخله لم يكن يعرف السكون…
ففي أعماقه كان يبحث عن تلك العينين الباكيتين، عن صاحبة النظرة التي علقت بقلبه منذ لقائهما الأول.
كان قلبه دليله، يهمس له بثقةٍ غامضة أنه سيراها وسط هذا الزحام، بل ويطمئنه بأنه لن يغادر القاعة قبل أن يصل إلى خيطٍ يقوده إليها… ولو كان مجرد اسمها.
لم يكن يعلم كيف سيحدث ذلك، ولا بأي وسيلة،
لكنه كان على يقينٍ واحد: قلبه لا يخطئ الطريق… وهو يثق به ثقة العارف.
ـــــــــــ
في تلك الأثناء، وبعد أن شاركت ميرال العروس فرحتها، وما إن لمحت عمر وقد بدأ حضوره يطفو على السطح ويتمدّد في أرجاء المكان، حتى أدركت أن لحظة الانسحاب قد حانت… قبل أن تلتقي عيناه بعينيها، وقبل أن يتحقق أكثر مخاوفها منذ أن وطئت الحفل.
تراجعت بخطواتٍ محسوبة، تحاول التسلّل من تلك الدائرة الصاخبة التي اختلط فيها الشباب بالفتيات، تسعى للانفلات دون احتكاك أو لفت انتباه. غير أنّ ارتباكها، وطول ذيل فستانها، خانها فجأة، فتعثّرت وهي تهبط عن المنصّة.
لكن السقوط لم يكتمل.
يدان قويتان أمسكتا بها في اللحظة الأخيرة، وساعدان عريضان شكّلا حاجزًا صلبًا احتمت به، فانتشلها من لحظةٍ كانت ستتحوّل إلى إحراجٍ معلن.
رفعت عينيها بتلقائية… لتجده أمامها.. ملامحه الحادة الوقورة لم تكن غريبة عليها، ضيقت عينيها وهي تحاول أن تتذكره من باب الفضول ليس أكثر، فإذا بها تجد نفسها ـ دون قصد ـ غارقة في تأمل تفاصيله التي تجذب الأنظار دون إرادة.
ما إن وقعت عيناه عليها حتى اتّسعتا بصدمةٍ صافية؛ صدمة من لم يصدّق أن من شغلت تفكيره أيامًا كاملة، وحاول عبثًا أن يصل إلى أي خيطٍ يقوده إليها، تقف الآن أمامه من جديد… وكأن الصدفة قرّرت أن تنحاز إليه أخيرًا.
ارتسمت ابتسامة عفوية على شفتيه، وانفلت صوته دون تكلّف:
— انتي …!
عقدت حاجبيها بتعجّب، ونظرت إليه بحذرٍ واضح قبل أن تسأله:
— حضرتك تعرفني؟
أومأ برأسه مؤكدًا، وقال بهدوءٍ يحمل مسحة ودّ:
— أنا اللي قابلتك في المستشفى… وسندتك قبل ما تقعي.
في اللحظة ذاتها تذكّرته، فهزّت رأسها موافقة، غير أنّ اضطرابًا خفيًا تسلّل إلى ملامحها حين قفز إلى ذاكرتها ذلك الموقف، ومعه كلمات نادية التي ما زالت ترنّ في أذنها منذ ذلك اليوم.
أما هو، فتابع بابتسامةٍ أوسع، وكأنه يستمتع بوقع المصادفة:
— يِظهر كده مكتوب عليّ أسندك دايمًا.
لم تستسغ تلك الابتسامة المريحة التي استقرّت على شفتيه، فسرعان ما تجهمت ملامحها، واستعادت جديّتها المعتادة، ثم قالت ببرودٍ مهذّب:
— عن إذنك.
وتركت كلمتها معلّقة في الهواء، قبل أن تستدير محاولة الانسحاب، لكنه استوقفها مجددًا، وصوته يلحق بخطواتها:
— استني يا آنسة…
التفتت إليه وقد ضاقت المسافة بين حاجبيها بانزعاجٍ واضح، وقالت ببرود:
— أفندم؟
سألها بنبرة هادئة مترددة:
— ينفع أقولك حاجة من غير ما تضايقي؟
ارتاب صوتها وهي ترد:
— حاجة إيه؟
سمح لنفسه بنظرة خاطفة، متفحصة، استقرت على ملامحها الآسرة دون تعمّد فجّ، ثم قال ببساطة صادقة: — إنتِ أحلى واحدة في الفرح النهارده.
ارتفع حاجباها بدهشة حقيقية، وقد باغتتها كلماته، فانفلت صوتها بحدّة انفعال:
— عن إذنك!
همّت أن تتجاوزه مرة أخرى، غير أنه أسرع يستوقفها قائلًا:
— أنا مش بعاكس، ولا قصدي أزعجك والله.
ترددت لحظة في مكانها، فتابع بجدية أوضح:
— بس استوقفني إنك تقريبًا المحجبة الوحيدة هنا… وبصراحة شكلك في الحجاب زي القمر، علشان كده حسّيت إني لازم أقولك ملاحظتي.
لكنها هتفت بضيقٍ حقيقي، وقد فقدت صبرها تمامًا:
— تقدر تحتفظ بملاحظاتك لنفسك بعد كده.
ثم تركته وانصرفت دون أن تلتفت خلفها، بينما ظل هو واقفًا يتابع أثرها بعينيه حتى توارت عن الأنظار. ارتسمت على شفتيه ابتسامة شغوفة، وفي داخله قرارٌ يتشكّل بوضوح: لن يتراجع، ولن يستسلم، ولن يهدأ قبل أن يصل إليها… مهما كانت الوسيلة.
وفجأة، وبينما كان يهمّ بالتوجّه لتهنئة فريد ثم المغادرة، اندفع عمر نحوه على غير انتظار، وملامحه مشدودة بالغضب، وتوقف أمامه قائلًا بحدة:
— إنت عاوز إيه من ميرال؟!
عقد كريم حاجبيه في دهشةٍ صريحة، وقال متسائلًا:
— ميرال مين؟
هتف عمر بانفعالٍ واضح وقد نفد صبره:
— إنت هتستعبط؟!
في تلك اللحظة، أسرع حسن نحوهما بعدما لاحظ اندفاع عمر وحدّة الموقف، فوقف حائلًا بينهما محاولًا تهدئة الأجواء:
— في إيه يا عمر؟ مالك صوتك عالي كده ليه؟
التفت إليه عمر بعينين تتقدان غضبًا، وصاح:
— اسأله! كان واقف بيتكلم مع ميرال ليه وبيحاول يضايقها!
أما كريم، فكان لا يزال يحاول استيعاب ما يحدث، فقال بجديةٍ ممزوجة بالحيرة:
— صدقني أنا مش عارف مين ميرال اللي بتتكلم عنها.
ثم قطّب جبينه قليلًا وأضاف وكأن الخيط بدأ يتضح أمامه:
— تقصد… البنت المحجبة؟
اشتعلت نظرات عمر غضبًا، وقال بحدة:
— ده هيستعبط تاني !!
عندها اندفع كريم خطوة إلى الأمام وقد نفد صبره، رافعًا سبابته في وجه عمر بنبرة تحذير:
— اسمع يا بني آدم إنت… أنا عامل لك حساب علشان خاطر أخوك فريد. إنما لو قليت أدبك تاني صدّقني هعرف أتعامل معاك كويس أوي.
سارع حسن بإبعاد عمر خطوة إلى الخلف، ثم نظر إلى كريم معتذرًا:
— إحنا آسفين يا متر… حقك علينا .
لكن عمر لم يهدأ، وهتف من خلفه بعنادٍ وغضب:
— لا، مش آسفين ومش حقك علينا ..
أنا عايز أعرف… كان بيقول لميرال إيه وبيحاول يضايقها ليه؟
زفر كريم بعمقٍ محاولًا كبح جماح غضبه، ثم قال بنبرة باردة قاطعة:
— أيا كان اللي كنت بقوله ليها… فهو مش من اختصاصك.
رمقه أخيرًا بنظرةٍ خالية من الاكتراث، ثم استدار وانصرف بخطوات ثابتة.
في المقابل، كان عمر يحاول الفكاك من بين قبضتي حسن كوحشٍ جريح يتلوّى راغبًا في الانقضاض، لكن حسن صرخ في وجهه بحدةٍ غاضبة وقد بلغ به الإرهاق مداه:
— ما تهمد بقى إنت كمان! فرهدتني!
هتف عمر بعنادٍ وانفعال:
— مش هرتاح غير لما أعرف كان بيكلمها في إيه وهو بيضحك بالبرود ده!
رد حسن بعصبية واضحة:
— وإنت مالك؟! يضحك ولا يعيّط، إنت مالك؟! خلّيك في نفسك!
حدّق فيه عمر مصدومًا، وقال بصوتٍ مرتفع:
— أخلّيني في نفسي إزاي؟! بقول لك كان بيكلم ميرال وبيضحك، وواضح إنه كان بيضايقها!
كزّ حسن على شفتيه محاولًا السيطرة على غضبه المكبوت، وتمتم من بين أنفاسه وقد أوشك صبره على النفاد:
— ما تخلّينيش أغلط فيك إنت وميرال بتاعتك على المسا.
ثم انفجر فيه فجأة بانفعالٍ حاد جعل عمر يتراجع خطوة دون وعي:
— هو ده وقته يعني؟!
اقترب عمر برأسه منه، وهتف بانفعالٍ مماثل وصوتٍ خفيض حاد:
— ما تزعقليش قدّام الناس يا حسن… أنا مش عيّل صغير قدّامك.
في تلك اللحظة لمح فريد توترهما الواضح، فاندفع نحوهما قائلًا بقلق:
— في إيه إنتوا الاتنين؟ مالكم؟!
تبادل حسن وعمر نظرة ضيقٍ وعتابٍ صامت، ثم قالا في آنٍ واحد:
— مفيش حاجة.
قطّب فريد حاجبيه باستغراب:
— مفيش حاجة إزاي يعني؟ اتكلموا!
تنفّس حسن بعمق، ومسح جبينه محاولًا استعادة هدوئه، ثم قال بنبرةٍ متماسكة:
— مفيش حاجة يا فريد… كلمتين بايخين وراحوا لحالهم.
ثم ابتعد بخطوات سريعة، تاركًا خلفه توترًا لم يُحل.
كانت جيلان تتابع المشهد عن كثب، وما إن رأت حسن ينصرف حتى لحقت به، وقالت بانشغالٍ واضح:
— في إيه؟ إنت وعمر بتتخانقوا ليه؟
راقبها حسن للحظات بنظرة مثقلة بالضيق، ثم أنزل عينيه قليلًا نحو انسياب فستانها المكشوف الذي لم يترك له سوى شعور بالابتذال الصارخ. ازدحمت الكلمات على شفتيه، ولكنه كبحها بقوة وألقى بغضب مكتوم:
ـ اسألي أخوكي.
لم يمكث بعدها طويلًا، بل استدار متجهًا إلى الخارج وترك خلفه صخب القاعة بلا اكتراث. احتاج لبعض الهواء النقي ولسيجارة تُعيد إليه توازنه، فيما كانت جيلان تتبعه بعينيها، وقد اعتلت ملامحها علامات الضيق التي ازدادت مع كل خطوة خطاها بعيدًا.
ـــــــــــــــ
وقف حسن بالخارج، مستندًا إلى صمته الثقيل، يدس إحدى يديه في جيب سترته بينما الأخرى تمسك بسيجارة يترك لها مهمة إحراق ما يعجز هو عن قوله. كان ينفث دخانها ببطء، شارد الذهن، وكأن أفكاره تتنازع داخله بلا هوادة.
وفجأة، تسلل إلى سمعه وقع خطوات مألوفة. أغمض عينيه لحظة، لا يدري لمَ أربكه ذلك الصوت، ثم فتحهما وقد ازدادت نظراته قتامة. سحب نفسًا عميقًا من سيجارته وزفره بقوة، كمن يحاول طرد ثقل جاثم على صدره.
اقتربت جيلان ووقفت إلى جواره في صمت. التفت إليها بنصف نظرة، فرأها ثابتة في مكانها، تحدق أمامها، تضم شالها الفرو الذي غطى صدرها؛ فارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة مبتورة وهو يقول متهكمًا:
ـ بردتي ولا إيه ؟!
زمت شفتيها بنزق، ترددت لوهلة بين الرد والتجاهل، ثم قالت بنبرة هادئة:
ـ ممم.. الجو برد هنا .
تأملها بنظرة حادة بعض الشيء، ثم أومأ بصمت، محاولًا أن يُبقي أعصابه تحت السيطرة.
ـ واقف لوحدك ليه ؟!
سألته بهدوء، فرد ببرود متعمد وهو يرفع إصبعيه اللذن يضمان السيجارة وهتف:
ـ بشرب سيجارة زي مانتي شايفة !
هزت رأسها ببطء، وقالت:
ـ هو أنا ليه حاسة إن في حاجة مضايقاك ؟!
استدار إليها بكامل جسده، وألقى بالسيجارة أرضًا بعنف وهو يهتف:
ـ حاسة ؟! طب والله كويس إنك بتحسي !
ارتفع حاجبها بدهشة، والتفتت لتواجهه وهي تهتف بغيظ:
ـ هو إنت فاكر نفسك مين بالظبط علشان تكلمني بالأسلوب ده ؟!
زفر أنفاسه بعمق، ونظر إليها بنظرة خيبة سكنت عينيه وهو يقول:
ـ ولا حاجة .. أنا ولا حاجة ..
ثم أعاد كلماتها التي سبق أن طعنته بها، كمن يضغط على جرح لم يلتئم:
ـ أنا مجرد واحد ميشرفكيش إنه حتى يبقى أخوكي .. مش ده كلامك ؟
تنهدت، وقد أدركت تمامًا ما آلمه، وهمّت أن تتراجع، أن تخبره أنها لم تقل ذلك إلا نكايةً وردًا على قسوته… لكنها اختارت الصمت. فليحترق بناره. لا يهم.
أشاحت بوجهها تنظر أمامها من جديد. أما هو، فقد فهم صمتها على طريقته، فهز رأسه بيأس، وأدار وجهه بعيدًا، أشعل سيجارة أخرى وراح يدخنها بصمت ثقيل.
تنهدت هي أخيرًا، ثم قالت متعمدة استفزازه:
ـ هو إنت زعلان علشان نغم هتتجوز ؟!
التفت إليها بحدة، وعيناه تشعان بضيق لا يخفيه، وقال:
ـ وأزعل ليه ؟!
هزت كتفيها بلا رد، فيما هز هو رأسه يائسًا، ثم عاد لينظر إليها بعينين محمّلتين بالفضول، وقال:
ـ هو انتي زعلانة علشان فريد هيتجوز ؟!
لتجيبه بعفوية، كأنها ترفض أن يتوقع شيء منها:
ـ وازعل ليه ؟!
مط شفتيه، وهو يتأمل ملامحها بكل حذر، ثم قال بنبرة مختلطة بين الاستغراب والتساؤل:
ـ يعني .. يمكن لسه بتحبيه ولا حاجه !
رفعت حاجبيها بضيق، وارتفع صوتها بانفعال، كمن تقف على أرضها ثابتة:
ـ هو إنت لسه بتحب نغم ؟!
التفت إليها وهو يهز رأسه يائسًا، يتمتم في نفسه، وكأن الكلمات تخرج منه كاعتراف مرهق:
ـ لا حول ولا قوة الا بالله .. انتي بتجاوبي سؤالي بسؤال ليه ؟!
زمت شفتيها، محاولة تهدئة انفعالها، وقالت ببرود متعمد:
ـ عادي .. مجرد سؤال .
نظر إليها، وابتسم ابتسامة مشاغبة، كأنه يتحداها برقة خفية:
ـ يعني لو جاوبتك بصراحة هتجاوبيني انتي كمان بصراحة ؟
ـ أكيد .
أومأ، ثم تنهد وكأنه يفرغ جزءًا من حملٍ أثقله طويلا، وقال بنبرة صادقة:
ـ طيب أنا اكتشفت إني محبتش نغم أصلا ! أو بمعنى أصح .. اللي كنت حاسس بيه مكانش حب اللي هو الحب المتعارف عليه يعني .. كان تعلق وراح لحاله .
حاولت أن تحافظ على ابتسامتها هادئة كما هي، رغم أن قلبها أراد أن يبتسم بحرية، ولكنها كتمت ذلك، فقال:
ـ دورك .. جاوبي .. انتي لسه بتحبي فريد ؟!
تسائل وفي قلبه كان يخشى الجواب، فهو يعرفها جيدًا: جريئة وواضحة، ولن تكذب أبدًا.
تنهدت چيلان، أخذت عيناها تتأملان المكان وكأنها تستجمع شجاعتها قبل أن تنطق بما في قلبها، ثم قالت:
ـ هتصدقني لو قلت لك إني أنا كمان اكتشفت إني مكنتش بحب فريد ؟!
رفع حاجبه متشككًا، بينما أومأت وهي تحدق فيه بعينين صادقتين، تقول بصوت هادئ، مشحون بالإحساس:
ـ بجد .. أنا كمان كنت متعلقه بفريد .. بفكرة الأمان والدفا اللي كانت متمثلة في وجوده في الڤيلا، طبعا انت عارف إنه حنين وكان بيحتوي الكل فعلا .. بس عطشي للحب والأمان خلوني أترجم احساسي غلط .. بس دلوقتي وأنا ببص على الصورة من بعيد أدركت إن ده مكانش حب بجد .. كان وهم .
تنهد هو بعمق، وشعوره بالارتياح خرج على شكل تنهيدة بلا وعي، وقال وهو يترك بعضًا من حمل قلبه يتسرب:
ـ الحمدلله .
ضيقت عينيها متعجبةً فإذا به يستطرد وكأنه يحاول إنقاذ نفسه :
ـ الحمدلله إنك عرفتي الحقيقة يعني ومفضلتيش مكملة في الوهم ده كتير.
أومأت بصمت، فتنهد هو وهو يلقي بسيجارته أرضًا. فإذا بها تفاجئه قائلةً :
ـ حسن .. أنا آسفة!
هز رأسه بتساؤل صامت، فأضافت بسرعة:
ـ مقصدتش اللي قلته في الڤيلا .. يعني كان مجرد كلام قلته عشان أضايقك.
دس يديه داخل جيبيه، وألقى نظرة إلى الأرض قبل أن يرفعها نحوها، وقال بحدة مختلطة بالتعجب:
ـ تقصدي إنك مقصدتيش تقوليلي إنك ميشرفكيش يكونلك أخ زيي ؟!
أومأت ببطء:
ـ أيوة مقصدتش .. كنت بضايقك بس.
اقترب منها خطوة، وضيّق عينيه في نظرة متفحصة بها بعضًا من الخبث وقال:
ـ معنى كده إنك تحبي يبقا لك أخ زيي عادي؟
ارتسمت ابتسامة شقية على شفتيها، وتراجعت خطوة، توميء بالموافقة، بينما هو استمر في ملاحقتها بخطوة أخرى ببطء، يراقب ملامحها المتأرجحة بين الجدية والمرح، ثم قال:
ـ ويا ترى .. ممكن أكون أخ بس ؟! ولا في احتمالات تانية ؟!
هذه المرة لم تتراجع، بل ظلت ثابتة في مكانها، تحدق فيه بجرأة وتقول:
ـ احتمالات زي إيه ؟!
نظر إليها بعينين مراوغتين، وهز رأسه بمشاكسة قبل أن يجيب:
ـ يعني .. أخ ..
اقترب خطوة أخرى، وتابع بنبرة هادئة مرنة:
ـ صديق.
اقترب خطوة ثالثة، مسترسلًا:
ـ شريك عمل مثلا …
كادت أن تفقد توازنها وهي تتراجع بخطوات مرتبكة، لكن يده امتدت فجأة بثبات لتلتف حول خصرها، يجرّها نحوه بحركة مباغتة. التقت أعينهما في لحظة مشحونة بالصمت، صمت عجزت الكلمات عن منافسته، مفعم بشدة العاطفة ورهبة الموقف ودفء لم يكن منتظرًا.
تساقط شالها على الأرض بهدوء، فانحنى على الفور والتقطه بعناية، ثم أعاده إلى كتفيها برويّة. زفر ببطء يحمل بين طياته ضيقًا مكتومًا، قبل أن ينطق أخيرا :
ـ چيلان .. بلاش تخلي كل من هب ودب يبص لك بصة كده ولا كده، صدقيني انتي أغلى من كده.
تركها ثم عاد أدراجه ليدخل إلى القاعة فإذا به يلمح أيمن واقفاً بالقرب من البوابة، ويبدو أنه في جدال مع أفراد الأمن.
حينها قال حسن بنبرة استفسار:
ـ خير، في إيه ؟!
تفاجأ أيمن برؤية حسن، وظهرت عليه علامات الارتباك، فبادر رجل الأمن بالرد قائلاً:
ـ الأستاذ مصرّ يدخل بدون دعوة .
رمقه حسن باستغراب وسأله بنبرة ساخطة:
ـ خير يا أستاذ أيمن ؟! جاي ليه ؟! هو إنت محرمتش من اللي حصل لك المرة اللي فاتت ؟!
في تلك اللحظة، كانت جيلان قد وصلت لتلحق بحسن، فتوقفت إلى جواره وهي تصيح بدهشة فور أن وقع نظرها على أيمن:
ـ أيمن؟!
رفع أيمن عينيه نحوها، وشاب نظراته ارتباك ملحوظ وهو يجيب بتردد:
ـ آنسة جيلان.. عاملة إيه ؟!
قطب حسن جبينه بغضب وقال بسخرية لم تخفَ:
ـ لا والله ؟! آنسة چيلان عاملة إيه ؟! هو إنت جاي هنا تسأل عن الآنسة ولا إيه ؟!
بادرت جيلان بالنظر إلى حسن بنفور واضح من تصرفه، لكن قبل أن ترد على تعليقاته، بادرها حسن بصوت حاد مفاجئ:
ـ وانتي .. واقفة كده ليه ؟! اتفضلي ادخلي .
شعرت جيلان بصدمة واضحة، وكانت دهشتها تتضاعف وهي تنقل نظرها بين حسن وأيمن، تتساءل في داخلها باستنكار: كيف يمكن لحسن أن يرفع صوته عليها بهذه الطريقة أمام شخص مثل أيمن؟ بل كيف تجرأ أن يصيح بها أساساً؟ ولكن حسن، دون أن ينتظر استجابتها، تابع كلامه بنبرة أكثر حدة :
ـ قلت لك ادخلي .. !
شعرت جيلان بالغضب يجتاحها، فاتجهت بخطوات سريعة بين حسن وأيمن، متجاهلة كليهما بدفعة قوية جعلت حسن يبتعد خطوة إلى الوراء. وقف في مكانه يتابعها بنظرات حانقة، مشتعلاً بالغضب من عنادها، بينما تمنّى لو استطاع ملاحقتها للرد على وقاحتها.
ثم التفت إلى أيمن، الذي كان لا يزال يحدق في أثر جيلان، وعلى وجهه ابتسامة هادئة، فهتف بصوت أجش، يمزج بين التهكم والمرح:
ـ ألووو .. باشمهندس أيمن هل تسمعني ؟!
التفت أيمن نحوه، وقال بجدية مختلطة بالاحترام:
ـ أستاذ حسن .. أنا جاي علشان نفسي أبارك لفريد في يوم زي ده أرجوك ما تمنعنيش !
هتف حسن بانفعال لا يخلو من صدمة:
ـ تبارك لفريد؟! اللي اختشوا ماتوا صحيح.. هو انت ليك عين تيجي تبارك لفريد ؟!
تنهد أيمن بحزن وضيق عميق، ثم قال بهدوء:
ـ أستاذ حسن..
لكن حسن قاطعه بانفعال صارم:
ـ انا لا أستاذ ولا باشمهندس..
ابتسم أيمن بهدوء، محاولا التخفيف عن توتره، وقال:
ـ طيب يا حسن بيه .. ممكن من فضلك تسيبني أدخل أبارك له وأمشي ؟! حتى ممكن تبلغه وأنا واثق إنه هيقوللك تدخلني .
وقف حسن يتأمله بثبات لبعض الوقت، ثم أخرج هاتفه من جيبه متصلًا بعمر لإخباره بما يجري. طلب منه أن ينقل التفاصيل إلى فريد وينتظر تعليماته. لم يمضِ وقت طويل حتى أجابه عمر، مؤكدًا أن فريد قد أبدى موافقته وطلب السماح لأيمن بالدخول.
نظر حسن إلى أيمن وعلق بأسى:
ـ للأسف... فريد بيه قلبه طيب.. مش عارف انت جالك قلب تستغفله إزاي ؟!
وبينما أيمن يستمع، انحنى حسن فجأة، مما جعل أيمن يجزع متراجعًا بخوف. لكن حسن قال ساخرًا:
ـ متخافش ، ده أنا بس بفتشك .
شرع حسن في تفتيش سريع ودقيق، بينما وقف أيمن مذهولًا من هذا الإجراء غير المتوقع. فقد لاحظ أن حسن كان يفكر بجديّة في إمكانية أن يكون دخوله مبيتًا على نية إلحاق الأذى بفريد. وبعد أن تأكد من خلو أيمن من أي سلاح، رافقه بنفسه إلى الداخل.
دخل أيمن مترقبًا تلك اللحظة، ورغم شعوره بالحماسة والشجاعة لتقديم تهانيه لفريد، إلا أنّ التردد والارتباك تسلّلا إلى نفسه، مما جعله يفكر للحظة في العدول عن قراره.
على مهلٍ، تقدّم نحو المنصة حيث كان فريد يجلس بهدوء. اقترب منه بخطوات واثقة ولكن مترددة، ثم توقف أمامه محاولًا أن يجد الكلمات المناسبة لبداية الحديث.
جلس فريد في مكانه، يرمق أيمن بنظرات صامتة عكست مزيجًا من التساؤل وعدم الاكتراث، وكأنّها حملت طيفًا من العتاب غير المعلن. بالنسبة لأيمن، بدا فريد وكأنه يلمس في تصرّفاته ندمًا صامتًا.
نهض فريد ببطء، وعيناه ما زالتا مثبتتين على وجه أيمن. وقبل أن ينطق بأي كلمة، تقدّم الأخير فجأة وعانقه بحرارة، وقال بنبرة يغلبها الاضطراب:
ـ فريد، أنا آسف... أتمنى إنك تسامحني.
لم تظهر ملامح فريد أي انفعال أو رد فعل واضح في البداية، مما زاد من توتر كلمات أيمن، الذي بادر قائلًا بشيء من الانكسار:
ـ من يوم ما عرفت بميعاد الفرح وأنا كنت أتمنى اني أحضر علشان أبارك لك.. لكن كنت متردد، بس لما عرفت إنك عزمت عاصم قررت أتشجع وأجي .
رفع ناظريه نحو فريد بابتسامة نابعة من أعماق قلبه وأضاف بتلقائية:
ـ ألف مبروك يا فريد.
هزّ فريد رأسه بإيماءة مقتضبة، ثم أجاب بصوت خفيض يحمل قدراً من التروي:
ـ الله يبارك فيك يا أيمن... عقبالك إن شاء الله.
اقتبس أيمن تلك الجملة كمدخل للمصالحة، ليقول بصدق وندم واضحين:
ـ إن شاء الله... أرجوك تسامحني. أنا عارف إن اللي عملته لا يغتفر، بس أنا طمعان تديني فرصة تانية .
أخذ فريد نفسًا عميقًا وأجاب بعبارات مختصرة تخفي وراءها الكثير:
ـ اللي حصل حصل يا أيمن ، ربنا يوفقك إن شاء الله.
أدرك حينها أيمن أن حواجز الماضي لم تسقط تمامًا بعد، فرغم أن فريد لم يرفض مبادرته بشكل صارم، إلا أنه كان واضحًا أن استعادة ما كُسر لن تكون بالأمر الهيّن وفي لحظة عابرة.
تنهد أيمن وهو يتمتم بحرارة:
ـ ربنا يسعدك يا فريد، انت تستاهل كل الخير اللي في الدنيا .
ابتسم فريد ابتسامة وقورة وهمس بتقدير:
ـ شكرًا يا أيمن... كتر خيرك .
استدار أيمن مبتعدًا بخطا هادئة لكنها مثقلة بالمشاعر المتضاربة. أما فريد، فقد أطلق خروج زميله تنهيدة خفيفة، ثم سرعان ما استعاد بعضاً من مرحه المعتاد وعاد ليندمج مجددًا مع الأجواء المفعمة بالحياة التي بدت أكثر حيوية مع وصول نجم الجيل، تامر حسني.
بعد لحظاتٍ عارمةٍ من الجنون الصاخب والفرح الذي انفجر كالألعاب النارية في قلوب الجميع، عاد السكون ليخيم على المكان كوشاح ناعم يعانق الأجواء. وحينها، حان موعد الرقصة الرومانسية التي ينتظرها الجميع بشغف، تلك اللحظة الساحرة التي تجمع العروسين وكل عاشق مع نصفه الآخر.
وسط منصة الرقص التي أضاءتها الأضواء الخافتة، تقدم فريد ونغم بهدوء، واقتربا من بعضهما كأن العالم بأسره اختفى من حولهما.
أحاطت نغم ذراعيها حوله بقوة، كأنها تحتضن الحلم الذي أصبح واقعاً. تمنت لو تصرخ للعالم أجمع، بأن هذا الرجل بات أخيراً ملكاً لقلبها وأنها أصبحت شريكة عمره ونبض أيامه.
أخيرًا، يجتمعان تحت سماء حياة واحدة، حياة بلا فراق ولا وداع، حياة تُحرر القلب من قيود الخوف التي أثقلته طويلًا.
هي اليوم قادرة أن تغني لفرحتها بجرأة، أن تعلن حبها كشمس لا تخفي نورها، أن تبوح بالشوق الذي كان سرًّا يخفق بين الضلوع. لن تخفي شيئًا بعد الآن، فكل الأحاديث ستُقال، وكل الحكايات ستُروى.
فريد أصبح لها، وهي له من دون شك، وهكذا انتهت الحكاية وبدأت الرواية.
ابتعد لينظر إليها بعينين عاشقتين، وهو يردد كلمات الأغنية كأنه يروي لها كلّ معنى تُخفيه الأحرف في صمتها.
إنتي حالة حب نادرة بتيجي مرة في الحياة
إنتي حد بجد بنسي الدنيا واطمن معه
إنتي في عيونك طريقي، ضحكتي من بعد ضيقي
إنتي مخزون السعادة اللي قلبي خلاص لقاه
كانت نغم تنظر إليه بينما تلتهمها عيناه بشغف، حتى شعرت بضباب يلف عينيها وهي تمتلئ بالدموع. لم يكن منه إلا أن اجتذبها نحوه بحركة مفعمة بالعاطفة، وضمها إليه بعناق ثابت، وكأنه يعلن بصوت صامت أمام الجميع عن هيامه العميق بها.
أما الحاضرون، فكانوا يراقبون هذا المشهد بعواطف متباينة ..
على سبيل المثال، حسن الذي ارتسمت على محياه ابتسامة متأثرة، وكأنه للتو يكتشف عمق حب استثنائي يربط بين نغم وفريد، حب يتجاوز المألوف في شدته وفرادته.
كان على يقين تام، بشعور ينساب إلى أعماقه ويشغل كل ذرة في كيانه، أن هذا النوع من الحب إما أن يكون بكل قوته وصفائه أو لا يكون من الأساس.
وفي داخله، كان راسخ الاقتناع بأنهما قد خلِقا ليكونا لبعضهما البعض، حقيقة لا تقبل الجدل أو الشك .
استدار ينظر إلى جيلان التي ارتسمت على شفتيها بسمة هادئة، تتابع العروسين بملامح غامضة لا تفصح عن أي شعور.
كان في داخلها شعور جامح يتملكها، رغبة عارمة في أن تحظى بحب كهذا. حب لا يقل شغفًا وجنونًا عما تراه أمام عينيها. داخليًا، كانت تؤمن بأنها تستحق العيش وسط لحظات كهذه، لحظات تحمل سحرًا خاصًا وحياة تنبض بمعانيها الكاملة .
وفي لحظة عابرة، لم تدرك ما الذي جعلها تلتفت نحو حسن بشكل مفاجئ، لتجد نفسها وجهاً لوجه مع عينيه اللتين تحيطان بها بنظرة غارقة في الافتتان الصامت. شعرت بأن تلك النظرات وكأنها تقيدها وتفقدها قدرتها على الثبات، مما دفعها سريعاً لتحويل اتجاه بصرها لتتحرر من وطأة هذا الشعور الذي باغتها .
أما عن زينب، والتي كانت تقف تتابع المشهد، ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة، وهي تراقب فريد يحتضن نغم كأنها أثمن كنز ناله في حياته. لم تستطع أن تمنع دموعها من الانهمار… دموع فرحٍ خالص، لأنها ترى فريد ونغم أخيرًا وقد اجتمعا، اجتماعًا لا يبدو أن أحدًا سيكون قادرًا على تفريقه بعد اليوم.
لكن دموع الفرح لم تكن وحدها الحاضرة؛ إذ اختلطت بها دموع حزنٍ خفي، تسلّل إلى قلبها دون استئذان. ربما لأن غريزتها الأنثوية، التي لا يعترف بها عمر ولا يقف أمامها زمن، جعلتها ترى نفسها في موضع نغم… شابةً كما كانت يومًا، تعيش سعادةً حُرمت منها طويلًا.
في تلك اللحظة، شعرت وكأن الكثير قد فاتَها… أشياء لا تعرف على وجه الدقة ماهيتها، لكنها تركت في صدرها فراغًا ثقيلًا.
تنهدت ببطء، ومدّت يدها تمسح دموعها على عجل. وبينما هي تلتفت، وقعت عيناها فجأة على نادر، الجالس إلى جوار سالم. رأته يطالعها بنظراتٍ مشدودة، أثارت دهشتها واستغرابها معًا، فانعقد حاجباها وهي تنظر إليه باستفهام، بينما ظلّ هو مُمعنًا في التحديق.
فهتفت بحدّةٍ خفيفة:
— خير يا متر ؟!
انتبه نادر على نفسه فجأة، فحرّك رأسه سريعًا، كمن يحاول أن ينفض عنها شرودًا باغته دون قصد.
أما نسيم، والتي لم تفلح في كبح دموعها التي انسابت بلا إرادة منها، وهي لا تدرك تمامًا السبب الحقيقي وراء هذا الشعور الذي اجتاحها. كل ما تعلمه في هذه اللحظة أنها غارقة في كرهها لذاتها، مشحونة بموجة من المشاعر السلبية القاسية. كانت تبغض ذلك الإحساس الذي يملأها، إحساس جعلها ترى نفسها كشخصية حاقدة عاجزة عن أن تشارك أخاها وزوجته فرحتهما. وبدلاً من ذلك، وقفت هناك، تغرق في دموع صامتة، تبكي شعورًا لم تحظَ به يومًا .
اقتربت منها زينب بهدوء، وضعت يدها بحنو على كتفها ثم احتضنتها برقّة، قبل أن تهمس لها بابتسامة دافئة:
ـ حلوين أوي، مش كده ؟!
أومأت نسيم برأسها وهي تستجيب بإيماءة خفيفة دون أن تنبس بكلمة. سرعان ما مدت يدها لتزيل آثار الدموع المتجمعة على وجنتيها بخفة وهي تقول بصوت متهدج:
ـ حلوين جدا ، ماشاءالله .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في نهاية الحفل، جاء موعدهم مع التقاط الصور التذكارية..
فأخذ الحضور ينهضون ليلتقطون الصور التذكارية مع فريد، اصدقائه، رفاقه القدامى.. معارفه ..
إلى أن أتى دور الصورة التي ستجمع بين الإخوة الأربعة .
وقف فريد في المنتصف، بينما على يمينه نغم وإلى جوارها حسن، بينما عن شماله نسيم وإلى جوارها عمر .
وفي صورة أخرى أصر فريد أن تشاركهم چيلان تلك الصورة، وفي صورة أخرى شاركتهم زينب ..
بينما أصرت نغم أن يلتقط الإخوة الأربعة صورة بمفردهم، فوقف فريد إلى جانب نسيم، عن يمينهما حسن، وعن شمالهما عمر .
حينها كان سالم يرمقهم بعينين تلمعان بفرحة عارمة، فرحة لم يعرف لها مثيلًا من قبل. في تلك اللحظة تحديدًا، شعر بقلبه يكاد يقفز من بين ضلوعه، لكن الألم تسلل إليه على استحياء، ألم موجع لأنه أسير ذلك المقعد المتحرك. أم قسم بينه وبين نفسه أنه لو كان قادرًا على الوقوف، لنهض دون تردد، وشارك أبناءه الرقص والاحتفال، ولاتخذ برفقتهم صورة تذكارية، ولأعلن—لأول مرة في حياته—عن وجه آخر لم يسبق أن كشفه لأحد.
كان يريد أن يصرخ بأعلى صوته، أن يصرّح للعالم كله أن السعادة تسري في أعماقه وأوردته كما لم تفعل من قبل. كان يرى فرحة فريد، تلك الفرحة الصافية التي لم يعرفها ابنه يومًا بهذا الاتساع، ويرى اخوته يجتمعون حوله في مشهد آسر .
شعور نادر، نقي، يكاد يكون مقدسًا… شعور أنه للمرة الأولى في حياته حيّ بحق. حيّ وهو يرى ثمرة عمره مجتمعة أمام عينيه، متماسكة، سعيدة، دون خوف أو نقصان.
في تلك اللحظة تحديدًا، تمنى لو استطاع الوقوف فقط ليقول لهم شكرًا. ليشكر أبناءه جميعًا، وخاصة فريد، لأنه—دون أن يدري—منحه هذه اللحظة، وجعله يعيش فرحة لم يكن يظن يومًا أنها ممكنة.
في تلك اللحظة تجمّعت الدموع في عينيه على نحوٍ كاد أن يوبّخ نفسه عليه؛ فهو لم يعتد الضعف يومًا، ولم يسمح له أن يتسلل إلى ملامحه مهما اشتدت عليه الأيام. ومع ذلك، لم يفهم كيف اغرورقت عيناه وهو يرى أبناءه الأربعة يقفون جنبًا إلى جنب، يلتقطون صورة تذكارية، كأنها ختمٌ جميل على رحلة عمرٍ طويلة.
ابتلع الغصّة التي تشكّلت في حلقه بصعوبة، ومدّ إصبعه سريعًا يمسح تلك الدمعة قبل أن تخونه أكثر، وكأنه يخشى أن تفضحه أمام نفسه قبل أي أحد.
وفي اللحظة ذاتها، كانت زينب، الواقفة إلى جواره، تحاول السيطرة على دموعها هي الأخرى. رأت أمامها زهرة شبابها كاملة، متجسدة في ورداتٍ سقتها حبًا، وروتها اهتمامًا، وها هي الآن تراهم يزهرون أمام عينيها.
التفتت نحوه بعفوية، فوقع بصرها عليه بتلك الهيئة التي نادرًا ما رأته بها، وهو يقاوم دموعه بصمتٍ موجع. اهتز قلبها ألمًا وتأثرًا لأجله، ودون وعي وجدت يدها تمتد لتربت على كتفه برفقٍ ومواساة، في لفتة صادقة حملت كل ما عجزت الكلمات عن قوله.
التفت سالم نحوها، ورفع رأسه قليلًا حيث تقف، ليقابل تلك الابتسامة المرتجفة التي ارتسمت على شفتيها وهي تنظر إليه بعينين تلمعان بالدموع. دون وعي، رفع يده وربّت بها على يدها المستندة إلى كتفه.
كانت حركة بسيطة، عابرة في ظاهرها، لكنها بالنسبة لها كانت كل شيء.
توقّف قلبها لوهلة؛ شعرت وكأنها امتلكت العالم بما فيه. تلك كانت أول لمسة حانية منها، لمسة لم تتوقعها يومًا من أخ عُرف بالصرامة والجبروت طوال عمره، أخ نادرًا ما أفصح عن مشاعره، أو سمح لها أن ترى ضعفه. مالت نحوه قليلًا، وهمست بصوتٍ دافئ تختلط فيه الدعوة بالرجاء:
ـ عقبال ما تفرح بحسن وعمر.
أومأ سالم برأسه بهدوء، بينما في أعماقه تمنّى ذلك من كل قلبه، وتعلّق بالدعاء كما لم يفعل من قبل، على أمل أن يمنحه الله فرحتين أخريين تكمّلان تلك اللحظة التي طال انتظارها.
───────────────═
حين أُسدل الستار على تلك الليلة التي كانت أكثر من حافلة، جاء الموعد لينفض ذلك الزحام، ويغادر العروسين إلى منزلهما .
وقفا يتلقيان تحيات الوداع، الممزوجة بأرق المباركات والتهنئات والدعوات الصادقة .
ثم أمسك فريد بيد نغم وأسرع يفتح لها باب السيارة لكي تستقل مقعدها إلى جواره في حماس .. ثم قاد السيارة على أعلى سرعة حيث أنه قد فقد كل ما تبقى من صبره .
في غضون نصف ساعة كان قد صف السيارة أمام منزلهما ..
ترجل أولا وفتح لها الباب فترجلت وهي تنظر إليه بابتسامة ممزوجة بالتوتر .
وما إن دلفا إلى منزلهما حتى شعرت نغم بأن دقات قلبها تصنع ضجيجًا صاخبًا داخل صدرها، كأن المكان كله يسمعه معها. لم تجرؤ على الالتفات؛ كانت تعلم يقينًا أنها إن فعلت ستقع أسيرة تلك النظرة التي ستربكها أكثر مما هي عليه الآن. بقيت واقفة في موضعها، تفرقع أصابعها بتوترٍ طفولي، وتحاول عبثًا تهدئة أنفاسها المضطربة.
وفجأة، وجدت نفسها ترتفع عن الأرض دون إنذار، إذ حملها بين ذراعيه بخفةٍ أربكتها أكثر، وهزّها قليلًا كأنه يزنها، قبل أن يقول ضاحكًا بنبرةٍ مشاكسة:
— شايل غزال يخواتي!
نظرت إليه بابتسامةٍ واسعة، تحاول من خلفها إخفاء ارتباكها، وقالت بنبرةٍ قلقة:
— فريد نزلني… ما تنساش إنك لسه عامل عملية.
رمقها بعتابٍ مصطنع، وردّ بنبرةٍ واثقة تحمل شيئًا من الدعابة:
— كل سنة وإنتِ طيبة… عملية إيه بس؟ ده أنا مستني اللحظة دي بقالى سنة، من أول يوم شفتك وأنا بحلم باليوم اللي تكوني فيه ملكي.
كلماته هزّت مشاعرها دفعةً واحدة؛ خوفٌ خفي، وحماسٌ مرتجف، وعاطفةٌ تتوهّج بلا مقاومة. تحرّك بخطواتٍ واثقة نحو الغرفة، فمدّت يدها تلقائيًا تستند بها إلى جبينها بتوتر، ليعلّق هو بمشاكسة:
— إيه؟ هتنامي ولا إيه؟ لا الله يكرمك، فوقي معايا كده.
ضحكت بخفوت، فمدّ يده ليفتح الباب، ونظر إليها بابتسامةٍ دافئة وقال:
— أهلًا بيكي في مملكتك الخاصة يا نغم هانم.
ثم فتح الباب ودلف بها إلى الداخل… لتقع عيناها على الغرفة وقد تبدّلت ملامحها تمامًا، لا تشبه تلك المرة الوحيدة التي تسللت إليها خِلسة .
كانت الغرفة مغمورة بسحرٍ خاص؛ ورودٌ متناثرة في كل زاوية، والفراش يتوسطه قلبٌ مرسوم بعناية من الورد الأحمر. لكن ما استوقف أنفاسها حقًا لم يكن ذلك وحده، بل ذاك التحوّل المدهش في الأجواء…
الغرفة التي كانت يومًا ما تغفو تحت سيادة الأسود، تبدّلت كليًا إلى بياضٍ نقي، كأنها صفحة جديدة كُتبت لهما وحدهما.
وفوق الفراش، علّقت صورة مرسومة تجمع فريد ونغم، تنبض بدفءٍ حالم، فتضاعف أثر المشهد في قلبها.
غرفة تشبه الحلم، تحتضنهما وتعدهما بليالٍ دافئة، وكأنها خُلقت لتكون بداية حكاية جديدة، أكثر هدوءًا، وأكثر امتلاءً بالحب.
نظر فريد إلى نغم، وهو لا يزال يحملها بين ذراعيه، وقال مبتسمًا بنبرةٍ دافئة:
— أنزّلك ولا مش دلوقتي؟
ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة، يغلّفها شيءٌ من الحرج، ثم قالت بصوتٍ خفيض:
— ياريت تنزّلني.
تأمل ملامحها لحظة، ثم سألها برفق:
— متأكدة؟
هزّت رأسها موافقة، فانحنى بهدوء ليضعها فوق السرير. لكنه لم يستقم فورًا، بل ظل منحنياً نحوها، يراقبها بعينين لامعتين تحملان افتراسًا صامتًا. في المقابل، قبضت هي على الملاءة بكلتا يديها بتوترٍ واضح، وقد شعرت بثقل نظرته وبابتسامته التي امتزج فيها شيءٌ لم ترغب في الاقتراب منه، ولا في تفسيره.
أشاحت بوجهها قليلًا، ثم تنحنحت بهدوء وقالت محاولة تغيير الأجواء:
— أنا بقول نغيّر هدومنا بقى… الفستان خنقني.
أومأ فريد برأسه وهو يعتدل واقفًا. كان قد لمح الخوف الخفيف في عينيها، فلم يشأ أن يطيل الوقوف على تلك المسافة القريبة، ولا أن يضغط عليها بنظراته أكثر. آثر التريث، علّه يبدد تلك الرهبة الأولى، ويمنحها الطمأنينة التي تحتاجها قبل أي خطوة أخرى.
نزع سترته بتمهّل، طواها بعناية ووضعها على المقعد المجاور، ثم شَمَّر أكمام قميصه، وأرخى رباط عنقه أخيرًا، وفكّ زرّين من صدره. كان يقترب منها وهو ينظر إليها بنظرةٍ هادئة وقال:
— طيب… خلّيني أساعدك.
— لأ…
هتفت بها فورًا، بنبرةٍ متعجلة.
توقّف ونظر إليها متعجبًا، فبادرت تتابع وقد حاولت أن تبدو أكثر ثباتًا:
— أنا هظبط كل حاجة.
— طيب أساعدك.
— لا، مش ضروري… أنا هعرف لوحدي.
أمال رأسه قليلًا بدهشة، وقال بابتسامة خفيفة:
— هتعرفي تقلعي الفستان لوحدك؟
أشعلت كلمته العفوية وجنتيها بحمرةٍ مفاجئة، فهزّت رأسها مراتٍ متتالية دون وعي. لم يفُته ارتباكها، فقلّد حركتها ساخرًا بلطف وهو يقول:
— إيه يا نغم؟ مالك؟!
همست، وصوتها بالكاد يُسمَع:
— معلش… متوترة شوية.
ابتسم ابتسامة دافئة، وجلس إلى جوارها، ثم ضمّها إليه بقوةٍ حنونة وهو يقول بصوتٍ مطمئن:
— ليه يا حبيبتي؟ مفيش أي حاجة تدعو للتوتر… أنا جنبك.
استكانت قليلًا بين ذراعيه، وكأن دفئه هدّأ اضطرابها للحظات، ثم همست بهدوء متردد:
— فريد… ممكن تطلع برّه؟
رفع حاجبيه بدهشة صادقة:
— أطلع برّه؟!
— لو سمحت…
قالتها برجاءٍ خالص، فتنفّس بعمق، ثم مال نحوها وضمّ وجهها بين كفيه وهو يقول بنبرةٍ امتزج فيها التعلّق بالقلق:
— بس أنا مش عايز أطلع وأسيبك يا نغم… أنا ما صدّقت بقيتي معايا.
— كلامك ده بيخوّفني أكتر يا فريد…
ابتسم ابتسامة هادئة، يحاول بها طمأنتها:
— وليه تخافي يا بابا؟ إيه المخيف في كلامي؟ صدقيني الخوف اللي انتي حاسة بيه ولا له لزمة. أنا بس عايزك تفضلي قدام عيني وأفضل أبص لك كده لحد ما أقتنع وأصدق إنك إنك أخيرًا بقيتي مراتي.
التقطت من كلماته خيط نجاة، فتعلّقت به فورًا وقالت وكأنها وجدت الحل:
— طيب… يبقى نغيّر هدومنا وننام. أنا عن نفسي مانمتش خالص امبارح.
نظر إليها بإحباطٍ لم يُخفِه:
— طيب مانا كمان ما نمتش بقالى كام يوم على فكرة.
أومأت موافقة:
— علشان كده لازم ننام كويس… إحنا مسافرين بكرة.
هز رأسه على مضض، يوهمها أنه قد اقتنع وقال:
— معاكي حق لازم ننام. بس أكيد مش هتنامي بالفستان يعني، علشان كده قومي خليني أساعدك، وبعدها ادخلي خدي شاور وتعالي ننام.
— مش لازم تساعدني… أنا هعرف أتصرف لوحدي.
أغمض عينيه للحظة، وقد بدأ صبره يتآكل، فقال:
— إزاي بس؟ في حبال داخلة في بعضها على فكرة هتفكيها إزاي؟
— مش مشكلة، هتصرف… حتى لو قصّيتها.
نظر إليها بدهشة من منطقها:
— تقصيها وتبوّظي الفستان ليه لما ممكن نفكّها على مهلنا ؟!
مرّرت يديها على وجهها ثم عنقها، تحاول تهدئة نفسها، وقالت:
— طيب… ادخل إنت خد شاور، وأنا بعدك.
ضيّق عينيه وهو يحدق بها، وقال بنبرةٍ يغلّفها الشك:
— تعرفي؟ أنا حاسس إني لما أطلع من الحمّام هلاقيكي هربتي… مش عارف ليه مش واثق فيكي.
ضحكت ضحكة خفيفة، حاولت بها تبديد مخاوفه وقالت:
— ما تقلقش… مش ههرب.
هز رأسه ببطء:
— طيب… لما نشوف.
وأشار نحو الحمّام وقال:
— أنا هدخل آخد شاور بسرعة وأطلع.. متتحركيش من مكانك !
— خد راحتك…
رأته يتجه نحو الحمّام، وما إن أُغلق الباب خلفه حتى هبطت من على الفراش كمن فرّ من سكينةٍ خادعة. أخذت تدور في المكان بتيهٍ وارتباك، خطواتها قصيرة متعثّرة، وقلبها يخفق بعنف. مدّت يدها إلى معدتها التي انقبضت فجأة، كأن الخوف يعصرها من الداخل، ثم مرّرت كفّها على وجهها ورقبتها بقلقٍ أشد، تحاول أن تلتقط أنفاسها الهاربة.
شدّت ذراعيها إلى الخلف، تحاول عبثًا فكّ تلك الأحبال المعقّدة وحدها، علّها تُعفي نفسها من طلب مساعدته، لكن المحاولة باءت بالفشل. وقفت أمام المرآة، تتأمّل انعكاسها بعينين مرتعشتين، تحاول نزع الفستان بالقوة، مرة تلو الأخرى، دون جدوى. تنفّست بيأسٍ حارق، ثم عادت تجلس على الفراش من جديد.
كان صوت خرير الماء يتسلّل من الداخل، فتمسّكت به كقشة نجاة، ترفع دعاءها سرًّا ألا ينقطع… ألا يتوقّف.
لكن فجأة—سكن الصوت.
اتسعت عيناها، واتجه نظرها نحو باب الحمّام، وهتفت بغيظٍ مكبوت بين أسنانها:
— هو إنت لحِقت؟!
انفرج باب الحمّام ببطء، فأغمضت عينيها لا إراديًا، كمن يستعدّ لشيءٍ يفوق احتماله. وحين فتحتها، وقع بصرها عليه خارجًا، يرتدي رداء الحمام، وقطراته ما زالت تلمع على جلده. شعرت للحظة أن المشهد أثقل من قدرتها على الاستيعاب.
اقترب منها بخطوات واثقة، وعلى شفتيه ابتسامة لم تستطع أن تتجاهل معناها، ابتسامة تحمل وعدًا صامتًا. قال بهدوءٍ أثار ارتباكها:
— يلا… دورك.
رسمت ابتسامة هادئة على شفتيها، ونهضت مسرعة تحاول الإفلات من أمامه، لكنّه جذبها إليه بحركة خاطفة قبل أن تنجح في الهرب، وقال وهو يضحك بخفة:
— تعالي هنا… رايحة فين؟
— رايحة آخد شاور… تمتمت، متجنّبة عينيه.
رمقها بنظرة جانبية ثم قال متعجبًا:
— بالفستان؟!
هزّ رأسه بيأسٍ متصنّع، وتمتم بنبرةٍ ساخرة:
— يا الله… يا وليّ الصابرين.
ثم أدارها بحركة حادة مباغتة كأنّه يلقّن طفلة عنيدة درسًا، وهتف بنبرة آمرة :
— بطّلي عناد شوية…
وقفت توليه ظهرها، جسدها متصلّب كقطعة خشب، لا تتحرك ولا تلتفت، وكأنها تحاول أن تُجمِّد اللحظة كي تمرّ بسلام. خلفها، بدأ هو يفكّ أحبال الفستان واحدةً تلو الأخرى، بتمهّلٍ مقصود، حركاته هادئة، كأنها طقس مدروس لا استعجال فيه.
ولكي يبدّد ذلك التوتر الذي يشعر به يرتجف في صمتها، أخذ يحدّثها بنبرةٍ حانية، رخوة، أقرب للهمس:
— حاسة إنك جعانة؟ أعمل لك حاجة تاكليها على ما تخرجي من الحمّام، ولا نأجّل العشا لبعدين؟
أجابت سريعًا، وكأنها تتشبّث بالكلام لتفرّ من المواجهة:
— جعانة جدًا… ما أكلتش من الصبح.
رفع نظره نحوها، رغم أنه لا يرى وجهها، إلا أن ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، وأخذ يهز رأسه يائسًا، فهو يعرفها جيدا، ويعرف أن ما تطلبه ليس جوعًا بقدر ما هو محاولة للهرب، مساحة مؤقتة تلتقط فيها أنفاسها.
أومأ برأسه مستسلمًا، وقال بلطفٍ صادق:
— من عينيّ… إنتِ تؤمري يا نونو.
أكمل فكّ الأحبال، وما إن انتهى حتى بدأت تلك الفراشة المرسومة، التي شغلت مساحة واسعة من ظهرها، تتضح شيئًا فشيئًا. أطلق صفيرًا خافتًا، متعجبًا، متمهّلًا، كأن المشهد استوقفه على حين غرة.
في اللحظة نفسها، انتفض قلبها، وهمّت بالفرار سريعًا بعدما أدركت أنه رآها… لكنها لم تخطُ سوى خطوة واحدة حتى تشبّث بخصرها بقوة، أوقفها في مكانها، وقال بنبرة امتزج فيها الدهشة بالإعجاب:
— إيه الفراشة الحلوة أوي دي؟!
مرّر سبابته فوق رسم الفراشة ببطءٍ متعمّد، تتبع خطوطها برفق، فارتجف جسدها فجأة دون إرادة منها، كأن لمسته أيقظت ارتعاشة دفينة حاولت طمسها طويلًا.
أدارها نحوه بهدوء، وعندما وقعت عيناه على ملامحها، وجد ارتباكًا صريحًا، وخجلًا عميقًا ..
توقّف، ثبت نظره في عينيها، ثم قال بصوت منخفض، خالٍ من المزاح هذه المرة:
— نغم .. أنا بحبك .
ابتلعت ريقها بصعوبة، حاولت أن تتماسك، لكن عينيها خانتاها، فخفضتهما سريعًا، وهتفت:
ـ وأنا بحبك .
جذبها إليه في حركة هادئة لكنها حاسمة، فسقطت بين ذراعيه وكأنها وجدت أخيرًا موطنها الآمن.
أحاطها بذراعيه بإحساس امتزج فيه الشوق بالامتلاك، لا قسوة فيه ولا عجلة، فقط رجل انتظر طويلًا هذه اللحظة وخشي أن تضيع منه.
همس لها بكلمات دافئة، كلمات لم تسمعها أذنها بقدر ما شعرت بها روحها، طمأن ارتجافها، وبدد خوفها، وأخذ بيدها خطوة خطوة نحو عالمه، حيث لا رهبة ولا ارتباك، فقط قربٌ خالص.
قبلاته لم تكن جائعة بقدر ما كانت مشبعة بالحنين، كأنها اعتذار عن انتظار طال، ووعدٌ بحبٍ لن يكون عابرًا. شيئًا فشيئًا، انسحبت رهبتها، ذاب خجلها بين أنفاسه، واستكانت بين يديه، مطمئنة، واثقة.
شاركها شعوره، رغبته، أحلامه المؤجلة .
أخبرها عن هوسه، عشقه، جنونه …
وبينما كان السكون يغلّف اللحظة، أُطفئت الكلمات تدريجيًا، ليس لانتهاء الحديث، بل لأنه بات عديم الجدوى أمام تلك اللحظات.
في لحظة متجردة من الزمان والمكان، نظرة متبادلة تحمل ألف حكاية دون أن يُشبهها الكلام. كانت هذه اللحظة اتصالًا أعمق من القول وحوارًا أبعد من الفهم المنطقي.
هناك، بين ارتباك النبضات ودفء الأنفاس المتلاحمة، تلاشى الحاجز الأخير بينهما.
امتلكها بحب، وهبته قلبها بكامل إرادتها لأنها اختارت أن تفتح له أبوابها. وتملّكته بكامل وعيها ورضاها العميق، كأنها تقول له "أنا لك".
انتمت إليه كما تنتمي الأرض إلى جذورها في لحظة أكملت كل شيء؛ وصلهما كان ترجمة للغة القلوب التي سبقت كل لغة جسدية. واتحادهما كان ميلادًا لمعنى أعمق لحبهما...... معنى يتجاوز كل الحدود .
༺═──────────────═༻
#يتبع
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق