القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الخامس وستون 65 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات  

 رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الخامس وستون 65 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات  




رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الخامس وستون 65 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات  


 


 


 


ـ ٦٥ ~ أحلى الأوقات ! ~



لم يذق طعم النوم لحظة واحدة؛ فبعد أن غفت أخيرًا بين ذراعيه، ظلّ يتأمّل ملامحها طوال الليل، وكأن عقله يرفض تصديق ما حدث. بعد عام كامل من اللقاءات المتعثّرة، والفراقات القاسية، والمدّ والجزر الذي أنهك روحهما... ها هي الآن بين يديه، حقيقة لا حلم.


لم تفارق الابتسامة شفتيه وهو يستعيد في داخله كل ما جمعهما منذ البداية وحتى هذه اللحظة، كل نظرة، كل خلاف، كل اقتراب أعقبه ابتعاد. وتذكّر كيف تسلّل إليه ذات يوم ذلك اليأس بأن يحظى بها، بتلك الاستثنائية التي شعر منذ أول لحظة أنها ليست كغيرها.


الآن فقط فهم لماذا لم يكن وصفه لها بـ"الاستثنائية" عبثًا؛ فهي بالنسبة له استثنائية في كل شيء؛ في حضورها، في وقعها على قلبه، وفي الأثر العميق الذي تركته داخله بعدما صارت له أخيرًا.


حتى خجلها كان استثنائيًا... خجل يربكه ويشعله في آن، دون أن تقصد.

وعفويتها أيضًا كانت استثناءً آخر؛ عفوية تسرق منه توازنه، وتعيد تشكيل مشاعره على نحو لم يعرفه من قبل.


تململت في نومها بلا وعي، حركة خفيفة تشبه همسة جسدٍ يبحث عن طمأنينته. ابتسم وهو يراها تمد يدها في الفراغ كأنها تتحسس حضوره، ثم تقترب أكثر، حتى التصقت به تمامًا، ولم يعد يفصل بينهما سوى أنفاس متداخلة ونبضين يتعلمان الإيقاع ذاته.


راح يتأملها ببطء، بعينين ممتلئتين بالشغف والسكينة معًا، ومدّ سبابته يمرّرها فوق ملامح طالما جال في خاطره أن يحفظها عن ظهر قلب؛

على خط حاجبيها أولًا، ثم انحدر إلى عينيها المغلقتين بسلام، فأنفها الدقيق، حتى استقر عند شفتيها.


اتسعت ابتسامته دون قصد، واقترب أكثر، يطبع فوقهما قبلة خفيفة، لعلها تزعجها فتستيقظ وتؤنس وحدته الصامتة.

لكنها لم تفعل.

انكمشت ملامحها بانزعاجٍ واهن، أصدرت همهمة ناعسة، ثم عادت تغرق في نومها العميق، كأن شيئًا لم يكن.


ضحك بهدوء وهو لا يزال مستغرقًا في التيه بها، إذ أنه بعد ذلك القرب الذي جمع روحيهما قبل أن يجمع جسديهما، شعر وكأن شيئًا في داخله قد استقر أخيرًا في موضعه الصحيح. لم يكن إحساس امتلاك، ولا نشوة عابرة، بل امتلاء دافئ يشبه اكتمال دائرة طال انتظارها.


كانت بين ذراعيه، لكن أثرها كان أعمق من ذلك بكثير؛ كان في قلبه، في أنفاسه، في ذلك الهدوء الغريب الذي سكن روحه فجأة. حيث شعر بشبع لم يعرفه من قبل، شبع لا يصنعه الجسد وحده، بل يولده الحب حين يجد مكانه الصادق.


ابتسم في صمت وهو يحمد الله من أعماقه، لأنه لم يبدّد هذا الشعور مع غيرها، ولم يختبره قبل أن يأتيها هي. كأن القدر ادّخر له هذه اللحظة، ليعيشها معها وحدها، نقيّة، كاملة، بلا ظلال مقارنة أو ذاكرة سابقة.


معها فقط عرف أن القرب الحقيقي لا يترك فراغًا، بل يزرع طمأنينة.

ومعها فقط شعر أن القلب، حين يحب، يستطيع أن يمتلئ إلى حدّ الرضا... فلا يطلب أكثر، ولا يشتهي سواها.

بدأت تفيق ببطء، كأنها تعود من حلمٍ دافئ لم تكن ترغب في مغادرته. جفناها يرفّان بخفة، وأنفاسها تتناغم مع أنفاسه بهدوء، بينما كان هو يتأملها بابتسامة هادئة ..


حيث بدت في يقظتها الأولى أكثر فتنة مما تخيّل؛ عفوية، ناعمة، مشبعة بذلك الضوء الخفي الذي يكسو من استقر قلبه ونال مراده أخيرا..


اقترب منها، أحاطها بذراعيه في عناقٍ وديع، وترك قبلة خفيفة على جبينها.


نظرت إليه، وعيناها تتسعان باستيعابٍ جميل، كأنها ما زالت غير قادرة على تصديق أن كل ما حدث كان حقيقيًا، لا حلمًا. تسللت إلى ذاكرتها لحظات القرب الدافئ، ذلك الاحتواء الذي غمرها بالأمان قبل أي شيء آخر، فارتسم الخجل على ملامحها في امتزاجٍ نادر مع سعادة شفافة.


وفي صمتها، أخذت تستعيد تلك الأمنية القديمة، ذلك الرجاء الخافت بأن تكون له يومًا. ابتسمت في سرّها، لأن الأمنية لم تعد مجرد رجاء... لقد صارت حقيقة.

لم تعد فقط المرأة التي أحبها، بل أصبحت زوجته قولًا وواقعًا، قلبًا ومصيرًا، في رابطةٍ لم تعد تحتمل الشك ولا التراجع.


لذا فجأة اندفعت إلى حضنه، كأنها تلتمس فيه ملاذًا من فيض المشاعر التي أربكتها. كانت تتجنب عينيه، لا لأنهما قاسيتان، بل لأن دفئهما كان يعيد إلى قلبها صدى تلك الليلة، بكل ما حملته من قربٍ واتحاد. فشدّت عليه أكثر، وفي عناقها شيء من الخجل وشيء من الامتنان وشيء من التعلّق الصافي.


ـ صباح الخير.. قالها وهو يغوص في عينيها بنظرةٍ ممتلئة، فيما راحت يداه تتحركان ببطءٍ حنون فوق ظهرها، كأنهما تحفظان تفاصيلها.


اقتربت منه أكثر، ورفعت كفّها إلى وجنته قائلة:

ـ صباح النور.. صحيت إمتى؟


ابتسم، وصوته يخرج دافئًا:

ـ ما نمتش لسه.


اتسعت عيناها بدهشة، فتابع مبتسمًا:

ـ فضلت صاحي كده أتأمل فيكي.. حسّيت إني لسه بكتشفك من جديد، أو كأني بشوفك لأول مرة.


ابتسمت وهي تميل برأسها لتستقر على صدره، بينما أخذ يمرر يده في شعرها، ثم أردف بصوتٍ خافت:

ـ للحظة تخيلت إن كل اللي إحنا فيه ده حلم... بس الحمد لله إنه طلع مش حلم، وإلا كنت هتجنن.


رفعت عينيها إليه بنظرةٍ مفعمة بالحب وقالت:

ـ أنا كمان كنت خايفة أصحى وألاقي نفسي كنت بحلم... بس الحمد لله إنه طلع مش حلم، وإلا كنت هتجنن.


ضحك بخفة لأنها تقلده دائمًا بعفوية طفولية مشاكسة، وقال مبتسمًا:

ـ بردو؟!


أومأت موافقة، فمال ليقبّل أعلى كتفها برفق، كأن تلك القبلة كانت تتمة طبيعية لما يحدث .. بينما هي قالت:

ـ المفروض نجهز مش كده ؟!


أومأ وقال:

ـ أيوة، يادوب على ما نجهز يبقى قدّامنا تقريبًا ساعة ونص دقيقة قبل ميعاد الطيارة، يعني يادوب نلحق .




هزّت رأسها بإعجاب بدقته المعهودة، وبطريقته في حساب كل شيء حتى آخر لحظة، ثم قالت:

ـ طيب أنا هحضّر الشنط، وإنت حضّر الفطار.


نظر إليها بابتسامة ماكرة وقال:

ـ لا يا حبيبتي... حضّري إنتِ الفطار، وأنا هحضّر الشنط.


ابتسمت؛ فهما يعرفان بعضهما أكثر مما يعترفان، وكل واحد منهما يقرأ نوايا الآخر من نظرة أو نبرة. كانت تدرك تمامًا ما يدور في رأسه، وهو كذلك. لذلك تنهدت باستسلام، واعتدلت قليلًا وهي تتجنب النظر إليه، ثم بخفةٍ خاطفة التقطت الرداء من جوارها وارتدته على عجل.


تأملها وهو يهز رأسه بيأسٍ ظريف، متسائلًا في داخله متى ينتهي هذا الخجل الذي يرافقها حتى بعد كل ما صار بينهما، ثم رآها تسرع بخطواتها نحو الحمّام وتغلق الباب خلفها.


أما هو، فمد يده إلى هاتفه يتفقده سريعًا، وفي اللحظة التي كان يحدق فيها في الشاشة، رن الهاتف بين أصابعه... حيث بدا وكأن والده لن يتراجع..

تنهد بيأس وهو يتمتم:

ـ استغفر الله العظيم.


ثم أجاب المكالمة؛ كان يعرف أنه إن لم يفعل فلن يكف والده عن الإلحاح، ويعرف كذلك سبب الاتصال وما يرمي إليه من وراءه.

ـ صباح الخير.


قالها فريد بهدوء، فجاءه صوت والده بنفس الهدوء:

ـ صباح الخير... إيه الأخبار يا عريس؟ إزي حالك؟


لم يستطع فريد أن يمنع تلك الابتسامة المتعبة التي زحفت إلى شفتيه، فقال بهدوء:

ـ كله تمام الحمد لله... إزي حضرتك؟


ـ سيبك مني أنا... المهم إنت أخبارك إيه؟ على الله تكون رفعت راسنا.


ضحك فريد ضحكة رصينة، لم ينجح في كبحها رغم اليأس الذي يعتريه من طريقة تفكير والده، ثم تنهد وقال باقتضاب:

ـ اطمن حضرتك.. كله تمام.


ـ متأكد؟!


أغمض عينيه بملل وقال:

ـ طبعًا متأكد... هو لو أنا مش متأكد، مين اللي هيبقى متأكد؟


تنهد سالم براحة ثم قال :

ـ طيب الحمد لله... ألف مبروك يا سيدي، في إنتظار أحفاد كتير بقى إن شاء الله.


ارتفع حاجبا فريد بدهشة؛ كان الحديث عن ذلك مبكرًا جدًا، لكن بالرغم من ذلك فإن كلمات والده حرّكت داخله دفئًا خفيًا، فتمتم بتمنٍّ صادق:

ـ بإذن الله.


قولي هتسافروا إمتى؟


ـ يعني... كمان ساعة تقريبا ..


ـ تمام... توصلوا بالسلامة إن شاء الله، ويا ريت متتأخروش هناك... إنت عارف، إخواتك بيبقوا لايصين من غيرك.


ـ ربنا ييسّر إن شاء الله.


ـ يلا مش هطوّل عليك، لما توصلوا بالسلامة ابقى طمّني.


ـ بإذن الله... مع السلامة.


أنهى المكالمة وزفر زفرة طويلة كأنها أزاحت عن صدره بقايا ثِقلٍ عالق، ثم ألقى الهاتف إلى جواره ونهض من الفراش بتمهّل.



استقرّ نظره على باب الحمّام حيث تختبئ نغم خلفه، بينما يتسلّل البخار من أسفله كأنفاسٍ دافئة تهمس بما يدور في الداخل.


ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، تحمل ثقة رجلٍ يعرف ما يريد، وميلًا صامتًا لا يحتاج إلى إعلان. ظل واقفًا لحظة، يتأمّل الباب وكأنه يفكّر بصوتٍ داخليّ عميق:

إن كان يؤمن دومًا بأن المشاركة هي أقصر الطرق إلى الألفة، فلمَ يترك هذه اللحظة تمرّ عليه وحيدًا؟


تنفّس بعمق، وكأن القرار قد حُسم دون حاجةٍ إلى قول، ثم تقدّم بخطوةٍ وئيدة نحو الباب، مؤمنًا أن أجمل اللحظات لا تُنتظر طويلًا... بل تُقتنص حين يحين دفؤها.


༺═────────────────═༻


استيقظت نسيم على وقع حركةٍ خافتة إلى جوارها، حين بدأ عاصم يستعد لمغادرة البيت متجهًا إلى عمله. فتحت عينيها ببطء، فرأته واقفًا أمام المرآة يضبط ربطة عنقه بعناية. التقت نظراتهما عبر انعكاس المرآة لحظةً قصيرة، قبل أن يشيح بعينيه عنها وكأن تلك اللحظة لم تكن. تنهدت في صمت، وفي صدرها شيء لم يهدأ بعد منذ ما جرى في الليلة الماضية.


كانت لا تزال عالقة هناك، في تلك الساعات التي أعقبت عودتها من حفل الزفاف؛ حين تجمّلت وتأنّقت، وارتدت ما تعلم أنه يفضّله، كأنها تمدّ إليه يد مصالحة صامتة، ترجوه أن يلين، أن يذيب الجليد الذي تكوّن بينهما. لكنها فوجئت به يتجاهلها تمامًا، ينسحب إلى نومه ببرودٍ موجع، وكأن صمته كان إعلانًا قاسيًا عن مسافةٍ جديدة نشأت بين قلبيهما دون أن ينطقا بها.


لكنها لم تستسلم لليأس؛ فهي في أعماقها كانت تعرف أنها أخطأت، وتدرك جيدًا أن عاصم ليس من الرجال الذين يقبلون بتلك المعاملة أبدًا مهما بلغت شدة حبه لها. لذلك نهضت من فراشها بهدوء، واقتربت منه بخطوات وادعة، حتى وقفت خلفه. أسندت رأسها إلى ظهره، ومدّت ذراعيها لتطوّقه من خصره، وفي داخلها كانت تتوسّل عناقًا، لمسة أمان، احتواءً يرمم ما انكسر في قلبها.


كانت في أمسّ الحاجة إلى حضنه، إلى تلك المساحة التي كانت دائمًا ملاذها... لكنها فوجئت به، للمرة الثانية، يتجاهلها. انسحب من بين ذراعيها برفقٍ بارد، وشرع يجمع أغراضه مغادرًا الغرفة، تاركًا خلفه قلبها معلّقًا في فراغٍ موجع.


لكنها لم تستسلم. خرجت خلفه من الغرفة، ونادته بصوتٍ يائسٍ يتكئ على آخر ما تبقّى لها من رجاء:

- عاصم... ممكن لو سمحت تستنى شوية؟ محتاجة أتكلم معاك.


توقّف عن السير، ثم التفت إليها ببرودٍ قاسٍ، بعينين غامضتين لا تمنحانها أي ملاذ، وقال:

- مفيش وقت يا نسيم علشان نتكلم... بعدين.


هتفت باندفاعٍ موجوع:

- بس أنا عايزة أتكلم معاك دلوقتي، مش بعدين.


فأعاد كلماته بنبرةٍ أشدّ جمودًا:

- وأنا قلت بعدين.



انهارت ملامحها بصمت، ومال رأسها في استسلامٍ موجِع. عندها نظر إلى ساعته وقال بفتور:

- عندك زيارة للدكتورة الساعة ٢ ... السواق هييجي ياخدك ويوصلك وبعدين يرجعك البيت.


أدركت في تلك اللحظة أنه يعاقبها بكل الطرق الممكنة؛ حتى ذلك اللقاء الذي كانت تنتظره بشغفٍ لتشاركه، لتراه إلى جوارها وهي تتابع نبض حياتهما القادمة، حتى تلك اللحظة يسلبها منها.


نظرت إليه بهدوءٍ يخفي انكسارًا عميقًا وسألته:

- إنت مش هتيجي معايا؟


أجاب دون أن ينظر إليها:

- معلش، أنا مش فاضي النهارده. مضغوط جدًا، وبعد الشغل عندي اجتماع مع المشرفين في الدار علشان خطة السنة الجديدة... تتعوض مرة تانية.


مررت يدها على وجهها بتعبٍ وقالت بصوتٍ واهن:

- خلاص... طالما مش فاضي النهارده، بلاش أروح للدكتورة. نخليها بكرة ونروح مع بعض.


لم يُرِد أن يطيل الموقف، أو ربما لم يُرِد أن يرى حزنها أكثر مما رآه. كان يعرف جيدًا كم يعني وجوده معها في هذه اللحظات فهزّ رأسه بصمت، واستدار مغادرًا.


تركها خلفه تتخبّط وحدها بين أروقة الندم والحزن، وقلبها يتقلّب على نارٍ لا تُرى.


دخلت إلى غرفتها بخطى مثقلة، وجلست على طرف الفراش كمن أنهكته المعارك قبل أن تبدأ. سالت دموعها في صمتٍ عاجز، مزيجًا من الندم والعجز، ثم التقطت هاتفها وأخذت تمرّ بعينيها على الأسماء كمن يفتش عن طوق نجاة وسط بحرٍ مضطرب.


فريد... لا، لن تستطيع أن تزجّه في وجعها في يوم كهذا، توقّف إصبعها عند اسم حسن، فاتصلت به، انتظرت، لكن الصمت كان الجواب.


بتنهيدةٍ مثقلة بالخذلان، جرّبت عمر. مهما كان، سيصغي لها، حتى لو لم يملك ما يواسيها به... لكن الهاتف ظلّ صامتًا أيضًا.


انفرط آخر خيط من صبرها، فزفرت بيأس وألقت الهاتف جانبًا، ولم تجد أمامها إلا أن تنفجر في بكاءٍ عميق، بكاءٍ لا يطلب حلًّا، بل يطلب فقط أن يُسمَع.


༺═────────────────═༻


بينما... في الفيلا، وتحديدًا في غرفة حسن،

كان المشهد أشبه بلوحة عبثية لا يجرؤ رسّام على الادّعاء أنه قادر على ترتيبها.


تمدّد حسن فوق سريره، ذراعاه مفتوحتان على مصراعيهما، ، غارقًا في نوم فوضوي؛ قدمه اليسرى تستقر على الأرض، واليمنى متدلّية فوق السرير بلا اكتراث.


وإلى جواره كان عمر يغفو بدوره، يتقلّب بلا وعي، وكلما تحرّك ركل حسن ركلة عابرة، فيتأوّه هذا الأخير همسًا ثم يعود فورًا إلى غيبوبته الثقيلة، في مشهد أقرب إلى عبثٍ صاخب.


في أرجاء الغرفة، كانت الهواتف ترن بإلحاح، نغماتها الحادّة تشق الهواء، لكن صوت الصفير الخارج من أنفيهما كان أعلى، يبتلع رنين الهواتف ويغرقه في ضجيج لا متناهٍ، وفجأة، دوّى طرقٌ على باب الغرفة.



كان عمر أول من أفاق؛ فتح عينيه بصعوبة، وما زال النعاس متشبثًا بهما، فراح يفركهما بكسل وهو يلتفت إلى جواره، ليجد حسن غارقًا في نوم عميق، فتمتم عمر متسائلا :

ـ إيه اللي جايبه هنا ده ؟!


هزّه عمر بعنف وهو يناديه:

- حسن...


لكن حسن بدا وكأنه في عالمٍ آخر، يتمتم بكلمات غير مفهومة، ولم يلتقط عمر منها سوى كلمات متداخلة غير مفهومة .


تغضّن جبين عمر بدهشة، فانحنى مقتربًا بأذنه من فم أخيه محاولًا أن يلتقط ما يتمتم به، فإذا بصوت حسن ينساب همسًا متداخلًا، غارقًا في حلمه:

- هاتي بوسة...


اتّسعت عينا عمر بذهول، وكاد ينفجر ضاحكًا، لكنه كتم ضحكته بصعوبة، واقترب منه بخبث طفولي، ثم طبع قبلة صاخبة على خد حسن مُصدرًا صوتًا مبالغًا فيه.


وفي اللحظة نفسها، رأى حسن يبتسم ابتسامة واسعة، كأن شيئًا في حلمه قد تحقق أخيرًا،


وبينما كان حسن غارقًا في عالمه النائم، رأى أن الفرصة قد سنحت أخيرًا؛ فرصة اقتناص قبلة أكثر جرأة من تلك الشقراء، صاحبة العينين الزرقاوين التي سرقت لُبّه وقلبه معًا. فمدّ يده ليعانق تلك الحسناء، واقترب منها بشغفٍ آسر...


لكن في اللحظة ذاتها، استفاق فجأة ليصطدم بوجه عمر المقرّب منه على نحوٍ أفزعه، فتراجع برأسه إلى الخلف صارخًا بذعرٍ مباغت، فيما كان عمر قد انفجر في نوبة ضحك هستيرية .


بينما كان حسن يرمقه بانزعاجٍ بالغ، يطلق بين أسنانه سُباب مكتوم، كان عمر لا يزال غارقًا في ضحكه، يكاد يختنق من شدته. ثم التفت إليه وغمز بعينيه بعبثٍ صريح وقال:

ـ مين دي اللي كنت بتقول لها هاتِي بوسة يا أبو علي؟!


هزّ حسن رأسه بارتباك، كمن يحاول استدعاء بقايا حلمٍ يتفلت من ذاكرته، متسائلًا إن كان قد تفوّه باسمها وهو نائم، فقال بتوجس:

ـ مين؟!


رفع عمر كتفيه بلا مبالاة وهو يقول بسخرية:

ـ وأنا أعرف منين؟! هو أنا كنت معاك جوه الحلم؟! وبعدين ما أنت طلعت شقي أهو، ولا عشان أخوك الكبير اتجوز فهتموت وتتجوز إنت كمان؟!


تنفّس حسن بضيق، وحدّق فيه بنفاد صبر قبل أن يقول بحدّة:

ـ إنت أصلاً إيه اللي منيّمك في أوضتي؟!


راح عمر يحدق حوله كمن يستعيد المشهد من جديد، مستوعبًا أنه هو من اقتحم غرفة حسن لا العكس، فشردت عيناه قليلًا قبل أن يقول بنبرة باهتة:

ـ أصل... نفسي كانت صعبانة عليّا قوي، وحاسس بوحدة، فقلت أجي أتونس بيك.


تنفّس حسن بعمق، وتسرب إلى قلبه حزنٌ هادئ، إذ ظنّ أن تلك الحالة ليست سوى امتدادٍ لجرح أخيه المفتوح بعد فقدان ميرال. لكن دهشته جاءت حين واصل عمر حديثه قائلًا:

ـ بصراحة... موضوع إن فريد اتجوز مأثر فيّا قوي. مع إنه مكانش عايش هنا طول الوقت، بس مش عارف ليه اتأثرت لما اتجوز ..




تجمّدت نظرة حسن لوهلة، قبل أن تنفرج شفتاه عن ضحكة خفيفة، ضحكة خرجت متهكّمة على تلك المشاعر الطفولية الغريبة التي لم يكن يتوقعها، ثم قال وهو يهز رأسه ساخرًا بلطف:

ـ متزعليش يا بياضة... كلها يومين ويرجعوا يعيشوا معانا هنا إن شاء الله.


هز عمر رأسه بهدوء، وقال:

ـ إن شاء الله .. بقول لك إيه.. ما تيجي نكلمه نطمن عليه.


حدجه.حسن بنظرات ساخطة، ثم قال :

ـ يا أخي خلي عندك شوية ذوق ومفهومية .. هو ده يوم نكلمه فيه ..؟


بينما صاح عمر معترضّا :

ـ هو أنا قلت لك تعالى نروح نتعشى معاهم, بقول لك نكلمه ونطمن عليه مش اكتر..


ـ لا مش دلوقتي.. بالليل نبقى نكلمه، ويلا قوم روح على اوضتك بقى لأني عايز اخد دش وانزل ورايا مشاوير كتير النهارده علشان افتتاح المزرعه .


نهض عمر وهو يقول:

ـ تمام.. وأنا هجهز علشان اجي معاك .


وانصرف حسن إلى غرفته، بينما نهض حسن، أخذ حمامًا سريعًا ثم استعد على عجل وغادر غرفته، فإذا به يلتقي بزينب التي كانت تهم بالدخول إلى غرفتها .


ـ صباح الخير يا زوزو ..


اتسعت ابتسامتها وهي تقول :

ـ صباح الخير يا حبيبي .. خبطت عليك ولما ما ردتش قلت أسيبك تنام كمان شويه ..


ـ البركة في عمر يقلق منام أي حد .. على العموم أنا كده كده كنت عاوز أخرج علشان ورايا ترتيبات كتير للافتتاح.. ادعي لي .


ـ ربنا يوفقك وينجحك ويراضيك يا حسن يا ابن عيشه..


لمست دعواتها مع ذكر اسم والدته شغاف قلبه بشدة، فابتسم وهو يربت على يدها بتقدير ويقول:

ـ ربنا ما يحرمنيش منك ..


همَّ أن يبتعد من أمامها، غير أنّه توقّف في مكانه حين استوقفته بنبرة جادّة مشوبة بالقلق:

ـ حسن... خلي بالك من عمر ... هو دلوقتي محتاجك أكتر من أي وقت فات. حاول تشغّطله معاك في موضوع المزرعة ده.


أومأ برأسه مطمئنًا، وقال بثقة هادئة:

ـ ما تقلقيش... عمر في عينيّا.


ابتسمت ابتسامة امتنان وقالت:

ـ تسلم عينيك يا حبيبي.


انسحبت إلى غرفتها، وفي اللحظة التي كان يستعد فيها لهبوط الدرج، انفرج باب غرفة جيلان بهدوء.


ظهرت أمامه مرتدية بدلة نسائية بيضاء، بسيطة وأنيقة، فانطلقت خطواتها تصنع ضجيجًا عاصفًا في قلب حسن. توقّف يتأمّلها بذهولٍ صامت، غير مصدّق أنّها أخيرًا ترتدي ما يسترها بالكامل، دون جرأة زائدة أو كشفٍ اعتاده منها من قبل. فقد ألف رؤيتها دومًا بتلك البدلات الضيّقة المكوّنة من "جيب قصيرة" وسترة ، أمّا الآن فكانت ترتدي سروالًا وسترة متناسقين، يفيض حضورها بهدوء مختلف... هدوء أربكه أكثر مما اعتاد.



بينما كانت، كعادتها، تلتقط نظراته المعلّقة بها بسهولة من اعتاد معرفة أثره، ابتسمت ابتسامة خفيفة متعمّدة أن تبدو عابرة، وقالت لتستدرج انتباهه:

ـ صباح الخير.


رفع حسن عينيه إليها بابتسامة عابثة لم يُخفِها، وردّ:

ـ صباحنا أبيض إن شاء الله.


تقدّمت نحوه بخطوات واثقة، هادئة، حتى وقفت على مقربة منه، ثم سألته بنبرة رخيمة:

ـ أخبارك إيه؟


أجابها وهو يطيل النظر قليلًا قبل أن يتدارك نفسه:

ـ إنتِ أخبارك إيه؟


رفعت كتفيها في حركة بسيطة تحمل ثقة واضحة، وقالت:

ـ I'm fine


ابتسم وقال، وكأنه يعقد صفقة صامتة بطريقته المشاغبة :

ـ يبقى أنا كمان fine .


ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة وديعة، ثم تحرّكت إلى جواره، وبدآ معًا في هبوط درجات السلم. وبعد لحظة صمت قصيرة، قالت باهتمام لم تجد داعيًا لإخفائه: ـ يا ترى نِمت كويس؟


تلقّى حسن اهتمامها غير المعتاد بارتياح واضح، وأجاب بنبرة مرحة:

ـ زي القتيل.


نظرت إليه بطرف عينها، وفي نبرتها شيء من الدعابة:

ـ طبيعي تنام زي القتيل بعد الشقلبة اللي اتشقلبتوها إنت وعمر في الفرح امبارح.


ضحك بخفوت، ثم قال وهو يهز رأسه:

ـ عمر متأثّر أوي إن فريد اتجوز... لدرجة إنه حس بالوحدة وجِه ينام جنبي.


ثم تنهد وأضاف، كمن يلمّح ولا يصرّح:

ـ اومال لما إنتِ تتجوزي بقى... هيعمل إيه؟


فاجأته جيلان بضحكة قصيرة مبتورة، لم تصل إلى عينيها، ثم قالت بنبرة اختلطت فيها السخرية بمرارة خفيفة:

ـ مش هيتأثّر أوي... ما تقلقش.


فاجأته كلماتها، فانقبض صدره بضيقٍ خفيّ، وتسلّل إلى قلبه حزن صامت من أجلها .كان يعرف، وربما أكثر مما ينبغي، أنها كثيرًا ما تشكّ في قيمتها لدى الآخرين، وتجلّى هذا الشكّ على نحوٍ أشدّ حين يتعلّق الأمر بعمر.


عمر الذي لا يجيد - أو لا يحاول أصلًا - أن يوضح لها كم يحبّها، وكم يتمنى في داخله إصلاح ما تصدّع بينهما. ليس لقسوةٍ في قلبه، بل لاستهتارٍ اعتاده، وبرودٍ ظاهري يجعله يتعامل مع المشاعر كأنها تفاصيل هامشية لا تستحق التوقّف عندها. لا يلتفت للكلمات، ولا يُحسن قراءة ما خلف الصمت، فيترك جيلان عالقة في مساحة رمادية بين ما تشعر به وما لا تسمعه.


وكان حسن يرى المشهد كاملًا؛ يرى جيلان وهي تتقوقع داخل شكّها، وترى عمر وهو يمضي في لا مبالاته، غير مدرك أن هذا الإهمال الصغير يترك في قلبها فجوةً أكبر مما يتخيّل. ولهذا شعر بثقل المسؤولية، وبحزنٍ مكتوم، وكأن عليه وحده أن يوازن كفّة اختلّت منذ زمن، قبل أن يترسّخ هذا الإحساس بالخذلان في روحها أكثر.


كان يدرك، في قرارة نفسه، أن جيلان تعيش وحدةً صامتة؛ لا تصرخ ولا تشكو، لكنها حاضرة في تفاصيلها كلها. لا أصدقاء يملأون فراغ أيامها، ولا دوائر اجتماعية تحيط بها، وكأن حياتها اختُزلت في عملٍ متواصل لا ينقطع، تحتمي به من الفراغ أكثر مما تنشغل به.



ولهذا، لم تكن ضحكتها المبتورة مجرد مزحة عابرة، بل نافذة صغيرة انكشف منها خوفها القديم من أن تكون دومًا على الهامش .


كانا قد وصلا إلى الحديقة، حيث تصطف سيارتيهما، فبادر حسن بكسر الصمت، صوته خرج عفويًا لكنه يحمل صدقًا لا يخطئه بشر :

- على فكرة... البدلة دي حلوة أوي عليكي، أحلى من كل اللي لبستيهم قبل كده... وكمان مقفلة ومحتشمة.


امتدت أناملها لا إراديًا تعبث بياقة سترتها، حركة صغيرة خانتها، فأشاحت بوجهها عنه سريعًا وكأنها تخشى أن يلتقط ارتباكها أو يصل إليه صدى تأثير كلماته. مطّت شفتيها بتصنّع اللامبالاة وقالت:

- عادي... مجرد تغيير مش أكتر.


كان يعرف.

يعرف أنها تكذب، ويعرف أكثر أنها تأثرت. توترها، تلك اللمسة السريعة، نظرتها الهاربة... كلها دلائل لم يحتج معها إلى تأكيد. ابتسم وهو يهز رأسه بخفة، ثم قال بنبرة مشاغبة متغنية:

- حلو التغيير... لا كده أجمل بكتير،

كل شوية بتحلّو... وبلاقي فرق كبير.


رمقته بطرف عينها، متصنعة الانزعاج، بينما قلبها في الداخل كان يخفق بفرحٍ دافئ لم تعتد الاعتراف به. فتماسكت وقالت ببرودٍ ظاهري:

- باي يا حسن.


استدارت، ركبت سيارتها، وانطلقت، تاركةً إياه واقفًا في مكانه، عيناه معلقتان بأثرها. ظل يتأملها حتى غابت، مأخوذًا بنظرتها، بنبرة صوتها، بذلك الحضور الذي يربكه في كل مرة.


غرق في تيهه، يتساءل في صمتٍ ثقيل:

هل يمكن أن يتحقق ذلك الحلم الذي لمح ظله صباحًا؟

هل من الممكن أن يجمعه القدر بجيلان يومًا ما... وبأي صفة؟

وما الذي يشعر به الآن حقًا؟ أهو حب يتسلل ببطء، أم مجرد إعجاب، أم افتتان بشخصيتها وقوتها وجمالها الذي لا يستطيع إنكاره، جمال يقلب موازينه كلما وقعت عيناه عليها؟


غادرت الفيلا بسيارتها، بينما تحرك هو الآخر ليستقل سيارته، ليجد عمر قد وصل، مستعدًا للانطلاق معه في طريقهما نحو المزرعة... فيما ظل ذهن حسن، رغم الطريق، عالقًا هناك... حيث توقفت جيلان منذ لحظات.


༺═────────────────═༻


وقفت نغم في المطبخ وهي ترتدي رداء الحمّام الأبيض، أطراف شعرها لا تزال مبتلّة تتسلل منها قطرات ماء تنحدر ببطء على عنقها، ملامحها هادئة على غير عادتها، وعلى وجهها ابتسامة مستكينة لا تخطئها العين


ومن خلفها، كان فريد يقف في غرفة نومهما، يتطلع نحو الخزانة ومن ثم يلتقط منها ملابسهما، ومن بين حين وآخر يتوقف ليمرر يده في شعره المبلل.


التفتت نغم نحوه على حين غرة، فإذا بها تتفاجأ به ينظر نحوها ويقوم بإرسال غمزةٍ عابثة من خلال باب الغرفة المفتوح... فابتسمت بخفة وأشاحت بوجهها سريعًا، ثم عادت إلى فطورها، بينما هو واصل تجهيز الحقائب.



وقف أمام حقيبة نغم التي آثر أن يتولى إعدادها بنفسه، فبدأت يداه تلتقطان أول ما خطر بباله، تلك القطع الحريرية التي طالما تسللت إلى خياله في لياليه وأحلامه، فابتسم في سرّه وهو يضعها بعناية، مؤمنًا أن أيام شهر العسل - مهما قصر عددها أو طال - ستكون من أجمل ما وهبهما العمر.


في داخله كان يطالع الحقيبة برضاٍ خفيّ، لذلك أصرّ أن يكون هو من يتولى الإشراف على تجهيزها؛ فهو يعرف نغم جيدًا... لو ترك لها الأمر، لحشرتها بمنامات النوم الثقيلة والسترات الصوفية، وكأنها تستعد لرحلة إلى القطب الشمالي .


بعدها انتقل إلى اختيار ملابسها اليومية، ما يتيح لها الخروج والحركة براحة وأناقة، يوازن بين الخفة والذوق، يعرفها في أدق تفاصيلها. ولم ينسَ رداء الصلاة، وضعه بعناية في ركنٍ خاص، وكأنما يحرص أن ترافقها طمأنينتها أينما ذهبت.


ثم أخذ ينتقي الأحذية والحقائب بعينٍ دقيقة، يجرّب توافق الألوان والاحتياجات، حتى استقرت الحقيبة على صورة ترضيه. وفي النهاية، لم يغفل حقيبة الزينة، فأضافها مبتسمًا، ومن ثم بدأ في تجهيز حقيبته .


بينما وقفت نغم في المطبخ تُعدّ فطورًا سريعًا، أولت اهتمامها الأكبر للعصير الطازج؛ فهي تعرف أن فريد لا يبدأ صباحه إلا به، وما إن فرغت من ذلك حتى راحت تطالع المكان من حولها، فانسلت منها شرودًا دون إرادة، وأسندت جسدها إلى حافة المطبخ وذراعاها معقودتان، فيما انساب خاطرها إلى زمنٍ بعيد...


إلى عامٍ مضى تقريبًا، حين جاءت إلى هذا المنزل متخفية، هاربة من ظل حسن. يومها وقفت في الموضع ذاته، شاردة بالهيئة نفسها .

حينها كانت ملامح الحب قد بدأت تتكوّن في أعماقها تجاه فريد، خجولةً ومرتبكة، لكنها حقيقية. يومها تمنت لو أنها تتزوجه ذات يوم وتصبح سيّدة هذا المنزل، وتمنت أن تقف في هذا المطبخ تحديدًا، تُعدّ له طعامه بيديها، لا كضيفة عابرة بل كروحٍ تنتمي إلى المكان.

بل وتخيّلت أطفالَهما يركضون في أرجائه، يملأون أركانه ضجيجًا وحياة، تحت سقفٍ واحد يجمعهما على الطمأنينة.


لمعَت عيناها الآن بدموع فرِحة وهي تُغمض جفنيها وتحمد الله، لأنه في عامٍ واحد فقط حقّق لها كل ما تمنّت؛ منحها السكينة بعد الخوف، والطمأنينة بعد التيه، والحب بعد طول حرمان.


والأهم من كل ذلك أنه منحها رجلًا مثل فريد...

فريد في أقواله وأفعاله، في حضوره وغيابه، حتى في طريقته حين يمنح الحب؛ كان فريدًا في كل شيء.


انتبهت فجأة عندما رأته يقترب منها مبتسمًا. مسحت دموعها سريعًا ونظرت إليه بابتسامة مماثلة، فقال بقلقٍ خافت:

- إيه الدموع دي ؟!


تنفّست بارتياح وقالت، وفي نبرتها امتنان عميق:

- دي دموع الفرح زي ما بيقولوا .


اقترب منها أكثر، وأمسك خصرها بخفة، ثم حملها ووضعها على حافة المطبخ، ووقف أمامها يطوّق خصرها بذراعيه، وهو يقول:

ـ ودموع الفرح دي جايه تنزل دلوقتي بعد ما خلصنا الفرح؟! كان اولى تتأثري امبارح زي ما كله كان متأثر .


ضحكت بخفة ثم قالت:

ـ أصلي افتكرت لما جيت هنا قبل كده.. كنت كل ما أدخل المطبخ ده أتخيل نفسي واحنا متجوزين وواقفة بعمل لك أكل .. وأوقات كنت بتخيل إننا متجوزين ومعانا ولاد وانا واقفة بحضر لهم أكل .. فافتكرت أحلامي دي دلوقتي ..


انطلقت ضحكته وهو يقرص وجنتيها برفق، وقال بمزاحٍ دافئ:

- يعني حضرتِك من يومها وأنتِ متيمة بيا، وبتتخيلي إننا متجوزين ومخلّفين كمان؟


أومأت بابتسامة واسعة تشبه اعترافًا صامتًا، فما كان منه إلا أن جذبها إلى صدره بقوة، وقال بصوتٍ غمرته العاطفة:

- وأنا كمان، من أول ما شفتك وأنا بحبك يا نغومة... ربنا يخليكِ لي.


وابتعد قليلًا، كأنما يريد أن يتأملها على مهل، وعيناه تفيض بإعجابٍ مفتون. اقترب منها وقبّل وجنتها قبلةً عميقة، حملت معها كل ما لم تقله الكلمات. ثم تركت شفتاه أثرهما الدافئ، وانسابت قبلته ببطء كنسمةٍ هادئة، تتبع ملامحها في رفق، وكأنها ترسم طريقًا من الحنان على بشرتها.


في تلك اللحظة شعرت نغم أن فريد يوشك أن يجذبها من جديد إلى تلك الدائرة الدافئة التي ينسى فيها العالم، إلى قربٍ يذيب كل الحواجز. ورغم ما يغمرها من طمأنينة وسعادة معه، إلا أن خجلها كان لا يزال يسبقها بخطوة، يحثّها على التراجع حين يقترب الأمر من نفس النقطة .


ابتسمت بتوترٍ خفيف وحاولت الإفلات من بين ذراعيه، وكأنها تبحث عن ذريعة تنقذ بها نفسها من ارتباكها اللطيف، ثم قالت فجأة بصوتٍ بدا أعلى مما أرادت:

- الطيارة هتفوتنا...


نظر إليها بمكرٍ خفيف، فقد كان يدرك جيدًا أنها تحاول الإفلات من سطوة اقترابه، ثم تنفّس بعمق وقال بابتسامة مستسلمة:

ـ للأسف معاكي حق... الوقت بيجري، ولسه قدّامنا حاجات كتير نعملها.


بدأا بنقل أطباق الإفطار التي أعدّتها، وجلسا يتناولان الطعام على عَجَلٍ لم يخلُ من دفءٍ ومشاغبةٍ رقيقة؛ إذ أصرّ فريد أن تجلس نغم على قدميه، يقرّب إليها اللقم بيديه وكأنما يشاركها ليس الطعام وحده، بل لحظة فريدة من الدلال والسكينة.


وما إن فرغا حتى عادا إلى غرفتهما، حيث شرعا يبدّلان ثيابهما ويجمعان ما يلزم، قبل أن يغادرا المنزل على عَجَلٍ نحو المطار، ليبدآ معًا رحلةً جديدة... رحلة تحمل وعدًا بحكاية استثنائية لا تشبه سواها.


༺═────────────────═


كانت نادية تجوب غرفتها ذهابًا وإيابًا بخطواتٍ متوترة، عقلها لا يهدأ وفكرها يدور في حلقةٍ خانقة. تستعيد المشهد مرارًا: ها هو فريد تزوّج من أرادها، ولم يستطع سالم ردعه، بل على العكس... فتح له الأبواب، ورحّب بها، ومنحها طاقمًا يُقدَّر بملايين الجنيهات، ووعدًا صريحًا بالقبول والحماية.


وفوق ذلك، لم يكن فريد محتاجًا أصلًا؛ ثروته الخاصة كانت كافية، هذا عدا ما ورثه عن ناهد، وما جمعه بجهده وعمله طوال عشر سنوات كاملة. ثم جاء حسن، الذي لم يكتفِ والده بدعمه معنويًا، بل عوّضه بسخاء، وها هو الآن يخطط لافتتاح مزرعة خيول ستكون - بلا شك - الأكبر من نوعها، مشروعًا سيمنح حسن شأنًا واسعًا واسمًا لامعًا في عالم الاستثمار.



وكأن هذا كله لا يكفي، فزينب نالت خمسين مليون جنيه كاملة، بلا وجه حق، بلا سؤال أو حساب.


توقفت نادية فجأة عن السير، واستندت إلى طرف الطاولة، وقد اشتعل صدرها بغضبٍ مكتوم.


في المقابل... علامَ حصلت هي؟ وماذا نال ابنها من هذه الثروة التي يوزّعها سالم يمينًا ويسارًا كيفما شاء؟ لا شيء. لا هي حصلت على حق، ولا ابنها، رغم أنه رجل كامل مثل فريد وحسن، لكنه لم ينل ربع ما نالاه. بل الأسوأ من ذلك... أنه لا يملك حتى بطاقة بنكية باسمه.


أليس هذا ظلمًا فادحًا؟ أليس ظلمًا بلا حدود؟


قد يكون ابنها ساذجًا، غير مكترث بتلك الأمور، يسير خلف إخوته مغمض العينين، لا يسأل ولا يعترض... لكنّها هي لن تسمح بذلك. لن تقف مكتوفة الأيدي وتراه يُسلب حقه قطعةً قطعة.


ارتسم القرار في عينيها بوضوحٍ حاسم.

ستتحرّك.

وستفعل كل ما بوسعها، بلا تراجع ولا رحمة، لتسترد حق ابنها المسلوب... مهما كان الثمن.


غادرت غرفتها في عزم واضح، ونزلت إلى حيث مكتب سالم، وبينما كانت تهمّ بفتح الباب للحديث معه، باغتتها الصدفة حين التقط سمعها صوته وهو يتحدّث إلى أحدهم فتوقّفت في مكانها دون وعي، وكأن قدميها تجذّرتا في الأرض، حين سمعته يقول:

- أهم حاجة تلتزمي بالاتفاق من ناحيتك... ممنوع تمامًا نادية تشك فيكي أو تعرف ولو للحظة إني مباخدش الدوا.


اتسعت عيناها بذهول، بينما جاءه ردّ الممرضة متردّدًا، يحمل قلقًا واضحًا:

- بس الدوا يا باشا بيسبب أعراض واضحة جدا... واعذرني يعني، حضرتك واضح جدًا إنك بكامل قواك العقلية والنفسية والجسدية، وده ممكن يخلّيها تشك، دلوقتي أو بعدين.


ساد بينهما صمت ثقيل لبضع ثوانٍ، صمتٌ بدا لنادية أطول من عمرٍ كامل، قبل أن يخترقه صوت سالم من جديد، هادئًا، واثقًا، كأنه يحسم أمرًا لا يقبل النقاش:

- خلاص، سيبي موضوع ده عليّ... أنا هظبط كل حاجة. المهم إنتِ تخلي بالك منها كويس، ولو حصل أي حاجة تبلغيني فورًا. يلا.


لم تنتظر نادية أكثر من ذلك. انسحبت على الفور، تختبئ كي لا تراها أحلام وهي تعود مسرعة إلى غرفتها.


عادت بعدها إلى غرفتها فورا وقد تجاهلت كل ما كانت ترغب في قوله، أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه، ووقفت تحدّث نفسها بصمتٍ قاسٍ.


إذًا... لقد خانت الممرضة الاتفاق الذي جمعهما. لم تعد تعطي سالم الدواء كما جرى الاتفاق، ولذلك ظل في أوج صحته وقوته، ثابت العقل، حاضر الذهن.


إذًا... فهو يعلم. يعلم بخطتها، بنيّتها، ورغبتها الدفينة في تدميره، ومع ذلك لم يصدر عنه أي رد فعل حتى الآن.


ولكن لا....

شيءٌ واحد كانت متيقنة منه: إن كانت تعرف سالم حقّ المعرفة-ولو بقدرٍ يسير-فهي تعرف أنه لا يمرّر الأمور مرور الكرام، لأنه لا يترك الضربات بلا رد أبدًا..



ارتجف قلبها، لكن عينيها اشتعلتا بإصرارٍ مظلم.

عليها أن تفكّر في خطة بديلة.

عليها أن تسبق خطوته، أن تكون هي دومًا صاحبة اليد العليا، المتحكّمة في خيوط اللعبة، مهما تعقّدت.


لن تتنازل.

لن تتراجع.

وتدمير سالم... سيبقى هدفها، مهما كان الثمن، ومهما كلّفها الأمر.


༺═────────────────═༻


في المطار..

وما إن فرغا من الإجراءات الأخيرة حتى خطت نغم إلى ممرّ الطائرة ويدها في يد فريد بخطواتٍ يغلّفها حماسٌ شفيف لا تخطئه الروح. كان قلبها يخفق بإيقاعٍ مختلف؛ فقد خاضت هذه الرحلة من قبل، عرفت طعم السفر ولهفة الإقلاع، لكن كل ذلك كان يبدو الآن كذكرى بعيدة، باهتة الألوان، إذا ما قورن بهذه اللحظة.


استقبلتهما الطائرة بدفئها الهادئ؛ أضواء ناعمة، مقاعد مصطفّة كأنها تنتظر أصحابها، وهمسات المسافرين تتداخل مع صوت المضيفات الرقيق.


جلست بمقعدها، وجلس فريد إلى جوارها ثم قام بربط حزام أمانها بنفسه، فيما كانت نظراتها تجوب المكان بفضولٍ ممزوج بحماس مشتعل.


شعرت أن كل تفصيلة حولها تشهد على بداية مختلفة، بداية لا يشوبها قلق ولا يثقلها خوف.


ومع إعلان الاستعداد للإقلاع، تسلّل إلى صدرها ذلك الشعور المهيب؛ اهتزازٌ خفيف، ثم اندفاعٌ واثق، وحين ارتفعت العجلات عن الأرض، أحست أن الماضي يُترك خلفها بسلام، وأن الأفق الذي ينفتح أمامها ليس مجرد سماء واسعة، بل وعدٌ بحياةٍ تشبه هذا الصعود... ثابتة، هادئة، ومحلّقة بثقة.


التفتت إليه بابتسامةٍ ممتنة، وفي قلبها يقين صافي: هذه الرحلة، بكل ما تحمله من تفاصيل، ستكون الأجمل، لأنها تبدأ من حيث وجدت أخيرًا ما كانت تبحث عنه...


أمسك يدها فتشابكت أصابعهما في امتزاج، بينما وززونظرت إليه مبتسمة فقال :

ـ مبسوطة ؟!


أومأت بتأكيد :

ـ جداا جداا ..


ـ ممم.. وهتنبسطي أكتر لما تعرفي البروجرام اللي محضره .. حاجة محصلتش .


اتسعت ابتسامتها بحماسٍ صادق، وارتسم الفرح على ملامحها دون تكلّف، ثم قالت بصوتٍ دافئ:

- أنا مبسوطة، حتى لو مش هنروح أي مكان... أهم حاجة أكون معاك.


أحاط كتفيها بذراعه وضمّها إليه، وقال مبتسمًا:

- معايا طول العمر إن شاء الله.


ثم زفر بهدوءٍ خافت، وكأن فكرةً ثقيلة تزاحم فرحته، وقال بعد تردد:

- المفروض كنت كلمت نسيم قبل ما نتحرك... كنت حاسس بيها امبارح مضايقة ومهمومة. كمان جوزها اختفى فجأة، فمش عارف حصل حاجة بينهم ولا لأ.


تنهدت نغم في صمتٍ يشوبه شيء من اليأس؛ ففريد سيظل كما هو دائمًا... قلبه مفتوح على هموم الآخرين، حتى في يومٍ كهذا، يوم كان من المفترض أن يكون فيه محزر اهتمامه واهتمام المحيطين، وأن ينصبّ كل اهتمامه على نفسه وحياته الجديدة.




ومع ذلك، لم يمنعه فرحه من أن يلتقط قلق أخته، ولا أن ينشغل لأجلها.


كان فريد بالنسبة لها فعلًا... فريدًا في كل حالاته:

أخًا فريدًا .. يحمل همّ إخوته،

وابنًا فريدًا .. لا يغفل عن مسؤولياته،

وزوجًا فريدًا.. حاضر القلب والضمير.


فريد هو أكثر من نال نصيبًا من اسمه، وأكثرهم وفاءً لمعناه.


ـ عادي يا فريد ممكن هي تعبانة شوية بسبب الحمل وكده، وأعتقد جوزها لو كان مضايق مكانش هييجي أصلا .. وبعدين لما نوصل إن شاء الله كلمها واطمن عليها .


هز رأسه بهدوء وقال :

ـ إن شاء الله .


نظرت إليه من جديد وقالت :

ـ تعرف إني اتفاجئت جدا بوجود عاصم وأيمن كمان، خصوصًا أيمن لأنه كان واضح عليه انه مرتبك ومتوتر جدا ومع ذلك انت عاملته بهدوء ومكنتش قليل الذوق معاه مع إنه يستاهل أي حاجة.. لكن أنت كنت لطيف معاه جدا ومع عاصم كمان ..


أومأ فريد وقال :

ـ انا لآخر وقت كنت متردد ما بين إني أعزم عاصم أو لا، لكن في النهايه حسيت أن ده حق نسيم عليا... يعني مكانش ينفع إنها تكون موجودة في مناسبة زي دي لوحدها، أكيد كان هيأثر على نفسيتها وهيضايقها، علشان كده حسيت أنه مفيش مانع إني أتنازل وأبدأ أنا. في النهاية، الخلافات دي كلها مصيرها هتنتهي لأن خلاص .. بقى بينا لحم ودم فمش هينفع إن العداوة دي تستمر أكثر من كده ..


ثم تنهد وتابع :

ـ أما بقى بالنسبة لأيمن فأنا اتفاجئت بيه في الفرح، وبصراحه اللي يخليني أسامح عاصم يخليني أسامح أيمن كمان، في النهاية أيمن هو كمان كان صاحب حازم الله يرحمه جدًا، وأكيد عمل اللي عمله ده بدافع الانتقام لعشرة عمره..


ثم نظر إليها وابتسم ابتسامة مخلصة وقال :

ـ وبعدين يا روحي في حاجة انتي مش واخدة بالك منها..


هزت رأسها باستفهام فتابع:

ـ أيمن هو اللي حطك في طريقي وكان السبب إننا نعرف بعض، كان عايز يضرني لكن من غير ما يعرف قدملي أجمل هدية في عمري كله.. ده في حد ذاته يخليني أسامحه .


كانت تنظر إليه، عاجزةً عن العثور على كلماتٍ تُنصف صورته في عينيها. كيف يمكن لوصفٍ عابر أن يحتوي هذا القدر من التسامح، وهذا النقاء الذي يجعلها تفخر بأنها زوجته، وأن اسمها بات مقرونًا باسمه؟

شبكت أصابعها بأصابعه بقوة، كأنها تتشبث بحقيقة وجوده، وقالت بنبرةٍ لا تخلو من اعتزازٍ واضح:

- إنت أجمل وأحن إنسان في الدنيا.


التفت نحوها مبتسمًا، وقد ارتسمت في عينيه لمعة خفيفة، وقال ممازحًا:

- من وجهة نظرك بس... علشان بتحبيني.


هزّت رأسها بسرعة، واعترضت باندفاع صادق:

- من وجهة نظر أي حد على فكرة. إنت أكتر إنسان متسامح وقلبه طيب شوفته في حياتي... وبصراحة مش عارفة إنت ابن سالم مرسال إزاي!



رفع حاجبه ببطء، وقد تسلّل التعجب إلى ملامحه من حدّة اندفاعها، بينما أدركت هي فجأة ما تفوّهت به. تراجعت نبرتها، وتلعثمت وهي تحاول تدارك الموقف:

- أقصد... يعني... الفرق بينكم كبير أوي.


ضحك بهدوء فانزلقت أنفاسها المحتبسة براحة، وقال :

ـ مالك لونك اتخطف فجأة كده ليه ؟! انتي مقولتيش حاجة غلط على فكرة .. وبعدين يا حبيبي أعتقد إن التسامح ده انتي السبب فيه !


نظرت إليه بتعجب وقالت :

_ إزاي بقا ؟


شرد يفكر ، وقال :

ـ عارفة لما أم كلثوم قالت صالحت بيك أيامي سامحت بيك الزمن .. ؟ أهو ده اللي حصللي بالظبط وانتي معايا.. جوازنا وإنك أخيرا بقيتي ليا ومعايا... ده مخليني عندي قدرة على التسامح وحب الغير ومخليني قادر أنسى اللي فات وعندي طاقة إني أبدأ من جديد وأدي غيري فرصة يبدأ هو كمان من جديد.. حبك خلاني أحب الحياة وأتمسك بيها أكتر، خلاني عايز أعيشها بروقان وراحة بال بعيدا عن المشاحنات والمشاكل اللي ملهاش داعي ..


تمسك بيدها أكثر وتابع :

ـ عايزاني بعد ما ربنا كرمني بيكي وبحبك واداني كل اللي كان ناقصني إزاي أفضل شايل في قلبي كراهية أو حقد ولو بقدر بسيط ؟!


على الفور لم تجد بدًا من عناقه، عناقًا باغته وسلب عقله إذ أنه أتى مصحوبّ بكلماتٍ بسيطة ولكنها حركت قلب فريد من موضعه :

ـ فريد.. أنا بعشقك .


اتسعت ابتسامته وأخذ يربت على ظهرها بحنوٍ وهو يقول مشاكسًا :

ـ ما بلاش الكلام اللي بيسيّب الركب ده هنا يا نغم، خليه لما نوصل أفضل .


ابتعدت عنه وهي تضحك بخفة، تحاول أن تبدّد حرجها بتلك الضحكة العفوية، بينما في اللحظة نفسها كانت المضيفات يقتربن في نظامٍ هادئ، يبدأن توزيع الأطباق بعناية وأناقة.


ساد الجو شيء من الدفء اللطيف، اختلطت فيه رائحة الطعام بأصوات الحديث الخافت والضحكات المتناثرة حولهما. تبادل فريد ونغم نظرة سريعة، نظرة فهمٍ صامت اعتاداها، فقالت :

ـ الأكل واضح إنه نضيف جدا..


نظر إليها بصمتٍ مشوبٍ بشيء من الشك، ثم قال مترددًا:

- بصراحة مش قادر أثق في الكلام ده، بس ماشي، هجرب لأول مرة.


تنفست بهدوء وقالت بنبرة أقرب للاستسلام:

- لو مش حابب، خلاص، متجبرش نفسك.


هز رأسه سريعًا، واعترض بابتسامة خفيفة:

- لا أبدًا... وبعدين طالما إنتِ هتاكلي منه، يبقى لازم أنا كمان آكل.


ثم أضاف وهو ينظر إليها بنظرة ذات مغزى:

- أهم حاجة المشاركة.


وغمز لها غمزةً ماكرة، وهو يلتقط قطعة شيبس بين أصابعه، وقال بخفة ظل:

- ولا نسيتي؟


انفجرت ضاحكة على نحوٍ مفاجئ، بعدما قفز إلى ذاكرتها ما قاله لها صباحًا، وكيف برّر مداهمته للحمّام وهي بداخله بجملة واحدة واثقة: « الحب دائمًا يقوم على المشاركة الفعالة »



هزّت رأسها وهي تضحك، وقالت بنظرة مشاكسة تشبهه:

- المشاركة دي هتودينا في داهية ..


ابتسم وهو يقضم قطعة الشيبس وكأنه حقق انتصارًا صغيرًا، ثم قال بجدية مصطنعة:

- مش مهم داهية وإحنا سوا... أهون بكتير.


وتلاقت ضحكاتهما، بينما بدا المشهد بسيطًا في ظاهره، دافئًا في جوهره، مليئًا بتلك التفاصيل الصغيرة التي لا تُصنع إلا بين قلبين اختارا أن يشاركا كل شيء...

وكأن العالم كله قد انكمش ليصبح في هذه المساحة الصغيرة التي تجمعهما.



༺═────────────────═༻


جلست نسيم وحدها، كأنها تجلس على حافة زمنٍ لم يكتمل. في حجرها استقرّ ألبومٌ قديم، غلافه باهت من كثرة ما مرّت عليه أصابعها، وكأنه الشاهد الأخير على حياةٍ كانت لها يومًا ثم سُلبت منها دون إنذار.


فتحت الصفحة الأولى ببطء، وكأنها تخشى أن تفزع الطفلة التي بداخل الصور. هناك كانت... رضيعة ملفوفة داخل ملابس بيضاء، ملامحها غضة، وعيناها مغمضتان في سلام لم تعرفه طويلًا.. كانت أمها تحملها وتنظر إلى الكاميرا مبتسمةً في هدوء ..


انفرجت شفتا نسيم عن ابتسامة مماثلة لكنها واهنة، ابتسامة لم تكتمل، وتعلّق بصرها بالصورة كمن يتشبث بحلمٍ على وشك التلاشي.


قلبت الصفحة... ثم التي تليها. ضحكاتها، فساتينها الصغيرة، ضفيرتان غير متساويتين، يدٌ صغيرة متشبثة بيد أمها. عند تلك الصور تحديدًا، خانتها أنفاسها. شعرت بوخزٍ حاد في صدرها، ذاك الوجع القديم الذي لم يُشفَ لأنه لم يُعاش في حينه. حدادٌ مؤجّل، ظلّ ينمو بصمت داخلها، حتى صار جزءًا من تكوينها.


مرّت أصابعها المرتجفة على وجوه الصور واحدةً تلو الأخرى؛

أمّها بابتسامتها الحانية التي تشبه حضنًا دافئًا،

أبوها بملامحه الصارمة التي لا تخلو من وقارٍ مهيب،

ثم توقّفت عند صورة أخيها فريد... كان لم يتجاوز العامين بعد.


ابتسمت تلقائيًا وهي تحدّق في ملامحه الطفولية، ثم ما لبثت ابتسامتها أن اتّسعت، واتّسعت أكثر، حتى انفلتت منها ضحكات متتالية صافية، كأنها خرجت من زمنٍ لم يمسّه الحزن بعد.


كان فريد يقف في منتصف الحديقة، يحمل بين يديه الصغيرتين قطةً مسكينة يكاد يخنقها بحماسة بريئة، فيما تعلو شفتيه ابتسامة عريضة، وينظر إلى الكاميرا بزهوٍ مضحك، كأنه يتسلّم نيشان بطولة.


حينها التقطت هاتفها بسرعةٍ غريزية، وصوّرت الصورة، ثم أرسلتها إليه فورًا، مدفوعةً برغبةٍ خفيّة في أن ترى ردّ فعله، قبل أن تعود لتغوص من جديد في ألبومها العتيق.


كانت طفلةً جميلة... صغيرة، مشاغبة، ومدلّلة إلى حدٍّ يفيض حبًا.

طفلة لم تكن تعرف آنذاك أن الضحك قد ينفد يومًا.


توقّفت عند صورةٍ بعينها؛

فريد يحملها على ظهره، لم يكن قد تجاوز الثامنة بعد، بينما كانت هي تتشبّث بعنقه بثقةٍ مطلقة، تضحك بملء روحها، وتوجّه ضحكتها إلى والدتهما التي تقف خلف الكاميرا.

كانت أمّهما تحرص دومًا على توثيق تلك اللحظات الدافئة، وكأنها كانت تعلم...

أن الوقت معها قصير،

وأن عليها أن تترك لهما ما يكفي من الذكريات ليعيشا بها بعدها.



وكأنها كانت تصنع لهما حضورها في صور،

لتظلّ معهما حتى بعد الرحيل.


انسابت دموع نسيم في قهرٍ موجع،

تتوقّف عند كل تفصيلة،

كل ضحكة،

كل نظرة،

وكأنها تحاول أن تحفظها من جديد...


كانت تلك الثماني سنوات هي كل ما تملكه من الفرح الخالص، قبل أن ينهدم العالم فوق رأسها فجأة، وقبل أن تتوقف الكاميرا عن توثيق حياتها، وكأن الفرح نفسه أعلن استقالته من حياتها .


حين وصلت إلى آخر صورة... توقفت طويلًا. فراغٌ بعده. صفحات بيضاء لا تحمل سوى الصمت. بعد تلك النقطة، ماتت أمها، وانهارت طفولتها، وتوقفت الذكريات الجميلة عن التكوّن. لا صور، لا ابتسامات محفوظة، فقط سنوات ثقيلة من الفقد والظلم والبؤس، عاشت فيها أكبر من عمرها بكثير.


أغلقت الألبوم برفق، وضمتّه إلى صدرها، كأنها تضم الطفلة التي لم تجد من يحتضنها آنذاك. أغمضت عينيها، وزفرت زفرة طويلة، ثم همست في داخلها، بنبرةٍ أقرب إلى العهد: لن يتوقف الألبوم هنا... لن تسمح بذلك.


وفي لحظة هادئة، وُلد قرارها. يومًا ما، ستفتح هذا الألبوم من جديد، وستضيف إليه صورًا أخرى... صورها وهي أم، وصور أطفالها وهم يضحكون بطمأنينة لم تُمنح لها، ذكريات جديدة لا يقطعها فراق ولا يلوثها حرمان.


ابتسمت ابتسامة خافتة، لكنها صادقة هذه المرة.

فربما لم تستطع إنقاذ طفولتها...

لكنها ستصنع طفولةً أخرى، تكمل بها ما انكسر، وتعيد للصور معناها.


༺═────────────────═༻


بعد ساعتين ونصف تقريبًا، بدأت الطائرة في الهبوط فوق أثينا، ومع أول انحناءة لها نحو الأرض، شعرت نغم بأن قلبها يسبقها نزولًا. التصقت بفريد دون وعي، وارتسمت على شفتيها ابتسامة متحمسة وهي تراقب المدينة تتكشف من النافذة؛ مبانٍ بيضاء، طرقات متشابكة، وضوء مختلف يلمع كأنه يرحّب بها من جديد، لكن هذه المرة بروحٍ أخرى.


ما إن لامست العجلات أرض المطار حتى تنفست بعمق، إحساس مألوف عاد إليها، لكنّه كان أكثر دفئًا، أكثر امتلاءً.


غادرا الطائرة، وسارت إلى جواره بخطوات خفيفة، يدها في يده، ونبضها يتسارع مع كل خطوة .


في الخارج، أوقف فريد سيارة أجرة، استقرا في المقعد الخلفي سويًا وما إن جلست إلى جواره حتى عادت طفلةً متحمسة، قبضت على يده بكلتا يديها، تنظر من النافذة بعينين تلمعان فضولًا وحنينًا.


كانت الشوارع تمرّ مسرعة، والهواء يحمل رائحة البحر، وكل شيء حولها يوقظ ذكرياتٍ قديمة ويعدها بأخرى جديدة. قلبها كان يخفق بعنف، ليس خوفًا، بل شغفًا... شغف العودة، وشغف البداية معًا.


نظرت إليه وعلى شفتيها ابتسامة متألقة وهي تقول :

ـ الجو برد بس تحفة !


أومأ مؤكدًا وقال :

ـ أحلى وقت تيجي فيه أثينا في فصل الشتا على فكرة ..


هزت رأسها مؤيدةً وقالت وهي تفرك يديها ببعضهما بحماس :

ـ متحمسة جدا .. من دلوقتي بقوللك خلينا هنا بلاش نرجع .


ضحك بهدوء ثم قال وهو يلتقط يديها يضمها بين يديه:

ـ هنقعد أسبوع إن شاء الله ونرجع ..


نظرت إليه وقد تجعّد جبينها بضيقٍ واضح، فما كان منه إلا أن بادرها قائلًا بنبرةٍ هادئة يغلّفها شيء من الحسم:

ـ مضطرّين... حسن بيجهّز لاحتفالية المزرعة اللي اتأجّلت أكتر من مرة، ومش هينفع تتأجّل تاني. ده غير إني لازم أرتّب لاحتفالية مرور سنة على افتتاح الدار.


ما إن أنهى عبارته حتى تغيّر نظرها فجأة، كأن كلماته أيقظت ذكرى كانت نائمة في زاويةٍ بعيدة من الذاكرة. لاحظ هو شرودها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة حنونة؛ يعرفها جيدًا ويعرف إلى أين ذهبت. مال نحوها قليلًا، وهمس بنبرةٍ ماكرة أربكتها:

ـ أو بمعنى أدق... احتفالية مرور سنة على أول بوسة!


حدجته بنظراتٍ متحفّزة ومنزعجة، فما كان منه إلا أن انفجر ضاحكًا، ضحكٌ صادقٌ هزّ كيانه حتى أدمعت عيناه. أما هي، فقد غابت للحظة في تفاصيل ذلك اليوم، ثم قالت بنبرةٍ يائسة سرعان ما انقلبت إلى ضحكٍ هستيري:

ـ يومها عمر خبطني بالعربية كمان!


زاد ضحكه وهو يراها عاجزة عن السيطرة على نوبة الضحك التي اجتاحتها، لتتابع بين شهقاتها:

ـ وبعدها مثّلت إني فاقدة الذاكرة!


عاد هو الآخر بذاكرته إلى أحداث ذلك اليوم في المشفى؛ ذكريات كانت قاسية في وقتها، لكنها الآن تتخفّف من حدّتها أمام ضحكاتها التي لا تتوقف. ظلّت تضحك حتى فاضت عيناها بالدموع، لدرجةٍ دفعت سائق التاكسي لأن يرمقهما بنظراتٍ متعجبة عبر المرآة.


حينها أحاطها فريد بذراعه، ضامًّا إياها إليه بحنوٍّ واضح، وقال مبتسمًا بنبرةٍ دافئة تختلط فيها المزاح بالعشق:

ـ كان عندي حق لما قلت إنك أجنّ وألذّ حب.


بعد قليل.. توقفت السيارة أمام البيت، شعرت نغم بقشعريرة دافئة تسري في جسدها. هذا المكان... هنا تُركت أجمل الذكريات، وهنا أرادت أن تعود، لا كذكرى، بل كحياة. دخلت بخطواتٍ مترددة من فرط السعادة، إحساس عميق بالانتماء اجتاحها، كأن الجدران تعرفها وتبتسم لعودتها.


ما إن وُضعت الحقائب عند الباب حتى لم يمهلها فريد لحظة؛ أسرع يحملها بين ذراعيه، ضاحكًا، وقبل أن تعترض أو تلتقط أنفاسها قال بلهجة يونانية دافئة، مليئة بالمرح:

- مرحبًا بكِ، جميلتي.


ضحكت نغم، تعلّقت بعنقه بذراعيها بخفّة فراشة وجدت أخيرًا غصنها الآمن، فيما مال هو نحوها واختلس من شفتيها قبلةً خاطفة، تمتم بعدها بصوتٍ يحمل شوقًا مكتومًا:

- أخيرًا... ده أنا ماسك نفسي بالعافية طول الساعتين اللي فاتوا.


انفلتت من شفتيها ضحكة هادئة، دافئة، ثم قالت برفق: - ممكن تنزلني؟ نفسي ألفّ في البيت شوية... وحشني قوي.




تعلّقت عيناه بشفتيها، وفي نظرتهما تلميح لا يُقال، قبل أن يهتف ببراءة مصطنعة:

- يعني البيت وحشك... وصاحب البيت لأ؟


ارتفع حاجباها في ملامح تجمع بين التهكم والدلال، كأنها تلمّح له بأنه حصل على أكثر مما ينبغي، لكنها آثرت الصمت. اقتربت برأسها منه أكثر، شاركته عبثه وجنونه، وهمست بنبرة مغوية دافئة، تسكنها ابتسامة خفيّة:

- البيت وصاحب البيت في قلبي من جوة .


أخذ يطالعها بنظراتٍ تعرف جيدًا كيف تعبر المسافة إلى قلبها دون استئذان، نظرات تحمل وعدًا صامتًا وتلمّح لخطواتٍ تحفظ طريقها إلى غرفةٍ ستجمعهما، حيث تُنسَج ليالٍ دافئة على مهل. تقدّم بها نحو باب الغرفة، ودلف وهو لا يزال يحملها بين ذراعيه، ثم توقّف فجأة.


جال ببصره في المكان سريعًا، وقد استعادت ملامحه مسحتها الجادّة، وقال بنبرة جادة متفكرة :

- هممم... واضح إننا قبل أي حاجة محتاجين نعمل ريفرش للبيت كله.


نظرت حولها، ثم أومأت برأسها موافقة؛ فهذا ما كانت تفكر فيه فعلا، ورغم أن المنزل بدا نظيفًا ومرتبًا إلى حدٍّ يبعث على الراحة، إلا أنها شعرت أنه يحتاج إلى أنفاسٍ جديدة، إلى لمسة حياة تُعيد إليه الدفء وتجعله جاهزًا لاحتضان أغلى وأحلى الأوقات .


نظرت إليه أخيرًا وقالت بنبرةٍ تحاول أن تبدو حازمة:

- طيب... نزلني يلا.


تمهّل، ومال قليلًا برأسه وهو يغوص بعينيه في عينيها: - ها؟...


- نزلني بقولك.


رفع حاجبيه بتعجبٍ مصطنع :

- أنزّلك؟!


أومأت برأسها ببطء، ونظرتها لا تفارقه، فاقترب منها أكثر وكأنه يختبر صبرها، ثم تساءل بصوتٍ خافت يحمل ذبذباتٍ أربكتها:

- لازم يعني ؟


ضحكت ضحكةً صافية، مفعمة بالحياة، وقالت وهي تحاول أن تستعيد توازنها من جديد:

- إنت مش قلت هننضّف البيت الأول؟!


أومأ دون أن يبعد عينيه عنها، بتلك النظرة المتيمة المتطلبة التي تعرفها جيدًا، فأكملت وهي تشير إلى ذراعيه:

- أكيد مش هننضّف البيت وإنت شايلني كده!


هز كتفيه بلا اكتراث، وارتسمت ابتسامة واثقة على شفتيه:

- عادي على فكرة... أنا بعرف أعمل أكتر من حاجة في نفس الوقت.. متقلقيش معاكي راجل متعدد المهام .


رفعت حاجبها تناظره بنظرةٍ ناطقة بكل ما عجزت الكلمات عن قوله، خليط من التحذير والعبث، ثم قالت بحدّةٍ لذيذة تخفي خلفها ابتسامة:

- نزلني يا فريد...


على مضضٍ، أنزلها فريد من بين ذراعيه، فاستقرت قدماها أرضًا أمامه. لم تبتعد، بل تقدّمت خطوة وعانقته، وأسندت رأسها إلى صدره، تستنشق رائحته بعمق كأنها تستمد منها طمأنينتها، وتغلق بها كل منافذ القلق.

طبع قبلة هادئة فوق رأسها، ثم شدّها إليه بقوةٍ دافئة وقال بنبرةٍ صادقة:

- يلا الأول... خلّينا ننجز بدل ما اليوم يضيع عالفاضي، محضر لك مفاجأة بالليل هتعجبك جدا ..




أومأت موافقة بحماس شديد، وانفلتت من حضنه ببطء، تتلفت حولها بعينين تبحثان عن البداية. تبادلا نظرةً قصيرة اتفقا فيها دون كلمات، ثم توجها لتبديل ملابسهما إلى أخرى أكثر راحة، كأنهما يتهيآن لمهمة صعبة.


عادا بعدها ليشرعا معًا في الترتيب؛ بدّلا المفارش، ومرّرا أجهزة البخار السريعة على أركان الغرفة لكي تُعيد إليها نقاءها، فكان العمل بينهما أقرب إلى رقصةٍ صامتة، كلٌ يعرف خطوته دون توجيه.

وفي غضون ساعةٍ واحدة، كان كل شيء قد استعاد بريقه... وأصبح الآن جاهزًا لاحتضان ذكريات جديدة، فريدة من نوعها .


༺═────────────────═༻


وقف كلا من حسن وعمر إلى جوار بعضهما البعض في صمت، حيث كانت المزرعة تمتدّ على مدّ البصر، أرضٌ واسعة تتعانق فيها الخضرة مع رمالٍ ممهّدة، تفصل بينها مسارات مستقيمة صُمّمت بعناية. صفوف الإسطبلات مصطفّة بنظام، أبوابها الخشبية مفتوحة، ومن داخلها يخرج صهيلٌ متقطّع، حادّ أحيانًا، ووديع أحيانًا أخرى، كأن الخيول تتبادل حديثًا لا يفهمه إلا من اعتاد العيش بينها.


أخذ حسن يتأمّل المكان بعينٍ تعرف التفاصيل وتحسبها، ثم تنفّس بعمق. هواء المزرعة مختلف؛ لكنه مريح على نحوٍ غريب، يُشعرك بأنك عدت إلى أصلٍ قديم.


أما عمر، فكان واقفًا، يدسّ يديه في جيبي سترته وينظر حوله بدهشةٍ لم يحاول إخفاءها. لم يكن المكان غريبًا عليه، لكنه لم يره يومًا بهذا الاكتمال.


مرّ عاملان بدفع عربة محمّلة بالتبن، حيّياهما بإيماءة سريعة، ثم تابع كلٌ منهما عمله دون فضول. في الجانب الآخر، كان طبيب بيطري ينحني على قدم أحد الخيول، يفحصها بعناية بينما يربّت الحصان برأسه في توتّر خفيف.


تحرّك حسن إلى الداخل، فلحق به عمر في صمت، سارا بمحاذاة الإسطبلات، والخشب يئنّ تحت قبضات الخيول، وأصوات الحوافر تضرب الأرض في إيقاعٍ ثابت.


توقّف حسن أمام حصانٍ أسود لامع، عيناه واسعتان، وجبهته عالية. مدّ يده وربّت على عنقه بحركةٍ خبيرة، فهدأ الحصان على الفور، فقال مبتسمًا دون أن يلتفت:

- ده "نَبيل"... أنا مراهن عليه إنه هيكون واحد من أحسن الخيول عندنا.. مزاجه صعب ومش بيتعود على حد بسهولة .


اقترب عمر بحذر، نظر إلى الحصان ثم إلى حسن، وكأنه يقيس المسافة بينهما، قبل أن يمدّ يده هو الآخر ويلامس عنقه بخفّة.. ثم ابتسم ابتسامة جانبية وقال:

- شكله عنيد... شبه حد أعرفه.


التفت حسن إليه أخيرًا، وعيناه تلمعان بشيءٍ من الدعابة:

- واضح إنك لسه ما شوفتش العنيد بجد.


وأشار بيده إلى فرسةٍ بيضاء، يلفت النظر صفاء لونها قبل أي شيء، وعيناها بلونٍ نادر يمنحها حضورًا خاصًا. اقترب منها حسن على مهل، ومدّ يده يمرّرها على عنقها في هدوء، لكنها قابلته بإباءٍ واضح؛ حرّكت عنقها في ضيق، وهزّت رأسها كأنها ترفض القرب.


ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتي حسن وهو يقول بنبرةٍ خافتة:

- دي بقا أكتر فرس عنيدة هنا بس أقربهم لقلبي...


نظر إليه عمر باستغرابٍ صادق، وسأله بعفوية:

- اسمها إيه الحلوة دي؟


لكن حسن لم يلتفت إليه، ظلّ يحدّق في الفرس وهي تقف شامخة الرأس، تهزّ ذيلها في خيلاءٍ أنيق، فابتسم ابتسامة أعمق وقال:

- مش مهم تعرف اسمها.


عقد عمر حاجبيه بدهشة، وقال بنبرةٍ مازحة:

- ليه؟ هو سر؟! ولا هي اللي قالتلك مش عايزة حد يعرف اسمي ؟


التفت إليه حسن أخيرًا، ونظرة التهكّم تسبق كلماته، فكرمش ملامحه وقال:

- أيوة... بالظبط، هي قالتلي كده.


ثم لوّح بيده وهو يتحرّك مبتعدًا، وأضاف بخفّة:

- خفّ لماضة شوية وتعالى خلينا نشرب كوبايتين شاي مع العمال قبل ما نمشي.


وتحرّك، تاركًا عمر ينظر إلى الفرس مرة أخيرة، وكأن في الأمر أكثر مما يُقال.


وبعد أن انتهيا من اجتماعهما السريع مع العمال استقلا السيارة عائدين إلى الڤيلا مع حلول المساء ..


دلف حسن وعمر معًا إلى الڤيلا، وما إن وقعت أعينهما على سيارتين غريبتين تقفان في الخارج حتى تبادلا نظرة سريعة، امتزج فيها التعجب بالفضول؛ فوجود سيارات لا يعرفانها لم يكن ليعني سوى شيء واحد: ضيوف غير متوقَّعين.


تسارعت خطاهما نحو الداخل، وكأن حدسًا خفيًا كان يدفعهما للاستعجال. وما إن ولجا الصالون حتى توقّف عمر فجأة، كأن الأرض سُحبت من تحت قدميه. تجمّد في مكانه، واتسعت عيناه على آخر شخص كان يتوقّع أن يراه يومًا داخل بيته.


هناك، في قلب الصالون، كان والده يجلس إلى جوار نادر، وفي المقابل تجلس نادية تهز قدمها باضطراب، وبينهم ضيفة يبغضها عمر بشدة ..


غير أن ما زاد المشهد قسوةً ووقعًا، أن تلك المرأة لم تأتِ وحدها؛ بل جاءت ومعها طفل..

طفلٌ يفترض أنه ابنه... !!!


شعر عمر وكأن الكارثة تتشكّل أمام عينيه، تتخذ ملامحها ببطءٍ مؤلم. خرج صوته متحشرجًا، مثقلًا بالذهول وعدم التصديق، وهو يهتف بنبرة يتخللها الضياع :

- لاتويا؟!!


༺═────────────────═༻


#يتبع

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا 

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع
    close